الإضرابات تتوسع في وجه الحكومة الفلسطينية وتهدد بشلل واسع

قررت صرف دفعة راتب إضافية للقضاة فأثارت غضب بقية الموظفين

أطباء فلسطينيون في وقفة احتجاجية أمام مستشفى بيت جالا الحكومي في الضفة الغربية يوم الأحد (الشرق الأوسط)
أطباء فلسطينيون في وقفة احتجاجية أمام مستشفى بيت جالا الحكومي في الضفة الغربية يوم الأحد (الشرق الأوسط)
TT

الإضرابات تتوسع في وجه الحكومة الفلسطينية وتهدد بشلل واسع

أطباء فلسطينيون في وقفة احتجاجية أمام مستشفى بيت جالا الحكومي في الضفة الغربية يوم الأحد (الشرق الأوسط)
أطباء فلسطينيون في وقفة احتجاجية أمام مستشفى بيت جالا الحكومي في الضفة الغربية يوم الأحد (الشرق الأوسط)

توسّعت الإضرابات النقابية في وجه الحكومة الفلسطينية المتهمة بـ«التعنت، والمحاباة» وسط أزمة مالية متصاعدة تعصف بالسلطة منذ سنوات.

وانضمت نقابة الأطباء إلى الإضرابات الموسعة التي طالت مرافق عدة منها: المستشفيات، والمحاكم والجامعات الحكومية والمدارس بشكل كلي أو جزئي، ما يهدد بشلل كبير في المصالح الحيوية.

ورفعت نقابة الأطباء قفاز التحدي في وجه الحكومة، وأغلقت مراكز الرعاية الصحية بشكل كامل، الأحد، وأعلنت أن عمل المستشفيات سيقتصر فقط على خدمات إنقاذ الحياة والحالات الطارئة فقط، ما وضع النظام الصحي الحكومي في حالة شلل.

وأغلقت مستشفيات أبوابها، الأحد، وشُوهد أطباء أمام المرافق الطبية يرفعون شعارات حول الحق في الراتب وكرامة الطبيب وحق الفلسطينيين في العلاج.

ورفع نقيب الأطباء صلاح الهشلمون نبرة الخطاب في حديث إذاعي، الأحد، وقال إن «الحكومة سترى ما لا تتوقعه من الأطباء»، مطالباً إياها بـ«الرحيل، إذا كانت لا تستطيع إدارة البلاد، وتكيل بمكيالين ولا تنصف الأطباء».

وجاء في بيان لنقابة الأطباء، السبت، أن الأمور وصلت إلى مرحلة لا يمكن السكوت عنها في ظل استمرار حالة التعنت من قبل الحكومة، محملةً الحكومة المسؤولية الكاملة والمباشرة عن التدهور الخطير الذي يهدد حياة المرضى وسلامة الخدمات الطبية.

«لا أطباء في دوام الوزارة»

قررت النقابة، إضافة إلى إغلاق مراكز الرعاية والمستشفيات، عدم توجه الأطباء العاملين إلى الدوام في مبنى وزارة الصحة، كما أعلنت وقف مشاركة الأطباء في اللجان المشكلة من وزارة الصحة، أو في أي من أنشطتها بمختلف أشكالها.

وجاء التصعيد من قبل الأطباء في وقت كانت تشهد فيه المستشفيات الحكومية وضعاً غير مسبوق، تفاقمت خلاله أزمة نقص الأدوية وشح الكوادر الطبية، وحتى طعام المرضى.

واضطر كثير من المرضى إلى إجراء عمليات على نفقتهم الخاصة، أو عبر مساعدات، وجلب أدويتهم بأنفسهم، كما عملت مؤسسات محلية على تقديم الطعام للمرضى في المستشفيات في وضع غير مسبوق.

وهاجم مواطنون فلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي، الحكومة الفلسطينية، بشدةٍ، واتهموها بأنها «أوصلت النظام الصحي إلى حالة الانهيار». ووثق آخرون معاناتهم في الحصول على العلاج حتى قبل الإضراب.

بيان نقابة الأطباء الفلسطينيين حول إغلاق مراكز الرعاية والمستشفيات (نقابة الأطباء)

وفيما تدفع الحكومة رواتب منقوصة للأطباء في المستشفيات الحكومية، ارتفعت إلى حد كبير مديونيتها للمستشفيات الخاصة وموردي الأدوية والشركات ما جعل النظام الصحي برمته مهدداً، وحذر اتحاد المستشفيات الأهلية والخاصة من انهيار القطاع الصحي لأن الحكومة لا تدفع له المستحقات المتراكمة منذ سنوات.

وقبل الأطباء، كانت نقابة المهن الصحية التي تمثل الممرضين، وأطباء المختبرات، والأشعة، والعلاج الطبيعي، أعلنت إضراباً جزئياً.

ودخول الأطباء على الخط جاء في وقت دعت فيه نقابة الموظفين العموميين إلى إضراب شامل، يوم الاثنين، كخطوة أولى تحذيرية، متهمة الحكومة بمقابلة صبر الموظفين بالاستهتار.

وانضمت نقابة العاملين في جامعة فلسطين التقنية «خضوري» (حكومية) إلى الفعاليات وأعلنت الإضراب الجزئي، ضد سياسة الحكومة المالية، وأوقفت اعتماد العلامات والتسجيل للفصل المقبل.

كما انضم المهندسون للإضراب، وأعلنت نقابة المهندسين أن كرامة المهندس الفلسطيني وحقوقه ليست محل مساومة أو تسويف، محتجة على النهج التمييزي للحكومة، وقررت الامتناع الكامل عن التوجه إلى أماكن العمل واعتبار المهندسين في حالة إضراب شامل ومفتوح.

صرف دفعة إسعافية للقضاة

لم تسلم المحاكم من الإضراب، وعلق العاملون في المحاكم النظامية العمل، ما شل النظام القضائي كذلك.

وأصدر موظفو المحاكم النظامية في فلسطين بياناً، الأحد، مؤكدين أن الأوضاع المعيشية للموظفين باتت أكثر تعقيداً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

ومثلما خرج الأطباء في وقفات احتجاجية، خرج موظفو الجامعات وموظفو المحاكم. وقال موظفون اعتصموا أمام محكمة جنين إنهم تحولوا إلى «شحاذين»، وإن «التفرقة غير مقبولة».

الحديث عن «النهج التمييزي، والتفرقة، والكيل بمكاليين» جاء بعد أن «دفعت الحكومة قبل أيام مبلغ 5000 شيقل للقضاء ووكلاء النيابة كدفعة إسعافية من دون الموظفين».

واستلم القضاة الدفعة بعد صرخة أحدهم معلناً أنه لا يستطيع أن يمارس عمله، ويحكم بين الناس في ظل الوضع المالي الذي أوصلته له الحكومة.

وانفجرت خلال الأيام الماضية حالةٌ كبيرةٌ من الجدل بعد الدفع للقضاة دون غيرهم، وهدد المعلمون الفلسطينيون بإضراب مفتوح بعد أن كان إضرابهم جزئياً.

ومنذ بداية العام الدراسي يعمل المعلمون الحكوميون 3 أيام في الأسبوع ما أثار الكثير من الشكوك حول مخرجات التعليم.

جانب من إضراب سابق في الضفة الغربية في ديسمبر 2023 (رويترز)

وقال أحد المعلمين لـ«الشرق الأوسط»: «النظام التعليمي أيضاً شبه منهار. ما يحدث ليس تعليماً حقيقياً. إنها مهزلة. لكن هذه الحكومة ورئيسها لا يلقون بالاً. إنهم لا يضعون المعلمين والتعليم والطلاب في حساباتها».

وأضاف: «لا تعليم ولا صحة ولا قضاء. إنهم (الحكومة) يعيشون في عالم موازٍ».

وأصدر «حراك المعلمين الموحد» في الضفة الغربية بياناً، الأحد، دعا فيه إلى التصعيد وإغلاق المدارس بشكل كامل، لكن اتحاد المعلمين دعا إلى انتظام الدوام في الأسابيع القليلة المتبقية، متعهداً بجلب «إنجازات» وهو ما أثار غضباً واسعاً من المعلمين.

ولم تعقب الحكومة الفلسطينية على انفجار الإضرابات فوراً، لكنها تقول إن الأزمة سياسية، بسبب حجب إسرائيل لأموال المقاصة، وكانت السلطة التي تعتمد على المقاصة دفعت الشهر الماضي مبلغاً مقطوعاً للموظفين (2000 شيقل) فقط من الراتب لجميع الموظفين. ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ حوالي عام بشكل كامل.

وتقدر السلطة الفلسطينية الأموال العائدة لها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي).

وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، حذر قبل أسابيع قليلة فقط من أن الأشهر الستة المقبلة ستكون «صعبة جداً».


مقالات ذات صلة

وزراء الإعلام العرب يدعون لحماية الصحافيين الفلسطينيين

العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة العربية)

وزراء الإعلام العرب يدعون لحماية الصحافيين الفلسطينيين

سيطرت القضية الفلسطينية على فعاليات الدورة الـ56 لاجتماعات مجلس وزراء الإعلام العرب التي عقدت بالقاهرة، الأربعاء.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
المشرق العربي قوات الاحتلال الإسرائيلي تهدم منزلاً في بلدة تقوع شرق بيت لحم (الشرق الأوسط)

إسرائيل تصعد في الضفة باقتحامات واعتقالات وهدم منازل

صعّد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، الأربعاء، واقتحم رام الله ومناطق أخرى واعتقل نحو 50 فلسطينياً، في يوم شهد عمليات هدم وسيطرة على منازل ومصادرة أراضٍ…

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال ظهور ضمن الحملة الانتخابية في سوق بتل أبيب الخميس (أ.ب)

نتنياهو: «مفاجأة كبيرة» تنتظر السلطة الفلسطينية

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن «مفاجأة كبيرة» تنتظر السلطة الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي أحد المسلحين الفلسطينيين خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية عند الحاجز الشمالي لمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

نتنياهو يغلق الضفة متوعداً بعملية «غير مسبوقة»... والجيش يبدأ هدم أحياء كاملة

نتنياهو يغلق الضفة ويتوعدها بعملية غير مسبوقة من 1967.

كفاح زبون (رام الله)
خاص طلاب فلسطينيون يحضرون يومهم الدراسي الأول في العام الدراسي الجديد داخل فصل دراسي أقيم في خيمة بمدرسة في خان يونس جنوب قطاع غزة 19 سبتمبر الماضي (رويترز)

خاص تعافي النظام التعليمي في غزة قد يستغرق 7 سنوات

حذّرت مديرة التعليم في «أونروا» من بقاء أكثر من 200 ألف طفل بغزة خارج التعلّم المنظّم، موضحةً أن تعافي النظام التعليمي في القطاع قد يستغرق حتى سبع سنوات.

شادي عبد الساتر (بيروت)

شتاء قاسٍ ينتظر سكان قطاع غزة وسط تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية

أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)
أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)
TT

شتاء قاسٍ ينتظر سكان قطاع غزة وسط تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية

أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)
أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

ينتظر سكان قطاع غزة فصل شتاء جديداً سيكون قاسياً، كما كانت الحال على مدار 3 سنوات من حرب أنهكتهم على مختلف أصعدة الحياة، وصاروا يعيشون في خيام غالبيتها بالية، وبالكاد تحميهم من شمس حارقة تطالهم صيفاً، ومن شتاء غزير يغرقها ويحولها إلى برك مياه متحركة.

ومع ترقب سكان القطاع لأول منخفض جوي مساء الجمعة، وسيستمر حتى صباح الأحد، فإنهم لم يجدوا حلولاً جديدة يمكن أن تمنع غرقهم في ظل الغزارة المتوقعة للأمطار لساعات طويلة، وفق ما توقعته الأرصاد الجوية.

فلسطينيون يتسلمون مساعدات من «صندوق الغذاء العالمي» في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ب)

وبحسب «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، فإن 94 في المائة (1.98 مليون شخص) من سكان قطاع غزة بحاجة إلى مأوى ومساعدات غير غذائية، إثر تدهور أوضاع المعيشة وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، مبينةً أن 85 في المائة منهم يواجهون احتياجات إيواء حرجة أو كارثية، ومشيرة إلى وجود «قصور حاد في ظروف المأوى أو انعدام الوصول إلى الخدمات الأساسية والمساعدات غير الغذائية».

تأهب شتوي

يتأهب الغزي إسلام أبو حزيمة (47 عاماً) من سكان رفح جنوب قطاع غزة، والنازح في مواصي خان يونس، استعداداً للأمطار التي ستصل في ساعات مساء الجمعة، من خلال وضعه بعض الرمال على حوافي الخيمة وجوانبها، منعاً لتسرب المياه إليها، إلا أنه يؤكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الخطة لا تعدّ محكمة، وأن تجارب سابقة خلال أمطار غزيرة في فصل الشتاء السابق كانت فاشلة.

فلسطينيان يقطعان خشباً لبيعه في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

ويعيش أبو حزيمة مع أسرته المكونة من 7 أفراد في خيمة مهترئة، بالكاد تحميهم من صيف ساخن، متسائلاً عن قدرتها على حمايتهم من شتاء قاسٍ غزير بالأمطار، لافتاً إلى أن هذا العام الثاني الذي يواجه فيه قسوة غرق خيمته وأمتعة ومقتنيات الأسرة.

ووفقاً لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، فإن أكثر من 1000 موقع ومخيم لإيواء النازحين قد تتعرض للغرق خلال فصل الشتاء، في ظل إقامة كثير منها في مناطق منخفضة تفتقر إلى وسائل الحماية وتصريف مياه الأمطار، وبالتزامن مع نقص حاد في الخيام ومستلزمات الإيواء.

200 ألف خيمة مهترئة

بحسب لجنة طوارئ الشتاء في قطاع غزة، فإن 7800 خيمة في مناطق خطرة مهددة بالفيضانات والسيول وأمواج البحر، في حين أن هناك 200 ألف خيمة مهترئة تعرض سكانها لخطر الغرق والبرد القارس، لافتةً إلى أن هناك 1.5 مليون نازح يواجهون مخاطر الشتاء.

فتى فلسطيني يملأ دلواً بالماء في مخيم للنازحين بمدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

وتقول الغزية نسرين القرشلي، النازحة في خيمة داخل ساحة مركز إيواء، إن خيمة أسرتها اهترأت بشكل كبير بفعل فصلي الشتاء والصيف، وعانت كثيراً العام الماضي من شدة الأمطار، وتعرضت للغرق أكثر من مرة ما جعلها غير صالحة للحياة.

وتضيف القرشلي بحسرة: «كنا عايشين حياة جيدة، والآن نحن نعاني ونبحث عن شيء بسيط يعيد كرامتنا... الخيمة لا توفر كرامة ولا غيره، فقط المعاناة والأمراض»، مشيرةً إلى أن أكثر من يعانون من ذلك الأطفال والنساء وكبار السن، والذين يواجهون خطراً يتعلق بحياتهم الصحية بسبب البرد الشديد.

وتوفي 11 طفلاً في فصل الشتاء من العام الماضي، وفق إحصائيات وزارة الصحة بغزة وجهات أممية.

مبانٍ مهددة

لا تقتصر المعاناة على سكان الخيام؛ بل تمتد إلى عائلات تعيش أو نزحت إلى مبانٍ مهددة بالانهيار، كما جرى في فصل الشتاء السابق، وفي الآونة الأخيرة إثر غارات إسرائيلية في محيطها. وبحسب التقديرات لجهات حكومية بغزة، فإن هناك نحو ألفي مبنى مهدد بالانهيار.

فتاة تغسل يديها من صنبور مياه عام في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وطالبت وزارة الأشغال العامة والإسكان التابعة لحكومة «حماس» في غزة، سكان مئات المباني بإخلائها، فيما حددت عدة مبانٍ بضرورة الإخلاء الإجباري الاضطراري لأنها آيلة للسقوط، وذلك حفاظاً على حياة سكانها، محددةً مهلة لأيام للإخلاء قبل التدخل من الجهات الأمنية لفرض عملية الإخلاء.

تصعيد لا يتوقف

يأتي ذلك على وقع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، وتصاعد سقوط الضحايا مع استمرار الغارات الإسرائيلية. وأُعلن الجمعة، عن وفاة طالبة فلسطينية أصيبت منذ أسبوع بغارة استهدفت الجامعة الإسلامية في مدينة غزة، بينما أُعلن عن وفاة ناشط ميداني بارز في «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في غارة استهدفته بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، منذ نحو أسبوع.

وفي ساعة متأخرة من مساء الخميس، قتلت طائرة مسيرة إسرائيلية ناشطاً ميدانياً من «حماس» في غارة استهدفته بمخيم الشاطئ، بينما أصيب ناشط آخر بجروح حرجة، فيما سبق ذلك سلسلة من الغارات وعمليات إطلاق النار من الآليات والمسيرات الإسرائيلية، أدت إلى مقتل 4 فلسطينيين آخرين، بينهم طفل وسيدة، وضابط في جهاز «الأمن الداخلي» الأمني الحكومي إثر غارة استهدفته ببلدة الزوايدة وسط القطاع.

مخيم يؤوي فلسطينيين نازحين في مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

ولليوم الثاني في غضون أسبوع، تقتحم عناصر من العصابات المسلحة مخيمات النزوح، وتختطف فلسطينيين وتقتادهم إلى مواقع عسكرية إسرائيلية، حيث أقدمت على خطف العشرات من سكان مخيم عند مفترق حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وسط قصف مدفعي وغطاء من طائرات مسيرة، قبل أن تفرج عنهم جميعاً عدا واحد فقط بقي معتقلاً لدى الجيش الإسرائيلي، حيث طلب منهم بعد التحقيق معهم، إخلاء مخيمهم والتوجه إلى المناطق الغربية منه.

وكان قد اختطف العشرات من مخيم آخر في خان يونس منذ أيام، على يد أفراد عصابة مسلحة تحت غطاء جوي إسرائيلي، قبل الإفراج عنهم، وإبقاء 4 معتقلين لدى الجيش الإسرائيلي.


الزيدي يستهدف «شركات الوساطة» في عقود التصنيع الحربي

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

الزيدي يستهدف «شركات الوساطة» في عقود التصنيع الحربي

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي هيئة التصنيع الحربي بالتعامل المباشر مع الشركات المصنّعة، ومنع التعامل مع الشركات الوسيطة في التعاقدات، في خطوة تستهدف تعزيز الرقابة على المشتريات الحكومية، والحد من حلقات الوساطة التي تقول مصادر إنها تمثل إحدى قنوات التمويل الاقتصادي لفصائل مسلحة.

ويأتي التوجيه في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين الحكومة وبعض الفصائل، على خلفية مساعي الزيدي لإعادة ضبط العلاقة بين مؤسسات الدولة والتشكيلات المسلحة، بما في ذلك المصالح الاقتصادية المرتبطة بها. وتثير الخطوة، وفق مصادر مطلعة، مخاوف لدى أطراف تستفيد من شبكات شركات وسيطة تعمل في مجال العقود الحكومية.

وخلال زيارة إلى هيئة التصنيع الحربي، الخميس، شدد الزيدي على «ضرورة التعامل المباشر مع الشركات المصنّعة الأم، وعدم التعامل مع الشركات الوسيطة مطلقاً»، بما يضمن الشفافية في التعاقدات، ويحد من حلقات الوساطة ومواطن الفساد، وفق بيان مكتبه الإعلامي.

وأكد الزيدي أن العراق يمتلك القدرة على تصنيع احتياجاته من الأسلحة والمعدات بخبرات وطنية، وأن بناء صناعة حربية متطورة يمثل ركناً أساسياً من أركان السيادة الوطنية، مشدداً على أهمية البحث والتطوير، ومواكبة التطور التكنولوجي في الصناعات العسكرية.

وتُعد هيئة التصنيع الحربي، التي جاءت بديلاً لهيئة التصنيع العسكري التي أنشأها النظام السابق خلال الحرب العراقية - الإيرانية، إحدى المؤسسات الحكومية المعنية بإنتاج وتطوير المعدات العسكرية.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

شركات الظل

وأعاد التوجيه الحكومي تسليط الضوء على شبكة الشركات الوسيطة التي تنشط في التعاقدات الحكومية، والتي تقول مصادر إنها ترتبط بمصالح اقتصادية لفصائل، وتستفيد من نفوذ سياسي وإداري لتوسيع أعمالها داخل مؤسسات الدولة.

وتشير معلومات إلى أن بعض هذه الشركات تعمل ضمن شبكة مرتبطة بشركة المهندس، إحدى تشكيلات «الحشد الشعبي» أو شركات ظل تابعة لها، وتُستخدم، وفق مصادر، في تمرير عقود حكومية، وتوفير موارد مالية لجهات مسلحة.

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الشركات تمثل «جزءاً من آلية تمويل الفصائل المسلحة عبر مسارين: الأول تحقيق إيرادات من المقاولات والعقود، والثاني غسل الأموال وتبييض مصادر دخل ناتجة عن أنشطة غير مشروعة، بينها تهريب النفط والمخدرات».

وأضاف أن نشاط هذه الشركات لا يقتصر على هيئة أو وزارة بعينها، بل يمتد إلى مؤسسات الدولة المختلفة، مستفيداً من النفوذ السياسي والإداري للحصول على عقود حكومية تمنح تعاملاتها التجارية غطاءً رسمياً.

ورغم أن التوجيه الجديد لم يترافق حتى الآن مع إعلان إجراءات تنفيذية ضد الشركات الوسيطة أو الكشف عن عقود يجري إلغاؤها، فإنه يفتح الباب أمام تغيير آلية التعاقد في قطاع الصناعات الحربية، ويضع المصالح المرتبطة بالوساطة التجارية أمام احتمال فقدان أحد مسارات العمل داخل المؤسسات الحكومية.

وفي السياق السياسي، بدأت الخلافات تتصاعد بين بعض الفصائل المسلحة وأطراف في «الإطار التنسيقي»، وسط اتهامات توجهها فصائل إلى قوى سياسية وحكومية بالتعاون مع الزيدي لتقليص نفوذها الاقتصادي والأمني، استجابة لضغوط خارجية.

وتتهم بعض هذه الأطراف الحكومة ومسؤولين فيها بالاستفادة من عقود بمليارات الدولارات، وهي اتهامات لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقة بين بعض الفصائل، لا سيما «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء»، واللجنة التي شكلها الإطار التنسيقي للتفاوض مع الحكومة، تراجعاً في مستوى التنسيق، وفق مصادر مطلعة.

وبرزت أخيراً موجة تقارير تسلط الضوء على أنشطة تجارية لشخصيات وقيادات في فصائل مسلحة، بما فيها «الكتائب»، لم يتسن التحقق من صحتها.

ومع تداول هذه التقارير، يتصاعد نقاش بشأن دور هذه الجماعات المعلن من وصفها «قوى مقاومة» إلى جماعات لديها مصالح اقتصادية وشبكات نفوذ تجاري؛ ما يفتح باب التساؤل عن طبيعة هذه المصالح وعلاقتها بنفوذها المسلح، وعن التكلفة التي قد يتحملها العراق إذا قررت الانخراط في حرب إقليمية.

راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

اختبار التنفيذ

يرى الخبير في الشؤون السياسية حسين علاوي أن زيارة الزيدي إلى هيئة التصنيع الحربي حملت رسالة تتعلق بضرورة حماية المال العام، وتطوير القدرات الدفاعية العراقية من خلال التعامل المباشر مع الشركات العالمية.

وقال علاوي لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الوزراء يسعى إلى «ترصين ملف الصناعة الدفاعية»، بوصفه من الملفات الحساسة التي تتطلب الشفافية والحوكمة، وضمان جودة الأسلحة والمعدات المستخدمة في العراق.

وأضاف أن اعتماد العقود المباشرة مع الشركات العالمية، وفق القوانين والأنظمة التجارية النافذة، إلى جانب توجيه ديوان الرقابة المالية ووزارة التخطيط بإجراء تدقيق مسبق للأسعار التقديرية في العقود، من شأنه الحد من التكاليف الإضافية التي تتحملها الدولة نتيجة تعدد حلقات الوساطة.

من جهته، قال الباحث في الشؤون الأمنية مخلد حازم إن قرار الزيدي يمثل خطوة مهمة في مواجهة شبكات الشركات التي تستفيد من نفوذ جهات سياسية أو مسلحة للحصول على عقود حكومية.

وأضاف حازم لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الشبكات ليست ظاهرة جديدة، بل امتد نشاطها على مدى سنوات، مشيراً إلى أن بعض الجهات تستحوذ على عقود حكومية كبيرة لتمويل كياناتها الاقتصادية، من دون أن تقدم بالضرورة ما يتناسب مع قيمة العقود من حيث جودة المنتجات أو الالتزام بشروط التنفيذ.

اقرأ أيضاً


العراق يرفض استخدام أراضيه للاعتداء على الجوار


رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة لهيئة التصنيع الحربي أمس ببغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة لهيئة التصنيع الحربي أمس ببغداد (إعلام حكومي)
TT

العراق يرفض استخدام أراضيه للاعتداء على الجوار


رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة لهيئة التصنيع الحربي أمس ببغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة لهيئة التصنيع الحربي أمس ببغداد (إعلام حكومي)

بحث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تطورات الأوضاع في المنطقة، وجدد التأكيد على موقف العراق الداعي إلى احترام سيادة الدول وعدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على الجوار.

وأكد الزيدي أهمية استمرار التشاور بين بغداد وواشنطن بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما شدد على ضرورة اعتماد الحلول السلمية والحوار البناء للحفاظ على أمن المنطقة.

وقال مكتب رئيس الوزراء، في بيان أمس (الخميس)، إن الزيدي وترمب أكدا أهمية العمل على مواجهة التحديات الراهنة، بما يدعم الاستقرار الإقليمي، مع تغليب لغة الحوار والدبلوماسية.

إلى ذلك، كشف خبير قانوني عراقي، أمس، أن مسودة جديدة لقانون «الحشد الشعبي» حذفت صلاحيات تجارية ومدنية من النص القديم الذي تطالب فصائل بتشريعه وتهاجم الحكومة على تعديله. لكن على الرغم من ذلك، فإن مصدراً حكومياً قال لـ«الشرق الأوسط» إن «القانون لا يزال مشروعاً ولم يرسل إلى البرلمان بعد»، من دون أن يفصح عن نقاط الخلاف مع الفصائل المسلحة.