ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

الممثلة والمخرج اللبنانيان يرمّمان الانكسار بالضحكة في مسرحيّتهما الجديدة

الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)
الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)
TT

ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)
الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)

ندى أبو فرحات ابنةُ السينما والتلفزيون. تتنقّل نجمةً بين الشاشتَين الكبيرة والصغيرة، لكنّ صعودها المتكرر مؤخراً على الخشبة يضع في الصدارة أغلى الألقاب إلى قلب كل ممثل: «ابنة مسرح».

يقف إيلي كمال في غرفة التحكّم أعلى القاعة. يُراقب من فوق استعدادَ بطلة مسرحيّته لدخول الشخصيّة. وفيما العيونُ شاخصةٌ إلى ندى المستلقية بلا حراك فوق سريرٍ على الخشبة، لا يستطيع المخرج ضبطَ إيقاع حركته حماساً، يتمايل على أغاني فيلمون وهبه التي تسبق العرض.

بين إيلي كمال وندى أبو فرحات شراكةٌ مزدوجة. هما زوجان، والفنُّ ثالثُهما. منذ اللقاء الأوّل خلال تصوير أحد الأفلام عام 2012، وحتى أحدثِ موعدٍ لهما، مسرحيّة «حَنّة»، يسير الثنائيّ ما بين خطَّين متوازيَين هما الحب والفن.

«حنّة» ثالث مسرحية تجمع كمال تأليفاً وإخراجاً وأبو فرحات تمثيلاً (صور كمال)

في عمله المسرحيّ الجديد، اختار المخرج والكاتب إيلي كمال الممثلة ندى أبو فرحات لأداء شخصية «حَنّة»، ليس لأنها زوجته. يقول في حوار مع «الشرق الأوسط»: «حتى لو لم تكن هناك علاقة شخصية تجمعني بندى، لكانت حتماً من خياراتي الأولى في المهنة، فالعمل معها محترف ومنضبط».

تترك أبو فرحات المساحة الكبرى من الكلام لزوجها، ثم تدخل على خطّ الحوار لتتحدّث بلهفةٍ عن «إيلي المثقّف والقارئ النهم». تقول إنها معجبة بكتاباته وبكيفيّة سكبِ أفكاره على الورق، وبحِسّ الفكاهة الخاص به الذي لا يتناقض وأسلوب عمله المهذّب والمحترم.

هذا الرأي لم يتبدّل منذ لقائهما الأول قبل أكثر من 14 عاماً. عرض عليها حينها التمثيل في ثاني أفلامه القصيرة «تلج»، وهي وافقت لأنّ ملامح إعجابٍ شخصيٍ ومهنيّ كانت قد بدأت بالظهور على الطرفَين. ومن قلب الثلج اشتعلت المشاعر بين صانع الأفلام والممثلة ليُكملا الطريق معاً، ويُرزَقا بابنهما نَدي الذي بدأ خوض تجربته التمثيلية الخاصة رغم سنواته التسع.

إيلي كمال وابنُه نَدي من داخل غرفة التحكّم في المسرح (إنستغرام)

سار إيلي كمال دربه المستقلّ منشغلاً بأفلامه القصيرة والطويلة والوثائقية والإعلانية، إضافةً إلى المسرح. من جهتها، واصلت ندى أبو فرحات مشاريعها السينمائية والتلفزيونية والمسرحية. وبين فترةٍ وأخرى، كانا يجتمعان تحت سقفٍ فنّي واحد. هكذا حصل في مسرحية «مجنون يحكي»، من بطولة زياد الرحباني وإخراج لينا خوري، ثم في فيلم «تانغو الثورة» من إخراج كمال وتمثيل أبو فرحات.

إلّا أنّ السنوات القليلة الماضية شهدت نشاطاً مشتركاً متزايداً للثنائي؛ إذ أطلّت أبو فرحات في ثلاثٍ من مسرحيات زوجها، «لغم أرضي» عام 2018، و«آخدة كسرة» في 2025، و«حَنّة» التي تُعرض حالياً في بيروت، بانتظار المسرحية الرابعة التي يصفُها كلٌ من الفنانَين بـ«المشروع الحلم» الذي يطمحان إلى إنجازه معاً. «النص جاهز والتحضير لها متواصل»، تقول ندى.

تؤدّي أبو فرحات شخصية «حَنّة» التي فقدت ذاكرتها و«عايدة» التي خسرت أموالها في المصارف اللبنانية (صور كمال)

في كلِ مرةٍ يخطّط فنانٌ لبنانيّ لمشروعٍ ما، يشعر وكأنه يسير بين الألغام. هكذا كانت الحال مع إيلي وندى اللذَين أجريا التمارين وفريقَ المسرحيّة على وقع الغارات الإسرائيلية. «أول التدريبات حصلت في بيتنا لأنّ إمكانيات التنقّل كانت محدودة»، يوضح المخرج والكاتب. أما الآن، ورغم انطلاق العرض، فإن التمارين متواصلة على قاعدة أنّه، و«على عكس السينما، لا يتوقف العمل في المسرح حيث كل عرض هو بمثابة عرضٍ جديد، وحيث التشذيب اليوميّ ضروري».

فريق المسرحية خلال التمارين المنزلية على وقع الغارات الإسرائيلية (إكس)

كمال الذي وازنَ بين الكوميديا السوداء والمحتوى التراجيدي في «حَنّة»، عالجَ قضيةً تَحُزّ في قلبه. للمرة الثانية بعد «آخدة كسرة»، يطرح سرقة أموال المودعين في لبنان. لكنه هذه المرة صبّ التركيز كاملاً على تلك المأساة، موظِفاً شخصية «حَنّة» لتجسيد كل المتضرّرين. يحصل ذلك من دون استحضار ما يُثقِل قلوب المتفرّجين، فالضحكةُ والسخرية الهادفة هما جوهرُ المسرحيّة.

الممثلون جويس أبو جودة كريم شبلي سلمى شلبي وندى أبو فرحات (صور كمال)

عندما يكون الزوج هو المخرج والكاتب، وتكون الزوجة هي الممثلة، لا مَهربَ من أن ينتقل العمل معهما إلى البيت. هذا سيفٌ ذو حدَّين وفق كمال الذي يوضح أنّ «حساسية الفنان وتركيبته القلِقة قد تُترجَم شحناً عاطفياً ما يتسبب باختلافاتٍ في الرأي قصيرة الأمد، أو بفائضٍ من المشاعر الإيجابية».

في حالة ندى أبو فرحات وإيلي كمال، يُتَرجَم ذلك تعاوناً أيضاً. شخصيّة «حَنّة» على سبيل المثال بَنياها معاً. «شاركتُها رؤيتي ووصلنا معاً إلى صيغةٍ أفضل بكثير ممّا تخيّلت».

تستمدّ الممثلة الإلهام من أشخاصٍ يجاورونها في حياتها اليوميّة. «حنّة مزيج من ثلاثة أشخاص أعرفهم جيّداً»، تخبر أبو فرحات. «أحدهم شخص مصاب بمتلازمة التثلّث الصبغي (داون) وقد اقتبست منه طريقة تعامله البريئة والعفوية مع الحياة والناس. أما شكل حَنّة وتعابير وجهها وصوتها فمُستوحاة من والدة صديقتي. والناحية القاسية في شخصيّتها استمددتُها من عمّة صديقتي».

عندما يكون الزوج هو المخرج والزوجة هي الممثلة ينتقل العمل معهما إلى البيت (إنستغرام)

انسحبَ التعاون بين الزوجَين على اختيار فريق الممثلين. «كانت في بالي أسماء تصوّرتها في شخصيات المسرحية، وثمة أسماء اقترحتها ندى»، يوضح كمال. مع العلم بأنّ الممثلين الذين أطلّوا إلى جانب أبو فرحات في «حَنّة»، وهُم سلمى شلبي، وكريم شبلي، وجويس أبو جودة، برَعوا في أدائهم وبثّوا الروح على الخشبة، وسط تناغمٍ كامل بينهم.

يُلهِم إيلي وندى بعضَهما البعض. يقول إنها «ضروريّة» بالنسبة إليه، لأنّ «عفويّتها وعاطفيّتها تحققان التوازن»، في عمله المرتكز على التخطيط والمنطق. أما هي فتحبّ الكاتب الذي فيه، مسلّمةً إياه أفكارها ليضعها على الورق، وتُقدّره مخرجاً «يفتح آفاق الخيال والحرية لممثليه». وكما بدأ زوجها الحوار تختمه هي: «لو لم يكن إيلي زوجي لكنتُ أحببتُ أن أعمل معه».


مقالات ذات صلة

راشد الشمراني... 4 عقود تقوده إلى السينما

يوميات الشرق يرى الشمراني أنّ للأداء الصوتي أدواته وطريقته المختلفة في بناء الشخصية (الشرق الأوسط)

راشد الشمراني... 4 عقود تقوده إلى السينما

يفتح الشمراني خلال مدّة قصيرة نافذتين سينمائيتين مختلفتين في مسيرته...

إيمان الخطاف (الدمام)
الولايات المتحدة​ جورج كلوني يرفع صورة له من مهرجان البندقية السينمائي السابق خلال جلسة تصوير في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي في البندقية - إيطاليا 2 سبتمبر 2026 (رويترز) p-circle 00:29

جورج كلوني ينتقد إدارة ترمب: حكامنا «الأقل كفاءة»

انتقد النجم السينمائي الأميركي جورج كلوني الأربعاء إدارة الرئيس دونالد ترمب، معتبراً أن الولايات المتحدة تدار من جانب «الأشخاص الأقل كفاءة».

«الشرق الأوسط» (البندقية)
يوميات الشرق المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دولي بارتون (أ.ف.ب)

غياب المغنية والممثلة الأميركية دولي بارتون عن 80 عاماً

توفيت المغنية والممثلة ومؤلفة الأغاني الأميركية الشهيرة دولي بارتون، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 80 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق ميغان ماركل تعود مع عائلتها إلى بريطانيا بعد سنوات من الغياب (رويترز)

ميغان ماركل الممثّلة... موسم العودة إلى لندن والحبّ الأول

بعد 8 سنوات من الانقطاع عن التمثيل، يبدو أنّ ميغان ماركل تستعدّ لمرحلة جديدة بانتقالها إلى بريطانيا من جديد واحتمال مشاركتها في أحد مسلسلات «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
TT

«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)

احتفى اتحاد الآثاريين العرب بالجهود التي بذلتها مؤسسة التراث السعودية في تسجيل كثير من المواقع الأثرية بالمملكة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الحضاري في السنوات الأخيرة، وقدم الاتحاد خلال احتفالية، مساء السبت، درعه للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لعطائه الكبير في ميدان التراث وإسهاماته في تسجيل مجموعة مواقع بالمملكة العربية السعودية بوصفها تراثاً عالمياً ثقافياً باليونسكو، وتأسيسه وترأسه لمؤسسة «التراث» غير الربحية، وفتح باب البحث العلمي للتنقيب عن الآثار للبعثات الأجنبية في السعودية، وفق بيان من الاتحاد، الأحد.

وقال الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب، إن «منح درع الآثاريين العرب للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود قد تقرر منذ عام 2019 لولا ظروف معينة»، وأضاف خلال حفل تدشين كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» أن «شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي وهب حياته للتراث العمراني والمحافظة عليه منذ حصوله على الدكتوراه في تاريخ العمارة وعلوم الترميم من الجامعة التقنية بآخن في ألمانيا في ستينات القرن الماضي وعمل فى مشروعات مهمة لحماية المباني التاريخية والتراثية فى مواقع متعددة فى العالم منها مصر والسعودية والقدس ولبنان».

الأمير سلطان بن سلمان في أحد المواقع الأثرية (مؤسسة التراث السعودية)

وقال مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب الدكتور عبد الرحيم ريحان إن «الاحتفالية التي أقيمت بمقر الاتحاد بمصر شملت تسليم درع الآثاريين العرب الذي منح هذا العام للأمير سلطان بن سلمان إلى الدكتور إسلام عاصم مستشار صاحب السمو الملكي والمشرف على مسار التطوير المؤسسي في مؤسسة التراث غير الربحية بالمملكة العربية السعودية مع إلقاء الضوء على إسهامات الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، التي شملت تسجيل موقع الحجر (مدائن صالح) في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008 بصفته رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار آنذاك، وتسجيل حي الطريف بالدرعية التاريخية في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2010».

وتأسست مؤسسة التراث عام 1996 بهدف حفظ التراث الحضاري، وهي مؤسسة غير حكومية وغير ربحية، وجاء تأسيسها بمثابة مبادرة وطنية مهمة للمناشدة بأهمية العناية بالتراث الوطني بوصفه قضية وطنية تهم الدولة والمجتمع بعد تجربة شخصية لمؤسسها الأمير سلطان تمثلت في إعادة إحياء البيت الطيني في نخيل العذيبات بالدرعيَّة واستطاعت مؤسسة التراث، عبر ما يقارب الثلاثة عقود، الإسهام في نشر الوعي بأهمية التراث، والحفاظ على التراث السعودي بصفة خاصة، والعربي الإسلامي بصفة عامة، وتوثيقه ليصبح ذاكرة وطنية وذلك من خلال تسجيل وترميم المساجد التاريخية والحفاظ على طابعها العمراني المميز، وتتعاون المؤسسة في سبيل تحقيق ذلك مع مؤسسات داخل المملكة وخارجها كما تدعم الجهات التي تعمل في مجال التراث والحفاظ عليه.

جانب من احتفالية اتحاد الآثاريين العرب (اتحاد الآثاريين العرب)

وأشار ريحان إلى مسيرة شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي من خلال كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» تقديم الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود متضمناً 10 فصول تتناول فترة الكفاح وبدايات العمل في العمارة والترميم بمصر، والتجربة الدولية مع اليونسكو والسعودية.

ومنحت مصر الدكتور صالح لمعي جائزة النيل للفنون عام 2025 التي تمنح لشخصية بارزة واحدة فقط في مجال الفنون كل عام، وكرّمته المملكة العربية السعودية بالعديد من الجوائز لعمله سنوات طويلة في العذيبات وقصر الدوادمي وقصر المربع والدرعية والمدينة المنورة وجدة.


«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
TT

«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

قد يبدو اسم «الناعشون» للوهلة الأولى ذا وقع صادم، إلا أنه بمجرد أن يُسدل الستار على أحداث العمل يوقن المشاهد أنه الأنسب والأكثر تعبيراً عن فكرة تلك المسرحية السعودية التي تُعرض حالياً ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الـ33.

ويتجاوز العرض المعنى المباشر للعنوان، وهو حملة النعوش عند تشييع الجثامين، ليذهب إلى المعنى الأبعد فلسفياً، وهو أن البشر الأحياء أنفسهم أصبحوا موتى في حقيقة الأمر، حين فقد العالم بوصلة النجاة عبر الضمير والأخلاق، وأصبح بحاجة إلى صرخة مخلصة تعيده إلى رشده، وتجعله يفيق من سبات الموت المعنوي ليستعيد الحياة الحقيقية.

وتميزت المسرحية بالجرأة، ليس فقط على مستوى العنوان والرؤية الفكرية التي يتبناها صنّاع العمل، وإنما أيضاً عبر الحبكة الدرامية التي تتمرد على البناء التقليدي المألوف؛ إذ لا توجد قصة ذات بداية وعقدة ونهاية ضمن أحداث متصاعدة، وإنما مشاهد متجاورة ولوحات متداخلة تحذر من تحول الحياة اليومية إلى مسلسل مستمر من الخوف والموت البطيء وكل ما يسرق الطمأنينة من العيون والبهجة من الأرواح.

العرض المسرحي «الناعشون» ضمن مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعدّ مؤلف العمل فهد ردة الحارثي اختيار العنوان «منطقياً نتيجة ما يحدث في السنوات من حروب وأوبئة وأزمات سياسية واقتصادية، وكلها نذير سوء للبشر»، مشيراً إلى أن «العنوان أيضاً هو مفتاح لفهم العمل، فـ(الناعشون) ظاهرياً هم الذين يحملون النعوش، لكن المسرحية تقلب المعنى: ماذا لو كان الأحياء أنفسهم قد أصبحوا نعوشاً متحركة؟ أي أجساداً تتحرك، لكنها فقدت الشغف والأمل والقدرة على صناعة مستقبلها».

وأضاف الحارثي لـ«الشرق الأوسط» أن «الموت حاضر بقوة في عالمنا المعاصر إلى درجة أن الإنسان أخذ يتعايش معه ويألفه، وربما يحتفي به أحياناً أكثر مما يحتفي بالحياة، ومن هنا لم يعد السؤال: كيف نموت؟ بل: هل نحن نعيش أصلاً؟».

ولفت الحارثي إلى أن «النعش في العمل ليس مجرد رمز للموت بقدر ما هو رمز لواقع فارغ من الحياة، ومن هنا فإن رسالة المسرحية قاسية ومؤلمة، لكنها حقيقية ولا غنى عنها، فهي تؤكد أن الخطر الحقيقي ليس أن يموت الإنسان، وإنما أن يتحول إلى ميت من الداخل قبل أن يموت جسده من الخارج»، وفق تعبيره.

العرض السعودي «الناعشون» ضمن فعاليات المسرح التجريبي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

وتحظى المسرحية برعاية ودعم من «هيئة المسرح والفنون الأدائية» السعودية، في حين تتولى «فرقة الطائف المسرحية» إنتاجها.

ويضم فريق التمثيل: بدر الغامدي، وممدوح الغشمري، وعبد الوهاب فندي، وعادل الحارثي، وأحمد الخمري، ومطر السواط، في حين يتولى عبد الله دواري تصميم الإضاءة، ويضع سلطان ردة الموسيقى، في حين يحمل تصميم الديكور بصمات صديق حسن، والعمل من إخراج أحمد الأحمري.

ويجمع العمل بين الفانتازيا والأجواء التراجيدية من خلال مشاهد الجنازات المتوالية، ومواكب تشييع الجثامين، لكن الراحلين ليسوا فقط البشر، بل القيم الخالدة التي حفظت البشرية من خطر الفناء، وأبرزها الحق والخير والجمال، فضلاً عن الشعر الذي يلامس أوتار القلب، والذي أصبح هو الآخر ضمن المفقودين.

عرض «الناعشون» السعودي قدم رؤية رمزية للحياة والموت (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وعما إذا كانت المخاوف قد انتابت المؤلف من تأثير تلك الأجواء «الكابوسية المقبضة» على الجمهور، يقول الحارثي إن «المسرحية ليست قاتمة لهذه الدرجة، بل بها جدل وحراك حول سؤال الحياة وحياة الموت وموت الحياة، فهى تستهدف حث المتلقي على التفكير الإيجابي تمهيداً لتغيير الواقع، والذي يبدأ بإدراك المشكلة قبل كل شيء».

وأشاد الحارثي بالصورة النهائية التي ظهر عليها العرض من حيث الإخراج وطاقم التمثيل وعناصر السينوغرافيا المختلفة، ولا سيما الإضاءة والديكور والأزياء، مشيراً إلى أن «النص المسرحي لا يكتبه المؤلف فقط، فبقية فريق العمل يشاركونه في كتابته وصورته النهائية بلمساتهم ورؤيتهم البصرية، ليصبح الجميع شركاء في المنتج النهائي».


«كنوز المتاحف المصرية» تودّع هونغ كونغ بحصيلة 600 ألف زائر

المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

«كنوز المتاحف المصرية» تودّع هونغ كونغ بحصيلة 600 ألف زائر

المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ودّع المعرض الأثري المصري المؤقت «مصر القديمة تكشف أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية»، هونغ كونغ، بعد أن استقبل أكثر من 600 ألف زائر خلال تسعة أشهر قضاها في متحف قصر هونغ كونغ خلال الفترة من 18 نوفمبر (تشرين الأول) 2025 وحتى 31 أغسطس (آب) 2026.

وضم المعرض 250 قطعة أثرية من عدد من المتاحف والمواقع الأثرية المصرية، اصطحبت الجمهور في رحلة عبر تاريخ الحضارة المصرية القديمة، لتؤكد مجدداً قدرتها على إبهار شعوب العالم وبناء جسور التواصل الثقافي بين الحضارات، وفق ما ذكرته وزارة السياحة والآثار المصرية.

وحضر الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بمصر، مراسم إغلاق المعرض، حيث بدأت إجراءات عودة القطع الأثرية إلى مصر، بعد رحلة ناجحة نقلت كنوز الحضارة المصرية من ضفاف النيل إلى هونغ كونغ.

معرض كنوز المتاحف المصرية شهد إقبالاً لافتاً من الزائرين بهونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بـ«جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، النجاح الذي حققه معرض «مصر القديمة تكشف أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية» في هونغ كونغ، باستقباله أكثر من 600 ألف زائر خلال تسعة أشهر، مؤشراً مهماً على قوة الحضور العالمي للحضارة المصرية، وعلى قدرة الآثار المصرية على أداء دور يتجاوز العرض المتحفي إلى بناء جسور حقيقية بين الشعوب.

وأضافت سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الإقبال الجماهيري الواسع يعكس فاعلية المعارض الأثرية الدولية كإحدى أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية؛ فحين تنتقل القطع الأثرية إلى جمهور جديد، فإنها لا تنقل إليه معلومات عن تاريخ مصر فحسب، وإنما تفتح حواراً مباشراً بين حضارتين، وتقدم صورة حية عن عمق الحضارة المصرية وإسهامها في التراث الإنساني».

وتراهن مصر على معارض الآثار الخارجية المؤقتة كوسيلة للترويج السياحي والتفاعل الحضاري بوصفها من «أدوات القوة الناعمة». ومن هذه المعارض «رمسيس وذهب الفراعنة» الذي تنقل بين عدة دول حول العالم بين أميركا وأستراليا واليابان واستقر الآن في لندن، ومعرض «كنوز الفراعنة» في العاصمة الإيطالية روما، فضلاً عن معرض جديد من المقرر إقامته في إيطاليا أيضاً بعنوان «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما».

جانب من القطع الأثرية بالمعرض قبل انتهائه (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم: «يحمل هذا النوع من المعارض قيمة سياحية مهمة؛ إذ إن التعرف على الآثار المصرية في الخارج يمكن أن يتحول إلى دافع لزيارة مصر ومشاهدة هذه الحضارة في سياقها الأصلي، داخل متاحفها ومواقعها الأثرية. ومن ثم، فإن المعرض يمثل شكلاً من أشكال الترويج السياحي غير المباشر، خصوصاً للسياحة الثقافية التي تقوم على الرغبة في اكتشاف الحضارات ومواقعها الأصلية».

وأضافت سليمان: «الأهم أن نجاح المعرض يؤكد أن التراث المصري يمثل إحدى أهم أدوات القوة الناعمة لمصر. فمئات الآلاف الذين شاهدوا هذه القطع أصبحوا جزءاً من جمهور عالمي تعرف على مصر من خلال آثارها، وهو ما يعزز حضورها الثقافي ويمنح المعارض الخارجية وظيفة استراتيجية تجمع بين التعريف بالتراث، وتنشيط السياحة، وتعزيز العلاقات الثقافية مع الشعوب».

وتتابع سليمان: «هنا تبرز أهمية استمرار هذا النهج، مع التوسع في إقامة معارض مصرية نوعية في الأسواق الثقافية والسياحية الكبرى، بحيث تصبح الآثار المصرية جسراً دائماً يصل مصر بالعالم، وليس مجرد معرض مؤقت ينتهي بانتهاء فترة عرضه».

وتراهن مصر على السياحة الثقافية ضمن أنماط سياحية أخرى متنوعة في جذب السائحين من الخارج، باعتبار قطاع السياحة من مصادر الدخل القومي الرئيسية في مصر، وقد حققت خلال العامين الماضيين أرقاماً قياسية في جذب السائحين، وتطمح لجذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended