رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.


مقالات ذات صلة

عوائد السندات الأميركية لـ30 عاماً تقفز إلى 5.29 %... الأعلى منذ 2007

الاقتصاد محلل يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

عوائد السندات الأميركية لـ30 عاماً تقفز إلى 5.29 %... الأعلى منذ 2007

قفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.29 في المائة، مسجلة أعلى مستوياتها منذ عام 2007.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد خلف أرقام الإنفاق الرأسمالي المعلنة توجد التزامات مالية ضخمة لا تظهر في الميزانيات العمومية (رويترز)

3 تريليونات دولار... فاتورة الذكاء الاصطناعي الخفية

كل ثلاثة أشهر، تكشف شركات التكنولوجيا الكبرى (بيغ تيك) عن مليارات الدولارات التي تنفقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «غولدمان ساكس» (رويترز)

«غولدمان ساكس» يقلل رهانات رفع الفائدة الأميركية مع تباطؤ التضخم

لا تزال رهانات الأسواق على رفع «الاحتياطي الفيدرالي» الفائدة أكثر تشدداً مما تبرره البيانات، في ظل تراجع التضخم بأميركا، وفق «غولدمان ساكس».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أمام سماء زرقاء في واشنطن (رويترز)

«الفيدرالي» المنقسم... محضر يوليو يكشف حسابات سبتمبر

تتجه الأنظار خلال الأسبوع الذي يبدأ في 17 أغسطس إلى مجموعة من البيانات والقرارات الاقتصادية التي قد ترسم ملامح السياسة النقدية وحركة الأسواق.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز) p-circle

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نشر تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة «نيوزماكس»، في إشارة سياسية واضحة إلى تبنيه التهديد الذي أطلقه الوزير.

هبة القدسي (واشنطن)

عوائد السندات الأميركية لـ30 عاماً تقفز إلى 5.29 %... الأعلى منذ 2007

محلل يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
محلل يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية لـ30 عاماً تقفز إلى 5.29 %... الأعلى منذ 2007

محلل يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
محلل يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

قفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.29 في المائة، مسجلة أعلى مستوياتها منذ عام 2007، في تطور يعكس تصاعد تكاليف الاقتراض طويل الأجل في الولايات المتحدة والمخاوف المتزايدة من استمرار الضغوط التضخمية.

ويرى أصحاب الاختصاص في الأسواق المالية أن الارتفاع الراهن في العوائد يشكل مؤشراً مباشراً على ارتفاع تكلفة التمويل والاستثمار طويل الأجل، بما في ذلك القروض العقارية، وذلك وسط جدل متزايد في الأسواق حول الاتجاه المستقبلي لسياسة الاحتياطي الفيدرالي.

ويمكن تلخيص أبرز دلالات الصعود بالآتي:

* تكاليف تمويل مرتفعة: تعكس العوائد القياسية زيادة الضغوط على أسواق الدين، مما ينعكس مباشرة على كلفة تمويل القطاعين الخاص والعام.

* توقعات بتشديد نقدي أكبر: تقرأ الأسواق الارتفاع المتواصل في العوائد باعتباره تراجعاً في احتمالات لجوء الفيدرالي إلى تثبيت أسعار الفائدة في المدى القريب.

* مخاوف التضخم: استمرار العوائد عند هذه المستويات المرتفعة يعكس شكوك المتعاملين في الهبوط السريع لمعدلات التضخم نحو المستويات المستهدفة.

وتتجه أنظار المستثمرين إلى الاجتماع المرتقب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في 16 سبتمبر (أيلول)، ترقباً لما سيسفر عنه اجتماع السياسة النقدية وإشارات رئيس المجلس وأعضائه بشأن مسار أسعار الفائدة.

وترجح تقييمات الأسواق أن تباطؤ التضخم أو ارتفاع أرقام البطالة قد يدعمان اتجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى التوقف المؤقت عن رفع الفائدة، في حين أن استمرار البيانات التضخمية المرتفعة يدعم مواصلة دورة التشديد النقدي.


السعودية تضيف خدمة «آي آر إف» لميناء جدة لربطه بموانئ السخنة وسفاجا المصرية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

السعودية تضيف خدمة «آي آر إف» لميناء جدة لربطه بموانئ السخنة وسفاجا المصرية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

أعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية (موانئ)، إضافة خدمة الشحن «آي آر إف» التابعة لشركة «بي آي إل» العالمية إلى ميناء جدة الإسلامي؛ وذلك في خطوة تعزّز قدرات الميناء وتدعم حركة التجارة بين المملكة والأسواق الإقليمية والدولية.

وتعمل الخدمة على تعزيز ربط ميناء جدة الإسلامي بموانئ السخنة وسفاجا المصرية، بطاقة استيعابية تصل إلى 1261 حاوية قياسية، وذلك ضمن جهود «موانئ» لتعزيز تصنيف المملكة في مؤشرات الأداء العالمية، بما يدعم حركة الصادرات الوطنية، حسبما أفادت «وكالة الأنباء السعودية» (واس)، الاثنين.

ويعكس إضافة الخدمة الجديدة جاذبية الموانئ السعودية للخطوط العالمية، ويعزز موقع ميناء جدة الإسلامي بوصفه منصة محورية للربط البحري وخدمات الشحن على البحر الأحمر، بما يُسهم في توسيع مسارات التجارة ودعم نمو الحركة الملاحية في المنطقة.


«نيكسجين» تسعى إلى مليار دولار لتمويل مشروع يورانيوم كندي

منجم «نيكسجين روك» لليورانيوم في حوض أثاباسكا بكندا (رويترز)
منجم «نيكسجين روك» لليورانيوم في حوض أثاباسكا بكندا (رويترز)
TT

«نيكسجين» تسعى إلى مليار دولار لتمويل مشروع يورانيوم كندي

منجم «نيكسجين روك» لليورانيوم في حوض أثاباسكا بكندا (رويترز)
منجم «نيكسجين روك» لليورانيوم في حوض أثاباسكا بكندا (رويترز)

تجري شركة التعدين الكندية «نيكسجين إنرجي» محادثات منتظمة مع مجموعة «بي إتش بي» بشأن مشروعها لإنتاج اليورانيوم «روك آي» في مقاطعة ساسكاتشوان، بالتزامن مع سعيها لجمع مليار دولار لتمويل المشروع خلال الأشهر التسعة المقبلة، وفق ما أفاد به الرئيس التنفيذي للشركة، لي كوريير، لـ«رويترز».

وقال كوريير إن «نيكسجين» تتبادل المعلومات الفنية مع «بي إتش بي» بصورة منتظمة، رداً على سؤال بشأن احتمال دخول المجموعة الأسترالية شريكاً في المشروع، مشيراً إلى أن «بي إتش بي» اشترت قطعة أرض كبيرة بالقرب من المشروع في حوض أثاباسكا.

وتدرس «نيكسجين» عدة خيارات لتوفير التمويل، تشمل اتفاقات دفع مسبق مع شركات المرافق، والاقتراض، وإدخال شريك مباشر بحصة في المشروع.

وكان فريق تطوير الأعمال في «بي إتش بي» قد درس العام الماضي إمكانية الاستحواذ على «نيكسجين»، وفق مصدرين مطلعين تحدثا إلى «رويترز». كما قال مستثمر إن الرئيس التنفيذي الجديد لـ«بي إتش بي»، براندون كريغ، يعتزم إيلاء اليورانيوم اهتماماً أكبر، لكنه أقر بأن حجم الصفقات يمثل تحدياً.

تأتي هذه التحركات في وقت يزداد فيه الطلب على الكهرباء نتيجة التوسع الهائل في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مما يعزز الحاجة إلى مصادر توليد جديدة، بما فيها الطاقة النووية.

وتستهدف «نيكسجين» بدء إنتاج اليورانيوم من مشروع «روك آي» بحلول عام 2030، ليصبح أحد أكبر مناجم اليورانيوم في العالم. ويقع المشروع في حوض أثاباسكا، الذي يضم أكبر احتياطيات اليورانيوم المعروفة عالمياً ومن أعلى الخامات تركيزاً.

وتُنتج «بي إتش بي» حالياً نحو 5 في المائة من الإمدادات العالمية من اليورانيوم، كمنتج ثانوي من عملياتها للنحاس في أستراليا، كما تملك حضوراً متزايداً في ساسكاتشوان، حيث تطور أكبر منجم للبوتاس في العالم.

وارتفعت القيمة السوقية لـ«نيكسجين» إلى نحو 9.68 مليار دولار كندي، أي أكثر من الضعف خلال عام، وهو ما دفع بعض المستثمرين إلى التساؤل عما إذا كان تقييم الشركة أصبح مرتفعاً بالنسبة إلى «بي إتش بي».

وتوقع بنك «كاناكورد» في مذكرة بحثية أن يتضاعف الطلب على اليورانيوم ثلاث مرات بحلول عام 2035 مقارنةً بمستوياته في 2025، في ظل تنامي الحاجة إلى الطاقة النووية.