الفنون الحرفية تبلغ قمة الإبداع في صناعة الساعات الفاخرة

بين «شانيل» و«هيرميس» و«كارتييه» و«فاشيرون كونستانتان».. تسابق محموم للابتكار يصب في مصلحة النخبة

TT

الفنون الحرفية تبلغ قمة الإبداع في صناعة الساعات الفاخرة

العلاقة بين صانعي الساعات ومبدعي التحف الفنية ليس ظاهرة جديدة، فكتب التاريخ تعيدها إلى الثورة البروتستانتية التقشفية التي دعت إلى الاهتمام بالتوجهات العملية النفعية ونهت عن البهرجة والزخرفات، ما دفع الصاغة إلى الانصراف إلى صناعة حِرفيّة بديلة كانت صناعة الساعات.
وسرعان ما ازدهرت صناعة الساعات في وديان غرب سويسرا، داخل شواغل عائلية صغيرة في بداية الأمر، بينما تفنن الحرفيون في باريس، عبر العقود في تصنيع الحلي والجواهر النفيسة، وأبدع الفنانون في إنتاج منحوتات ونقوش فنية زيّنت القصور الملكية وتسابق على اقتنائها وإهدائها كبار الأثرياء.
وشيئًا فشيئًا، التقت تقنية صناعة الساعات مع صياغة الذهب والفضة والبلاتين، ومهارات النحت والنقش والرسم والتلبيس الفني، ووجدت لها سوقا بين صفوة الذواقة ومتطلبي الأفضل. وهكذا وسّعت بعض دور صياغة الذهب والمعادن النفيسة والترصيع بالجواهر نطاق اهتماماتها، فأخذت تصنع سلعًا كمالية أخرى، واقتحم بعضها مجال صناعة الساعات. وفي المقابل، أثّر النحاتون والنقاشون والملبّسون ليس في أوروبا فحسب، بل في كل أنحاء العالم، على تنمية الذوق العام مع انتشار التفاعل وتزايد السفر والاختلاط بين الشعوب.
وفي ضوء هذا الواقع، امتزجت الاتجاهات الحرفية الثلاثة، وأخذت تظهر ساعات هي في الواقع تحف فنية، تجاوزت الساعات الجدارية أو التي توضع على الطاولات والأرفف، لتشمل ساعات اليد الفاخرة. ومن أجل التفرّد والتميّز، سعى مصمّمو دور صناعة الساعات الفاخرة وراء الأجمل والأكثر إثارة، وانطلقوا لاستكشاف كل ما يبهر من النقوش وتقنيات النحت والتلبيس والطلاء في كل مكان أمكنهم الوصول إليه. وهذا العام قدمت أربع دور من أشهر دور الساعات الفاخرة أرقى ما بلغه طموح مصمّميها وحرفيّيها في هذا المجال، وهي «شانيل» و«هيرميس» و«كارتييه» و«فاشيرون كونستانتان».
في دار «شانيل» نلاحظ أن قسم الساعات يعود باستمرار إلى رمز من رموز الدار أو رسم ما من شقة كوكو شانيل يُنحت خصوصا على ميناء ساعة من ساعاتها التي تنتمي إلى «ميتييه دار». هذا العام، عاد إلى عشق كوكو شانيل للبارافانات الخشبية الصينية التي تزيّن أرجاء مسكنها ومشغلها وتمنحها خصوصية. ومع أن شانيل لم تزر أبدًا الشرق الأقصى، فإنه ظهر في كثير من تصاميمها، وكان يزين شقتها الخاصة من خلال رسومات على الجدران أو قطع أثاث مكسوة بالطلاء الأسود أو إكسسوارات على شكل صور مراوح يدويّة وطيور ومناظر طبيعية وغيرها.
هذا العام تمثل أشجار الكاميليا والطيور الغريبة (المأخوذة صورها من البرافانات أيضًا) أساس مجموعة «مدموزيل بريفيه». وعلى الرغم من اعتماد دار «شانيل» دائمًا على التراث وقصص مؤسستها، يتوق نيكولا بو، مدير قسم الساعات في الدار، لتأويلها بشكل عصري من خلال أساليب وتقنيات جديدة. وفي تصريح له أوضح بو قائلا: «مع ساعات (ميتييه دار مدموزيل بريفيه)، يصبح الميناء محور تطبيق التجديدات»، مضيفا أن العمل مع فنانين كبار يساعد على هذا التطوير. هذا العام أخذت هذه العملية بعدا ثلاثيا في نقوش نحتية جد مبتكرة.
ويعد النقش النحتي أو المحفور - «الغليمتيك» - الذي يُعرف أيضًا باسم نحت الجواهر، واحدا من أرقى فنون الزخرفة التي عرفتها حضارات مصر القديمة واليونان والرومان. وغني عن القول إنه يحتاج إلى مهارات عالية لإنجازه والحفاظ على القيمة العالية للأحجار الكريمة المستخدمة فيه، علما بأن الغاية من هذه الأحجار الكريمة المنحوتة، استخدامها كأختام أسطوانية الشكل، تمثل شكلاً بدائيًا للحروف، وكان المتلقي يفك رموزها (أو شيفرتها) بدحرجتها على طين رطب. وبما يخص الساعات، فإن صنع ميناء بأبعاد نحتية ثلاثية الأبعاد (نافرة أو غائرة) ينطوي على تحدّيات تقنية كبرى، إذ لا بد أن يكون الميناء رقيقًا، وأن يكون بمقدور عقارب الساعة الدوران، لهذا كان لا بد من تطوير أدوات جديدة بالغة الدقة والصغر من أجل قطع أحجار المرجان والفيروز واللعل (العقيق الأحمر) واللازورد، التي تشكل صور الطيور. ومن ثم يصار إلى تركيب القطع معا بعد ذلك بطريقة الفسيفساء من أجل رسم صور الطيور على الغصون الذهبية.
دار «هيرميس» هي الأخرى توجهت إلى آسيا، وتحديدا اليابان، من خلال سباق خيول «كوما كورابيه» السنوي. فقد كانت الحشود تتقاطر من كل أنحاء اليابان على معبد «كاميغامو» في مدينة كيوتو، العاصمة القديمة للبلاد، من أجل مشاهدة فرسان في غمار سباق يرتدون الملابس التقليدية ويستخدمون السياط في حلبة السباق.
عندما بوشر بتنظيم هذا السباق العريق عام 1039م، كان يُعتقد أن الخيول تتمتع بقوى روحية خاصة، وكان مشاهدو السباق يكثرون الدعاء من أجل السلام والرخاء. اليوم ما زالت عادة تقديم عَلم أبيض - كان يعتقد يومًا ما على أنه مقدّس - دارجة إلى الفريق الفائز. وبفضل بوزان فوكوشيما، الفنان الياباني المبدع، جرى تصوير السباق الشهير على ميناء ساعة «سليم دي هيرميس كوما كورابيه» التي طرحتها الدار الفرنسية في معرض «بازل وورلد» هذا العام.
يعد فوكوشيما أحد أبرز الفنانين المتخصصين في فن الـ«الآكا إيه» (الرسم بالأحمر) الياباني، الذي وصل إلى أوج شهرته في القرن التاسع عشر الميلادي. وتتسم ضربات فرشاة الفنان السبعيني، باللون الأحمر بتفاوت عمقه وتدرجاته الدقيقة، ومن ثم يغطي ما يرسمه بطبقة رقيقة من الذهب.
وكان فيليب ديلوتال، مدير الابتكار في «لا مونتر هيرميس» (قسم الساعات في دار هيرميس) يستكشف في عام 2014 محافظة إيشيكاوا الشهيرة بحرفها اليدوية، وقاده بحثه عن فنون جديدة إلى العثور على مشغل فوكوشيما. وهناك عرض ديلوتال على الفنان الياباني موانئ ساعات مصنوعة من الخزف الصيني، كانت صنعت خصيصًا لدار «هيرميس» في سيفر (الضاحية الباريسية الشهيرة بخزفها الراقي الثمين)، ودعاه إلى تزيينها بمشاهد تتضمن شعار الحصان الذي يرمز إلى الدار. ومع أن فوكوشيما كان مرتبطًا بالعمل مع رعاة وزبائن أثرياء وشخصيات من أسر ملكية ومديري معارض، فإنه قبل العرض. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لم يسبق لفوكوشيما العمل من قبل مع شركة مثل هيرميس، ولم يتولَّ قبل ذلك تزيين ميناء ساعة صغيرة دقيقة بهذا الشكل. لكنه انجذب إلى العمل على خزف سيفر بدلا من خزف كوتاني المحلي.
غني عن القول إن التصميم النهائي ما هو إلا الجزء الأخير من عملية طويلة. وكان من الضروري شحن الأرقام الـ12 المحفورة على مجموعة «سليم دي هيرميس كوما كورابيه» المحدودة من سيفر إلى إيشيكاوا بعد مرورها بعملية دقيقة من الطلاء تحتاج من أربع إلى ست طبقات لامعة شفافة، فضلا عن عمليات تعريض طويل الأمد للنار. وكانت هناك حاجة لإنجاز ثلاث عمليات تعريض للنار أخرى في اليابان من أجل تثبيت عمل فوكوشيما عليها.
يُعد مشغل «ميزون دي ميتييه دار» في دار «كارتييه»، معقلاً للمهارات. وفي المشغل الذي يحتل مبنى ريفيًا زراعيًا شامخا يعود بناؤه إلى القرن الثامن عشر قرب مدينة لا شو دو فون، عاصمة صناعة الساعات السويسرية، يعمل 12 فنانًا حرفيًا وخبيرًا متخصّصًا في مجالات تتراوح بين تطعيم الخشب والحَفر، إلى فن الزركشة التخريمية والفسيفساء.فمهارات أمثال الفنانين، التي بدت لسنين كثيرة وكأنها أضحت متقادمة وشارفت في مرحلة ما على الانقراض، تحظى اليوم بقدر كبير من التبجيل والعناية الفائقة. المصنِّعون في الدار يتشاركون مع هؤلاء الفنانين الحِرفيين المَهَرة الفلسفة والقِيَم الجمالية نفسها، ويتبادلون المهارات ويناقشون الأفكار تحت سقف واحد. وحول هذا الواقع، يقول بيير راينيرو، رئيس قسم الصورة والتصميم والتراث في دار «كارتييه»: «نحن نعتقد أنه عندما يتقن المرء مهارة يدويّة واحدة، من المرجح أنه سيحاول إتقان مهارة أخرى». وأردف: «وسيكون من الممتع إعادة اكتشاف الآثار الغنية والفروق الدقيقة وذكريات الحضارات الأخرى التي تستحضرها الحرف التقليدية القديمة». وبالفعل يلاحظ في كل الأعمال التي تطرحها الدار أن هناك تقديرا حقيقيا للبراعة التي يتطلبها استخدام تلك التقنيات في زخرفة أشياء صغيرة مثل موانئ الساعات.آخرها كان إعادة العمل بالزركشات التخريمية لتحاكي مَلمَس الفراء، عبر فتل الذهب أو البلاتين ولفّه وبَرمه وقطعه للخروج بحلقات صغيرة، غدت طبقات تغطّي نمرًا عيناه من الزمرّد في الساعة الجديدة «روند من لوي كارتييه إكس إل». وتستغرق صناعة كل قطعة من هذه النسخة المحدودة الإصدار، التي تقتصر على 20 قطعة، شهرًا واحدًا وتحتاج مهارات مختلفة للعمل عليها من الترصيع بالأحجار الكريمة إلى النحت والطلاء.
لماذا الزركشة التخريمية على المعدن، بالتحديد؟ يجيب راينيرو «لقد أبصر هذا الفن النور في آسيا، ثم امتد إلى البرتغال، وازدهر خلال حقبة الـ(آرت ديكو).. ولقد أعجبتنا فكرة أنها كانت منتشرة لأكثر من 700 سنة وانتقلت من مكان إلى آخر. وعلى الرغم من استخدام هذا الفن في المشغولات الأكبر حجمًا في أغلب الأحيان، رأينا أنه يمكن استخدامها في مشغولات صغيرة الحجم».
حاليًا تعدّ القطع الأثرية القديمة من هذا الفن من التحف النادرة التي تحظى بإقبال شديد في المزادات ولدى هواة الاقتناء. لهذا لا تبخل دار كارتييه على مشغل «ميزون دي ميتييه دار» بكل ما أوتيت من إمكانيات لكي يبقى هذا الفن مستمرا، وذلك بالبحث عن فنانين وحرفيين متخصصين من كل أنحاء العالم. فاليابان، على سبيل المثال تعد موطنا لعدد من أمهر خبراء الطلاء والتلبيس، وخلال الفترة الأخيرة، التحق بعضهم من «المدينة المحرّمة» في العاصمة الصينية بكين، بمقر كارتييه الجديد فيها، لتكون مهمتهم البحث عن الكنوز الفنية القديمة في الصين وإعادة صياغتها. وهذا الجانب يوضحه راينيرو بالقول: «نشجع هذا النوع من التبادل الثقافي، والأهم بالنسبة لنا هو إتاحة مساحة لالتقاء الخبراء وتبادل الأفكار».
فاشرون كنستانت ليست جديدة على هذه الفنون، فقد مرّت 260 سنة على تصميم جان مارك فاشيرون أول ساعة جيب. هذه الساعة موجودة اليوم في أرشيف الدار ممهورة بتوقيع، وعليها عام صناعتها وهو 1755، وهي تبدو متوائمة تمامًا مع الموضة اليوم بفضل إعادة مصممي «سافيل رو» (شارع الخياطة الرجالية الشهير في العاصمة البريطانية لندن) ساعات الجيب إلى الواجهة من جديد.
احتفاءً بتلك الذكرى، تستخدم دار «فاشيرون كونستانتان» الشكل البسيط للساعة الأصلية من أجل تقديم ساعتين متميزتين جديدتين من مجموعتها «ميتييه دار ميكانيك غرافيه» الفنية، من خلال الاستعانة بأحدث التقنيات في مضمار صناعة الساعات الفائقة الفخامة. ومع أنه للوهلة الأولى تبدو الساعتان الجديدتان مختلفتين تمامًا عن التصميم الأصلي لجان مارك فاشيرون، فعند إمعان النظر سيبدأ الناظر اكتشاف أوجه الشبه بينهما، وذلك لأن كليهما يتشاركان في استخدام أشكال أوراق شوك الأقنثا.
فاشيرون كان يحب الانحناءات، التي تميز أشكال أوراق ذلك النبات الشوكي مع أنه لم يكن أول من ينجذب إليها. وكانت أشكال الأوراق ذات القطع العميق قد راجت كثيرًا في العمارة اليونانية القديمة التي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد. كذلك راجت في النقوش والمحفورات والخشب المطعّم وأعمال التطريز في عصر النهضة والعصر الباروكي. وبفضل استخدام أحجار الياقوت الأحمر في رسم تصاميم ثمار التوت، والزخرفة الملونة، وومضات الذهب، تتمتّع ساعات مجموعة «ميتييه دار ميكانيك غرافيه» الجديدة بسمات العصور الوسطى.
وما يستحق الذكر أن تركيز الدار العريقة خلال القرن الثامن عشر كان منصبًّا على الزخرفة النباتية، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأت مرحلة تجريبية مع الأشكال الملتفة والمتلوية. ثم في القرن العشرين، امتد هذا الازدهار الإبداعي إلى تصوير الزخرفة العربية - الإسلامية (الأرابيسك) وتبعه «الدوائر ذات الألف ورقة» في أربعينات القرن الماضي، ثم في ثمانينات القرن الماضي.
وخلال العام الماضي وصلت «فاشيرون كونستانتان» إلى أقصى مدى، مع ظهور عشر فنيات مختلفة في أربع ساعات من مجموعة «فابولو أورنامان». ومثل أي دار صانعة للساعات اليوم، تجول «فاشيرون كونستانتان» العالم بحثا عن حرفيين وفنانين مهرة لامعين يمكن التعاون معهم، بينما تفخر بفريقها الصغير المكوّن من خيرة الفنانين المنتقين بشكل أساسي من كليات الفنون السويسرية. فهنا في مشغل الدار يعمل حرفيون متخصّصون منهم اثنان مجال في الطلاء التلبيسي، واثنان آخران في الترصيع، واثنان في زخرفة الميناء، واثنان في الحفر والنحت، وهذان الأخيران هما اللذان أبدعا الموانئ المصنوعة من الذهب الأبيض في الـ«ميكانيك غرافيه».



كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.