حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

يُخاض أغلب حروب القرن الحادي والعشرين حتى الآن، بين قوى ليست متعادلة، إن كان في القوى العسكريّة؛ الوسائل كما التنظيم وغيرها. في القرن الحادي والعشرين، تناقصت تكلفة الحرب إلى حدّها الأدنى، وبحيث أصبح اللاعب «اللادولتيّ» (Non State Actor) قادراً على خوضها وبتكلفة بخسة. يقدّر كثير من المصادر تكلفة كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بأنها لا تتجاوز 500 ألف دولار أميركيّ. بينما تجاوزت تكلفة الردّ الأميركي العسكري، ومن ضمن الحرب العالمية على الإرهاب أكثر من 5.8 تريليون دولار. هذا عدا ضرب هيبة الولايات المتحدة وأنها المُهيمن، بالإضافة إلى التداعيات على الأمن القومي الأميركي والاستقرار العالميّ. وعليه، كيف يمكن للأقوى قياس النصر على عدوّ أضعف منه بدرجات، ولا يريد الاعتراف بالهزيمة؟ وكيف يمكن للأقوى أن يقيس نصره على عدو لا يسعى إلى المعركة الفاصلة والحاسمة، لكنه يرسم استراتيجيّته على أساس كسب الوقت، وإطالة أمد الحرب كما استنزاف عدوّه وبالحدّ الأدنى عدم الخسارة؟

في اللاتناسب بشكل عام

يهدف القانون الدولي إلى حماية المدنيين خلال الحروب والأزمات، كما يُحدّد كيفيّة استخدام القوة، وبشكل آخر تجنّب الأضرار الجانبيّة. فهناك اتفاقات جنيف، كما البروتوكولات الإضافيّة، التي تُحدّد في بعض بنودها الشروط التالية خلال الحرب: يجب أن يكون الهدف عسكريّاً، أو يُسهم مباشرةً في الأعمال العسكريّة، مع العمل والتخطيط وتجنّب الضرر ضد المدنيّين. يجب أن يكون الهدف ضرورة عسكريّة، وبشكل آخر أن تكون نتائج استهدافه مباشرة وآنيّة، وليست ضمن مُخطّطٍ طويل الأمد. بكلام آخر، يجب حساب/قياس اللاتناسب قبل التنفيذ وليس بعده. كما يجب ألا يكون هناك تدمير ممنهج للنظام البيئيّ (Ecosystem): ضمناً؛ الطرق، والبنى التحتيّة كما شبكات الخدمات، التي تسمح لهذا النظام البيئي بالعيش (بشر+شجر+حجر+حيوان... إلخ) والتفاعل داخلياً وخارجياً، وذلك من ضمن ديناميكيّة مُنتجة.

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

لم تحترم إسرائيل كل هذه المبادئ خلال حربها في قطاع غزّة. فهي خاضت حرباً استعملت فيها برامج الذكاء الاصطناعيّ، وأهمها: برنامج لافندر وغوسبل (Lavender & Gospel). ففي برنامج لافندر مثلاً، المُخصص لاقتراح الأهداف البشريّة (مسؤولو حركة «حماس») بسرعة فائقة، يُسمح للمنُفذ (بشري) بأخذ القرار بالتنفيذ حتى لو كانت هناك أضرار جانبيّة بشريّة (بمعدّل 20 شخصاً) في حال القيادي من الصف الثاني، أما في حال كان القياديّ من الصف الأوّل فيُسمح بأضرار بشريّة جانبيّة قد تصل إلى 100 شخص مدني. حصل هذا الأمر في بداية الحرب في مخيّم جباليا عندما استعمل سلاح الجوّ الإسرائيليّ قنبلة بوزن 2000 باوند، وكانت النتيجة نحو 400 ضحيّة.

السياسة vs الحرب

تعرف إسرائيل في قرارة نفسها، أنه لا يمكن لها ترجمة أيّ إنجاز عسكريّ إلى نصر سياسيّ. وبذلك، تعتمد مبدأ الحرب المُستدامة (Perpetual War) باعتماد عديد من العقائد العسكريّة (Doctrine). من أهم هذه العقائد، مبدأ «الحرب بين الحروب» و «جزّ العشب». بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، غيّرت إسرائيل كل العقائد القديمة لتعتمد عقيدة الهجوم أفضل وسيلة دفاع، كما الاستباق لضرب الخطر قبل تراكمه. وإذا كانت لا تستطيع إكراه العدو على قبول الحل السياسيّ، فإنها تذهب إلى اعتماد مبدأ «الردع العقابيّ-النكبويّ». وهذا فعلاً ما حصل في غزّة، وما يحصل اليوم في لبنان. يأخذنا هذا الوضع إلى مبدأ اللاتناسب كما ورد أعلاه. فماذا عنه؟

ينطبق مبدأ اللاتناسب على كل من «حزب الله» كما على الردّ الإسرائيلي العسكريّ على الحزب. يريد «حزب الله» تحرير الأرض، ودحر الجيش الإسرائيليّ، لكن بوسائل متواضعة جدّاً حتى ولو سُمّيت حربه الحرب اللاتماثليّة. وحتى ولو غيّر طريقة قتاله بالانتقال من جيش هجين خلال حرب الإسناد، إلى حرب العصابات ضمن مبدأ «الموزاييك». أي القتال بمجموعات صغيرة، من دون قيادة مركزيّة، كما تجنّب الالتحام المباشر إلا عند الضرورة التكتيكيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» لإحدى مسيّراته تهاجم دبابة وجنوداً إسرائيليين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أدخل «حزب الله» مؤخراً المسيّرة «من منظور الشخص الأوّل (FPV)» التي تعمل بالألياف الضوئيّة، الأمر الذي يعطيها ميزة نوعيّة في عدم القدرة على التشويش عليها. غيّرت هذه المسيّرة خصائص الحرب في أوكرانيا، خصوصاً خلال حرب إقليم «كورسك» الذي احتلّته أوكرانيا. ألغت هذه المسيّرة خطوط التماس، وبدل حشد القوى على هذه الخطوط أصبحت هذه الخطوط خالية من العديد والعتاد. حرمت هذه المسيّرة الدبابة المرعبة، التي تعد قوّة الصدم، من أن تلعب دورها الأساسيّ. جعلت هذه المُسيّرة مسرح الحرب شفّافاً (Transparent) إلى الحدّ الأقصى، بحيث لا يمكن التمويه والاحتماء داخل ساحة القتال كما كان الوضع من قبل. تُقلق هذه المفاجأة التكتيكيّة الجيش الإسرائيليّ جداً. فهي ستضرب عقيدته القتالية في العمق، كما ستضرب كيفيّة قتاله على الساحة اللبنانيّة خصوصاً في المنطقة الصفراء. لا سيما أن التكتيك، وحسب المفكّر البروسي، كارل فون كلوزفيتز، هو «نظريّة استخدام القوّة العسكريّة في حقل المعركة». وعليه، وجب على الجيش الإسرائيليّ التأقلم وبسرعة. لكن كيف؟

يعد الانتشار (Dispersion) أحد التكتيكات. تُضاف إليه المقاربات التالية: استعمال الرادارات في الخط الأمامي لرصد المسيّرة، كون الرصد يعد أهمّ مرحلة من مراحل التصدّي. واستعمال ما تُسمّى في أوكرانيا «خريطة السماء (Sky Map)» التي ترتكز على زرع وسائل سمعيّة (Acoustic) على طول الجبهة وفي العمق. مهمّة هذه الوسائل الرصد السمعيّ-الصوتيّ للمسيّرة، ونقل الداتا إلى مركز التحليل، الذي بدوره يُحدّد مكان المسيّرة؛ اتجاهها، كما هدفها، ليعطي الأمر إلى مشغّلي المسيّرات المُضادة بالتدخّل. يمكن أيضاً، استغلال العمق الجغرافي لمدى المُسيّرة، عبر التدخّل في العمق، كما استهداف مُشغّلي المسيَّرات. يمكن أيضاً استعمال المسيّرات المُضادة للمسيّرات، التي تحمل الشباك، لتلقيها على المسيّرة المُهاجمة وتسقطها. وأخيراً وليس آخِراً، يمكن استعمال بندقيّة النار (Shot Gun) التي تُطلق ذخائر متشظية. لكن استعمال هذه الوسائل يتطّلب الوقت، كما اعتماد «مبدأ التجربة والخطأ»، (Trial & Error)، للوصول إلى أفضل منظومة دفاعيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهر عنصراً منه يجهز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يتبجّح «حزب الله» في هذا الإنجاز، الذي لا يتناسب بالطبع مع الخسائر التي مُني بها، إن كان في قوّاته أو بيئته الحاضنة. فعلى سبيل المثال، ذهب «حزب الله» إلى حرب يوليو (تموز) 2006 متفرّداً في قراره. فكانت الخسائر على لبنان الدولة تُقدّر بما بين 3 و4 مليارات دولار. في حرب الإسناد الأخيرة، خصوصاً بعد العودة إلى الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، تُقدّر خسائر لبنان الدولة بما بين 7 و10 مليارات دولار. هذا مع التذكير بأن الدخل القوميّ الوطني في لبنان لا يتجاوز 35 مليار دولار. أي إن الخسائر الأخيرة تُشكّل نسبة 22 في المائة من الدخل القوميّ. لكن الفارق بين حرب 2006 وحرب اليوم، أنه في ذلك الوقت، ساعد كثير من الدول العربيّة وعلى رأسها المملكة العربيّة السعوديّة على إعادة الإعمار، كما ساعدت إيران وكيلها مباشرةً. لكن حرب اليوم مختلفة خصوصاً أن إيران تستهدف عسكرياً دول الجوار. كما تعاني من خسائر داخليّة (مباشرة) بسبب الحرب مع إسرائيل وأميركا، تُقدّر حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» بـ275 مليار دولار.

كذلك الأمر، تحتّل إسرائيل مباشرةً داخل لبنان المنطقة الصفراء. لكنها تخلق منطقة عازلة انطلاقاً من المنطقة الصفراء حتى الليطاني عبر اعتماد مبدأ «منطقة عازلة بالنار»، (Buffer by Fire). وهي تعمد إلى تدمير البيئة الحضريّة المؤيّدة للحزب. فعلى سبيل المثال، تُقدّر نسبة التدمير للقرى في المنطقة الصفراء بـ90 في المائة. ومن المنطقة الصفراء إلى نهر الليطانيّ، تُقدّر نسبة تدمير البلدات والقرى بأكثر من 60 في المائة. أدّى هذا التدمير الممنهج إلى تهجير أغلب بيئة «حزب الله» إلى الداخل اللبنانيّ. يُقدّر عدد النازحين بأكثر من مليون نسمة. فكيف ستتم إعادة الاعمار؟ ومن سيتكفّل بالثمن؟ وكيف تتطابق فكرة اللاتناسب؟

في الختام، كيف يُمكن قياس النصر لحرب لا تماثلية ولا تناسبيّة في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لـ«حزب الله» ربط نفسه بما قد تنتجه طاولة إسلام آباد، إن كان سلماً أو حرباً؟ إن غداً لناظره قريب.


مقالات ذات صلة

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

خاص طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

أكدت 3 مصادر فلسطينية التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي فصائل غزة المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول «السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم تصاعد الدخان جرَّاء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ف.ب)

تقرير: النزاعات العالمية بلغت ذروتها في 2025

سجَّل عام 2025 رقماً قياسياً في عدد النزاعات المسلحة بين الدول، هو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في وسط الصورة (أ.ف.ب) p-circle

معاملة نشطاء «أسطول غزة» تستدعي تحقيقاً إيطالياً بحق بن غفير

فتحت السلطات الإيطالية تحقيقاً مع وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بشأن معاملة نشطاء أسطول المساعدات المتجه إلى غزة في منتصف مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص الفلسطيني يوسف سلمان يحمل الحقيبة المدرسية لابنه جاد (8 سنوات) بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين بمدينة غزة الاثنين (رويترز) p-circle

خاص «توافق» بين فصائل غزة على مقترح الوسطاء لـ«حصر السلاح»

أظهرت إفادات من مصادر فلسطينية إحراز «توافق» بين الفصائل المشاركة في لقاءات القاهرة على مقترح وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بشأن «حصر السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)

«حصر السلاح» يتصدّر بنود الوسطاء لفصائل غزة

قالت مصادر من فصائل فلسطينية عدة، يجتمع ممثلوها في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن قضية «حصر السلاح» في غزة باتت في مقدمة بنود المقترح المقدم من الوسطاء بشأن.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مقتل ثلاثة أشخاص في غارة إسرائيلية قرب صور في جنوب لبنان

دخان  يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم الثلاثاء (رويترز)
دخان  يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم الثلاثاء (رويترز)
TT

مقتل ثلاثة أشخاص في غارة إسرائيلية قرب صور في جنوب لبنان

دخان  يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم الثلاثاء (رويترز)
دخان  يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم الثلاثاء (رويترز)

قُتل ثلاثة أشخاص في غارة إسرائيلية قرب مدينة صور في جنوب لبنان، بحسب ما أفادت وزارة الصحة، ليرتفع بذلك عدد القتلى جراء الغارات التي نفذها الجيش الإسرائيلي على المدينة ومحيطها الثلاثاء إلى 11 شخصاً.

وبحسب الوزارة، فقد أسفرت الغارة التي استهدفت البص في قضاء صور، عن «3 شهداء و9 جرحى من بينهم سيدتان».

وأكدت الوزارة في الوقت ذاته حصيلة الغارة السابقة على حي المساكن في المدينة، والتي أدت إلى مقتل ثمانية أشخاص.


3 مسيّرات تستهدف معسكراً للمعارضة الإيرانية الكردية بشمال العراق

دخان يتصاعد بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منشآت نفطية في منطقة زاخو بإقليم كردستان العراق، 16 يوليو 2025 (رويترز)
دخان يتصاعد بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منشآت نفطية في منطقة زاخو بإقليم كردستان العراق، 16 يوليو 2025 (رويترز)
TT

3 مسيّرات تستهدف معسكراً للمعارضة الإيرانية الكردية بشمال العراق

دخان يتصاعد بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منشآت نفطية في منطقة زاخو بإقليم كردستان العراق، 16 يوليو 2025 (رويترز)
دخان يتصاعد بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منشآت نفطية في منطقة زاخو بإقليم كردستان العراق، 16 يوليو 2025 (رويترز)

أفادت مصادر أمنية، الثلاثاء، عن وقوع 3 هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت معسكراً للمعارضة الإيرانية الكردية شمال شرقي أربيل بشمال العراق، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكانت مصادر ​أمنية أبلغت «رويترز»، يوم الاثنين، أن ضربتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ‌معسكرا ‌للمعارضة ​الكردية الإيرانية ‌شرقي ⁠أربيل ​بالعراق وقاعد ⁠للبشمركة دون ورود تقارير عن وقوع إصابات. وأضافت ⁠المصادر ‌أن هجومَين ‌بطائرات ​مسيّرة ‌وقعا يوم الأحد قرب السليمانية بالعراق، استهدف ‌أحدهما قاعدة لقوات البشمركة الكردية والآخر ⁠معسكرا ⁠لجماعات معارضة كردية إيرانية.


عقوبات ضد المستوطنين... واتهامات أممية بـ«دعم رسمي» لهجماتهم في الضفة

قوات إسرائيلية ومستوطنون مسلحون يقفون قبالة احتجاج لفلسطينيين على مصادرة أراضيهم قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ف.ب)
قوات إسرائيلية ومستوطنون مسلحون يقفون قبالة احتجاج لفلسطينيين على مصادرة أراضيهم قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

عقوبات ضد المستوطنين... واتهامات أممية بـ«دعم رسمي» لهجماتهم في الضفة

قوات إسرائيلية ومستوطنون مسلحون يقفون قبالة احتجاج لفلسطينيين على مصادرة أراضيهم قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ف.ب)
قوات إسرائيلية ومستوطنون مسلحون يقفون قبالة احتجاج لفلسطينيين على مصادرة أراضيهم قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا والنرويج، إجراءات عقابية منسقة ‌لمحاسبة ​المستوطنين ‌الإسرائيليين ⁠المتطرفين، ​رداً على ما ⁠وصفوه بـ«تدهور الأوضاع في الضفة الغربية»، اتهمت لجنة تحقيق تابعة ​للأمم المتحدة، الثلاثاء، السلطات الإسرائيلية بـ«الضلوع على نحو مباشر» و«الدعم المالي والعسكري» لمنفذي الهجمات التي أدت إلى مقتل وإصابة وتشريد فلسطينيين في الضفة.

وبعد فرض العقوبات، الثلاثاء، ذكرت مجموعة الدول أنها مستعدة لاتخاذ «‌المزيد من الإجراءات إذا ⁠لم تتخذ الحكومة ⁠الإسرائيلية خطوات عاجلة للتعامل مع الوضع على أرض الواقع». ورفضت إسرائيل، سلسلة العقوبات، وقال متحدث باسم خارجيتها إنها «إجراءات مخزية».

فلسطيني يراقب احتجاجاً ضد مستوطنة بينما تمر قوات إسرائيلية قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وقالت لجنة تحقيق تابعة ​للأمم المتحدة إن «السلطات الإسرائيلية ضالعة على نحو مباشر في هجمات مستوطنين أدت إلى مقتل وإصابة وتشريد فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، في الوقت الذي توفر فيه قوات الأمن الإسرائيلية حماية للمستوطنين».

وخلصت لجنة التحقيق المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة في تقرير إلى أن «السلطات الإسرائيلية مكنت مستوطنين عن طريق الدعم المالي والعسكري من مهاجمة فلسطينيين، في ظل مناخ من الإفلات من العقاب تعززه الهيئات القضائية ووكالات إنفاذ القانون». ووجدت اللجنة أيضاً أن حركة «حماس» ارتكبت ما وصفته اللجنة بـ«جرائم حرب ضد فلسطينيين وإسرائيليين على حد سواء».

وأشارت اللجنة في التقرير إلى أن الهجمات على القرى والأراضي الزراعية الفلسطينية «تصاعدت منذ 2023، وزادت 130 في المائة، وتضمنت وقائع شاركت فيها مجموعات من المهاجمين الملثمين».

ويعيش مئات الألوف من المستوطنين الإسرائيليين بين ملايين الفلسطينيين على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967. ويرى معظم الدول ومحكمة العدل الدولية أن هذه المستوطنات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي.

وخلصت اللجنة في التقرير إلى أن «زيادة مشاركة قوات أمن إسرائيلية في هجمات مستوطنين ⁠تعني انهياراً فعلياً للتمييز بين المستوطنين والجنود» وأضافت أن «مثل هذا العنف استُخدم لتعزيز سياسة ‌الدولة، بما يشمل الاحتلال غير القانوني، وتشريد الفلسطينيين وضم أراضٍ فلسطينية».

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه بينما يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية الثلاثاء (رويترز)

ووثقت اللجنة حالات اعتداء ‌وخطف وإساءة معاملة نفذها مستوطنون بحق أطفال فلسطينيين. وفي واقعة حدثت في ​19 أبريل (نيسان) 2025، خُطفت فتاة (12 عاماً) وشقيقها (3 أعوام) تحت ‌تهديد السلاح، وتم اقتيادهما إلى بستان زيتون، وربطهما بشجرة عن طريق قيود بلاستيكية إلى أن تدخلت أسرتهما.

تحقيق إيطالي ومنع فرنسي

في غضون ذلك، قال مصدر قضائي، الاثنين، إن الادعاء العام الإيطالي وضع وزير الأمن الوطني الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، قيد التحقيق بسبب طريقة معاملة النشطاء المشاركين في أسطول غزة، الشهر الماضي.

وهاجم بن غفير القرار، وقال: «لن أتراجع أمام هذا التحقيق أو ذاك، وسأواصل الوقوف بفخر إلى جانب مقاتلينا». وأضاف: «تحولت أرض النعل الطويل إلى بلاد النعل المفتوح»، في إشارة إلى شكل إيطاليا الجغرافي ⁠الذي يشبه الحذاء الطويل.

واستنكر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو ‌تاياني بشدة تصريحات الوزير الإسرائيلي، وكتب على ‌منصة «إكس»، الثلاثاء: «لا أجد ​كلمات أعلق بها على ما قاله ‌بن غفير على إيطاليا. إنها كلمات غير مقبولة نردها إلى قائلها، ‌فهي لا تليق بوزير».

كما أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، منع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي «يروج بنشاط لضم الضفة الغربية» المحتلة، ويدعو إلى «إعادة استيطان غزة»، من دخول الأراضي الفرنسية.

وأضاف الوزير الفرنسي في منشور على منصة «إكس» أنه تم أيضاً منع «4 من قادة منظمات الاستيطان و21 مستوطناً عنيفاً» من دخول البلاد، مندداً بـ«سياسة لا يمكن قبولها من الأغلبية الساحقة من المجتمع الدولي، الملتزم التزاماً راسخاً بحل الدولتين». ومنعت فرنسا، الشهر الماضي، بن غفير من دخول أراضيها على خلفية التنكيل بنشطاء أسطول دعم غزة.

«قرصنة أموال السلطة»

في غضون ذلك، صادقت الهيئة العامة للكنيست، بالقراءتين الثانية والثالثة (الأخيرة)، الاثنين، على مشروع قانون لاقتطاع أموال من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية (المقاصة)، ما يشرعن «القرصنة» من جهة، ويوسعها من جهة ثانية، ويزيد الضغط أكثر على السلطة التي تعاني أوضاعاً مالية غير مسبوقة.

وينص التشريع الذي قدمه عضو بالكنيست عن حزب «الليكود» الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن «إسرائيل ستعوض بشكل مباشر قيمة الأضرار الناجمة عن الهجمات الفلسطينية من أموال الضرائب المحولة إلى السلطة الفلسطينية، والتي تقدر بمئات الملايين من الشواقل كل عام».

ومنذ 2019، تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ نحو عام بشكل كامل، وهو وضع لم تستطع معه السلطة دفع رواتب موظفيها بانتظام، بل عبر مبالغ مجتزأة. وتقدر السلطة الفلسطينية الأموال العائدة لها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي تقريباً).

وقال رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح، إن مصادقة الكنيست تمثل «جريمة قرصنة منظمة وسرقة موصوفة وبلطجة سياسية ومالية».