مبادرة ترمب احتوت التصعيد... و«عيد النصر» الروسي مر بسلام

حضور متواضع لقادة أجانب... وجنود من كوريا الشمالية شاركوا في العرض العسكري

تشكيلات عسكرية روسية في الساحة الحمراء في عيد النصر (رويترز)
تشكيلات عسكرية روسية في الساحة الحمراء في عيد النصر (رويترز)
TT

مبادرة ترمب احتوت التصعيد... و«عيد النصر» الروسي مر بسلام

تشكيلات عسكرية روسية في الساحة الحمراء في عيد النصر (رويترز)
تشكيلات عسكرية روسية في الساحة الحمراء في عيد النصر (رويترز)

مرت احتفالات روسيا بـ«عيد النصر» على النازية، السبت، من دون وقوع تصعيد يعكر صفوها، بعدما نجحت المبادرة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عشية المناسبة، في احتواء التوتر المتفاقم الذي سيطر على الموقف في الأيام الأخيرة. وشهدت الساحة الحمراء وسط العاصمة الروسية عرضاً عسكرياً محدوداً خلافاً للعادة في السنوات الماضية، حضره الرئيس فلاديمير بوتين، وإلى جانبه عدد من قادة البلدان الحليفة والصديقة لروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وكانت حالة من الترقب المتوتر قد سيطرت على المشهد الروسي الأوكراني بعد تبادل التهديدات من الجانبين، وبدا أن الطرفين استعدا لتصعيد ميداني قوي، بعدما هدد الرئيس فولوديمير زيلينسكي بإرسال مسيَّرات لتحلق «في سماء موسكو في أثناء احتفالات روسيا»، وردت موسكو بالتهديد بتدمير مراكز صنع القرار في كييف، وشن هجوم شامل وقوي إذا حاول الأوكرانيون تخريب احتفالات «عيد النصر».

طائرات مقاتلة تطلق دخاناً بألوان العلم الروسي في سماء الساحة الحمراء (د.ب.أ)

وجاءت مبادرة ترمب عشية المناسبة بإعلان هدنة مؤقتة لمدة 3 أيام تبدأ من التاسع من مايو (أيار) لتحتوي التصعيد المتوقع. وسارع الطرفان الروسي والأوكراني لإعلان الموافقة على المبادرة. وعلق ترمب على نجاح مبادرته وقبولها من الجانبين الروسي والأوكراني بإعلان استعداده لإرسال مفاوضين أميركيين إلى موسكو إذا كان ذلك سيسهم في التوصل إلى تسوية للحرب في أوكرانيا. وأكد الرئيس الأميركي دعمه لتمديد وقف إطلاق النار بين موسكو وكييف إلى ما بعد المدة المعلنة.

وقال ترمب، في تصريحات للصحافيين أمام البيت الأبيض، إنه «مستعد للقيام بذلك إذا كان يعتقد أن الخطوة ستساعد في حل النزاع»، في إشارة إلى إمكانية إرسال وفد أميركي إلى موسكو لإجراء محادثات بشأن الأزمة الأوكرانية. ورأى أنه من الممكن الحديث عن «تمديد كبير» للهدنة بين روسيا وأوكرانيا.

وكتب ترمب في منشور على ⁠موقع «تروث ⁠سوشيال» أن وقف إطلاق النار بين أوكرانيا وروسيا سيشمل تعليق جميع التحركات، وتبادل 1000 أسير من كل بلد. وقال للصحافيين، الجمعة: «أود أن أرى تمديداً كبيراً. قد يكون ذلك ممكناً».

وكان مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف قد أكد في وقت سابق أن روسيا وافقت على مقترح الهدنة الذي طرحه ترمب، في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، وفتح نافذة للحوار بين الجانبين. وبعد ذلك بساعات، أعلن زيلينسكي موافقة بلاده على الهدنة المقترحة.

وتعهد ​ترمب ‌بإنهاء ⁠الحرب ​في أوكرانيا، ووصف ⁠إخفاقه في ذلك بأنه أحد أكبر أسباب خيبة الأمل التي واجهها. قال الكرملين، السبت، إن الولايات المتحدة تتعجل التوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لكن التوصل ​إلى اتفاق من أي نوع لا يزال بعيد المنال للغاية بسبب القضايا المعقدة، وتوقف المحادثات.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف ⁠لمراسل التلفزيون الحكومي بافيل زاروبين: «من المفهوم أن ‌الجانب الأميركي في عجلة ‌من أمره». وأضاف: «لكن مسألة التسوية الأوكرانية معقدة ​للغاية، والتوصل إلى اتفاق ‌سلام هو طريق طويل للغاية يتضمن تفاصيل ‌معقدة». وقال أوشاكوف: «ستستأنف المفاوضات على الأرجح، لكن لم يتضح متى بعد».

وتقاتل القوات الروسية في أوكرانيا منذ أكثر من 4 سنوات، وهي مدة أطول من التي قاتلت فيها القوات السوفياتية في الحرب العالمية الثانية المعروفة في روسيا باسم ‌الحرب الوطنية العظمى ما بين عامي 1941 و1945.

لكن تخفيف أجواء الاحتقان في اللحظات الأخيرة لم يمنح موسكو فرصة زمنية لتوسيع نطاق الاحتفالات، واستعادة زخمها التقليدي؛ ما انعكس على العرض العسكري الذي كان لسنوات المناسبة الأهم لإبراز أحدث قدرات روسيا العسكرية، واستعراض أهم ابتكاراتها ومنجزاتها على صعيد التسليح والتقنيات الجديدة. وغابت في هذا العام عن العرض كل الاستعراضات التقليدية للدبابات والقدرات الصاروخية والمدفعية وطلعات الطيران الحربي، واكتفى المنظمون بعرض محدود سارت خلاله أرتال من الوحدات العسكرية وطلاب الأكاديميات الحربية أمام المنصة الرئاسية. وانتهى العرض بتحليق سريع لسرب من مقاتلات «سوخوي 25» قامت برسم علم روسيا في فضاء الساحة.

بوتين ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو يحضران اجتماعاً في الكرملين بموسكو يوم 9 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لكن اللافت، هذا العام، هو مشاركة وحدة من جنود كوريا الشمالية في العرض العسكري، في مشهد كرس مستوى التحالف بين البلدين اللذين تربطهما معاهدة استراتيجية تنص على الدفاع المشترك. وكانت قوات كوريا الشمالية قد أسهمت في قسط وافر من المعارك في منطقة كورسك الروسية، ونجحت مع القوات الروسية في إجبار الأوكرانيين على الانسحاب منها، العام الماضي.

أيضاً كان لافتاً تواضع مشاركة الزعماء الأجانب في هذه المناسبة الأهم بالنسبة إلى روسيا، وإلى جانب رؤساء كازاخستان وأوزبكستان وبيلاروسيا، وهي البلدان الثلاثة فقط من الفضاء السوفياتي السابق التي حضرت المناسبة على المستوى الرئاسي، فقد وقف بوتين على المنصة بين زعماء لاوس وماليزيا إلى جانب رئيس صرب البوسنة، وزعيمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما مقاطعتان جورجيتان اعترفت موسكو رسمياً بانفصالهما بشكل أحادي قبل سنوات.

مع هذه الأجواء، ألقى بوتين كلمة حماسية بهذه المناسبة، أكد خلالها قيمة التضحيات العظيمة التي قدمها الجنود السوفيات لتخليص العالم من النازية، وقال إن «النصر كان وسيظل دائماً حليفنا».

Security tightened ahead of Victory Day in Moscow

وشدد الرئيس الروسي على «تقديس تراث ووصايا جنود النصر التي تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية لروسيا». وخاطب الحاضرين وبينهم بعض قدامى المحاربين بعبارة: «أهنئكم بيوم النصر، عيدنا المقدس المشرق والأهم! نحتفل به بمشاعر الفخر والحب لوطننا، وندرك واجبنا المشترك في الدفاع عن مصالح ومستقبل البلاد. نحتفل بهذا العيد بامتنان عميق لجيل المنتصرين العظيم». وأكد في كلمته أن «شعب الاتحاد السوفياتي أنقذ العالم بأسره، وحرر الدول من النازية»، وزاد أن «الجندي الروسي قدم تضحيات جسيمة من أجل حرية وكرامة شعوب أوروبا في الحرب العالمية الثانية».

وقال إن «النازيين أعدوا العدة، وخططوا لكل شيء قبل الشروع في إبادة جميع إثنيات الاتحاد السوفياتي، لكنهم أغفلوا الروح الروسية التي لا تُقهر». وتطرَّق بعد ذلك إلى الحرب الأوكرانية، وقال إن «البطولات العظيمة لجيل المنتصرين تلهم المشاركين في العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا حالياً». وأكد أن «الجنود الروس يكافحون العدوان المدعوم من جميع بلدان حلف الأطلسي».

وشدد بوتين على أن «النصر لا يتحقق بالمقاتلين فقط في الميدان، بل بكل من يعمل في الخطوط الخلفية، والجميع يصنعون النصر معاً». وأكد أن بلاده تواصل تطوير قدراتها العسكرية لمواجهة التحديات. وختم بالقول: «مصير روسيا يصنعه أهلها مهما تغيرت تقنيات القتال (...) إني على يقين تام بعدالة قضيتنا ووحدة صفنا، والنصر كان وسيظل دائماً حليفنا».

من جانب آخر، قال فلاديمير بوتين لرئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو ​خلال لقاء في الكرملين، السبت، إن روسيا ستبذل قصارى جهدها لتلبية احتياجات سلوفاكيا من الطاقة. وسلوفاكيا من بين الدول القليلة في أوروبا التي لا ‌تزال تشتري النفط ‌والغاز من ​روسيا، ‌وتحصل ⁠على ​النفط الروسي ⁠عبر خط أنابيب دروجبا الذي بناه الاتحاد السوفياتي. ووصل فيتسو ⁠إلى موسكو لحضور احتفالات النصر، وقال ‌بوتين لفيتسو، الذي اختار عدم حضور العرض في الساحة الحمراء، في تصريحات نقلها التلفزيون: «سنبذل قصارى ‌جهدنا لتلبية احتياجات سلوفاكيا من موارد الطاقة».

جنود روس يشاركون في العرض العسكري (رويترز)

كانت وسائل ⁠الإعلام ⁠الروسية الحكومية قد أفادت في وقت سابق بأن فيتسو سيحضر العرض. وتسعى سلوفاكيا العضو في الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على علاقاتها السياسية مع روسيا، وتقول إن التوقف عن تلقي الإمدادات الروسية سيكون مكلفاً للغاية ​بعد تأسيس ​بنيتها التحتية على أساسها.


مقالات ذات صلة

روسيا تجدد دعوة الدبلوماسيين والأجانب إلى مغادرة كييف

أوروبا زحمة سير في كييف بعد قصف جسور (رويترز) p-circle

روسيا تجدد دعوة الدبلوماسيين والأجانب إلى مغادرة كييف

جددت روسيا، السبت، دعوتها الدبلوماسيين والأجانب الموجودين في كييف إلى المغادرة، محذرةً من أنها ستواصل شنّ «ضربات انتقامية واسعة النطاق» على العاصمة الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الدخان يتصاعد فوق جسر يمتد على نهر دنيبر عقب هجوم بطائرة مسيّرة في كييف (أ.ف.ب)

بسبب «ضربات انتقامية»... روسيا تُجدد دعوة الدبلوماسيين والأجانب إلى مغادرة كييف

جددت روسيا، السبت، دعوتها للدبلوماسيين والأجانب الموجودين في كييف إلى المغادرة، محذرةً من أنّ قواتها ستواصل شنّ «ضربات انتقامية واسعة النطاق» على العاصمة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا زحمة سير في كييف بعد قصف جسور (رويترز)

ضربة روسية تصيب جسراً رئيسياً ثانياً في كييف

أصابت ضربات روسية، اليوم (السبت)، جسراً مهماً في العاصمة الأوكرانية هو جسر الشمال بعد يومين على استهداف جسر الجنوب، وفق ما أعلنه رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس «الدوما» المنتخب حديثاً في موسكو الخميس (أ.ف.ب) p-circle

موسكو تعتبر وقف إمدادات السلاح لأوكرانيا عبر البحر الأسود أولوية قصوى

حذر فلاديمير بوتين من أن جولات التصعيد في الصراعات الدولية قد تؤدي بسرعة إلى سيناريوهات خطيرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات عالقة في زحمة سير قرب أحد جسور العاصمة الأوكرانية كييف عقب ضربات ليلية روسية 2 أكتوبر الحالي (رويترز)

ضربات روسية تعلّق حركة المرور على جسر في كييف

تسببت ضربات روسية جديدة على جسر رئيسي في كييف بتعليق حركة المرور وفرض قيود على جسور أخرى، وسط ازدحام خانق وتصعيد للهجمات على البنية التحتية الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».