انتقادات متصاعدة في ليبيا بسبب «تدهور» الأحوال المعيشية

بعد ضجة فيديو «العامل الفقير»

طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
TT

انتقادات متصاعدة في ليبيا بسبب «تدهور» الأحوال المعيشية

طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)

تصاعدت في ليبيا موجة انتقادات واسعة للسلطات في غرب البلاد بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع مؤشرات الفقر، تزامناً مع انتشار مقطع فيديو قصير أثار ضجة لعامل يتحدث بعفوية عن «ظروفه المعيشية القاسية».

يأتي الاستياء العام الذي عبَّر عنه سياسيون ونشطاء من دلالات هذه الواقعة، في مواجهة مفارقة يتزايد فيها الحديث عن الفقر في بلدٍ غني بالنفط، ويعيش منذ سنوات على وقع الانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

مقطع «عامل البناء الفقير»، الذي انتشر على نطاق واسع عبر صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، أظهر رجلاً خمسينياً بملامح مرهقة في أثناء تناوله وجبة «الفاصوليا» الشعبية، متحدثاً عن «عدم قدرته على الزواج رغم بلوغه الخمسين من العمر»، بينما كان هناك عامل وافد (أفريقي) يصوره بطريقة أثارت غضباً واسعاً.

ولم يكن تحرك السلطات الأمنية في مدينة صرمان عبر توقيف العامل الأفريقي كافياً لاحتواء موجة الغضب الشعبي، بل تحول في نظر كثيرين إلى إشارة دالة على «حجم التدهور المعيشي والفقر، وغياب العدالة الاجتماعية الذي يعيشه المواطن الليبي»، بحسب تقديرهم.

انكسار معيشي

خلصت «المنظمة الليبية لحقوق الإنسان»، ومقرها بنغازي، من هذه الواقعة إلى «حجم الانكسار الذي يعيشه المواطن الليبي داخل وطن يُفترض أنه يملك من الثروات ما يكفي لحفظ كرامة شعبه»، بينما رأى الإعلامي خليل الحاسي، عبر حسابه بمنصة «إكس» أن «الليبيين لا يشعرون بأن المؤسسات والموارد ملك لهم».

وذهبت رابطة «مرضى ضمور العضلات» إلى أن الاحتجاجات التي نظمها ذوو الإعاقة للمطالبة بزيادة المعاشات، الأسبوع الماضي، في طرابلس وبنغازي، تندرج في سياق واحد مع ما عكسه مقطع فيديو العامل البسيط، معتبرة أنها «ترجمة مصورة لمعاناة متفاقمة من تدهور الأحوال المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشّي الفساد».

نسبة الفقر 30 في المائة

تفيد آخر أرقام رسمية بأن «نسبة الفقر في ليبيا تبلغ نحو 30 في المائة»، وهي المعطيات التي أشار إليها وزير الاقتصاد في حكومة «الوحدة» الوطنية حينها، محمد الحويج، خلال تصريحات في يناير (كانون الثاني) الماضي، محذراً من أن «الفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنى».

غير أن تقديرات أكاديمية تشير إلى أن «الوضع قد يكون أكثر حدة، خصوصاً في المناطق الريفية».

وسبق أن تحدثت دراسة ميدانية أعدها الباحثان بجامعة مصراتة الهادي لاغا ومحسن نتيفة، العام الماضي، حول قياس الفقر في منطقتي الوشكة (غرب مدينة سرت الساحلية) وأبوقرين (جنوب مصراتة)، أن «نسبة الفقر بلغت أكثر من 90 في المائة بين عينة عشوائية من 342 أسرة».

إجراءات حكومية

وفي مواجهة الانتقادات والأرقام الصادمة، أقرت حكومة «الوحدة» خطة لخفض الأسعار عقب اعتماد الإنفاق التنموي الموحد بين شرق البلاد وغربها؛ ما أسهم في خفض أسعار بعض المواد الغذائية بنحو 17 في المائة، وفق تقديراتها، إلى جانب إجراءات حكومية تهدف إلى زيادة معاشات المتقاعدين، وتعديلات مرتقبة في معاشات ذوي الإعاقة.

غير أن وزير الاقتصاد الأسبق، سلامة الغويل «لا يبدي تفاؤلاً كبيراً بقدرة هذه الإجراءات على معالجة جذور الأزمة»، مستنداً في ذلك إلى أنه لم يلمس خلال توليه الوزارة «إرادة سياسية حقيقية» لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

ويرى الغويل أن الملف الاقتصادي في ليبيا «لا يدار بشكل جيد»؛ ما أدى إلى «خلق الولاءات السياسية، وتغليب الانتماءات الجهوية على حساب المصلحة الوطنية، فضلاً عن إهمال الاستثمار والتنمية الحقيقية»، كما حمّل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن غياب العدالة الاجتماعية أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة.

وفي ظل انقسام حكومي بين شرق البلاد وغربها، رأى الغويل أن الحكومة المكلفة من البرلمان في بنغازي «لا تتحمل المسؤولية المباشرة عن تردي الأوضاع المعيشية، على أساس أن أدوات إدارة الملف الاقتصادي والمؤسسات السيادية والعلاقات الخارجية ما زالت، وفق قوله، تحت سيطرة حكومة عبد الحميد الدبيبة.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تنتج فيه ليبيا نحو 1.3 مليون برميل نفط يومياً، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا؛ ما يجعل مشاهد الفقر والعوز أكثر صدمة لدى الرأي العام المحلي.

انقسام وهشاشة

الخبير الاقتصادي، عمر زرموح قال لـ«الشرق الأوسط» إن الفقر موجود في معظم دول العالم، وحتى في دول غربية وعربية ثرية، «لكن انتشاره في ليبيا ليس مستغرباً» في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وسوء الإدارة، وهشاشة الوضع الأمني.

وشدد زرموح على ضرورة وجود موازنة «متوازنة ومفصلة» ترافقها سياسات مالية ونقدية وتجارية واضحة، مؤكداً أن معالجة الفقر لا تقتصر على زيادة المعاشات التضامنية، بل تتطلب توفير فرص عمل، ورفع مستوى الإنتاجية، وتحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام.

وبينما دعت دراسة جامعة مصراتة إلى تبنِّي سياسات تنموية شاملة للمناطق الريفية، وإصلاح السياسات النقدية، وتوسيع برامج الدعم المباشر.

يرى سلامة الغويل أن الحل يبدأ من «تشكيل حكومة موحدة تمتلك رؤية وطنية واضحة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمواطن الليبي».


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

شمال افريقيا لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

كلف مجلس النواب الليبي خلال جلسة رسمية في مدينة سبها بجنوب البلاد، الاثنين، فوزي أبو خزام محافظاً لمصرف ليبيا المركزي، ورفع سن التجنيد في الجيش.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)

«فجوات الرواتب» تثير انتقادات داخل قطاعات حكومية في ليبيا

أعاد مشروع قانون لزيادة الأجور بليبيا فتح ملف التفاوت في الرواتب بين العاملين بالدولة، بعدما كشفت أرقام متداولة لمسودته الأولية التي أعدها البرلمان وجود فجوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً بالمجالس البلدية إلى جانب مشاركتها بالحوار السياسي

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من ظاهرة «حراك معلمي ومعلمات جنزور» غرب ليبيا الشهر الماضي (النقابة العامة للمعلمين)

معلمو ليبيا يواصلون الإضراب وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب

يواصل معلمو ليبيا الإضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب.

جاكلين زاهر (القاهرة )

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
TT

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص، أو الخروج في بث مباشر بملابس كاشفة وجريئة، أو التلفظ بألفاظ نابية، وهي قضايا تثير جدلاً واسعاً بين مؤيدين لـ«الضربات الأمنية»، ومعارضين يعدونها «انتقائية ومطاطة»، وتحمل «تمييزاً ضد فئات بعينها».

وللمرة الأولى يفتح صُناع محتوى هذا الملف خلال لقاء مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، مطالبين بوضع تعريف محدد لهذه القيم، فيما بدا أنه قلق من أن تطولهم هذه التهمة يوماً، حتى لو وصفتهم الحكومة في بيان رسمي لها بـ«الجادين».

والتقى رشوان، الأحد، «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي ضمت نحو 70 متخصصاً في المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع»، في إطار لقاءات يعقدها مع جميع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان لوزارة الدولة للإعلام.

عدد من «صناع المحتوى» خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام مطلع الشهر (الوزارة)

وبينما أقر وزير الدولة للإعلام بقدرة المحتوى الرقمي على التأثير في الرأي العام، مبدياً رغبة الحكومة في التواصل مع صُناع المحتوى والاستماع إلى مقترحاتهم ومشكلاتهم و«سبل توفير الدعم الذي يؤدي إلى تطوير الأداء والنهوض بهذا القطاع المهم»، طلب صُناع المحتوى، ومن بينهم ريهام عياد وسامح سند وإسلام فوزي وغيرهم، عدة مطالب من بينها «وضع تعريف محدد لبعض المصطلحات التي يعاقَب صناع المحتوى بسبب الخروج عليها، مثل قيم الأسرة المصرية وغيرها».

واستحدث القانون المصري تهمة الخروج على قيم الأسرة المصرية خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

«قيم الأسرة»

وقال المحامي حسن شومان إن «النص «فضفاض، لكن المشرِّع قصد ذلك لاستيعاب أشكال المحتوى المختلفة والمتجددة التي تظهر كل فترة»، لافتاً إلى أن «عدم وجود نص محدد بقيم الأسرة لا يعني أنها غير معرفة، فبالرجوع إلى الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع نفهم أن مخالفة قيم الأسرة هي ارتكاب الأفعال المخالفة للفقه والتي يشمئز منها المجتمع، وترفضها أعرافه».

وتنشر وزارة الداخلية المصرية بشكل شبه يومي بياناً عن توقيف عدد من صُناع المحتوى لمخالفتهم قيم الأسرة المصرية، آخرها توقيف صانعة محتوى في الإسكندرية لقيامها «بنشر مقاطع فيديو على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعى تتضمن قيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء، والتلفظ بألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية» وفق بيان الداخلية، الاثنين. كما أعلنت في بيان آخر توقيف صانعة محتوى أخرى «لقيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية».

ولم يؤيد شومان في حديثه إلى «الشرق الأوسط» مطلب صُناع المحتوى بتحديد «قيم الأسرة المصرية»، بما قد يفتح الباب لإفلات البعض من العقاب رغم ارتكابهم أشياء تثير استياء المجتمع.

في المقابل، ينتقد المحامي الحقوقي في مؤسسة «قضايا المرأة»، أحمد مختار، المواد الفضفاضة الخاصة بقيم الأسرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المفترض في القوانين أن تكون محكمة ومحددة، وأن يعلم من يحاكم بها ما الخطأ الذي ارتكبه على وجه الدقة، كمواد العقوبات على السرقة مثلاً، أما (قيم الأسرة) فمفهوم فضفاض وقابل للتأويل بطرق مختلفة، ووفق سياقات متعددة، ويحتاج إلى تعديل».

واستشهد باستمرار انتشار المحتوى الذي تصنفه قوات الأمن مخالفاً لقيم الأسرة رغم عشرات القضايا أسبوعياً، معتبراً أن الأوضاع الاقتصادية تعد الدافع الرئيسي لانتشار مثل هذا المحتوى الذي لم تنجح المواجهة الأمنية في السيطرة عليه أو تقليله.

وطالب المؤثرون في اجتماع وزير الإعلام أيضاً بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

«الإشكاليات القانونية»

وأثار لقاء وزير الدولة للإعلام بصناع المحتوى، بالتوازي مع مضي قوات الأمن في مواجهة الخارجين منهم عن القيم الأسرية، تساؤلات حول علاقة الحكومة بهذا الملف، وما إذا كان هذا اللقاء جاء بعد تغير في موقف الدولة من صناع المحتوى.

ورأى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، معتز نادي، أن لقاء رشوان مع صناع المحتوى مؤشر على تطور في فهم المؤسسات الرسمية لطبيعة الاتصال الرقمي، وإدراك أن صورتها الذهنية تتشكل أيضاً خارج قنواتها التقليدية عبر شخصيات يفترض أن تمتلك القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، بشرط ألا يكون فقط عدد المتابعة هو معيار جودة محتواهم.

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «طرح قضية قيم الأسرة المصرية خلال اللقاء يمثل نقطة مهمة؛ لأنه ينقل النقاش من الحديث عن أهمية صناع المحتوى إلى الإشكاليات القانونية التي تواجههم بالفعل»، لافتاً إلى ضرورة التفرقة بين «تنظيم صناعة المحتوى وتجريم بعض الممارسات، فمن حق المجتمع أن تكون هناك ضوابط تحمي الخصوصية وتواجه التشهير والتحريض والمخالفات القانونية، لكن ينبغي أن تكون هذه الضوابط واضحة بالدستور والقانون، ولا خلاف عليها، وألا يصبح الاختلاف مع طبيعة المحتوى أو عدم استحسانه سبباً كافياً للعقاب».

وعادة ما تشير بيانات وزارة الداخلية عن صُناع المحتوى الموقوفين أنهم «اعترفوا بنشر هذه المقاطع (المخالفة للقيم الأسرية) بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية».

وقال نادي: «الأمر يستحق نقاشاً مجتمعياً توافقياً عبر دراسة قانونية، لأن وضوح المصطلحات يساعد صانع المحتوى على معرفة حقوقه والتزاماته، ويحد من تفاوت التفسيرات».


لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
TT

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)

بعد أكثر من 15 عاماً على انتشار الميليشيات في غرب ليبيا، تبدو محاولات تفكيكها وإنهاء نفوذها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد نزع السلاح أو حل تشكيلات بعينها؛ فقد نجحت الحكومات الليبية المتعاقبة في إدماج أعداد كبيرة من عناصر هذه المجموعات في مؤسسات الدولة، وتوفير مصادر تمويل رسمية لها، لكنها لم تتمكن من إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى كثير منها.

ومع تحول الملف الأمني إلى ما يشبه «الحلقة المفرغة» في عدد من مدن غرب ليبيا، يبرز تساؤل حول ما إذا كان تفكيك الميليشيات أصبح هدفاً تجاوزته الوقائع على الأرض ودخل مرحلة «اللاعودة» أم أن نفوذها لا يزال قابلاً لإعادة التنظيم والاحتواء وصولاً إلى إنهائه؟

وتبرز مدينة الزاوية مثالاً واضحاً على هذه المعضلة، مع تكرر الاشتباكات بين مجموعات مسلحة فيها؛ ما دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة إلى عقد لقاءين، الشهر الماضي، مع قيادات مسلحة، مع الدعوة لوقف الاقتتال «فوراً ونهائياً» والالتزام بالانضباطية العسكرية.

وتعكس علاقة الدبيبة بمجموعات الزاوية، كما هو الحال في مدن أخرى من الغرب الليبي، مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة، إذ استفادت حكومته من ثقل بعضها العسكري، مقابل دمج عناصر وقيادات في أجهزة الدولة، وتوفير الدعم والغطاء الرسمي لها، بحسب مراقبين.

لكن المراقبين يؤكدون أن هذا التفاهم يظل عرضة للتراجع عندما تتعارض مصالح الحكومة مع حسابات الميليشيات، أو تتجدد المنافسة على النفوذ والموارد، بما يكشف حدود سياسة الاحتواء وصعوبة الانتقال من استيعاب هذه التشكيلات إلى تفكيكها.

ولا يرى «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» أن مشهد الميليشيات في غرب ليبيا دخل مرحلة «اللاعودة»، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذه المجموعات «دخلت بالفعل في منظومة الدولة، وأصبح لها حضور داخل مؤسسات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية».

ويقول مدير المركز، شريف بوفردة، لـ«الشرق الأوسط» إن عدداً من عناصر هذه التشكيلات «اكتسب شرعية رسمية من خلال الانضمام إلى مؤسسات أمنية أو عسكرية والحصول على مرتبات من الدولة».

من مخلفات اشتباكات الميليشيات المسلحة في طرابلس (أ.ف.ب)

وهذا التشابك، وفق بوفردة، «جعل معالجة الملف أكثر صعوبة، إذ لم تعد الميليشيات كيانات منفصلة بالكامل عن الدولة، وإنما أصبحت، في بعض الحالات، جزءاً من بنيتها ومصالحها وشبكاتها الاقتصادية».

ويعتقد الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية إبراهيم الأصيفر أن المشكلة لا تتعلق بشرعنة السلاح وحدها، وإنما أيضاً بـ«شبكات النفوذ والمصالح والارتباطات المحلية التي نشأت خلال سنوات الانقسام ومع تعاقب الحكومات».

ومن هنا، تراوحت سياسة حكومة «الوحدة» خلال السنوات الأخيرة بين احتواء مجموعات مسلحة ومواجهة أخرى، من بينها جهازا «دعم الاستقرار» و«الردع» في طرابلس، من دون إنهاء دور القوى المسلحة في المشهدين الأمني والسياسي.

ويشير الأصيفر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الدولة استطاعت خلال السنوات الماضية احتواء جزء كبير من هذه التشكيلات، وربط بعضها بمؤسسات رسمية، لكن ذلك لم يؤدِّ حتى الآن إلى إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى جميع المجموعات.

كما يرى أن لقاءات الحكومة مع قيادات الميليشيات، ومنها اللقاء الأخير في الزاوية، تعكس سياسة تقوم على «الاحتواء ومنع التصعيد والحفاظ على الاستقرار»، لكنه يرى أن هذا النهج «لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة».

قادة ميليشيات من الزاوية خلال ملتقى اجتماعي في مصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة)

وكان الدبيبة قد أطلق قبل أكثر من عام عملية عسكرية ضد ما وصفه بـ«عصابات التهريب» في الزاوية، قبل أن تنتهي العملية من دون حسم واضح، ليعود لاحقاً إلى سياسة التهدئة، وفتح قنوات التواصل مع مجموعات مسلحة. ورغم ذلك، عاد في يوليو (تموز) الماضي إلى الحديث عن تفكيك الميليشيات.

ولا يغيب العامل الخارجي عن المشهد؛ إذ يقول بوفردة إن «هناك أطرافاً دولية تتعامل مع بعض التشكيلات المسلحة وفقاً لمصالحها على الأرض»، مشيراً إلى مجموعات في الزاوية وغرب طرابلس يقول إنها «تنشط في تهريب البشر والمهاجرين».

ومع ذلك، فإنه يستبعد تحول الميليشيات إلى أمر واقع دائم، مستشهداً بانتهاء دور تشكيلات سابقة مثل «ثوار طرابلس» و«القعقاع»، وتحجيم دور «جهاز دعم الاستقرار» بعد مقتل قائده عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو (أيار) 2025. ويرى أن ارتباط كثير من التشكيلات بقياداتها «يجعل فقدان القائد عاملاً قد يؤدي إلى تفكك التشكيل نفسه».

عناصر من ميليشيات تابعة لحكومة «الوحدة» في عملية لتعزيز الأمن بطرابلس (رويترز)

في المقابل، يرى الأصيفر أن تفكيك هذه المجموعات لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإنما إلى عملية تدريجية تشمل «إعادة التنظيم والدمج» وضبط التمويل والقرار الأمني، محذراً من أن استخدام القوة وحدها «قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة في شكل آخر».

ويقترح تحويل الميليشيات «من مراكز قوة مستقلة إلى جزء من الدولة»، عبر مشروع واضح يجعل حاملي السلاح جزءاً من مؤسسة رسمية واحدة «وفق قانون واحد وقيادة واحدة».

أما بوفردة فيرى أن تفكيك نفوذ هذه المجموعات يتطلب رفع الغطاء الرسمي عنها، وتجفيف مصادر التمويل الحكومي، وتفعيل الرقابة والتحقيق في الجرائم، إلى جانب دور دولي من خلال مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على المعرقلين.


مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

احتضنت القاهرة اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

ويحمل الاجتماع رسائل مصرية - سودانية عديدة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها استمرار التنسيق والشراكة بعد أسابيع من حادثة حدودية، وتوجيه رسالة لإثيوبيا لوقف الاعتداءات على السيادة السودانية أو حقوق المياه بالنسبة للقاهرة والخرطوم.

ويعد ذلك أرفع اجتماع بين البلدين منذ أزمة مقتل عدد من المُعدِّنين السودانيين، الذين يُطلق عليهم «الدهابة»، بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفق بيان مشترك، الاثنين، فإن «أواصر البلدين تضرب في جذور التاريخ مُحصنة تماماً ضد أي محاولات خبيثة واهية تسعي للإيقاع بين أبناء وادي النيل». وحذر البيان من «الانجرار خلف دعاة الفتنة الذين يسعون لبث السموم في العلاقات الأزلية».

والأحد، قالت الخرطوم إنها تقدمت بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته بـ«الاعتداء السافر» على مرافق مدنية بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بحسب بيان لوزارة الخارجية السودانية.

وتتهم الخرطوم أديس أبابا بالوقوف إلى جانب «قوات الدعم السريع»، في حين تتهم إثيوبيا السودان بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد قال إن «أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الحالي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

ووفق بيان مشترك نقلته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، عقد وزراء الخارجية والري بالبلدين، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

ويمثل هذا الاجتماع الجولة الثالثة لاجتماعات آلية «2+2» التشاورية لوزراء الخارجية والري، وسبقته الجولة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2025، في حين عُقدت الجولة الأولى في الشهر نفسه.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن الاجتماع الرباعي «يكتسب أهمية بالغة في توقيت استثنائي، لا سيما أنه يعقب تحركات سودانية رسمية ضد إثيوبيا».

بينما يعتقد خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن الاجتماع يهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل السياسية المهمة، أولاها «التأكيد على استمرار التنسيق المصري - السوداني على المستوى السياسي والدبلوماسي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المياه، ورفض السياسات والممارسات العدائية الإثيوبية أحادية الجانب في ملف النيل».

ويرى البحيري أن الاجتماع يحمل رسائل للداخل السوداني تتمثل في «محورية الدعم السياسي والاقتصادي والأمني المصري للأشقاء في السودان».

وشددت مصر والسودان على رفضهما أي تهديد لوحدة وسلامة السودان، و«عزمهما على تعزيز التنسيق المشترك من أجل استعادة الاستقرار في السودان».

وأكدت مصر «الرفض القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها على أساس أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه»، كما أكدت استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.

واستعرض الجانبان التطورات في ملف نهر النيل، وشددا على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل.

واتفق الجانبان على أن السد الإثيوبي «يترتب عنه آثار جسيمة، ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي مصب نهر النيل»، وطالبا إثيوبيا بتغيير سياستها الأحادية واستعادة التعاون.

توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسودان الاثنين لتنفيذ مشروعات تنموية في الموارد المائية (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وجرت مفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، ثم تجمدت 3 أعوام قبل استئنافها في 2023. وتجمدت المفاوضات مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر بمصر ولا السودان، دولتَي المصب.

وبالنسبة للبحر الأحمر، أكدت مصر والسودان «ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة»، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية لدوله المشاطئة وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وشدد البلدان على الرفض التام لأي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفض أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة ووحدة أراضي دول الإقليم.

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوداني الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرتكز الاجتماع على مسارين رئيسيين متكاملين بحسب حليمة «أولهما الملف الأمني والعسكري ومواجهة التهديدات الإثيوبية والاعتداءات المستمرة التي تمس السيادة السودانية بدعم الأطراف المناوئة للدولة».

وقال: «يأتي الملف المائي والجيوسياسي (النيل والبحر الأحمر) كمسار ثانٍ بهدف تنسيق المواقف المشتركة حيال ملف مياه النيل، فضلاً عن رفض الأطماع والادعاءات الإثيوبية الأحادية والباطلة بشأن السعي للتواجد على البحر الأحمر بالقوة المسلحة».

وأشار إلى أن التقارب المصري - السوداني وصل إلى مستوى متقدم من التطابق والتشابه والتماثل في المواقف والتوجهات والإجراءات الاستراتيجية.

من جهته، قال البحيري إن مصر «رقم مهم في معادلة توازنات القوى بمنطقة شرق أفريقيا، ولا يمكن عقد أي ترتيبات أو مفاوضات تخص الأزمة السودانية دون المشاركة المصرية في هذه المفاوضات».

وأضاف: «الاجتماعات المصرية - السودانية رسالة مهمة بأن هناك تنسيقاً مصرياً - سودانياً ضد التوجهات الإثيوبية، مع ترجيح أن تقوم الدولتان بتحركات دبلوماسية مكثفة خلال الفترة المقبلة على جميع المستويات الإقليمية والدولية للتأكيد على حقوقهما في مياه نهر النيل من جهة، ورفض التدخلات الإثيوبية في الصراع السوداني وتأجيجه من جهة أخرى».