حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

يُخاض أغلب حروب القرن الحادي والعشرين حتى الآن، بين قوى ليست متعادلة، إن كان في القوى العسكريّة؛ الوسائل كما التنظيم وغيرها. في القرن الحادي والعشرين، تناقصت تكلفة الحرب إلى حدّها الأدنى، وبحيث أصبح اللاعب «اللادولتيّ» (Non State Actor) قادراً على خوضها وبتكلفة بخسة. يقدّر كثير من المصادر تكلفة كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بأنها لا تتجاوز 500 ألف دولار أميركيّ. بينما تجاوزت تكلفة الردّ الأميركي العسكري، ومن ضمن الحرب العالمية على الإرهاب أكثر من 5.8 تريليون دولار. هذا عدا ضرب هيبة الولايات المتحدة وأنها المُهيمن، بالإضافة إلى التداعيات على الأمن القومي الأميركي والاستقرار العالميّ. وعليه، كيف يمكن للأقوى قياس النصر على عدوّ أضعف منه بدرجات، ولا يريد الاعتراف بالهزيمة؟ وكيف يمكن للأقوى أن يقيس نصره على عدو لا يسعى إلى المعركة الفاصلة والحاسمة، لكنه يرسم استراتيجيّته على أساس كسب الوقت، وإطالة أمد الحرب كما استنزاف عدوّه وبالحدّ الأدنى عدم الخسارة؟

في اللاتناسب بشكل عام

يهدف القانون الدولي إلى حماية المدنيين خلال الحروب والأزمات، كما يُحدّد كيفيّة استخدام القوة، وبشكل آخر تجنّب الأضرار الجانبيّة. فهناك اتفاقات جنيف، كما البروتوكولات الإضافيّة، التي تُحدّد في بعض بنودها الشروط التالية خلال الحرب: يجب أن يكون الهدف عسكريّاً، أو يُسهم مباشرةً في الأعمال العسكريّة، مع العمل والتخطيط وتجنّب الضرر ضد المدنيّين. يجب أن يكون الهدف ضرورة عسكريّة، وبشكل آخر أن تكون نتائج استهدافه مباشرة وآنيّة، وليست ضمن مُخطّطٍ طويل الأمد. بكلام آخر، يجب حساب/قياس اللاتناسب قبل التنفيذ وليس بعده. كما يجب ألا يكون هناك تدمير ممنهج للنظام البيئيّ (Ecosystem): ضمناً؛ الطرق، والبنى التحتيّة كما شبكات الخدمات، التي تسمح لهذا النظام البيئي بالعيش (بشر+شجر+حجر+حيوان... إلخ) والتفاعل داخلياً وخارجياً، وذلك من ضمن ديناميكيّة مُنتجة.

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

لم تحترم إسرائيل كل هذه المبادئ خلال حربها في قطاع غزّة. فهي خاضت حرباً استعملت فيها برامج الذكاء الاصطناعيّ، وأهمها: برنامج لافندر وغوسبل (Lavender & Gospel). ففي برنامج لافندر مثلاً، المُخصص لاقتراح الأهداف البشريّة (مسؤولو حركة «حماس») بسرعة فائقة، يُسمح للمنُفذ (بشري) بأخذ القرار بالتنفيذ حتى لو كانت هناك أضرار جانبيّة بشريّة (بمعدّل 20 شخصاً) في حال القيادي من الصف الثاني، أما في حال كان القياديّ من الصف الأوّل فيُسمح بأضرار بشريّة جانبيّة قد تصل إلى 100 شخص مدني. حصل هذا الأمر في بداية الحرب في مخيّم جباليا عندما استعمل سلاح الجوّ الإسرائيليّ قنبلة بوزن 2000 باوند، وكانت النتيجة نحو 400 ضحيّة.

السياسة vs الحرب

تعرف إسرائيل في قرارة نفسها، أنه لا يمكن لها ترجمة أيّ إنجاز عسكريّ إلى نصر سياسيّ. وبذلك، تعتمد مبدأ الحرب المُستدامة (Perpetual War) باعتماد عديد من العقائد العسكريّة (Doctrine). من أهم هذه العقائد، مبدأ «الحرب بين الحروب» و «جزّ العشب». بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، غيّرت إسرائيل كل العقائد القديمة لتعتمد عقيدة الهجوم أفضل وسيلة دفاع، كما الاستباق لضرب الخطر قبل تراكمه. وإذا كانت لا تستطيع إكراه العدو على قبول الحل السياسيّ، فإنها تذهب إلى اعتماد مبدأ «الردع العقابيّ-النكبويّ». وهذا فعلاً ما حصل في غزّة، وما يحصل اليوم في لبنان. يأخذنا هذا الوضع إلى مبدأ اللاتناسب كما ورد أعلاه. فماذا عنه؟

ينطبق مبدأ اللاتناسب على كل من «حزب الله» كما على الردّ الإسرائيلي العسكريّ على الحزب. يريد «حزب الله» تحرير الأرض، ودحر الجيش الإسرائيليّ، لكن بوسائل متواضعة جدّاً حتى ولو سُمّيت حربه الحرب اللاتماثليّة. وحتى ولو غيّر طريقة قتاله بالانتقال من جيش هجين خلال حرب الإسناد، إلى حرب العصابات ضمن مبدأ «الموزاييك». أي القتال بمجموعات صغيرة، من دون قيادة مركزيّة، كما تجنّب الالتحام المباشر إلا عند الضرورة التكتيكيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» لإحدى مسيّراته تهاجم دبابة وجنوداً إسرائيليين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أدخل «حزب الله» مؤخراً المسيّرة «من منظور الشخص الأوّل (FPV)» التي تعمل بالألياف الضوئيّة، الأمر الذي يعطيها ميزة نوعيّة في عدم القدرة على التشويش عليها. غيّرت هذه المسيّرة خصائص الحرب في أوكرانيا، خصوصاً خلال حرب إقليم «كورسك» الذي احتلّته أوكرانيا. ألغت هذه المسيّرة خطوط التماس، وبدل حشد القوى على هذه الخطوط أصبحت هذه الخطوط خالية من العديد والعتاد. حرمت هذه المسيّرة الدبابة المرعبة، التي تعد قوّة الصدم، من أن تلعب دورها الأساسيّ. جعلت هذه المُسيّرة مسرح الحرب شفّافاً (Transparent) إلى الحدّ الأقصى، بحيث لا يمكن التمويه والاحتماء داخل ساحة القتال كما كان الوضع من قبل. تُقلق هذه المفاجأة التكتيكيّة الجيش الإسرائيليّ جداً. فهي ستضرب عقيدته القتالية في العمق، كما ستضرب كيفيّة قتاله على الساحة اللبنانيّة خصوصاً في المنطقة الصفراء. لا سيما أن التكتيك، وحسب المفكّر البروسي، كارل فون كلوزفيتز، هو «نظريّة استخدام القوّة العسكريّة في حقل المعركة». وعليه، وجب على الجيش الإسرائيليّ التأقلم وبسرعة. لكن كيف؟

يعد الانتشار (Dispersion) أحد التكتيكات. تُضاف إليه المقاربات التالية: استعمال الرادارات في الخط الأمامي لرصد المسيّرة، كون الرصد يعد أهمّ مرحلة من مراحل التصدّي. واستعمال ما تُسمّى في أوكرانيا «خريطة السماء (Sky Map)» التي ترتكز على زرع وسائل سمعيّة (Acoustic) على طول الجبهة وفي العمق. مهمّة هذه الوسائل الرصد السمعيّ-الصوتيّ للمسيّرة، ونقل الداتا إلى مركز التحليل، الذي بدوره يُحدّد مكان المسيّرة؛ اتجاهها، كما هدفها، ليعطي الأمر إلى مشغّلي المسيّرات المُضادة بالتدخّل. يمكن أيضاً، استغلال العمق الجغرافي لمدى المُسيّرة، عبر التدخّل في العمق، كما استهداف مُشغّلي المسيَّرات. يمكن أيضاً استعمال المسيّرات المُضادة للمسيّرات، التي تحمل الشباك، لتلقيها على المسيّرة المُهاجمة وتسقطها. وأخيراً وليس آخِراً، يمكن استعمال بندقيّة النار (Shot Gun) التي تُطلق ذخائر متشظية. لكن استعمال هذه الوسائل يتطّلب الوقت، كما اعتماد «مبدأ التجربة والخطأ»، (Trial & Error)، للوصول إلى أفضل منظومة دفاعيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهر عنصراً منه يجهز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يتبجّح «حزب الله» في هذا الإنجاز، الذي لا يتناسب بالطبع مع الخسائر التي مُني بها، إن كان في قوّاته أو بيئته الحاضنة. فعلى سبيل المثال، ذهب «حزب الله» إلى حرب يوليو (تموز) 2006 متفرّداً في قراره. فكانت الخسائر على لبنان الدولة تُقدّر بما بين 3 و4 مليارات دولار. في حرب الإسناد الأخيرة، خصوصاً بعد العودة إلى الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، تُقدّر خسائر لبنان الدولة بما بين 7 و10 مليارات دولار. هذا مع التذكير بأن الدخل القوميّ الوطني في لبنان لا يتجاوز 35 مليار دولار. أي إن الخسائر الأخيرة تُشكّل نسبة 22 في المائة من الدخل القوميّ. لكن الفارق بين حرب 2006 وحرب اليوم، أنه في ذلك الوقت، ساعد كثير من الدول العربيّة وعلى رأسها المملكة العربيّة السعوديّة على إعادة الإعمار، كما ساعدت إيران وكيلها مباشرةً. لكن حرب اليوم مختلفة خصوصاً أن إيران تستهدف عسكرياً دول الجوار. كما تعاني من خسائر داخليّة (مباشرة) بسبب الحرب مع إسرائيل وأميركا، تُقدّر حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» بـ275 مليار دولار.

كذلك الأمر، تحتّل إسرائيل مباشرةً داخل لبنان المنطقة الصفراء. لكنها تخلق منطقة عازلة انطلاقاً من المنطقة الصفراء حتى الليطاني عبر اعتماد مبدأ «منطقة عازلة بالنار»، (Buffer by Fire). وهي تعمد إلى تدمير البيئة الحضريّة المؤيّدة للحزب. فعلى سبيل المثال، تُقدّر نسبة التدمير للقرى في المنطقة الصفراء بـ90 في المائة. ومن المنطقة الصفراء إلى نهر الليطانيّ، تُقدّر نسبة تدمير البلدات والقرى بأكثر من 60 في المائة. أدّى هذا التدمير الممنهج إلى تهجير أغلب بيئة «حزب الله» إلى الداخل اللبنانيّ. يُقدّر عدد النازحين بأكثر من مليون نسمة. فكيف ستتم إعادة الاعمار؟ ومن سيتكفّل بالثمن؟ وكيف تتطابق فكرة اللاتناسب؟

في الختام، كيف يُمكن قياس النصر لحرب لا تماثلية ولا تناسبيّة في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لـ«حزب الله» ربط نفسه بما قد تنتجه طاولة إسلام آباد، إن كان سلماً أو حرباً؟ إن غداً لناظره قريب.


مقالات ذات صلة

الرئيس الكرواتي يرفض اعتماد سفير إسرائيلي جديد

شؤون إقليمية الرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش (أ.ب)

الرئيس الكرواتي يرفض اعتماد سفير إسرائيلي جديد

قال الرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش، الاثنين، إن كرواتيا لن تقبل أوراق اعتماد سفير إسرائيلي جديد بسبب سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.

«الشرق الأوسط» (زغرب)
المشرق العربي آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة يوم الاثنين (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة تطالب إسرائيل بمنع وقوع «إبادة» في غزة

طالبت الأمم المتحدة إسرائيل، الاثنين، بأن تتّخذ كلّ التدابير اللازمة لمنع وقوع أفعال "إبادة" في غزة، مندّدة بمؤشّرات تفيد بـ"تطهير عرقي" في القطاع والضفة.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص من اليمين: القائد الحالي لـ«كتائب القسام» محمدعودة... وإلى جواره 3 قيادات من الكتائب اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة هم: رافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص محمد عودة القائد الجديد لـ«القسام»... ماذا نعرف عنه؟

أجمعت مصادر عدة من حركة «حماس» في قطاع غزة، أن جناحها العسكري الممثل في «كتائب القسام» بات تحت قيادة محمد عودة، خلفاً لعز الدين الحداد الذي اغتالته إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فستان زفاف معروض خارج متجر بجوار الأنقاض والمباني المتضررة في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

كيف تقتنص عرائس غزة «الفرح» من فساتين الزفاف البالية؟

في ورشة صغيرة لحياكة الملابس جنوب قطاع غزة، تسحب نسرين الرنتيسي قطعة قماش من كومة وتعيد تشكيل فساتين زفاف بالية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون يشقون طريقهم بين أنقاض المباني في مخيم الشاطئ للاجئين شرق غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»: مسار دخول «لجنة التكنوقراط» مُهدد بمخاوف تصعيد عسكري

كشفت تسريبات إسرائيلية عن تحركات لتفعيل «لجنة إدارة غزة» (التكنوقراط) التي توجد في القاهرة، وإمكانية دخولها قطاع غزة، في حين تسود مخاوف من توسيع التصعيد الحالي.

محمد محمود (القاهرة)

لبنان بين هدنتين: «إدارة تصعيد» لا وقف إطلاق نار

دخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة زبدين في جنوب لبنان (رويترز)
دخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة زبدين في جنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين هدنتين: «إدارة تصعيد» لا وقف إطلاق نار

دخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة زبدين في جنوب لبنان (رويترز)
دخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة زبدين في جنوب لبنان (رويترز)

لم ينعكس تمديد اتفاق وقف إطلاق النار 45 يوماً، على المشهد الميداني في لبنان؛ فقد شهد الجنوب والبقاع (شرقاً) تصعيداً إسرائيلياً وقصفاً مدفعياً مركزاً في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل بالتزامن مع إنذارات إخلاء جديدة وفورية لسكان عدد من البلدات والقرى، بحيث شبّه مراقبون الهدنة المتعثرة بأنها أقرب لـ«إدارة تصعيد» منها لوقف نار فعلي.

واتسعت رقعة القصف شرقاً لتطال مدينة بعلبك ومحيطها، حيث أدى استهداف الجيش الإسرائيلي بصاروخ موجّه، لشقة تقطنها عائلة فلسطينية إلى مقتل القيادي في «الجهاد الإسلامي» وائل عبد الحليم وابنته راما (17 عاماً).

وبين هدنة 17 أبريل (نيسان) الماضي والهدنة الحالية، ارتفعت تكلفة الدمار إلى 970 منزلاً مدمّراً بالكامل، و545 منزلاً متضرراً بشكل كبير، فيما أعلنت وزارة الصحة أن عدد القتلى بلغ 694 قتيلاً، والجرحى 1666.


«كتائب حزب الله» العراقية تنفي صلتها بموقوف لدى واشنطن

محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​
محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​
TT

«كتائب حزب الله» العراقية تنفي صلتها بموقوف لدى واشنطن

محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​
محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​

نفت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران الاثنين صلتها بموقوف قالت واشنطن إنه قيادي في الفصيل، وإنها اعتقلته بتهمة التخطيط لهجمات «إرهابية» في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، بما في ذلك مواقع يهودية.

وقال المسؤول الأمني في الكتائب، أبو مجاهد العساف، في بيان إن «المختطف محمّد باقر السعدي لا ينتمي إلى (كتائب حزب الله)، وسيُعاد إلى وطنه مرفوع الرأس؛ لأنه من محبّي المقاومة ومؤيديها».

وكانت واشنطن أعلنت الجمعة توقيف السعدي (32 عاماً)، قائلة إنه مسؤول في الكتائب وعراقي الجنسية، وإنه وشركاءه «خططوا ونسقوا وأعلنوا مسؤوليتهم عن 18 هجوماً إرهابياً على الأقل في أوروبا وهجومين في كندا»، وذلك رداً على الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط)، والذي أشعل حرباً استمرت نحو 40 يوماً.

محمد السعدي في حراسة عملاء «مكتب التحقيقات الفيدرالي» بنيويورك مساء 15 مايو 2026 (وزارة العدل الأميركية)

وأعلنت «كتائب حزب الله» مراراً، لا سيّما في الحرب الأخيرة، مسؤوليتها عن هجمات بمسيّرات وصواريخ على أهداف أميركية في العراق والمنطقة. وتصنفها واشنطن «جماعة إرهابية».

وقال مسؤول أمني عراقي رفيع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن السعدي أُوقف في تركيا، ثم نُقل إلى الولايات المتحدة.

وأشارت وزارة العدل الأميركية إلى أن السعدي مثل الجمعة في نيويورك أمام قاضٍ فيدرالي وجّه إليه رسمياً ست تهم تتعلق بنشاطات إرهابية، وأُودع الحبس الاحتياطي.

وبحسب وزارة العدل، عمل السعدي في الماضي «بشكل وثيق» مع القائد السابق لـ«فيلق القدس» اللواء قاسم سليماني الذي اغتيل بضربة أميركية قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020. ودعا مراراً وبشكل علني إلى شن هجمات ضد أميركيين، وفق المصدر نفسه.

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية الشهر الماضي رصد مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات عن الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، أحمد الحميداوي.


إسرائيل توسّع غاراتها على جنوب لبنان وشرقه مع تمديد الهدنة

أحد عمال الإنقاذ يتفقد الأضرار الناجمة عن غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بعلبك أسفرت عن مقتل قائد بحركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)
أحد عمال الإنقاذ يتفقد الأضرار الناجمة عن غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بعلبك أسفرت عن مقتل قائد بحركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل توسّع غاراتها على جنوب لبنان وشرقه مع تمديد الهدنة

أحد عمال الإنقاذ يتفقد الأضرار الناجمة عن غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بعلبك أسفرت عن مقتل قائد بحركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)
أحد عمال الإنقاذ يتفقد الأضرار الناجمة عن غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بعلبك أسفرت عن مقتل قائد بحركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)

لم ينعكس تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، الذي دخل حيّز التنفيذ بدءاً من منتصف ليل الأحد - الاثنين، على المشهد الميداني في جنوب لبنان؛ إذ تواصلت العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، وسط تصعيد إسرائيلي واسع شمل الجنوب والبقاع، ترافق مع إنذارات إخلاء جديدة وعمليات قصف وغارات طالت مناطق عدة، في وقت اعتبر فيه العميد المتقاعد سعيد قزح، أن ما يجري ميدانياً «لا يمكن وصفه بوقف لإطلاق النار؛ بل هو أقرب إلى إدارة للنار وخفض لمستويات التصعيد»، فيما أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات ضد أهداف إسرائيلية.

وصعّدت إسرائيل، الاثنين، عملياتها العسكرية عبر سلسلة غارات جوية، وقصف مدفعي استهدف بلدات عدة في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل وبعلبك، في وقت وجّه فيه الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة إلى سكان بلدات حاروف وبرج الشمالي ودبعال، طالبهم فيها بالإخلاء الفوري.

عمال إنقاذ وسط خراب خلفته ضربة إسرائيلية في قرية دير قانون النهر بالجنوب اللبناني أمس (أ.ف.ب)

توسّع رقعة الغارات جنوباً

تركزت الغارات الإسرائيلية بصورة رئيسية على منطقة صور، حيث استهدف الطيران الحربي بلدات حناويه وبرج الشمالي وصديقين ودير عامص ومعركة وقانا. وأفادت المعلومات بأن إحدى الغارات على برج الشمالي شهدت سقوط صاروخ لم ينفجر، فيما استهدفت غارة أخرى منزلاً في حي الخشنة ببلدة قانا، وسوّته بالأرض.

وشنّ الطيران الإسرائيلي كذلك 3 موجات متتالية من الغارات على مبانٍ سكنية في بلدة دير عامص، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف البلدة نفسها، فيما طالت غارات أخرى بلدة دير أنطار في قضاء بنت جبيل.

وأدت غارة إسرائيلية على بلدة معركة شرق صور، إلى سقوط قتيل وإصابة 8 أشخاص بجروح، وفق المعلومات الأولية، بعدما استهدفت منزلاً في البلدة.

وفي إطار توسيع نطاق الاستهدافات، شنّ الطيران الإسرائيلي غارة على منطقة القلعة الواقعة بين بلدتي حاروف والدوير، استهدفت عدداً من المنازل وأدت إلى تدميرها، بينما تعرض حي المرج في بلدة كفرتبنيت لقصف مدفعي متقطع.

وامتدت الغارات إلى مناطق أخرى في الجنوب، حيث استهدف الطيران الإسرائيلي بلدة تبنين في قضاء بنت جبيل، كما أغار على بلدة مجدل سلم.

وفي النبطية، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي نحو التاسعة والنصف صباحاً، غارة استهدفت مجمعاً سكنياً وتجارياً على أوتوستراد دير الزهراني، ما أدى إلى تدميره.

دخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة زبدين في جنوب لبنان (رويترز)

مقتل قيادي في «الجهاد الإسلامي»

في البقاع، اتسعت رقعة الاستهدافات لتصل إلى مدينة بعلبك ومحيطها. وعند منتصف ليل الأحد، استهدف الجيش الإسرائيلي بصاروخ موجّه، شقة تقطنها عائلة فلسطينية في دورس عند المدخل الجنوبي لمدينة بعلبك، ما أدى إلى مقتل القائد في حركة «الجهاد الإسلامي» وائل عبد الحليم وابنته راما (17 عاماً)، فيما عملت فرق الإسعاف والإنقاذ على رفع الأنقاض والبحث عن ناجين.

وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة، أن الغارة الإسرائيلية على دورس أدت إلى مقتل شخصين، بينهما فتاة، وإصابة سيدة وطفلة بجروح، وجميعهم فلسطينيون.

والاثنين، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف «وائل محمود عبد الحليم، الذي شغل منصب قائد تنظيم (الجهاد الإسلامي) الإرهابي في منطقة البقاع بلبنان».

خفض مستوى التصعيد

في قراءة للمشهد العسكري، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»، إن توصيف المرحلة الحالية بأنها «وقف لإطلاق النار» لا ينسجم مع الوقائع الميدانية القائمة، معتبراً أن ما تشهده الجبهة الجنوبية «أقرب إلى خفض مستوى التصعيد وإدارة للنار منه إلى وقف شامل وكامل للعمليات العسكرية».

وأوضح قزح أن ما جرى منذ إعلان وقف الأعمال العدائية وحتى اليوم «لا يمكن تصنيفه على أنه وقف فعلي لإطلاق النار، لأن العمليات العسكرية لم تتوقف أساساً، وإنما شهدت تبدلاً في مستويات حدتها تبعاً للظروف الميدانية والسياسية»، مضيفاً: «منذ إعلان الهدنة وحتى الآن، لم نشهد مرحلة توقفت فيها العمليات بشكل كامل، بل إن ما يحصل هو انتقال من مستوى تصعيد إلى مستوى آخر».

ورأى أن أي وقف حقيقي لإطلاق النار «يفترض التزاماً كاملاً ومتبادلاً من الطرفين، وهو ما لم يتحقق حتى الآن»، مشيراً إلى أن إسرائيل «لا تزال تتعامل مع أي عملية ينفذها (حزب الله) باعتبارها مبرراً لتوسيع نطاق عملياتها تحت عنوان الدفاع عن النفس».

وقال إن «إسرائيل تربط تثبيت أي تهدئة شاملة بوقف كامل لعمليات (حزب الله)، لأن ذلك يمنح الولايات المتحدة هامشاً أوسع للضغط باتجاه تثبيت الاتفاقات المتعلقة بوقف النار».

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)

وأضاف قزح أن أي عملية إطلاق صواريخ أو مسيّرات من جانب «حزب الله»، «لن تُقابل برد موضعي محدود؛ بل برد أوسع قد يشمل عمليات تدمير واسعة النطاق ويؤدي إلى موجات نزوح إضافية»، معتبراً أن إسرائيل «تحاول معالجة ما تعدّه تهديداً أمنياً عبر فرض أثمان مرتفعة على البيئة المدنية اللبنانية، بعدما لم تتمكن من حسم المشهد عسكرياً».

وأشار إلى أن «العبء الأكبر يقع على القرى الجنوبية والسكان المدنيين»، لافتاً إلى أن معطيات وشهادات ميدانية من المناطق الحدودية، تُظهر أن حجم الدمار في بعض القرى بعد الهدنة «بات أكبر من ذلك الذي سُجل خلال مراحل سابقة من المواجهات».

واعتبر أن ما يجري «لا يعكس انتقالاً إلى مرحلة استقرار بقدر ما يعكس استمراراً للصراع بأدوات مختلفة»، مستبعداً الوصول في المدى القريب إلى وقف شامل للعمليات العسكرية.

وختم: «الفصل بين جنوب الليطاني وشماله لم يعد قائماً عملياً مع اتساع نطاق الاستهدافات، وما نشهده اليوم يُبقي الجنوب مفتوحاً على احتمالات التصعيد، ويؤكد أن المشهد لا يزال بعيداً عن أي استقرار فعلي».

«حزب الله» يصعّد

في المقابل، أعلن «حزب الله» أن عناصره استهدفوا آلية اتصالات تابعة للجيش الإسرائيلي في منطقة خلّة راج ببلدة دير سريان باستخدام طائرة مسيّرة انقضاضية، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة.

كما أعلن الحزب استهداف جرافة من نوع «D9» في منطقة مجرى النهر عند أطراف البلدة نفسها.

وقال أيضاً إنه استهدف منصة للقبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمسيّرة انقضاضية، إضافة إلى قصف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في بلدة رشاف بصليات صاروخية، في إطار ما وصفه بالرد على الهجمات الإسرائيلية المستمرة.