الدبيبة و«إخوان ليبيا»... من «شراكة الظل» إلى صراع علني

قال إن التنظيم استغل مرضه لمحاولة الوصول للسلطة

الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة و«إخوان ليبيا»... من «شراكة الظل» إلى صراع علني

الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

تغيَّرت الرياح السياسية المتجهة من واشنطن نحو العاصمة الليبية، طرابلس، فتبدَّلت معها شراكات قائمة و«علاقات قديمة»؛ فما كان يجري سراً وراء الكواليس، بات الآن منبوذاً في العلن.

شيء من هذا يتجسَّد راهناً في العلاقة بين «الإخوان المسلمين» في ليبيا وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، بعد هجومه على التنظيم خلال لقاء جماهيري، واتهامه بـ«استغلال مرضه للوصول إلى السلطة».

الدبيبة والغرياني في بطرابلس سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

«حميد بيموت»

وبدا أنَّ الدبيبة، الذي اتهم الإخوان بـ«الانتهازية»، آخذ في التخفّف من ارتباطاته وشراكات الظل، لا سيما أنَّ الترتيبات الدولية الجديدة باتت تحتم إظهار مواقف واضحة من التنظيم؛ لذا لم يجد غضاضة في القول علناً: «أحد الإخوان اتصل بدول خارجية وقال لهم: (حميد بيموت ورشحوني مكانه)، قالوا له: (يموت... وبعدين نتفاهم)»!

وأدرجت الولايات المتحدة في مطلع العام الحالي فروع «الإخوان» في كل من مصر ولبنان والأردن على قائمة الإرهاب العالمي. وفي مارس (آذار) الماضي صنّفت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان «منظمةً إرهابيةً»، متهمة إياها بـ«تلقي دعم من إيران». وسارع الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من مجلس النواب (شرق البلاد)، لتدارك ما أقدم عليه الدبيبة، بوصفه «يطعن في تيار ساند قدوم الدبيبة إلى السلطة»، وفق سياسيين رصدوا هذا الدعم.

وعلى مدار العقد الماضي، تفاوت وزن التيارات ذات الإسناد الديني في ليبيا تبعاً للحاضنة الاجتماعية في أقاليمها الثلاثة. وبينما رسَّخ الإسلاميون وجودهم في المنطقة الغربية بوصفهم لاعباً أساسياً، فإنهم واجهوا ممانعة صلبة في المنطقة الشرقية التي اتخذت منهم موقفاً عدائياً صريحاً، وفق دراسة نشرها «مركز الإمارات للسياسات» التي أشارت إلى أنَّه في المقابل، اتسم تعامل قبائل الجنوب مع هذا التيار بالمرونة والواقعية؛ إذ تحكم «البراغماتية» واللامبالاة السياسية علاقة المكونات الاجتماعية في الجنوب مع التيار الإسلامي، تماماً كما تفعل مع بقية مفرزات المشهد السياسي.

وكان الدبيبة الذي تلقى علاجاً في الخارج مؤخراً، وجَّه انتقادات لاذعة إلى تنظيم «الإخوان»، وقال إنه «لم يعد لهم وجود في البلاد، ولن تكون لهم أي فرصة للعودة إلى المشهد السياسي»، الأمر الذي أزعج الغرياني وطالبه بالعدول عن التعميم الذي عدَّه «خطأ سياسياً يضر بالدبيبة».

ورأى الغرياني في أسلوب الدبيبة تشابهاً بممارسات «بعض أجهزة استخبارات دولية في التعامل مع خصومها، والحديث عن (الإخوان) كأنهم مرادف للإرهاب». وقال: «هجوم الدبيبة على (الإخوان) لا يجوز، كونه يتضمَّن تعميماً على الشرفاء والأحرار منهم».

ومضى الغرياني كأنَّه يلتمس عذراً للدبيبة، وذلك عبر حديثه في قناة «التناصح» التي يمتلكها نجله سهيل، مساء الأربعاء، وقال: «الدبيبة لا يقصد بحديثه (الإخوان) الداعمين له، وإنما يقصد يقيناً الفريق الذي يمثله صوان وانضم إلى شرق ليبيا»؛ في إشارة إلى محمد صوان الذي قال إنه انشق عن الإخوان وأسَّس «الحزب الديمقراطي».

الدبيبة مع أعيان ووجهاء قصر الأخيار الثلاثاء الماضي (حكومة «الوحدة»)

أمام حديث الدبيبة الذي يتهم «الإخوان» بالتواصل مع دول أجنبية بغرض المساعدة على الوصول للسلطة، طالب عبد الرزاق العرادي، عضو «المجلس الوطني الانتقالي» في ليبيا، الدبيبة بدعوة النائب العام للتحقيق في هذه الواقعة.

مؤتمر جنيف

العرادي، الذي كان عضواً في جماعة «الإخوان» وقال إنه تركها، روى مشاهداته على ما دار في كواليس «مؤتمر جنيف». وقال إن أعضاء «حزب العدالة والبناء» كانوا حلفاء للدبيبة، وصوَّتوا له ضد قائمة (باشاغا - عقيلة)، ثم استمروا مناصرين لحكومة «الوحدة» وشركاء لها داخل المجلس الأعلى للدولة.

وتساءل العرادي وفق ما نقلت وكالة «ريبورتاج» الإخبارية المحلية: «هل انتهى هذا الحلف؟».

رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان سابقاً فتحي باشاغا (أرشيفية - رويترز)

جانب من تحولات التيار الإسلامي في ليبيا دفع جماعة الإخوان في 2 مايو (أيار) 2021 إلى إعلان تحولها لجمعية تحمل اسم «الإحياء والتجديد»، في إجراء سبق ووصفه الدكتور فريد بن بلقاسم، الأكاديمي التونسي، بـ«لعبة الأسماء».

و«اتفاق جنيف» الذي جرى برعاية الأمم المتحدة انتهى في فبراير (شباط) 2021 إلى انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة وموحدة في ليبيا لإنهاء الانقسام السياسي، تمثلت في مجلس رئاسي برئاسة محمد المنفي، وحكومة برئاسة الدبيبة.

وفازت قائمة الدبيبة والمنفي في مواجهة قائمة عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وفتحي باشاغا الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في حكومة «الوفاق الوطني» السابقة، في أجواء شابتها تجاوزات واتهامات للدبيبة بـ«تقديم رشى» لترجيح كفته على منافسيه.

ويرى المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش، في تصريح صحافي، أن «الإخوان أكثر مجموعة تجيد لعبة المصالح والاستفادة من الجميع دون أن تقدم شيئاً؛ ويبدو أن الدبيبة اكتشف تلاعبهم وأبعد عنه المستفيدين منه».

الإخوان... ودعم الدبيبة

وعلّق بيان منسوب لـ«رابطة شباب ومناصري الإخوان في ليبيا» على حديث الدبيبة، وذكر أنه «تضمَّن إشارات سلبية». وقال: «أعضاء إن الجماعة وذراعها السياسية (حزب العدالة والبناء) كانوا من الداعمين لحكومة الدبيبة طيلة السنوات الماضية بشكل مباشر».

وأشار إلى أن «العلاقة السياسية التي جمعت قيادات الحزب والحكومة لم تكن خفية، بل تجسدت في لقاءات رسمية ومعلنة، من بينها لقاءات مع رئيس الحزب السابق عماد البناني، في إطار التنسيق السياسي الطبيعي بين الفاعلين في الشأن العام». ولم يعلق البناني على البيان.

ويوظف الغرياني حضوره الإعلامي عبر فضائية «التناصح» - التي تبث من خارج البلاد - لإصدار فتاوى توصف بـ«المثيرة للجدل»، يتدخل من خلالها في عمق المشهد السياسي عبر تأييد سلطات طرابلس.

وتتسم مواقفه بالحدة تجاه جبهة الشرق، لا سيما القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وهو ما يعزِّز حالة الاستقطاب بين معسكرَي البلاد.

وكانت الجماعة بررت انتقالها إلى المسمى الجديد بكونه «خطوة لتعزيز رسالتها المجتمعية عبر شتى المجالات»، وذهبت إلى أن «قرار التحول كان ثمرة سلسلة من الندوات وورش العمل التحضيرية، تزامناً مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة».

وتأتي هذه التغيرات تبعاً لتصاعد الدور الدبلوماسي الأميركي في ليبيا عبر تحركات مكثفة يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، الذي بات يلعب دور «مهندس التقاربات» بين واشنطن ومراكز القوى الليبية.


مقالات ذات صلة

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

شمال افريقيا مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

تسعى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إلى توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب الخريطة الأمنية والعسكرية في طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تدعم الجهود الأممية لتسوية سياسية ليبية شاملة

تجددت الأربعاء التأكيدات المصرية على دعم الجهود الأممية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية ليبية - ليبية شاملة مع التشديد على تمسك القاهرة بـ«ملكية الليبيين»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

«الجيش الوطني الليبي» ينفي لقاء صدام حفتر ونتنياهو

نفى مصدر عسكري مسؤول في «الجيش الوطني الليبي» صحة ما تردد عن لقاء نائب القائد العام للجيش صدام حفتر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً في أبوظبي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه الثلاثاء (البعثة الأممية)

مساعٍ أممية - عربية لتفكيك العقدة الليبية

في إطار تحركات أممية لحلحلة الأزمة الليبية أطلعت الممثلة الأممية هانا تيتيه الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي على التطورات السياسية والأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة يوم 10 سبتمبر (المركز الإعلامي التابع لصالح)

ليبيا: تصاعد الخلاف بين «النواب» و«الدولة» مجدداً بسبب قوانين الانتخابات

تصاعد الخلاف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في ليبيا بشأن قوانين الانتخابات ومسار «4+4»، وسط تمسك «المجلس الأعلى للدولة» بمخرجات «6+6».

خالد محمود (القاهرة)

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)

أصدرت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا الموريتانية، مساء الثلاثاء، قراراً نهائياً برفض الطعن المقدم من البرلمانيتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، وتأييد حكم الاستئناف القاضي بحرمانهما من الحقوق المدنية والسياسية 5 سنوات، في تطور يفتح الباب أمام إعلان شغور مقعديهما بالبرلمان رسمياً.

وتنتمي النائبتان إلى حركة «إيرا» الحقوقية، ودخلتا البرلمان عبر حزب «الصواب» ذي الميول القومية البعثية، وتعود القضية إلى أبريل (نيسان) الماضي، إثر بثّ مباشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» انتقدت خلاله البرلمانيتان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في تصريحات اعتبرت النيابة العامة أنها تضمنت مساساً بالرموز الوطنية، وإهانة لرئيس الجمهورية، وتحريضاً على العنف.

وجرى توقيف البرلمانيتين بموجب حالة «التلبس»، التي تتيح تجاوز الحصانة البرلمانية استثنائياً، حيث أصدرت محكمة نواكشوط الغربية في مايو (أيار) حكماً بسجنهما 4 سنوات نافذة، خفّفتها محكمة الاستئناف في يوليو (تموز) إلى سنتين، مع إضافة الحرمان من الحقوق السياسية 5 سنوات، وهو الشق الذي يمس مباشرة عضويتهما البرلمانية.

وبعد صدور قرار محكمة الاستئناف، أصدر الرئيس ولد الغزواني عفواً رئاسياً أسقط عقوبة السجن، لكنه استثنى الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، فيما أصدر المجلس الدستوري بعد ذلك قراراً يقضى بعدم إمكانية تأكيد فقدان النائبتين صفتهما البرلمانية في تلك المرحلة.

واستند المجلس في قراره إلى أن حكم محكمة الاستئناف، الصادر وقتها، لم يكن قد اكتسب بعد الصفة النهائية لكونه لا يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا؛ وبالتالي عادت البرلمانيتان إلى البرلمان مؤقتاً بعدما كان الحرس قد منعهما من الدخول في وقت سابق. غير أن هذه العودة لم تخلُ من توتر إضافي، إذ فرض البرلمان لاحقاً عقوبات تأديبية بحقهما تمثلت في طرد مؤقت، إثر اعتصام نظمتاه داخل المبنى.

واليوم أصبح حكم الحرمان نهائياً بقرار المحكمة العليا، حيث يتوقع أن تبدأ إجراءات خروجهما من البرلمان ليحل محلهما آخران من نفس الحزب.

وكان قرار المحكمة قد فجّر جدلاً سياسياً حاداً، حيث انتقد حزب «الصواب»، في بيان، قرار المحكمة العليا، معتبراً أنه يندرج ضمن «سياسة إسكات أصوات المعارضين» والتضييق على البرلمانيين، ومستشهداً بالمادة 50 من الدستور التي تحظر متابعة أي نائب بسبب رأيه أو تصويته أثناء أداء مهامه.

ووصف الحزب توقيت القرار بأنه يأتي في «ظرف سياسي دقيق»، مشيراً إلى أن المساس بحرية النائبتين يمتد أثره إلى «حق المواطنين في التمثيل» داخل البرلمان.

ويتجدد هذا الجدل، في وقت تستعد الأطراف السياسية لتنظيم حوار وطني شامل، دعا له ولد الغزواني، بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي يقود إلى إصلاحات متفق عليها.


«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
TT

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)

تسعى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إلى توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب الخريطة الأمنية والعسكرية في طرابلس، وذلك خلال زيارة وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي إلى واشنطن، التي شملت لقاءات مع مسؤولين أميركيين بارزين.

والتقى الطرابلسي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ووين وول، المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء بتوقيت طرابلس.

وشملت المباحثات، بحسب بيان حكومي، اتفاق التعاون الأمني بين البلدين، ودعم قدرات الأجهزة الأمنية وتبادل الخبرات، إلى جانب مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود، في وقت تكثف فيه واشنطن اتصالاتها مع الأطراف الليبية بشأن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بالتوازي مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ويكتسب لقاء الطرابلسي مع مسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي دلالة إضافية، إذ يضع التعاون الأمني الليبي ـ الأميركي في إطار الاتصالات الأوسع التي تجريها واشنطن بشأن مستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية وترتيبات توحيدها.

الأمين العام للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي خيري التميمي خلال لقاء مع وفد عسكري فرنسي في بنغازي الثلاثاء (إعلام القيادة العامة)

ووفق بيان للحكومة، تناولت اللقاءات سبل تطوير التعاون بين المؤسسات الأمنية في البلدين، وتعزيز القدرات وتبادل الخبرات، فضلاً عن ملف الهجرة غير النظامية والحد من تداعياتها، ورفع قدرات المؤسسات المختصة في تأمين الحدود والتعامل مع هذا الملف.

وشدد الجانبان على أهمية استمرار التنسيق والتواصل، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا، وتطوير آليات التعاون بين المؤسسات الأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وذهب الطرابلسي إلى التأكيد على «أهمية تطوير مجالات العمل المشترك بين المؤسسات الأمنية الليبية ونظيرتها الأميركية، ورفع القدرات الأمنية وتبادل الخبرات وتطوير آليات التنسيق، إلى جانب تكثيف التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود».

وتأتي الزيارة في توقيت تشهد فيه طرابلس تحركات لإعادة ترتيب انتشار التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية، وسط استمرار تعدد القوى الفاعلة داخل العاصمة وتداخل مناطق نفوذها.

وبحسب مصدر سياسي مطلع في طرابلس، تتزامن التحركات الأميركية مع ترتيبات أمنية تقودها أطراف في حكومة «الوحدة»، من بينها وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، لإعادة تنظيم الخريطة الأمنية والعسكرية في العاصمة.

وتداولت وسائل إعلام محلية معلومات عن اعتماد رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، خلال اجتماع أمني في مصراتة، خطة لإعادة توزيع التشكيلات المسلحة في طرابلس، بعد تصنيفها إلى «موثوقة» و«غير موثوقة». ولم تؤكد حكومة «الوحدة» هذه المعلومات أو تنفها.

وعاد التوتر خلال الأيام الماضية بين تشكيلات أمنية وعسكرية إلى العاصمة، على خلفية خلاف بشأن الانتشار في «جزيرة القادسية» وسط طرابلس، بما يعكس استمرار هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعيد تشكيلها خلال العامين الماضيين، رغم مساعي حكومة «الوحدة» إلى إعادة تنظيم وجود القوى المسلحة والأجهزة الأمنية داخل العاصمة.

ومنذ اشتباكات العام الماضي، تعمل حكومة الدبيبة على إعادة ترتيب الخريطة الأمنية في طرابلس، لكنها اعتمدت في الوقت نفسه على أكثر من قوة لتأمين العاصمة، الأمر الذي أبقى التوازن بين التشكيلات المسلحة عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة الانتشار الأمني.

وفي شرق ليبيا، برز تحرك فرنسي موازٍ مع قيادة الجيش الوطني، إذ استقبل الفريق خيري التميمي، الأمين العام للقيادة العامة، السفير الفرنسي تيري فالا والملحق العسكري الجديد تانغي تروغييه، الثلاثاء، في لقاء تناول تطوير العلاقات والتنسيق وتبادل الخبرات.

وجاء اللقاء عقب وصول سفينة الدعم الفرنسية «لوار» إلى قاعدة بنغازي البحرية. وتنتمي السفينة إلى فئة سفن الدعم والمساعدة متعددة المهام، وتستخدم في الدعم اللوجيستي والتدريب والمساعدة الفنية.

وكانت السفينة قد شاركت مؤخراً في نشاط بحري قبالة الساحل الغربي لليبيا، إلى جانب سفن جزائرية وإيطالية، ضمن أنشطة مبادرة «5+5 دفاع» الهادفة إلى تعزيز الأمن والسلامة البحرية وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية العملياتية.

وتشارك فرنسا في رئاسة مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن مسار برلين، وتدعم الحوار بين المؤسسات الأمنية في شرق ليبيا وغربها، بينما تضع الولايات المتحدة توحيد المؤسسات وتعزيز التعاون الأمني ضمن محاور اتصالاتها مع الأطراف الليبية.


نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.