المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

بعد إعلان أحدها بطرابلس بمشاركة رئيس المجلس الرئاسي السابق

فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

في ليبيا، البلد الذي أنهكته الانقسامات والصراعات منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، تعود المجالس الاجتماعية والقبلية إلى واجهة المشهد بوصفها أحد أبرز الأجسام الساعية لملء فراغ الدولة واحتواء الأزمات، وسط جدل متجدد بشأن حدود أدوارها.

وفي هذا السياق، أعلن، في العاصمة طرابلس، الأسبوع الماضي، تأسيس «مجلس اجتماعي» جديد، بمشاركة شخصيات سياسية واجتماعية، من بينها فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي السابق.

وأعاد هذا الإعلان طرح تساؤلات قديمة تتجدد مع كل أزمة، هل ينحصر دور هذه المجالس في لعب دور الوسيط المحلي، أم أنها بديل عن الدولة في ظل الانقسام الحكومي والسياسي؟

أعضاء بالمجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة عقب اجتماع لهم في أبريل (الصفحة الرسمية للمجلس)

ويشدد مستشار «المجلس الأعلى لقبائل وأعيان ليبيا» مفتاح القيلوشي «على أهمية هذه المجالس في رسم حاضر ومستقبل البلاد بوصفها أجساماً أهلية داخل القبائل والمدن»، وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لا تمارس العمل السياسي المباشر، لكنها تشارك في مؤسسات الدولة عبر أبناء القبائل الذين يتولون مناصب وزارية أو نيابية».

وعدَّ القيلوشي أن «دورالمجلس الوطني يتركز في مؤازرة وحدة الدولة ورفض التدخلات الخارجية».

ومنذ سقوط النظام السابق، برزت المجالس الاجتماعية بوصفها أحد أبرز الفاعلين المحليين في ظل انهيار مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والعسكري والأمني. وتنوعت بين مجالس قبلية تضم شيوخ وأعيان القبائل، وأخرى مدنية ومحلية حملت أسماء مثل «الحكماء» و«الأعيان» و«المصالحة»، قبل أن تتطور إلى تجمعات أوسع تحت عناوين مؤتمرات القبائل والمدن والمجالس الاجتماعية.

الشرق والغرب

وفي شرق ليبيا وغربها، لعبت هذه المجالس أدواراً متفاوتة في الوساطة واحتواء النزاعات وفرض التهدئة، ومن أبرزها مجالس أعيان قبائل العواقير والبراعصة وورفلة والقذاذفة والمقارحة وأولاد سليمان والزنتان، إلى جانب لجان المصالحة بين مصراتة وتاورغاء لمعالجة «ملف النزوح». كما ظهرت مجالس تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو للمطالبة بـ«حقوق الهوية والتمثيل السياسي».

وفي مقابل الدور الذي كان يمثله المكوّن القبلي في عهد القذافي عبر «المُنسقين الاجتماعيين» و«القيادات الشعبية»، يشير القيلوشي إلى أن هذا الدور «أُعيد تشكيله بعد 2011 في إطار المجالس الاجتماعية، التي برزت استجابة لانهيار مؤسسات الدولة، لتتولى مهام الحفاظ على التماسك المجتمعي وإدارة الشأن المحلي في ظل الانقسام والفوضى».

وساق القليوشي مثالاً على ذلك بما شهدته مناطق بشرق وجنوب ليبيا من استقرار نسبي مع إعادة بناء «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، بمشاركة أبناء القبائل، مشيراً إلى «مساهمة القبائل أيضاً في دعم جهود مكافحة الإرهاب ومعالجة بعض الملفات الأمنية والاجتماعية».

ويبرز أن «المجتمع الليبي يتكوّن في غالبيته من قبائل منتشرة في الشرق والغرب والجنوب، إلى جانب مكونات أخرى مثل الأمازيغ والطوارق والتبو»، مؤكداً أن القبيلة مثَّلت «مظلّة اجتماعية» أسهمت في حل النزاعات وضبط الأوضاع عبر الأعراف وشيوخ القبائل بعد غياب مؤسسات الدولة.

أدوات فاعلة

بدوره، وصف الأكاديمي الليبي فرج جبيل هذه المجالس بأنها «أدوات فاعلة في إدارة الشأن العام»؛ لما تتمتع به من مرونة وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون قيود رسمية، ما مكّنها، وفق قوله، من لعب أدوار في الإصلاح الاجتماعي والتأثير في بعض المسارات السياسية.

وجاء الإعلان عن «المجلس الاجتماعي طرابلس» بالتزامن مع تحركات مُشابهة، إذ شرَعَت قبيلة «العلاونة» بالعاصمة في إعادة تنظيم مجلسها الاجتماعي، في حين ظهرت دعوات لإحياء مجلس مماثل في بلدية الأصابعة غرب البلاد.

لكن هذا الحراك لم يمرَّ دون انتقادات عبر صفحات التواصل الاجتماعي، إذ عَدَّ وكيل نقابة المحامين السابق في بنغازي محمد العلاقي أن تنامي دور هذه المجالس يمثل مؤشراً على ما وصفه بـ«بدونة الدولة»، قائلاً إن «الليبيين كان يُفترض أن يتجهوا نحو الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، بدلاً من إعادة إنتاج الأُطر القبلية والاجتماعية».

اجتماع لقيادات بالمجلس الاجتماعي لقبيلة أولاد سليمان في الجنوب الليبي أبريل الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

وناقش المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة، خلال أبريل (نسيان) الماضي، تأسيس صندوق لدعم مرضى الأورام من أبناء القبيلة، في حين انخرط المجلس الاجتماعي لقبيلة «أولاد سليمان» في مراسم صلح وعفو مع إحدى عائلات قبيلة «الماجر» في الجنوب الليبي.

هياكل شكلية

ومع ذلك، يرى الكاتب الصحافي الليبي ناصر سعيد أن كثيراً من هذه الكيانات «فقدت تأثيرها وتحولت إلى هياكل شكلية تقتصر على إصدار البيانات دون حضور فعلي على الأرض»، وهو ما عزاه إلى «الصراع على الزعامة وظهور تجمعات قبلية متباينة المواقف بين قضايا التهميش والدعوات الانفصالية والسجالات السياسية».

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه المجالس افتقرت منذ تأسيسها إلى مشروع وطني موحد وآليات ديمقراطية واضحة، وانشغلت بالمطالب المحلية والمحاصصة داخل مؤسسات الدولة»، مشيراً إلى «تحول بعضها إلى أدوات تستخدمها أطراف سياسية ومجموعات مسلّحة، ما أضعف استقلاليتها ومصداقيتها لدى قطاعات من الليبيين».

ورغم الانتقادات، يرى مراقبون أن المجالس الاجتماعية «تحتفظ بثقل محلي رمزي واجتماعي في عدد من المناطق، لكن تأثيرها المستقبلي مرهون بتجاوز الانقسامات والاستقطابات ودعم الوحدة الوطنية والاستقرار».


مقالات ذات صلة

توحيد القضاء الليبي على طاولة التفاهمات السياسية في لندن

شمال افريقيا تيتيه مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط الثلاثاء (البعثة الأممية)

توحيد القضاء الليبي على طاولة التفاهمات السياسية في لندن

يبحث اجتماع لجنة الحوار الليبي المصغرة، المعروفة باسم «4+4»، في لندن مقترحات تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وتعديل الإطار القانوني المنظم له

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

سارع محافظ مصرف ليبيا المركزي المكلف فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه منصبه، إلى تكثيف مشاوراته مع مؤسسات اقتصادية وسياسية ليبية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)

روسيا تزاحم المبادرات الأميركية والأممية للحل في ليبيا

سلَّطت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في وقت متأخر الثلاثاء، الضوء على فرص تنشيط الدور الروسي في تسوية الأزمة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)

غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

تباينت القراءات حول مخرجات مباحثات أنقرة بين صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا ترحيل 33 مهاجراً غير نظامي من باكستان 27 أكتوبر (مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس)

إحباط محاولة تهريب «مهاجرين» عبر «المتوسط» قبالة سرت الليبية

أجهضت السلطات الأمنية في مدينة سرت الليبية محاولة هجرة غير نظامية لمهاجرين عبر البحر المتوسط، بالتوازي مع ترحيل عشرات النزلاء عبر مطار معيتيقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الجزائر يترأس اجتماعاً تنسيقياً بحضور قادة عسكريين بارزين

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (رويترز)
TT

رئيس الجزائر يترأس اجتماعاً تنسيقياً بحضور قادة عسكريين بارزين

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (رويترز)

ترأس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، اليوم الأربعاء، اجتماعاً تنسيقياً حضره قادة عسكريون بارزون.

وجاء في بيان لرئاسة الجمهورية أن الاجتماع حضره كل من «الفريق أول السعيد شنقريحة الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش، وأحمد عطاف وزير دولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الأفريقية، والفريق مصطفى إسماعيلي قائد القوات البرية، واللواء زوبير غويلة قائد القوات الجوية، واللواء حميد فكان رئيس دائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش، إضافة إلى عبد العزيز مجاهد المدير العام للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة».

ولم تكشف الرئاسة الجزائرية عن فحوى الاجتماع، لكن مصادر مطلعة ربطته بقرار الرئيس تبون، أول من أمس الاثنين، إرسال وحدات من الجيش إلى جمهورية النيجر من أجل «ضمان حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية - النيجرية».


الرئيس المصري: العلاقات مع روسيا تنمو بوتيرة متسارعة

وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)
وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)
TT

الرئيس المصري: العلاقات مع روسيا تنمو بوتيرة متسارعة

وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)
وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «حرص بلاده على توطيد الشراكة الاستراتيجية مع روسيا»، وأشار إلى أن «العلاقات بين مصر وروسيا تنمو بوتيرة متسارعة، وتقوم على مبدأ المنافع المشتركة».

ولفت السيسي خلال محادثات موسعة مع نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الرئاسة الروسية (الكرملين) على هامش أعمال القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، أوردتها تفاصيلها «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، مساء الأربعاء، إلى «أهمية مواصلة التنسيق بين البلدين لتعزيز التعاون في المجالات المختلفة، خاصة المجالات الاقتصادية والتجارية، والموضوعات الخاصة المتعلقة بالحبوب لما لها من أهمية كبيرة».

ووصل السيسي إلى العاصمة الروسية موسكو، الأربعاء، لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، حيث كان في استقباله لدى الوصول إلى مطار فونوكوفو الدولي، نائب وزير الخارجية الروسي بوريسينكو جورجي، وسفير روسيا بالقاهرة ليوكمانوف أرتو روشانوفيتش، ومدير إدارة المراسم بوزارة الخارجية الروسية بوغداشيف إيغور، وسفير مصر لدى روسيا حمدي شعبان، وأعضاء السفارة المصرية في موسكو.

مشاركة الرئيس السيسي في القمة الروسية - الأفريقية تُعد الثالثة (الرئاسة المصرية)

وقال المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية محمد الشناوي، في إفادة، الأربعاء، إن مشاركة الرئيس السيسي في القمة الروسية - الأفريقية تُعد الثالثة، حيث شارك في القمة الأولى التي عقدت بمدينة سوتشي الروسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 تحت الرئاسة المشتركة للرئيسين المصري والروسي، وذلك خلال فترة تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي، كما شارك الرئيس السيسي في أعمال القمة الثانية التي عقدت بمدينة سان بطرسبرغ عام 2023.

وبحسب «وكالة أنباء الشرق الأوسط» شارك الرئيس السيسي، مساء الأربعاء، في حفل استقبال القادة المشاركين في القمة الروسية - الأفريقية، الذي أقامه الرئيس بوتين تكريماً لهم... ومن المقرر أن تنطلق القمة، الخميس، بقصر الكرملين.

وأكد بوتين خلال المحادثات مع السيسي «وجود فرص واسعة لتعزيز العلاقات بين مصر وروسيا»، مشدداً على أن «التعاون بين البلدين يقوم على أساس المصالح والمنافع المشتركة ويشهد تطوراً متسارعاً في مختلف المجالات».

وأشار بوتين، وفق ما أوردته مواقع إخبارية محلية في مصر، مساء الأربعاء، إلى أن العلاقات المصرية - الروسية تتمتع بالاستقرار رغم التوترات التي يشهدها العالم»، لافتاً إلى «تعدد مجالات التعاون المشترك بين البلدين، والفرص المتاحة لدفع الشراكة الثنائية إلى آفاق أوسع».

الرئيس المصري أكد أهمية مواصلة التنسيق بين القاهرة وموسكو لتعزيز التعاون في المجالات المختلفة (الرئاسة المصرية)

وأضاف الرئيس الروسي أن «حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا تجاوز 10 مليارات دولار، بما يعكس تطور العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين، وأهمية مواصلة العمل على تعزيز التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة».

وحول ما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة، لفت بوتين إلى «مشروع محطة الضبعة النووية بمصر لتوليد الكهرباء باعتباره أحد أبرز مشروعات التعاون الاستراتيجي بين البلدين».

ووقّعت القاهرة وموسكو في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 اتفاق تعاون لإنشاء محطة «الضبعة» بتكلفة تبلغ 25 مليار دولار، قدمتها روسيا قرضاً حكومياً ميسّراً إلى مصر، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2017 وقّع البلدان اتفاقات نهائية لبناء المحطة.

وتضم «محطة الضبعة» 4 مفاعلات نووية بقدرة إجمالية 4800 ميغاواط بواقع 1200 ميغاواط لكل مفاعل، ومن المقرَّر أن يبدأ تشغيل المفاعل النووي الأول عام 2028 ثم تشغيل المفاعلات الأخرى تباعاً في عام 2030 بحسب وزارة الكهرباء المصرية.

وأكد الرئيس الروسي، مساء الأربعاء، تنظيم احتفالية كبرى بمناسبة «الوحدة النووية الثانية» بمحطة الضبعة، في إطار التقدم المحرز في تنفيذ المشروع، الذي يمثل محوراً مهماً للتعاون المصري - الروسي في مجال الطاقة النووية السلمية.


الحكومة السودانية تنفي المجاعة وتتهم دولاً بتسييس الأزمة الإنسانية

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)
الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)
TT

الحكومة السودانية تنفي المجاعة وتتهم دولاً بتسييس الأزمة الإنسانية

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)
الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

تصاعد الخلاف بين الحكومة السودانية وأطراف دولية بشأن حجم الأزمة الغذائية في البلاد، بعدما نفت الخرطوم وجود مجاعة، واتهمت دولاً ومنظمات بمحاولة استغلال الأوضاع الإنسانية لفرض هدنة تخدم «قوات الدعم السريع». وأثار الموقف الحكومي انتقادات من تحالف «صمود» المدني، وسط مخاوف من أن ينعكس الخلاف بشأن توصيف الأزمة الإنسانية على الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب.

وأكدت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، الثلاثاء، أن الوضع الغذائي في البلاد «مطمئن»، وأن المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية من شأنهما توفير الاحتياجات الغذائية وتحقيق الاستقرار للمجتمعات المحلية، بما يدحض، وفق تعبيرها، المزاعم بشأن حدوث مجاعة. وجاء الموقف السوداني رداً على بيان مشترك أصدرته 32 دولة وشريكاً دولياً، من بينهم الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية، حذَّروا فيه من تدهور مقلق في الأمن الغذائي بالسودان، ومن احتمال حدوث مجاعة خلال الأشهر المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتسهيل وصول المساعدات.

وقالت الخارجية السودانية إن الحكومة ترحب بالدعم الإنساني الذي يقدمه المانحون والمنظمات الدولية، مؤكدة أنها ظلت توفر الغذاء والدواء في أصعب ظروف الحرب، وأن البلاد لم تشهد مجاعة رغم ما تعرضت له من تدمير للبنية التحتية ونهب للمخزون الاستراتيجي وتهجير للسكان من مناطق الإنتاج الزراعي. وأوضحت أن الجهات المختصة شرعت في تقييم آثار شح الأمطار في بعض المناطق؛ نتيجة ظاهرة «النينيو» والتغير المناخي، وبدأت اتخاذ التدابير اللازمة لسد الفجوات الغذائية التي قد تنشأ عنها.

سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

وأعربت الوزارة عن أسفها لما وصفته بمحاولات بعض الدول والمنظمات توظيف الأوضاع الإنسانية في مناطق بالسودان لخدمة مشروع سياسي، وفرض شروط تسوية تحت مسمى «الهدنة الإنسانية».

واتهمت تلك الأطراف بالسعي إلى إنقاذ «قوات الدعم السريع» من الهزائم العسكرية، ومنحها فرصة لإعادة التسلح والانتشار.

وجددت الحكومة رفضها استخدام المساعدات الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية أو تمويل «الدعم السريع» وتقوية قدراتها العسكرية، مؤكدة التزامها بالتعاون مع الوكالات والمنظمات الإنسانية، وبمسؤوليتها عن حماية المدنيين والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.

وكانت واشنطن ولندن وشركاؤهما حذروا، في بيان مشترك، من أن نحو 19.5 مليون سوداني، يمثلون 41 في المائة من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 5 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ. وأشار البيان إلى أن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم قد يتجاوز 825 ألفاً، محذراً من احتمال تضاعف عدد المناطق المهددة بالمجاعة، المقدر حالياً بنحو 14 منطقة. ودعا الموقعون طرفي الحرب إلى إزالة العوائق أمام المساعدات، والسماح بوصولها عبر الحدود وخطوط التماس، بما في ذلك النقل الجوي إلى دارفور، وتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني وحماية المنشآت المدنية.

وفي أحدث موقف بريطاني معلن، حذرت وزيرة الدولة للتنمية الدولية كيرستي ماكنيل، في رد برلماني من خطر تعرض السودان لمجاعة غير مسبوقة منذ أربعة عقود، مشيرة إلى أن الهجمات على البنية التحتية وعرقلة المساعدات والجفاف تفاقم الأزمة. وأوضحت أن بلادها خصصت 146 مليون جنيه إسترليني للمساعدات الإنسانية للسودان خلال العام الحالي، بينها 15 مليوناً لدعم المستجيبين المحليين.

من جانبه، استنكر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، بشدة بيان الخارجية السودانية، عادَّاً أن إنكار خطر المجاعة يعكس تنصلاً من المسؤولية عن الكارثة الإنسانية، ومحاولة لاتخاذها ذريعة لرفض الجهود الرامية إلى وقف الحرب. وقال التحالف، في بيان نشره على «فيسبوك»، إن التحذيرات الدولية بشأن تعرُّض نحو 19.5 مليون سوداني لانعدام الأمن الغذائي الحاد تستدعي تحركاً عاجلاً، بدلاً من التشكيك في حجم الأزمة. ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير فعالة لفتح المعابر وتأمين الممرات البرية والجوية، وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود أو تدخل من أطراف القتال. وجدد «صمود» مطالبته بإقرار هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، تتيح حماية المدنيين وإيصال المساعدات، وتمهد لوقف دائم لإطلاق النار واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.