الدبيبة و«إخوان ليبيا»... من «شراكة الظل» إلى صراع علني

قال إن التنظيم استغل مرضه لمحاولة الوصول للسلطة

الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة و«إخوان ليبيا»... من «شراكة الظل» إلى صراع علني

الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

تغيَّرت الرياح السياسية المتجهة من واشنطن نحو العاصمة الليبية، طرابلس، فتبدَّلت معها شراكات قائمة و«علاقات قديمة»؛ فما كان يجري سراً وراء الكواليس، بات الآن منبوذاً في العلن.

شيء من هذا يتجسَّد راهناً في العلاقة بين «الإخوان المسلمين» في ليبيا وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، بعد هجومه على التنظيم خلال لقاء جماهيري، واتهامه بـ«استغلال مرضه للوصول إلى السلطة».

الدبيبة والغرياني في بطرابلس سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

«حميد بيموت»

وبدا أنَّ الدبيبة، الذي اتهم الإخوان بـ«الانتهازية»، آخذ في التخفّف من ارتباطاته وشراكات الظل، لا سيما أنَّ الترتيبات الدولية الجديدة باتت تحتم إظهار مواقف واضحة من التنظيم؛ لذا لم يجد غضاضة في القول علناً: «أحد الإخوان اتصل بدول خارجية وقال لهم: (حميد بيموت ورشحوني مكانه)، قالوا له: (يموت... وبعدين نتفاهم)»!

وأدرجت الولايات المتحدة في مطلع العام الحالي فروع «الإخوان» في كل من مصر ولبنان والأردن على قائمة الإرهاب العالمي. وفي مارس (آذار) الماضي صنّفت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان «منظمةً إرهابيةً»، متهمة إياها بـ«تلقي دعم من إيران». وسارع الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من مجلس النواب (شرق البلاد)، لتدارك ما أقدم عليه الدبيبة، بوصفه «يطعن في تيار ساند قدوم الدبيبة إلى السلطة»، وفق سياسيين رصدوا هذا الدعم.

وعلى مدار العقد الماضي، تفاوت وزن التيارات ذات الإسناد الديني في ليبيا تبعاً للحاضنة الاجتماعية في أقاليمها الثلاثة. وبينما رسَّخ الإسلاميون وجودهم في المنطقة الغربية بوصفهم لاعباً أساسياً، فإنهم واجهوا ممانعة صلبة في المنطقة الشرقية التي اتخذت منهم موقفاً عدائياً صريحاً، وفق دراسة نشرها «مركز الإمارات للسياسات» التي أشارت إلى أنَّه في المقابل، اتسم تعامل قبائل الجنوب مع هذا التيار بالمرونة والواقعية؛ إذ تحكم «البراغماتية» واللامبالاة السياسية علاقة المكونات الاجتماعية في الجنوب مع التيار الإسلامي، تماماً كما تفعل مع بقية مفرزات المشهد السياسي.

وكان الدبيبة الذي تلقى علاجاً في الخارج مؤخراً، وجَّه انتقادات لاذعة إلى تنظيم «الإخوان»، وقال إنه «لم يعد لهم وجود في البلاد، ولن تكون لهم أي فرصة للعودة إلى المشهد السياسي»، الأمر الذي أزعج الغرياني وطالبه بالعدول عن التعميم الذي عدَّه «خطأ سياسياً يضر بالدبيبة».

ورأى الغرياني في أسلوب الدبيبة تشابهاً بممارسات «بعض أجهزة استخبارات دولية في التعامل مع خصومها، والحديث عن (الإخوان) كأنهم مرادف للإرهاب». وقال: «هجوم الدبيبة على (الإخوان) لا يجوز، كونه يتضمَّن تعميماً على الشرفاء والأحرار منهم».

ومضى الغرياني كأنَّه يلتمس عذراً للدبيبة، وذلك عبر حديثه في قناة «التناصح» التي يمتلكها نجله سهيل، مساء الأربعاء، وقال: «الدبيبة لا يقصد بحديثه (الإخوان) الداعمين له، وإنما يقصد يقيناً الفريق الذي يمثله صوان وانضم إلى شرق ليبيا»؛ في إشارة إلى محمد صوان الذي قال إنه انشق عن الإخوان وأسَّس «الحزب الديمقراطي».

الدبيبة مع أعيان ووجهاء قصر الأخيار الثلاثاء الماضي (حكومة «الوحدة»)

أمام حديث الدبيبة الذي يتهم «الإخوان» بالتواصل مع دول أجنبية بغرض المساعدة على الوصول للسلطة، طالب عبد الرزاق العرادي، عضو «المجلس الوطني الانتقالي» في ليبيا، الدبيبة بدعوة النائب العام للتحقيق في هذه الواقعة.

مؤتمر جنيف

العرادي، الذي كان عضواً في جماعة «الإخوان» وقال إنه تركها، روى مشاهداته على ما دار في كواليس «مؤتمر جنيف». وقال إن أعضاء «حزب العدالة والبناء» كانوا حلفاء للدبيبة، وصوَّتوا له ضد قائمة (باشاغا - عقيلة)، ثم استمروا مناصرين لحكومة «الوحدة» وشركاء لها داخل المجلس الأعلى للدولة.

وتساءل العرادي وفق ما نقلت وكالة «ريبورتاج» الإخبارية المحلية: «هل انتهى هذا الحلف؟».

رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان سابقاً فتحي باشاغا (أرشيفية - رويترز)

جانب من تحولات التيار الإسلامي في ليبيا دفع جماعة الإخوان في 2 مايو (أيار) 2021 إلى إعلان تحولها لجمعية تحمل اسم «الإحياء والتجديد»، في إجراء سبق ووصفه الدكتور فريد بن بلقاسم، الأكاديمي التونسي، بـ«لعبة الأسماء».

و«اتفاق جنيف» الذي جرى برعاية الأمم المتحدة انتهى في فبراير (شباط) 2021 إلى انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة وموحدة في ليبيا لإنهاء الانقسام السياسي، تمثلت في مجلس رئاسي برئاسة محمد المنفي، وحكومة برئاسة الدبيبة.

وفازت قائمة الدبيبة والمنفي في مواجهة قائمة عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وفتحي باشاغا الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في حكومة «الوفاق الوطني» السابقة، في أجواء شابتها تجاوزات واتهامات للدبيبة بـ«تقديم رشى» لترجيح كفته على منافسيه.

ويرى المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش، في تصريح صحافي، أن «الإخوان أكثر مجموعة تجيد لعبة المصالح والاستفادة من الجميع دون أن تقدم شيئاً؛ ويبدو أن الدبيبة اكتشف تلاعبهم وأبعد عنه المستفيدين منه».

الإخوان... ودعم الدبيبة

وعلّق بيان منسوب لـ«رابطة شباب ومناصري الإخوان في ليبيا» على حديث الدبيبة، وذكر أنه «تضمَّن إشارات سلبية». وقال: «أعضاء إن الجماعة وذراعها السياسية (حزب العدالة والبناء) كانوا من الداعمين لحكومة الدبيبة طيلة السنوات الماضية بشكل مباشر».

وأشار إلى أن «العلاقة السياسية التي جمعت قيادات الحزب والحكومة لم تكن خفية، بل تجسدت في لقاءات رسمية ومعلنة، من بينها لقاءات مع رئيس الحزب السابق عماد البناني، في إطار التنسيق السياسي الطبيعي بين الفاعلين في الشأن العام». ولم يعلق البناني على البيان.

ويوظف الغرياني حضوره الإعلامي عبر فضائية «التناصح» - التي تبث من خارج البلاد - لإصدار فتاوى توصف بـ«المثيرة للجدل»، يتدخل من خلالها في عمق المشهد السياسي عبر تأييد سلطات طرابلس.

وتتسم مواقفه بالحدة تجاه جبهة الشرق، لا سيما القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وهو ما يعزِّز حالة الاستقطاب بين معسكرَي البلاد.

وكانت الجماعة بررت انتقالها إلى المسمى الجديد بكونه «خطوة لتعزيز رسالتها المجتمعية عبر شتى المجالات»، وذهبت إلى أن «قرار التحول كان ثمرة سلسلة من الندوات وورش العمل التحضيرية، تزامناً مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة».

وتأتي هذه التغيرات تبعاً لتصاعد الدور الدبلوماسي الأميركي في ليبيا عبر تحركات مكثفة يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، الذي بات يلعب دور «مهندس التقاربات» بين واشنطن ومراكز القوى الليبية.


مقالات ذات صلة

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

ترأس الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والجزائري عبد المجيد تبون الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بمشاركة وزراء من البلدين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا تكالة يتوسط المنفي (إلى اليمين) والدبيبة في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الأعلى للدولة)

تباينات بين أطراف الأزمة الليبية بشأن «مسارات الحل»

تتقاطع الرؤى المتعلقة بإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا، في وقت اتسعت فيه الفجوة بين أفرقاء الصراع في طرابلس، تزامناً مع تحركات البعثة الأممية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا ميلوني والدبيبة خلال مراسم الاستقبال في روما يوم 7 مايو (مكتب الدبيبة)

الدبيبة وميلوني يبحثان في روما ملفات «الهجرة» والطاقة والسجناء الليبيين

شدد عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية على أهمية تعزيز التنسيق العملياتي، ودعم قدرات بلاده في مراقبة الحدود والسواحل، ومكافحة شبكات التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ستيفاني خوري والتميمي خلال لقاء في بنغازي الأربعاء (البعثة الأممية)

نقاشات موسعة في بنغازي حول توحيد الجيش الليبي بمشاركة أممية

كشف لقاء بين نائبة مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني خوري وقيادي في قوات «الجيش الوطني»، الأربعاء، عن توافق في الرؤى حيال ضرورة توحيد الجيش.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر وسفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خلال لقاء في بنغازي (حساب السفير عبر منصة «إكس«)

سباق دبلوماسي أوروبي لحلحلة الأزمة الليبية

تسارعت التحركات الدبلوماسية الأوروبية في ليبيا خلال الأيام الأخيرة، في سباق مع الوقت بالتزامن مع تداول مبادرة أميركية منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي.

علاء حموده (القاهرة)

تباينات بين أطراف الأزمة الليبية بشأن «مسارات الحل»

تكالة يتوسط المنفي (إلى اليمين) والدبيبة في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الأعلى للدولة)
تكالة يتوسط المنفي (إلى اليمين) والدبيبة في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الأعلى للدولة)
TT

تباينات بين أطراف الأزمة الليبية بشأن «مسارات الحل»

تكالة يتوسط المنفي (إلى اليمين) والدبيبة في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الأعلى للدولة)
تكالة يتوسط المنفي (إلى اليمين) والدبيبة في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الأعلى للدولة)

خرج رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، عن صمته إزاء مبادرة منسوبة لمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، مبدياً رفضاً ضمنياً لها من خلال التمسك بإنجاز «الدستور أولاً» ورفض «الحكم العسكري». ويرى مراقبون أن هذا الموقف يمثل «مناورة لاحتواء الاحتقان الشعبي بالمنطقة الغربية ضد الحلول الخارجية المفروضة»، في ظل سعي أممي لحلحلة الأزمة.

تصريح الدبيبة، الذي أطلقه منتصف الأسبوع، لم يُخفِ حجم التباين القائم بينه وبين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، اللذين تحفظا ورفضا منذ البداية المبادرة الأميركية، والمسار الأممي ممثلاً في لجنة «4+4».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً منذ سنوات بين حكومتين متنافستين: الأولى هي «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وفي هذا السياق، يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، أن مجلسه ليس في «تحالف» مع حكومة «الوحدة»، وقال يوجد «مجرد تنسيق مطلوب بين سلطة تنفيذية ومجلس استشاري بالمنطقة الغربية». ورغم إقراره بوجود «توتر محدود» في علاقة تكالة والدبيبة، قال معزب لـ«الشرق الأوسط» إن «التواصل بينهما لا يزال مستمراً».

ويشير إلى أن علاقة الدبيبة بالمنفي «هي الأكثر تضرراً، منذ بداية الترويج لمبادرة بولس، واستشعار المنفي خطر إزاحته من موقعه». وتقضي المبادرة المنسوبة لمستشار الرئيس الأميركي بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مع إبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة تجمع سلطتي طرابلس وبنغازي.

صدام حفتر (أرشيفية - أ.ف.ب)

وشدد معزب على أن معارضة مجلسه للمسارات الراهنة، وخاصة لجنة «4+4» الأممية التي عقدت أول اجتماع لها الأسبوع الماضي في روما، «تأتي بسبب تجاوزها للأطر الدستورية وتوقع فشلها بعد تبديد المزيد من وقت الليبيين، لا خشيةً من التهميش في المشهد السياسي كما يردد البعض».

ووفقاً لرؤية مدير مركز «صادق» للدراسات، أنس القماطي، فإن الدبيبة «ربما راهن في البداية على التخلي عن تحالفاته الراهنة والاكتفاء بدعم الجماعات المسلحة في العاصمة لقمع أي اعتراضات على مبادرة بولس، لكنه أدرك لاحقاً أن هذا لن يتحقق».

وأوضح القماطي لـ«الشرق الأوسط» أنه مع رصده لرفض مكونات عدة بمدينة مصراتة للمبادرة، «وتحديداً رفض صدام حفتر؛ سارع الدبيبة للإعلان عن موقفه الرافض ضمنياً للمبادرة».

في المقابل، لا يرى المحلل السياسي الليبي، صلاح البكوش، أن الدبيبة «خسر كثيراً جراء توتر علاقته مع المنفي في الأسابيع الأخيرة»؛ مرجعاً ذلك إلى «محدودية حضور الأخير في الشارع، ومرور الرجلين بتوترات ومناكفات متكررة جراء الصراع على الصلاحيات منذ مجيئهما معاً للسلطة مطلع 2021».

وذهب البكوش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «ثمة تفاهمات أعمق تجمع الدبيبة بالمجلس الأعلى للدولة»، مبدياً تفاؤله بإمكانية احتواء التوتر بينهما عبر «استشارة الأعلى للدولة رسمياً في تسمية ممثليه بلجنة 4+4».

ولفت البكوش إلى أن الدبيبة «لم يدْلِ خلال الفترة الماضية بأي تصريح يعلن فيه موافقته أو حتى تماهيه مع مبادرة بولس بتنصيب صدام في رئاسة المجلس الرئاسي، مما ساهم في قطع الطريق أمام توظيف أي طرف للأمر».

ويعتقد البكوش أنه «في حال وجود إصرار أميركي على تنفيذ تلك المبادرة، فإن الدبيبة كان سيستند إلى هذا الموقف الشعبي الرافض لتمريرها».

وأشار إلى أن البعثة الأممية «باتت تقترب من مبادرة بولس عبر تحقيق إنجازات تدريجية سريعة، حيث يتم حصر التفاوض في دائرة ضيقة من الفاعلين من ممثلي شرق وغرب البلاد، بعيداً عن تعقيدات مجلسي النواب والأعلى للدولة وخلافاتهما».

أما الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، فذهب إلى أن «الترويج لمبادرة بولس كان في الأصل لجس نبض الشارع، والتغطية على ما كشف عنه تقرير لجنة الخبراء الأممية من شبهات فساد طالت شخصيات سياسية وعسكرية في عموم البلاد».

ويرى القماطي أن «الدبيبة سعى لتهدئة الشارع عبر رفض المبادرة الأميركية، والتأكيد على مسار إقرار الدستور أولاً، ورفض حكم العسكر، فيما تبقى تحالفاته الاقتصادية مع القوى الفاعلة في الشرق راسخة تحت الطاولة، وهو ما أشارت إليه تقارير لجنة الخبراء الأممية ذاتها».

واختتم معبراً عن قناعته بأن «الدبيبة لن يبالي بترميم علاقاته مع تكالة والمنفي، في ضوء اعتماده على دعم مجموعات عسكرية موالية في الغرب الليبي، وتواصل تحالفه الاقتصادي مع الشرق». ويؤيد حفتر مسارات الحل المتعلقة بمبادرة بولس، ومساعي اللجنة «4+4» التي تحظى بدعم أممي.


تداعيات «حرب إيران» تشجّع الحكومة المصرية على إنهاء «الدعم السلعي»

وزير التموين المصري شريف فاروق خلال جولة بإحدى الأسواق (وزارة التموين المصرية)
وزير التموين المصري شريف فاروق خلال جولة بإحدى الأسواق (وزارة التموين المصرية)
TT

تداعيات «حرب إيران» تشجّع الحكومة المصرية على إنهاء «الدعم السلعي»

وزير التموين المصري شريف فاروق خلال جولة بإحدى الأسواق (وزارة التموين المصرية)
وزير التموين المصري شريف فاروق خلال جولة بإحدى الأسواق (وزارة التموين المصرية)

تجدد الحديث في مصر عن الحاجة للتحول من «الدعم السلعي» إلى «الدعم النقدي»، وذلك قبل شهرين من بدء العمل بالموازنة العامة الجديدة للدولة مطلع يوليو (تموز) المقبل، وبالتزامن مع اتخاذ الحكومة المصرية إجراءات لترشيد الإنفاق في مواجهة تداعيات «الحرب الإيرانية»، ما يشجع على تطبيق المنظومة الجديدة مع تقديرات عديدة تشير إلى وجود إهدار في قيمة «الدعم العيني» المستمر منذ عقود طويلة.

ويقوم نظام الدعم الحالي على إتاحة سلع غذائية بأسعار مخفضة، تتحمل الحكومة فارق تكلفتها لأقل الفئات دخلاً عبر منافذ محددة، وبكميات مرتبطة بعدد أفراد الأسرة.

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن الحكومة تدرس تطبيق منظومة «الدعم النقدي» اعتباراً من العام المالي المقبل، في إطار تطوير سياسات الدعم وتحقيق كفاءة أكبر في توجيه المساعدات، وأنها تتابع الملف مع وزيرَي التضامن الاجتماعي والتموين، إلى جانب الجهات المعنية، بهدف إعداد خريطة تنفيذية شاملة لآليات التطبيق.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده مدبولي عقب الاجتماع الأسبوعي للحكومة مساء الأربعاء، أشار فيه إلى أنه سيتم الإعلان عن بعض التفاصيل الخاصة بالمنظومة الجديدة خلال الفترة المقبلة، عقب الانتهاء من الدراسات الفنية والتنظيمية.

وهذه ليست المرة الأولى التي يشير فيها مدبولي إلى الاتجاه نحو إنهاء «الدعم السلعي»، غير أن خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» رأوا أن هذه المرة تبدو الحكومة «أكثر جدية» بشأن تطبيق خطتها، بخاصة أنها تسعى إلى ترشيد الإنفاق العام للتخفيف من التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، ولا تنفصل الخطوة عن تطبيق البرنامج الإصلاحي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، في وقت تنتظر فيه مصر إتمام 3 مراجعات للصندوق قبل نهاية هذا العام لصرف 3.3 مليار دولار.

ومنذ بدء «الحرب الإيرانية» اتخذت الحكومة قرارات من شأنها ترشيد النفقات، وطبقت «الإغلاق المبكّر» لمدة شهر قبل أن توقف تنفيذه، لكنها تستمر في تحديد يوم كل أسبوع للعمل من المنزل، وما زالت تطبق إجراءات ترشيد الوقود داخل الهيئات الحكومية.

وبين الحين والآخر تُبدي الحكومة المصرية رغبتها في التحول إلى «الدعم النقدي»، وفي عام 2024 أعلنت تدشين «حوار مجتمعي» لمناقشة خطتها، وحظي الأمر بنقاشات واسعة داخل أروقة «الحوار الوطني»، الذي أوصى بتوسيع دائرة الدعم، مع إمكانية التحول لإقرار «الدعم النقدي».

ويستفيد من «الدعم العيني»، الذي يحصل عليه المواطنون من خلال «بطاقات التموين»، 64 مليون مواطن تقريباً، مع وجود 23 مليون بطاقة، في حين يستفيد عدد أكبر يصل إلى نحو 70 مليون مواطن من دعم «الخبز المدعم»، وفقاً لآخِر إحصاءات حكومية صادرة في عام 2022.

وفي رأي النائب عصام خليل، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) رئيس حزب «المصريين الأحرار»، فإن التحول إلى «الدعم النقدي» تأخّر كثيراً مع تقدير الحكومة أن «الدعم السلعي» لا يصل إلى مستحقيه، وأن اتخاذ الخطوة مع بدء العام المالي الجديد لن يضيف أعباء مالية، وسيقلل من هدر السلع التموينية. لكن خليل أشار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلطة التشريعية سيكون عليها أن تراقب بحذر شديد إجراءات الحكومة التنفيذية لإتمام التحول، وضمان ألا تقع تأثيرات الاضطرابات الإقليمية على المواطنين المستفيدين، مضيفاً: «يجب أن يكون ذلك (الدعم النقدي) في صالحهم لكي يكونوا أكثر قدرة على شراء سلع أساسية يحتاجونها».

جانب من اجتماع سابق للحكومة المصرية (مجلس الوزراء المصري)

وسبق أن أشار رئيس الوزراء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى أن «أي توجهات مستقبلية نحو تطوير منظومة الدعم سوف تعتمد على توافر قواعد بيانات دقيقة ومتكاملة، وعلى دراسات فنية واقتصادية واجتماعية شاملة، بما يضمن اتخاذ قرارات مدروسة ومتوازنة تحقق مصلحة المواطن والدولة».

لجنة مراجعة

وزاد النائب خليل على ذلك تأكيده على أهمية أن يرتبط التحول إلى «الدعم النقدي» بإنشاء جهاز أو لجنة تراجع معدلات التضخم وتأثيراتها على أسعار الغذاء، وأن يتم تكرار تجربة «لجنة مراجعة أسعار الوقود» على السلع التموينية، وأن تحدد الأسعار بشكل نصف سنوي أو سنوي.

وتمكنت مصر من خفض التضخم من ذروته البالغة 38 في المائة في سبتمبر (أيلول) 2023 إلى 12.3 في المائة في نهاية العام الماضي، لكن منذ اندلاع الحرب أخذت مؤشرات التضخم في التصاعد مجدداً، قبل أن يعلن البنك المركزي المصري انخفاضاً طفيفاً في أبريل (نيسان) الماضي إلى 14.9 في المائة، مقابل 15.2 في المائة في مارس (آذار) 2026، بنسبة تراجع بلغت 0.3 في المائة.

ورفعت الحكومة المصرية قيمة مخصصات السلع التموينية في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، إلى 178.3 مليار جنيه (الدولار يساوي 54 جنيهاً تقريباً)، بزيادة 11 في المائة على أساس سنوي، ليستحوذ وحده على 38 في المائة من إجمالي مخصصات الدعم المقدرة بنحو 468 مليار جنيه، ويظل أكبر بنود الدعم في الموازنة الجديدة.

الدعم لمستحقيه

رئيس مبادرة «مواطنون ضد الغلاء»، محمود العسقلاني، يتفق أيضاً مع أن إنهاء «الدعم العيني» تأخّر كثيراً «في ظل عدم قدرة الحكومة على مراقبة مخالفات الدعم الذي تقدمه من (البدّالين) - محال بيع السلع التموينية - وأصحاب المخابز، والآن هي لديها الشجاعة التي تجعلها تُقدم على الخطوة لضمان ترشيد النفقات، وكذلك الاستجابة لمطالب (صندوق النقد)».

وأوضح العسقلاني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن نجاح التطبيق يرتبط بوجود آلية تراعي معدلات التضخم على قيمة الدعم، ووجود قاعدة بيانات «منضبطة»، لضمان ذهاب الدعم إلى مستحقيه، مع ضرورة تقديم مزيد من الدعم لأكثر الفئات احتياجاً.


صورة للاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال مع صحافي سجين تفجر عاصفة بالجزائر

صورة نشرتها الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال مع الصحافي السجين كريستوف غليز (حسابها بمنصة «إكس»)
صورة نشرتها الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال مع الصحافي السجين كريستوف غليز (حسابها بمنصة «إكس»)
TT

صورة للاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال مع صحافي سجين تفجر عاصفة بالجزائر

صورة نشرتها الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال مع الصحافي السجين كريستوف غليز (حسابها بمنصة «إكس»)
صورة نشرتها الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال مع الصحافي السجين كريستوف غليز (حسابها بمنصة «إكس»)

أثارت زيارة المرشحة الرئاسية الفرنسية السابقة، سيغولين رويال، للصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر بتهمة «الإرهاب»، كريستوف غليز، بركاناً من الجدل السياسي والإعلامي في البلاد.

وتوّجت الزيارة، التي تمت الثلاثاء، بالتقاط صورة تجمع الطرفين داخل «مكتب رسمي» في السجن، حيث فجّرت تساؤلات حادة حول «الصفة» التي سمحت لمسؤولة فرنسية سابقة باختراق البروتوكولات الصارمة، في وقت يواجه فيه صحافيون محليون قيوداً مشددة على الزيارة.

وتأتي هذه الخطوة من رويال، التي تترأس «جمعية فرنسا - الجزائر»، لتعكس عمق تقاربها مع الرئاسة الجزائرية، في ظل الأزمة الدبلوماسية الراهنة مع باريس، وسط تسريبات تؤكد تلقيها تعهداً رسمياً بإطلاق سراح غليز بموجب عفو رئاسي وشيك.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

سابقة قانونية

ونشرت رويال صورتها مع غليز، بحسابها بالإعلام الاجتماعي، وأرفقته بمنشور جاء فيه: «تقديم الدعم لكريستوف غليز، بفضل موافقة الرئيس على زيارته وإيصال مجموعة من الكتب إليه... كل التضامن مع والديه الرائعين، سيلفي وفرانسيس، اللذين أتمنى من كل قلبي أن تجد مناشدتهما بطلب العفو استجابةً من السلطات».

ولفتت رويال إلى أنها تزور الجزائر حالياً، بناء على دعوة للمشاركة في فعالية ثقافية ذات أبعاد دينية، نظمت في سياق زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر للجزائر، منتصف أبريل (نيسان) الماضي.

وزارت مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2007 الجزائر عدة مرات منذ مطلع العام الحالي، في إطار وساطة تجريها لإزالة التوترات بين البلدين، التي اندلعت في صيف 2024، إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وخلال لقاء لها مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في يناير (كانون الثاني) الماضي، طلبت منه رسمياً إصدار عفو رئاسي لفائدة الصحافي الرياضي الثلاثيني كريستوف غليز.

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (أرشيفية - الرئاسة الجزائرية)

وظهرت لاحقاً مؤشرات على موافقة الرئيس على طلبها، لمّا نقلت وزارة العدل الصحافي من سجن مدينة تيزي وزو (120 كيلومتراً شرق العاصمة) إلى سجن القليعة بضواحي العاصمة.

والمرة الأولى التي زارت فيها رويال غليز في سجنه، كانت في 30 يناير، حيث دام اللقاء 35 دقيقة. وعدّت الزيارة، في الأوساط السياسية والصحافية في الجزائر وفرنسا، يومها بأنها «مؤشر قوي» على تلبية طلبها بالإفراج عنه، وأن ذلك مسألة وقت فقط. كما أثيرت يومها تساؤلات حول «الصفة» التي أتيحت لرويال بزيارة سجين، لا تربطها به علاقة عائلية، ولا هي محاميته، ما يعني انتفاء «المسوّغ القانوني»، وفق التشريعات الجزائرية، الذي يمنح لها الحق للاجتماع بشخص مسجون.

وتوقف حقوقيون وقانونيون عند رمزية الواقعة، مؤكدين أنها سابقة؛ إذ لم يسبق أن سُمح لسجين وزائره بالتقاط صورة داخل أسوار السجن، في ظل إجراءات مشددة تفرضها إدارة السجون تمنع بموجبها حتى المحامين وعائلات المعتقلين من إدخال الهواتف أو معدات التصوير.

إسلاميون في قلب الجدل حول غليز

وتعليقاً على صورة رويال مع غليز، كتب القيادي الإسلامي علي بن حاج، الموجود في الإقامة الجبرية منذ عامين، بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «صورة من السجن قبل العفو!». متسائلاً: «هل يمكن للسجين الجزائري أن يلتقط صورة مع أهله؟ هل يمكن للشيخ والأستاذ المربي سيد علي بن حجر (قيادي إسلامي مسجون منذ عامين) والصحافي حسن بوراس، والحقوقي عبد الله بن نعوم، والصحافي عبد الوكيل بلام، أن يلتقطوا صوراً مع أهاليهم من داخل السجن، وغيرهم كثير من معتقلي الرأي؟!! هل تركوا السجناء السياسيين (معظمهم إسلاميون يفوق عدهم المائة) من التسعينات المسجونين ظلماً وزوراً، أن يموتوا بين أهاليهم، وليس التقاط الصور معهم من محبسهم؟!».

الصحافي الفرنسي المسجون كريستوف غليز (منظمة «مراسلون بلا حدود»)

وأضاف بن حاج: «... ولكن الصحافي في هذه الحالة فرنسي الجنسية، والتي زارته فرنسية...ثم قال ماذا! قال نحن أصحاب سيادة وقرار... ولكم واسع النظر!».

وطرحت «قضية التقاط الصورة من داخل السجن» نقاشاً حول «مدى وجاهة» تهمة «المسّ بالوحدة الوطنية» التي قادت 3 صحافيين مستقلين إلى السجن، وهم إلى جانب بلام وبوراس، صحافي التلفزيون العمومي عبد العالي مزغيش.

وبينما يرى مراقبون في الزيارة محاولةً لفتح قنوات خلفية لـ«إذابة الجليد» بين البلدين، يشنّ اليمين الفرنسي هجوماً لاذعاً على رويال، متهماً إياها بـ«استغلال ملفات إنسانية لتلميع علاقتها مع النظام الجزائري على حساب التوازنات السياسية الفرنسية».

وكانت عائلة الصحافي أعلنت، الاثنين الماضي، تنازله عن الطعن بالنقض، ما يمهد الطريق أمام إمكانية صدور عفو رئاسي.

ويُشار إلى أن الرئيس تبون كان قد أفرج عن الكاتب الفرنسي الجزائري، بوعلام صنصال، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، استجابة لـ«مناشدة إنسانية» قدّمها الرئيس الألماني فرنك - فالتر شتاينماير. وكان صنصال قد شكّل محوراً للتوترات مع باريس منذ توقيفه في أواخر عام 2024 بتهمة «المسّ بالوحدة الوطنية».

وكانت محكمة الاستئناف قد أيّدت، في أواخر عام 2025، حكماً بالسجن النافذ لمدة 7 سنوات بحقّ كريستوف غليز، الصحافي في مجلة «سو فوت»، بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، وهي التهمة التي استندت إلى صلات مفترضة جمعته بعضو في تنظيم انفصالي بمنطقة القبائل، مصنف على قوائم الإرهاب. وكان غليز قد اعتُقل في مدينة تيزي وزو، كبرى حواضر المنطقة، بينما كان بصدد إنجاز تحقيق صحافي حول نادي كرة القدم المحلي.

ونُظر إلى إدانته، في فرنسا، أنها «إجراء انتقامي» وسط التوترات الدبلوماسية الحادة بين البلدين، وهي قضية أثارت موجة عارمة من الاستياء والتعاطف في فرنسا.