«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مقتل الآلاف من عناصره ونزوح مئات الآلاف منذ دخوله على خط حرب إيران في مارس

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)

أظهرت تقديراتٌ خسائر لم يُكشف عنها من قبل من داخل «حزب الله» اللبناني أنه تكبد ثمناً باهظاً بسبب خوض الحرب الأحدث مع إسرائيل، في الثاني من مارس (آذار) الماضي، إذ احتلت إسرائيل جزءاً من جنوب لبنان، وشرّدت مئات الآلاف، وقتلت الآلاف من مقاتلي «حزب الله».

كما أسفرت هذه الخطوة عن عواقب سياسية وخيمة، ففي بيروت زادت حدة المعارضة لتسلُّح «حزب الله»، إذ يَعدّ خصوم الجماعة في لبنان أن هذا التسلح يُعرّض الدولة لحروب متكررة مع إسرائيل، وفقاً لتقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أجرت الحكومة اللبنانية محادثات مباشرة مع إسرائيل، لأول مرة منذ عقود، في قرارٍ عارضه «حزب الله» بشدة.

ومع ذلك، صرّح أكثر من 12 مسؤولاً في «حزب الله»، لـ«رويترز»، بأنهم يرون «فرصة لقلب الموازين»، بما يرجح كِفة الجماعة، عبر التحالف مع طهران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وبدأت الجماعة، التي أسسها «الحرس الثوري» الإيراني في عام 1982، إطلاق النار بعد يومين من اندلاع الحرب على إيران بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وقال المسؤولون إن حسابات «حزب الله» تستند إلى تقييمٍ مفاده أن مشاركة الجماعة ستؤدي حتماً إلى جعل لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية الإيرانية، وأن الضغط الإيراني يمكن أن يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً من ذلك الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في أعقاب صراع سابق بين «حزب الله» وإسرائيل اندلع بالتزامن مع الحرب في قطاع غزة.

وتكبدت الجماعة أيضاً خسائر فادحة في ذلك الصراع الذي أسفر عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، إلى جانب نحو خمسة آلاف مسلَّح، وأضعف من هيمنة تمتَّع بها «حزب الله» لفترة طويلة على شؤون الدولة اللبنانية، وفق «رويترز».

وبعد إعادة التسلح بمساعدة إيرانية، استخدمت جماعة «حزب الله» أساليب جديدة وطائرات مُسيّرة، مما أثار دهشة كثيرين بقدراتها بعد هدنةٍ هشة استمرت 15 شهراً توقَّف خلالها «حزب الله» عن إطلاق النار، حتى مع استمرار إسرائيل في قتل أعضاء الجماعة.

ونفى إبراهيم الموسوي، النائب عن «حزب الله»، أن تكون الجماعة قد تصرفت نيابة عن إيران عندما استأنفت الأعمال القتالية، وهو ما يقوله مُعارضوها. وقال، لـ«رويترز»، إن «حزب الله» رأى فرصة «لكسر هذه الحلقة المفرغة... حيث يستطيع الإسرائيليون استهداف واغتيال وقصف وقتل أي شخص دون أي رد».

وأقرّ الموسوي بالخسائر والأضرار في جنوب لبنان، لكنه قال: «لا ينبغي للمرء التطرق لحسابات من قبيل عددِ مَن سيُقتلون... (عندما تكون) الكرامة والسيادة والاستقلال» على المحك.

ودخل وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في 16 أبريل، وأدى إلى تراجع كبير في الأعمال القتالية الكبرى، لكن إسرائيل و«حزب الله» يواصلان تبادل الضربات في الجنوب، حيث تُبقي إسرائيل قوات في «منطقة عازلة» أعلنتها بشكل أحادي الجانب.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث كبير في مركز كارنيجي الشرق الأوسط ببيروت، إن «(حزب الله) أظهر ثباتاً أكبر مما كان يعتقد كثيرون أنه ممكن، لكن ذلك لم يكن مكسباً استراتيجياً في حد ذاته».

وأضاف لـ«رويترز»: «الشيء الوحيد الذي سيُحجّم إسرائيل هو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران... ما لم يجرِ إبرام اتفاق، فسيعاني الجميع معاناة شديدة، وفي أحسن الأحوال سيصل الوضع إلى طريق مسدود مؤلم».

* قبور حفرت حديثاً وامتلأت سريعاً

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من 2600 شخص قُتلوا منذ الثاني من مارس، وإنَّ خُمسهم تقريباً من النساء والأطفال والمُسعفين. ولا تُفرّق البيانات بين المدنيين والمسلّحين.

وقالت ثلاثة مصادر، من بينهم مسؤولان في «حزب الله»، إن بيانات الوزارة لا تشمل كثيراً من قتلى الجماعة. وذكرت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي «حزب الله» قُتلوا، لكن الجماعة ليس لديها إحصاء نهائي بعدُ.

وفي بيان لـ«رويترز»، نفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» الأرقام التي ذكرتها المصادر، وقالت إن أرقام وزارة الصحة اللبنانية تشمل أعضاءه الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية. وذكر أحد المصادر، وهو قائد عسكري في «حزب الله»، أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى بلدتيْ بنت جبيل والخيام الواقعتين على خط المواجهة عازمين على القتال حتى الموت. ولم يجرِ انتشال جثثهم حتى الآن.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، التي يسيطر عليها «حزب الله»، امتلأ أكثر من 20 قبراً حديث الحفر بجثث مقاتلين، في الأيام التي أعقبت سَرَيان وقف إطلاق النار. وتشير شواهد قبور بسيطة من الرخام إلى أن بعضهم قادة، والبعض الآخر من المقاتلين.

وفي قرية ياطر وحدها بجنوب لبنان، جرى تسجيل مقتل 34 مقاتلاً من «حزب الله».

وتعمل إسرائيل على ترسيخ سيطرتها على منطقة تأمين تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، وتهدم القرى قائلة إنها تهدف إلى حماية شمال إسرائيل من هجمات مسلّحي «حزب الله» المتمركزين في المناطق المدنية.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية إن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار المعلَن في نوفمبر 2024 بإطلاق النار على مواطنين إسرائيليين في الثاني من مارس. وأضاف أن التهديد الذي يواجه شمال إسرائيل سيجري القضاء عليه، مشيراً إلى مقتل الآلاف من مسلَّحي «حزب الله»، وأن إسرائيل تعمل بثبات على تدمير البنية التحتية للجماعة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» أطلق مئات الصواريخ والطائرات المُسيرة على إسرائيل منذ الثاني من مارس. وأعلنت إسرائيل مقتل 17 جندياً في جنوب لبنان، إلى جانب مدنيين اثنين في شمال إسرائيل.

ويواصل «حزب الله» الهجمات قائلاً إن وقف إطلاق النار المعلَن في أبريل لا معنى له، مشيراً إلى استمرار الغارات الإسرائيلية.

* إيران «لن تبيع» أصدقاءها

وصف دبلوماسي على اتصال مع «حزب الله» قرار دخول الجماعة في الحرب بأنه مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء، قائلاً إنها شعرت بأنه من الضروري أن تكون جزءاً من المشكلة حتى تصبح طرفاً في أي حل على المستوى الإقليمي، في نهاية المطاف.

ولم يتضح بعدُ ما إذا كانت هذه المجازفة ستؤتي ثمارها.

وتُطالب طهران بجعل وقف الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله» جزءاً من أي اتفاق لإنهاء الحرب الأوسع نطاقاً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال، الشهر الماضي، إن أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن مع طهران «لا يشمل لبنان بأي شكل من الأشكال».

وردّاً على أسئلة من «رويترز»، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إلى بيانٍ صدر في 16 أبريل قال فيه إن السلام في لبنان ضروري للمحادثات التي تتوسط فيها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. وقال مسؤول غربي إنهم يرون احتمالاً بأن تتوصل الولايات المتحدة وإيران، في نهاية المطاف، إلى تسويةٍ لا تتطرق إلى الحرب في لبنان.

ولم تردَّ وزارة الخارجية الأميركية ولا بعثة إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ولا الحكومة اللبنانية بعدُ على طلبات للتعليق بهذا الشأن.

وقال الموسوي النائب عن «حزب الله» إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يزال أولوية قصوى لإيران، مضيفاً أن طهران تُشاطر لبنان أهدافه، بما في ذلك وقف إسرائيل هجماتها والانسحاب من لبنان. وأضاف أن «(حزب الله) يثق ثقة تامة في إيران، وأن الإيرانيين لن يبيعوا أصدقاءهم».

وردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى مقابلةٍ أجراها الوزير ماركو روبيو مع «فوكس نيوز» في 27 أبريل، قال فيها إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات «حزب الله»، وإنه يستبعد أن تكون إسرائيل راغبة في الإبقاء على المنطقة العازلة في لبنان إلى أجل غير مسمى. وقال روبيو أيضاً إن الولايات المتحدة حثت إسرائيل «على التأكد من أن ردودها متناسبة ومحددة الأهداف».

وعندما أُعلن وقف إطلاق النار في 16 أبريل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نزع سلاح «حزب الله» سيكون مطلباً أساسياً في أي محادثات سلام مع لبنان.

لكن «حزب الله» استبعد إلقاء سلاحه قائلاً إن مسألة التسلح تخضع فقط للحوار الوطني. ومِن شأن أي تحرك من جانب لبنان لنزع سلاح الجماعة بالقوة أن يشعل الصراع في بلدٍ عانى الحرب الأهلية من عام 1975 إلى 1990.

ويسعى الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، منذ العام الماضي، إلى نزع سلاح «حزب الله» سلمياً. وفي الثاني من مارس، حظرت الحكومة الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

ويطالب «حزب الله» الحكومة بإلغاء هذا القرار وإنهاء محادثاتها المباشرة مع إسرائيل.

وقال مسؤولون لبنانيون، لـ«رويترز»، إنهم يعتقدون أن المحادثات المباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، هي أفضل سبيل لضمان وقف إطلاق نار دائم وانسحاب القوات الإسرائيلية، إذ إن واشنطن وحدها تمتلك النفوذ اللازم على إسرائيل لتحقيق هذين الهدفين.


مقالات ذات صلة

لماذا اخترع نتنياهو «طلباً مسيحياً» لضم قرى لبنانية؟

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتفقد قواته في جنوب لبنان أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle

لماذا اخترع نتنياهو «طلباً مسيحياً» لضم قرى لبنانية؟

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترداد فرية «المسيحيون يريدون إسرائيل».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي تمثال للسيدة العذراء يزيِّن شارعاً في قرية رميش بجنوب لبنان (د.ب.أ - صورة أرشيفية)

بلدات جنوب لبنان المسيحية تُجهض لعب نتنياهو على «وتر الانقسامات»

تستثمر إسرائيل تاريخياً في الانقسامات الداخلية في لبنان بوصفها إحدى نقاط الضعف البنيوية داخل النظام اللبناني.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) - في القصر الرئاسي الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

واشنطن تستعجل نشر الجيش اللبناني لتدعيم موقف عون أمام «الثنائي»

يترقب لبنان، على المستويين الرئاسي والحكومي، نتائج الاتصالات التي يقودها رئيس لجنة «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وفداً من تكتل «الاعتدال الوطني» (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني: الاحتلال الإسرائيلي يقوّض أسس السلام الدائم

شدد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون على أهمية عودة الجيش اللبناني على طول الحدود.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري ترفرف الأعلام الوطنية السورية والفرنسية على الطريق المؤدي إلى المطار في دمشق بانتظار وصول الرئيس إيمانويل ماكرون والوفد المرافق له (أ.ف.ب)

تحليل إخباري ما طموحات فرنسا الكبيرة في سوريا؟

تعكس زيارة إيمانويل ماكرون المرتقبة لدمشق، اليوم، رغبة باريس في ترسيخ مكانتها طرفاً فاعلاً دبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً خلال المرحلة الانتقالية في سوريا.

«الشرق الأوسط» ( باريس)

ماذا يعني حل اللجنة الحكومية لـ«حماس» في غزة؟ وما الخطوة التالية؟

فلسطينيون خلال جنازة زوجين قُتلا في قصف إسرائيلي استهدف حي الصبرة بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطينيون خلال جنازة زوجين قُتلا في قصف إسرائيلي استهدف حي الصبرة بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني حل اللجنة الحكومية لـ«حماس» في غزة؟ وما الخطوة التالية؟

فلسطينيون خلال جنازة زوجين قُتلا في قصف إسرائيلي استهدف حي الصبرة بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطينيون خلال جنازة زوجين قُتلا في قصف إسرائيلي استهدف حي الصبرة بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

أعلن مسؤولون في حركة «حماس»، الاثنين، حل ما يسمى «لجنة الطوارئ الحكومية» التي تُعدّ الحكومة الفعلية في غزة، بعد نحو عقدين من إدارة الحركة الكاملة للقطاع.

وخلال مؤتمر صحافي في غزة، الاثنين، أعلن رئيس «لجنة الطوارئ» ورئيس المتابعة الحكومية بالإنابة، محمد عبد الخالق الفرا، الاستقالة من منصبه، في خطوة قدمتها «حماس» دليلاً على جدية الإجراءات وتسهيل عملية انتقال مهمة إدارة القطاع إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أو ما يُعرف بـ«لجنة التكنوقراط» التي شكَّلها «مجلس السلام» في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وكانت «الشرق الأوسط»، انفردت، الأحد، نقلاً عن مصدرين من «حماس»، بمعلومات عن نية الحركة حل لجنتها الحكومية، وموعد الإعلان.

ومنذ فوزها بالانتخابات التشريعية في عام 2006، سيطرت «حماس» على القطاع، وعام 2007 أحكمت الحركة قبضتها عليه بعد صراع دامٍ مع حركة «فتح»، وواصلت إدارة شؤونه كافة، غير أن الحركة تسيطر على 30 في المائة تقريباً من مساحة القطاع، في حين تحتل إسرائيل بقية أراضيه وترفض الانسحاب منها.

وتتضمن الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأفضت إلى وقف إطلاق النار في القطاع، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنهاء حكم «حماس»، وفي سبيل ذلك شكل «مجلس السلام» الراعي للاتفاق «لجنة إدارة غزة»، في يناير الماضي لتولي المهام وفق ضوابط.

ما الهدف من الحل؟

وقال إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي الذي يمثل «حكومة حماس»، إن قرارات الحل «استراتيجية جديدة وحاسمة تعبّد الطريق عملياً لإنجاز الاستحقاق الوطني، واستعداد (حماس) التام، والجهوزية الكاملة لتسليم أمانة إدارة الحكم إلى (اللجنة الوطنية لإدارة غزة)»، مشيراً إلى أنه «تم إنجاز جميع الاستعدادات والترتيبات الإدارية والقانونية لعملية الاستلام والتسليم للمنظومة الحكومية في قطاع غزة».

إسماعيل الثوابتة (يمين) رئيس المكتب الإعلامي الحكومي التابع لـ«حماس» يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مستشفى بدير البلح بوسط غزة الاثنين (إ.ب.أ)

ولفت الثوابتة، إلى أن «من تبقى على رأس عمله في منظومة العمل الحكومي هم موظفون من المستويين (الفني والمهني) فقط، وسيبقون في مواقعهم لضمان استمرار تقديم الخدمات للفلسطينيين، وعدم وقوع فراغ إداري وفني يحقق الضرر؛ وذلك وفقاً لما نصت عليه خريطة الطريق التي توافقت عليها الفصائل الفلسطينية في العاصمة المصرية القاهرة».

ومنذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين إسرائيل و«حماس»، قتلت إسرائيل أكثر من ألف فلسطيني بينهم قياديون في فصائل فلسطينية، في حين تواصلت المباحثات بشأن التقدم في مراحل الاتفاق التي تتضمن بنوداً إنسانية وعسكرية وإجراءات انسحاب إسرائيلي من المواقع التي تحتلها، وتولي «لجنة غزة» مهام إدارة القطاع.

فلسطينيون يشيّعون يوم الاثنين جثماني محمد دغمش وزوجته اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية استهدفت منزل عائلة دغمش بحي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة (د.ب.أ)

ودعا المسؤول الإعلامي لـ«حماس» الأطراف المعنية والمختصة إلى «الإسراع الفوري في خطوات دخول (اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وممارسة مهامها ومسؤولياتها الوطنية والإدارية، لتعزيز صمود المواطنين.

ونشر المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، صورة عن استقالة الفرا، وأعضاء لجنة متابعة العمل الحكومي، والموجهة إلى الدول الوسيطة، ووُجّهت منها نسخ إلى جهات فلسطينية وعربية ودولية مختلفة.

سلطة واحدة وسلاح واحد

وعقَّب «مجلس السلام» في تغريدة له، على إعلان حل «حكومة حماس» بالتشديد على «وجوب أن تكون القرارات شاملة فيما يتعلق بالمتطلبات الواردة في خريطة الطريق لتعزيز الحكم والأمن والانتقال»، معرباً عن أمله في «نجاح المناقشات المستمرة حول خريطة الطريق»، بما في ذلك آليات التنفيذ اللازمة لتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من تولي السلطة الحاكمة الكاملة، وفق «المبدأ الأساسي يظل سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد».

وأضاف المجلس: «هذا يعني توحيد جميع الأسلحة تحت سيطرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة كما هو منصوص عليه في خطة السلام الشاملة لغزة وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803... يجب أن يمكّن نقل السلطة الحقيقي اللجنة الوطنية لإدارة غزة من ممارسة تفويضها بشكل مستقل، بما في ذلك اتخاذ القرارات الإدارية والحكمية المُفوضة إليها».

من جهته، أكد علي شعث رئيس «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، في بيان له، على أن اللجنة الوطنية جاهزة بشكل كامل للقيام بمسؤولياتها الوطنية، فور توفر الإمكانات والممكنات اللازمة لعملها، مبيناً أن المتطلبات الأساسية لنجاح عمل اللجنة يتمثل في وجود سلطة واحدة وقانون واحد ذات مرجعية واضحة، وسلاح واحد خاضع لهذه السلطة، بما يضمن توفير البيئة السياسية والإدارية والأمنية اللازمة لتمكين اللجنة من أداء مهامها بفاعلية، وبما يحقق مصالح الفلسطينيين في قطاع غزة.

وكذلك، أكد الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على إعلان شعث، وشدد بدوره على «ضرورة الإسراع بالتوصل لاتفاق يسرع تفكيك الأسلحة وانسحاب القوات الإسرائيلية وانطلاق إعادة الإعمار»، مؤكداً أهمية «إتمام مفاوضات خريطة الطريق بنجاح، من أجل تسريع قيام لجنة إدارة غزة للاضطلاع بمسؤولياتها».

إتاحة فرصة للوسطاء

وعلمت «الشرق الأوسط»، من 3 مصادر من «حماس» ومصدرين من الفصائل الفلسطينية، أن لقاءات موسعة ضمت ممثلين من «حماس» وفصائل أخرى عُقدت في غزة قبل المؤتمر الصحافي وبعده، بحثت الخطوات المرتقبة وكيفية تسيير العمل الحكومي في القطاع لحين دخول (اللجنة الوطنية لإدارة غزة)؛ لتولي مهامها الموكلة إليها.

وأكدت المصادر من «حماس»، أن هدف القرار هو «إتاحة الفرصة أمام الوسطاء للضغط وتمكين (اللجنة الوطنية لإدارة غزة) لدخول القطاع لتولي مسؤولياتها».

صبيان في غزة يجران عربة محملة بعبوات المياه بين الخيام والأنقاض بمخيم في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وبينما أكد أحد المصادر أن «هذه الخطوة منسقة مع الوسطاء»، نفى المصدران الآخران ذلك، وقدماها بصفتها «بادرة حسن نية من الحركة» لدفع اتفاق وقف إطلاق النار قدماً، في ظل ما يعانيه السكان في قطاع غزة من أزمات.

إبلاغ الفصائل مسبقاً

وأفاد المصدران من الفصائل الفلسطينية، بأن «حماس» أبلغت فصائل القطاع مسبقاً بنيتها اتخاذ هذه الخطوة، وتمت دعوتها لحضور الاجتماعات، والنقاش في جميع الخطوات اللاحقة.

ولفتت المصادر الخمسة، إلى أن الخطوة التالية تتمثل في «اختيار شخصية لإدارة العمل الحكومي مؤقتاً ضمن توافق ومتابعة من القوى الوطنية والإسلامية، وكذلك العشائر والشخصيات المستقلة».

وقال أحد المصادر من «حماس»، إن «حل اللجنة لا يعني التخلي عن المسؤوليات، وستبقى في حالة تسيير مؤقتة بمتابعة من الفصائل لحين تسلم اللجنة الوطنية مسؤولياتها».

وأشارت المصادر إلى أن الخطوة المقبلة بشأن مستقبل القطاع ستبحث مع الوسطاء في الاجتماعات المرتقبة بالقاهرة، لدفعهم باتجاه الضغط على الأطراف المعنية سواء «مجلس السلام» أو الإدارة الأميركية، للسماح للجنة الوطنية بالدخول للقطاع.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة فبراير 2025 (رويترز)

وقال أحد المصادر من «حماس»، إن دخول اللجنة الوطنية إلى القطاع والمباشرة بمهامها سيكون مهماً من أجل التقدم في البنود الأخرى من المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار وسيسهِم بتسهيل تنفيذ الخطة بشكل لا لبس فيه، وهذا ما تتطلع إليه قيادة الحركة.

وبينما لم تعلق حركة «فتح» أو السلطة الفلسطينية، حتى مساء الاثنين، بتوقيت غزة، على إعلان حل اللجنة الحكومية لـ«حماس»، اكتفت إسرائيل بتصريحات على لسان مصادر لوسائل إعلام عبرية مختلفة عدَّت أن «ما جرى مناورة من (حماس) لا تمثل أي قيمة فعلية، وهي خطوة أخرى للتهرب من عدم موافقتها على نزع سلاحها»، وفق قولها.


بلدات جنوب لبنان المسيحية تُجهض لعب نتنياهو على «وتر الانقسامات»

تمثال للسيدة العذراء يزيِّن شارعاً في قرية رميش بجنوب لبنان (د.ب.أ - صورة أرشيفية)
تمثال للسيدة العذراء يزيِّن شارعاً في قرية رميش بجنوب لبنان (د.ب.أ - صورة أرشيفية)
TT

بلدات جنوب لبنان المسيحية تُجهض لعب نتنياهو على «وتر الانقسامات»

تمثال للسيدة العذراء يزيِّن شارعاً في قرية رميش بجنوب لبنان (د.ب.أ - صورة أرشيفية)
تمثال للسيدة العذراء يزيِّن شارعاً في قرية رميش بجنوب لبنان (د.ب.أ - صورة أرشيفية)

أجهضت البلدات ذات الغالبية المسيحية على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية محاولة إسرائيلية جديدة للعب على وتر الانقسامات الداخلية في لبنان، بوصفها إحدى نقاط الضعف البنيوية في النظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية والسياسية. وهي لطالما سعت إلى توظيف هذه الانقسامات لخدمة أهدافها الأمنية والسياسية، من خلال تعميق التباينات بين القوى اللبنانية، وإبراز التناقضات المرتبطة بقضايا السيادة والسلاح والعلاقة مع الخارج.

وآخر هذه المحاولات الإسرائيلية ادعاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن بعض البلدات اللبنانية المسيحية طلبت ضمّها إلى إسرائيل، وهو ما لاقى نفياً قاطعاً من القرى المسيحية الحدودية، في موقف أثنى عليه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، منبهاً إلى «مغبّة الوقوع في الأكاذيب التي تروج لها إسرائيل».

ضغوط متزايدة

ومنذ اندلاع المواجهات بين البلدين في عام 2023 على خلفية قرار «حزب الله» إسناد غزة، ومن ثم الثأر لاغتيال المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، فعّلت إسرائيل هذه الاستراتيجية، الا أنها لجأت إلى أدوات ومقاربات جديدة.

فإلى جانب الضغوط العسكرية والأمنية التقليدية والتي بلغت في هذه الحرب مستويات غير مسبوقة تكنولوجياً، فعّلت استخدام أسلحة أكثر فتكاً لضمان نزع سلاح «حزب الله» من كامل الأراضي اللبنانية.

فقد آثرت تل أبيب الضغط على مختلف البيئات اللبنانية، التي كانت أصلاً ممتعضة من إقحام لبنان في حرب إسناد غزة، لعدم استضافة النازحين من خلال استهدافها عناصر وقياديين من «حزب الله» في مناطق تعد آمنة مما دفع كثيراً من البلدات والقرى لتشديد التعامل مع من يوجدون فيها، وهو ما خلق في كثير من الأحيان خلافات بين البيئات المضيفة والنازحين.

تصويب على الجيش

وعمدت إسرائيل، ولا تزال، إلى التصويب على أداء الجيش اللبناني، معتبرةً أنه لا ينفّذ مهمة نزع سلاح «حزب الله»، وتحدثت مراراً عن ضباط في الجيش يخدمون أجندة الحزب.

وراهناً تستغل إسرائيل الانقسام الحاد في الداخل اللبناني في التعامل مع اتفاق الإطار الذي تم توقيعه في واشنطن في محاولة لتأجيل تطبيق ما لحظه هذا الاتفاق بخصوص مناطق تجريبية كان يُفترض على القوات الإسرائيلية أن تبدأ بالانسحاب منها وترسيخ وجودها داخل المنطقة الأمنية التي فرضتها جنوبي لبنان.

نفي القرى المسيحية

وآخر محاولات استثمار الانقسامات والخلافات الداخلية، أتت عبر نتنياهو الذي أعلن، الأحد، أن بعض البلدات اللبنانية المسيحية طلبت ضمّها إلى إسرائيل، لكي تكون مَحمية من مقاتلي «حزب الله».

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

لكن بلديات ومخاتير وفعاليات القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان أصدرت بياناً مشتركاً، نفوا فيه هذه الادعاءات، مشددين على أن أبناء القرى الحدودية متمسكون بالدولة اللبنانية وشرعيتها، ولم يحيدوا عن هذا الموقف رغم الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب.

اعتزاز بالانتماء

وأكد البيان أن أبناء القرى المسيحية الحدودية «يعتزون بانتمائهم الوطني، ويتمسكون بوطنهم لبنان وطناً نهائياً لهم، ولا يرون بديلاً عن هويتهم اللبنانية، رافضين أي محاولات لتشويه مواقفهم، أو استغلال معاناتهم لخدمة أجندات لا تمتّ إليهم بصلة».

وحمل البيان توقيع مخاتير وفعاليات 15 بلدية: علما الشعب، والقوزح، ودبل، ورميش، وعين إبل، ودير ميماس، وبرج الملوك، والقليعة، وسردا، وجديدة مرجعيون، وإبل السقي، وكوكبا، والبويضة، وراشيا الفخار، وأبو قمحة.

بري: هدفها الإيقاع بين أبناء المناطق الحدودية

وأشاد رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ببيان القرى المسيحية، وأكد أن «مواقف أبناء وفعاليّات تلك القرى وصمودهم فيها وتمسّكهم بأرضهم وهويّتهم، تعكس أصالة انتمائهم الوطني الأصيل، التي لن يساوموا عليها تحت أي ظرف من الظّروف».

ونبّه برّي من «مغبّة الوقوع في الأكاذيب والأباطيل الّتي تروّج لها المستويات السّياسيّة الإسرائيليّة، التي تنطوي على أجندات فتنويّة، الهدف منها الإيقاع بين أبناء المناطق الحدوديّة الذين كان وسيبقى همّهم وجرحهم وأملهم وألمهم واحداً، وهو إنهاء الحرب وتحرير الأرض والعودة إليها؛ وإعادة إعمار ما دمّره ويدمّره العدوان الإسرائيلي يوميّاً».

وشدد بري من جهة أخرى على «وجوب أن تتحرك الدولة اللبنانية والمجتمعين العربي والدولي لوقف عملية التدمير الممنهج ونسف القرى الجاري على قدم وساق في مدينة بنت جبيل وقرى قضائها وفي أقضية مرجعيون والنبطية وصور، والتي إن دلَّت على شيء إنما تدل على النيات الحقيقية للعدو الإسرائيلي بجعل مناطق واسعة من الجنوب اللبناني مناطق غير قابلة للحياة، وهو أمر لم يعد جائزاً أن يواجَه بصمت كما هو حاصل اليوم».

إعلان مشبوه

كذلك رأى عضو كتلة «حزب الله» النائب حسن فضل الله، أن إعلان نتنياهو «المشبوه يظهر ما يبيّته لوطننا العزيز».

وقال إنّ «هذه القرى مثلها مثل القرى الإسلامية تتمسك بانتمائها للوطن النهائي لجميع أبنائه وأنها جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني والاجتماعي للجنوب، أما الاحتلال وعملاؤه فسيرحلون، ولن يكون لهم دور في مستقبل بلدنا».

غطاء للتوسع

وقالت الناشطة السياسية أستاذة علم النفس الدكتورة منى فياض، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأداء الإسرائيلي في مجال زيادة الشرخ بين اللبنانيين ليس بجديد على الإطلاق، فهي تلعب على وتر الانقسامات الداخلية منذ احتلالها لبنان في ثمانينات القرن الماضي حين ألّبت المسيحيين والدروز بعضهم على بعض».

ولفتت إلى أن إسرائيل، وبعد عام 2006 ورغم مراقبتها من كثب الوضع داخل لبنان، سمحت لإيران و«حزب الله» بالتمكن وبناء قدرات عسكرية كبيرة كان يمكن أن تتصدى لها بأكثر من طريقة في وقتها لكنّ أجندتها ومخططاتها كانت تقتضي السماح بذلك، وصولاً إلى الترجيحات التي تشير إلى استهدافها مرفأ بيروت لمواصلة زعزعة الوضع اللبناني وزيادة الشرخ بين اللبنانيين.

مبانٍ مدمَّرة في قرية لبنانية على الحدود بين إسرائيل ولبنان (أ.ف.ب)

ورأت منى فياض أن «هذا الأداء مستمر اليوم في ظل وجود قسم من اللبنانيين لا يمانع السلام مع إسرائيل أياً كانت الأثمان، وجزء آخر مستعد للقتال لرفض واقع كهذا، لذلك نراها اليوم تبتكر أساليب متعددة لزيادة الانقسام الداخلي اللبناني لما فيه مصلحة لها، عبر تصوير لبنان بلداً غير قادر على حكم نفسه مما يمكنها من السيطرة عليه ويعطيها الغطاء لتنفيذ مخططاتها سواء بالتوسع داخل لبنان أو غيرها من الخطط».

Your Premium trial has ended


واشنطن تستعجل نشر الجيش اللبناني لتدعيم موقف عون أمام «الثنائي»

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) - في القصر الرئاسي الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) - في القصر الرئاسي الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)
TT

واشنطن تستعجل نشر الجيش اللبناني لتدعيم موقف عون أمام «الثنائي»

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) - في القصر الرئاسي الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) - في القصر الرئاسي الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

يترقب لبنان، على المستويين الرئاسي والحكومي، نتائج الاتصالات التي يقودها رئيس لجنة «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، بتكليف من قائد القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) الأدميرال براد كوبر، لدى إسرائيل، لتسهيل انتشار الجيش اللبناني بالمنطقتين التجريبيتين في بلدات فرون والغندورية (قضاء بنت جبيل) وزوطر بشقيها الغربي والشرقي (قضاء النبطية)، تطبيقاً لما نص عليه «اتفاق الإطار» بين البلدين. ولم يستبعد مصدر وزاري لبناني، لـ«الشرق الأوسط»، احتمال توسعة رقعتيهما جغرافياً لإلحاق بلدات جنوبية أخرى بهما.

قوة من الجيش اللبناني تنتشر على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)

ولفت المصدر الوزاري إلى أن الولايات المتحدة تصر على نشر الجيش في هاتين المنطقتين، وربما قبل 11 يوليو (تموز) الحالي، الذي يشكل محطة لاستئناف المفاوضات الأميركية - الإيرانية في إسلام آباد بباكستان.

رسالة إلى إيران

قال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن نشره يهدف لتمرير رسالة لإيران، وعبرها لـ«الثنائي الشيعي»، بأن الفصل بين المسارين الإيراني واللبناني، بدأ يأخذ طريقه للتنفيذ، بخلاف رهانه على الربط بينهما وتعاطيه معه؛ أي اتفاق الإطار، على أنه غير قابل للتنفيذ.

وأكد أن التوجُّه لتشكيل لجنة بموجب «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية، يأتي في سياق توفير الغطاء السياسي لاستمرار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل انطلاقاً من خلق المناخ المؤاتي لاستئناف المفاوضات بين البلدين على قاعدة تسليمهما بـ«اتفاق الإطار» الذي هو بمثابة جدول أعمال، بدعم أميركي مباشر، للتوصل إلى اتفاق نهائي، وهذا ما يضع إيران، من وجهة نظر أميركية، أمام مسؤوليتها بالضغط على «حزب الله» للوقوف خلف الرئاسة في خيارها الدبلوماسي.

سحب الورقة اللبنانية

رأى المصدر أن «اتفاق الإطار» أدى لسحب الورقة اللبنانية من يد إيران التي ما زالت تراهن على أن مذكرة تفاهمها مع الولايات المتحدة هي بديل «اتفاق الإطار»، وتحظى بتأييد من «الثنائي الشيعي» الذي يتصرف منذ صدوره على أنه غير قابل للتنفيذ، بذريعة خلوّه من أي إشارة تتعلق بوضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل من الجنوب، ولا ينص على تثبيت وقف النار، وهذا من الأسباب التي يعددها لتبرير رفضه له.

خلال توقيع ممثلي لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية يوم 26 يونيو الماضي (رويترز)

وأضاف أن هناك ضرورة لوضع آلية لنشر الجيش في المنطقتين النموذجيتين بإشراف من الولايات المتحدة، ومراقبتها لتنفيذه، وتدخلها الفوري في حال حصول خروق تتولى معالجتها. وقال إن تسهيل انتشار الجيش يأتي مع احتمال توسعة الحدود الجغرافية لهاتين المنطقتين بشمولهما بلدات جديدة.

وأكد أن نشر الجيش يعطي مصداقية؛ ليس لـ«اتفاق الإطار» فحسب، وإنما لتمسك لبنان على المستويين الرئاسي والحكومي به بدعم من أكثرية سياسية وشعبية، وهذا ما يعزز موقع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، في دفاعه عن الاتفاق في وجه «الثنائي»، وصولاً إلى إسقاط ما يتذرع به في حال التوصل بين البلدين إلى اتفاق نهائي.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة تقف حالياً أمام مسؤوليتها بتوفير رافعة سياسية لوضع نشر الجيش في هاتين المنطقتين على طريق التنفيذ، ما يشكل دعماً للرهان على «اتفاق الإطار» بالتعاطي معه على أنه قابل للتنفيذ.

انتزاع الذرائع

وقال: «مجرد نشر الجيش يعني حكماً البدء بانتزاع ما لدى (الثنائي) من ذرائع لتبرير رهانه على مسار إسلام آباد، وهذا ما يخفف من منسوب الضغط الذي يمارسه على عون ورئيس الحكومة نواف سلام على نحو يمكّنهما من مواجهتهما لرفض (الثنائي) وتثبيت مصداقيتهما بأن رهانهما في محله، وأن الاتفاق الأميركي - الإيراني لن يكون اليوم أو غداً، البديل عن (اتفاق الإطار)».

وشدد المصدر على أن هناك ضرورة تستدعي من واشنطن التدخُّل لدى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لتسهيل انتشار الجيش. وتوقف أمام دخول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خط الضغط عليه لمنعه من توسعته للحرب باستهدافه تلة «علي الطاهر» التي يتحصّن بداخلها «حزب الله»، كونها تشكل خط الدفاع الأساسي له، لمنع إسرائيل من مواصلة توغلها في عمق البلدات الواقعة في شمال نهر الليطاني، بعد أن تمكن جيشها من احتلال بعض البلدات الواقعة على الحافة الأمامية المطلة على جنوب النهر، وسيطرته بالنار على بلدات أخرى.

ضبط أداء نتنياهو

وأكد أن تدخل ترمب في الوقت المناسب يُفترض أن يؤدي لضبط أداء نتنياهو، ما اضطره لمواصلة تهديده وتهويله وأركان حربه بالهجوم عليها، بدلاً من هجومه على تلة «علي الطاهر». وقال إنه لم يكن مضطراً للتهديد لو أنه حظي بضوء أخضر أميركي يوفر له الغطاء السياسي، لبدء هجومه على التلة التي هي الآن بمثابة رمز معنوي يصر «حزب الله» على عدم تخليه عنها، في مقابل جنوح نتنياهو لاستهدافها والسيطرة عليها.

جنود إسرائيليون يجلسون إلى جانب دباباتهم قرب الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (أ.ب)

وبكلام آخر، فإن ترمب، بحسب المصدر، لم يكتفِ بمنع نتنياهو من توسعته للحرب وفرض أمر واقع يستبق فيه زيارته لواشنطن واجتماعه به، في مقابل تفهُّمه لدعوة لبنان لتوسعة الرقعة الجغرافية للمنطقتين النموذجيتين.

وأضاف أن الضغط عليه أميركياً سيبقى قائماً حتى إشعار آخر، ولم يعد في وسعه، في المدى المنظور، ترجمة تهديده بسيطرته على تلة «علي الطاهر»، لأنه باستهدافه، كما يقول المصدر، سينعكس سلباً على استئناف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، لأن طهران لا تستطيع أن تلوذ بالصمت لئلا تُحرج أمام «الثنائي الشيعي»، خصوصاً أنها تربط استمرارها بتثبيت وقف النار على جبهة الجنوب، ما يدعو للتساؤل، واضعاً علامة استفهام كبرى حول إصرار القيادة الإيرانية على ربط المسار اللبناني بمسار إسلام آباد، مع أنها تصطدم بـ«فيتو» أميركي غير قابل للتعديل، وهذا ما يكرره ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو.

وفي هذا السياق، أمل المصدر المناوئ لخيار «الثنائي» في تسهيل نشر الجيش بوصفه خطوة أولى على طريق التأكيد بأنها تأتي في سياق جدولة الانسحاب الإسرائيلي على مراحل، «وهذا ما نراهن عليه»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

تكثيف الجهود

وأضاف أنه كان ولا يزال يتوقع من واشنطن تكثيف جهودها على تل أبيب لتدعيم الموقف الرئاسي اللبناني في وجه معارضيه الذي يشكل «الثنائي» رأس حربته، برفضه «اتفاق الإطار» مدعوماً بإصرار الحزب على التمسك بسلاحه ورفضه تسليمه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، وكأنه يقول لمن يعنيهم الأمر: «ما عليكم إلا بإيران للتفاوض معها» بكل ما يتعلق بالملف اللبناني، وإلا فما الأسباب الكامنة وراء تمسكه بسلاحه في ظل الاختلال في ميزان القوى وعدم قدرته على مواصلة الحرب، وتراجعه أمام التوغل الإسرائيلي سوى وضع أوراقه في السلة الإيرانية متذرعاً بالتطمينات الإيرانية، مع أنه يدرك أن لا جدوى من الربط بين المسارين؟

لذلك، يبقى رهان الرئاسة والحكومة ومن يدور في فلكهما على صمود ترمب أمام موقفه، بمنع نتنياهو من توسعته للحرب، آخذاً بعين الاعتبار تفهّمه للملاحظات التي سيطرحها الوفد اللبناني المفاوض للوصول إلى «اتفاق ناجز» يُسقط ما يتذرع به «الثنائي» بأنه غير قابل للتنفيذ، خصوصاً أن عون يصر على جدولة الانسحاب الإسرائيلي، في مقابل سحب سلاح «حزب الله»، بوصف ذلك أساساً لإنهاء حالة العداء بين البلدين.