«مخنق التخزين»: إيران «تغرق» في نفطها وتلجأ إلى الصهاريج المتهالكة

العد التنازلي بدأ... 22 يوماً تفصل الآبار عن الشلل التام وقرار الإغلاق القسري

TT

«مخنق التخزين»: إيران «تغرق» في نفطها وتلجأ إلى الصهاريج المتهالكة

قارب يبحر بجوار ناقلة نفط راسية في مضيق هرمز قبالة سواحل جزيرة قشم (أ.ب)
قارب يبحر بجوار ناقلة نفط راسية في مضيق هرمز قبالة سواحل جزيرة قشم (أ.ب)

بدأ الحصار الأميركي يُؤثر بشكلٍ ملموس على تدفقات النفط الإيرانية، واضعاً البلاد أمام نافذة زمنية ضيقة لا تتجاوز 22 يوماً قبل استنفاد كل سعات التخزين المتاحة. ومع انخفاض عمليات الشحن بشكلٍ حاد وامتلاء المخازن بسرعة قياسية، تحولت أزمة «سعة التخزين» - سواء في المستودعات البرية أو الناقلات العائمة - إلى التهديد الوجودي الأبرز للبنية التحتية في البلاد.

وتكشف بيانات شركة «كبلر» لتحليل البيانات وصحيفة «وول ستريت جورنال» و«بلومبرغ»، عن أن إيران تخوض حالياً سباقاً يائساً ضد الزمن؛ فبينما تهاوت الصادرات بنسبة تزيد على 70 في المائة، أجبرت القيود التشغيلية طهران على البدء في خفض الإنتاج؛ وهو ما يُنذر بضائقة مالية كبرى ستواجهها البلاد في الأشهر المقبلة، ويضع مهندسي النفط أمام خيار مرير: إغلاق الآبار قسرياً والمخاطرة بدمار جيولوجي دائم في الحقول.

العَلم الإيراني مُغطى برسم بياني لارتفاع أسعار الأسهم ونموذج مصغر لمضخة بنزين مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

انهيار التدفقات

تؤكد تقارير «بلومبرغ» الصادرة الثلاثاء أن الصادرات الإيرانية تهاوت بنسبة حادة منذ أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوامره بفرض الحصار البحري. فبعد أن سجلت الصادرات متوسط 1.85 مليون برميل يومياً في مارس (آذار)، تراجعت عمليات التحميل إلى متوسط 567 ألفاً فقط في الأيام الأخيرة.

ورغم الشائعات حول هروب بعض الناقلات، تؤكد «كبلر» وصحيفة «وول ستريت جورنال» أنه لم يتم رصد أي ناقلة نفط مؤكدة خرجت من منطقة الحصار، حيث اضطرت السفن إلى تغيير مسارها نحو ميناء تشابهار أو البقاء عالقة كـ«خزانات عائمة».

لغز «تشابهار» واستدعاء ناقلات «الشبح» من التقاعد

ويعدّ ميناء تشابهار استراتيجياً لأنه يقع خارج مضيق هرمز (على بحر عُمان)؛ وهو ما جعل طهران تحاول استخدامه منفذاً خلفياً للالتفاف على الحصار. ورصدت صور الأقمار الاصطناعية تجمع ما بين 6 و8 ناقلات عملاقة (VLCCs) قبالة سواحل تشابهار، تحول معظمها إلى خزانات عائمة لتحمل ملايين البراميل التي لم تعد اليابسة تتسع لها.

وفي مؤشر على اليأس التقني، رصدت التقارير عودة ناقلات متهالكة من «التقاعد»، مثل الناقلة العملاقة «ناشا» التي يبلغ عمرها 30 عاماً، لتُستخدَم مستودعات مائية مؤقتة. وتؤكد «كبلر» أن إيران تحتفظ حالياً بنحو 184 مليون برميل على الماء، منها 60 مليوناً عالقة تماماً داخل منطقة الحصار؛ ما يجعل هذه الشحنات أصولاً مجمدة لا يمكن تسييلها.

وكانت البحرية الأميركية قد أعلنت أنها أجبرت ناقلتي نفط ضخمتين على الأقل على تغيير مسارهما الأسبوع الماضي، ومنعتهما من التحرك نحو الأسواق الدولية؛ ما دفعهما للرسو في منطقة تشابهار بانتظار تعليمات جديدة.

سفن بمضيق هرمز في مسندم - عُمان (رويترز)

نافذة الـ22 يوماً والانفجار اللوجستي الوشيك

تعدّ مسألة «سعة التخزين» الفتيل المشتعل حالياً؛ حيث تشير تقديرات «بلومبرغ» المستندة إلى تحليلات «كبلر» إلى أن إيران قد تستنفد كل مرافق التخزين المتاحة لها في غضون 12 إلى 22 يوماً فقط.

ومع تراكم 4.6 مليون برميل إضافية في المخازن البرية منذ بدء الحصار، وصلت المخزونات إلى 49 مليون برميل، وفق «بلومبرغ». ومع أن السعة النظرية لإيران تقارب 95 مليون برميل، فإن «كبلر» تفصّل معوقات ميدانية تقلص هذه المساحة فعلياً:

  • السعة غير المتاحة: نحو 15 مليون برميل من السعة الإجمالية (في مواقع عسلية وسيري ولافان) مخصصة للمكثفات الغازية أو غير صالحة فنياً لتخزين الخام البري.
  • خزانات الخردة:كشف مسؤولون إيرانيون لـ«وول ستريت جورنال» عن لجوء طهران لاستخدام صهاريج متهالكة مهجورة في الأحواز، وهي مواقع كان يُتجنب استخدامها سابقاً لخطورتها وسوء حالتها الفنية.
  • الفجوة التشغيلية: تؤكد التحليلات أن الخزانات الإيرانية لا يمكن شغلها بنسبة 100 في المائة لأسباب تتعلق بالسلامة والضغط التشغيلي. وبناءً عليه؛ فإن المساحة المتاحة فعلياً للاستخدام البري لا تتجاوز 8 إلى 10 ملايين برميل فقط.

وهذا يعني أن إيران تمتلك 12 يوماً فقط من سعة التخزين البري قبل الوصول إلى مرحلة «سدادة الخزان». وحتى مع إضافة 15.4 مليون برميل من السعة المتاحة في «الناقلات العائمة» المتوقفة، فإن المهلة الإجمالية القصوى لن تتجاوز 22 يوماً قبل أن يضطر المنتجون إلى خفض الإنتاج اليومي بمقدار 1.5 مليون برميل إضافية، وفقاً لـ«بلومبرغ».

امرأة تمر أمام لوحة إعلانية تحمل تصميماً بيانياً عن مضيق هرمز على أحد المباني (رويترز)

الخطر الوجودي

تكمن المأساة الفنية فيما وراء الأرقام؛ فإغلاق آبار النفط بشكل مفاجئ - وهو ما قد يحدث بحلول منتصف مايو (أيار) مع توقع هبوط الإنتاج إلى 1.2 مليون برميل يومياً - يهدد بدمار جيولوجي لا يمكن إصلاحه.

ويؤدي توقف الضخ في حقول مثل «مارون» و«جاشساران» إلى تراكم الشمع والأسفلتين الذي يسد الأنابيب، كما يسبب تداخل المياه الذي قد يخرِج الآبار عن الخدمة للأبد. ويحذّر الخبراء من أن طهران قد تفقد 300 إلى 500 ألف برميل من قدرتها الإنتاجية بشكل دائم.

الأثر المالي المؤجل والضغط السياسي

رغم أن الحصار لن يخنق الموازنة الإيرانية اليوم بسبب دورة الدفع الصينية، فإن الفاتورة القادمة ستكون باهظة؛ حيث ستفقد طهران ما بين 200 و250 مليون دولار يومياً.

وتخلص التقارير المتقاطعة إلى أن «مخنق التخزين» نجح في دفع طهران للعودة إلى الطاولة، حيث يمثل طلبها «رفع الحصار» مقابل التفاوض اعترافاً بأن التكنولوجيا والجغرافيا بدأتا تفرضان شروطهما فوق صوت المدافع.

وتتجه الأنظار الآن نحو الاجتماع المرتقب نهاية الأسبوع، فإما انفراجة دبلوماسية، أو بدء عملية «الانتحار التقني» للمنشآت النفطية الإيرانية.


مقالات ذات صلة

عبور 3 ناقلات نفط ترفع العلم الهندي لمضيق هرمز

الاقتصاد سفن راسية في بندر عباس تنتظر عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عبور 3 ناقلات نفط ترفع العلم الهندي لمضيق هرمز

أعلن وزير النقل البحري الهندي، سارباناندا سونوال، السبت، أن ثلاث ناقلات نفط ترفع العلم الهندي، تحمل أكثر من 860 ألف طن متري من النفط قد عبرت مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد «بتروناس» تتوسَّع في بحر قزوين (رويترز)

«بتروناس» الماليزية تعزز وجودها النفطي في بحر قزوين

قالت شركة «بتروناس» الماليزية إنَّها أبرمت اتفاقات جديدة مع شركات من تركمانستان تعمل في مجال النفط والغاز؛ لتوسيع أنشطتها في بحر قزوين.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الاقتصاد لا تزال صادرات الصين من البنزين والديزل أقل بكثير من مستويات العام الماضي بسبب قيود التصدير (رويترز)

ارتفاع صادرات الصين من النفط المكرر خلال مايو رغم القيود المفروضة

ارتفعت صادرات الصين من البنزين والديزل ووقود الطائرات في مايو (أيار) مقارنة بأبريل (نيسان)، إلى وجهات رئيسية في جنوب شرقي وجنوب آسيا.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

العراق يتوقع استئناف تصدير النفط خلال 25 يوماً

توقع المدير العام لشركة تسويق النفط العراقية (سومو) أن يستأنف العراق تصدير النفط الخام في غضون من 20 إلى 25 يوماً بعد قدوم الناقلات النفطية إلى الموانئ العراقية

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد مواطنون روس خارج مركز تسوق بالعاصمة الروسية في حين تتصاعد أعمدة الدخان من مصفاة نفطية عقب قصفها (أ.ف.ب)

رئيس «روسنفت»: الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

قال إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة «روسنفت»، أكبر شركة نفط في روسيا، الجمعة، إن الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

«الشرق الأوسط» (موسكو)

عبور 3 ناقلات نفط ترفع العلم الهندي لمضيق هرمز

سفن راسية في بندر عباس تنتظر عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفن راسية في بندر عباس تنتظر عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

عبور 3 ناقلات نفط ترفع العلم الهندي لمضيق هرمز

سفن راسية في بندر عباس تنتظر عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفن راسية في بندر عباس تنتظر عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أعلن وزير النقل البحري الهندي، سارباناندا سونوال، السبت، أن ثلاث ناقلات نفط ترفع العلم الهندي، تحمل أكثر من 860 ألف طن متري من النفط و94 بحاراً هندياً، قد عبرت مضيق هرمز بسلام، وهي في طريقها إلى الهند.

ونشر سونوال على موقع «إكس»، أن ناقلات النفط «ديش فايبهاف» و«ديش فيبور» و«سانمار هيرالد» قد أتمّت جميعها عملية العبور.

وانتعشت شحنات النفط عبر مضيق هرمز يوم الجمعة، بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاق وقف إطلاق النار، حيث يستعد منتجو الخليج لزيادة صادراتهم النفطية.

ونشرت واشنطن وطهران نص اتفاق مؤقت وُقّع يوم الأربعاء، لإنهاء النزاع، على الرغم من تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من إمكانية استئناف الهجمات واستهداف المسؤولين الإيرانيين في حال عدم الالتزام بالتعهدات.

وقبل عبور ثلاث شحنات، كانت 13 شحنة ترفع العلم الهندي عالقة في مضيق هرمز.

وأضاف سونوال: «تنسّق وزارتنا بنشاط مع جميع الجهات المعنية لضمان السلامة التامة للبحارة الهنود وخطوط الطاقة الحيوية».


تخفيض قيمة اليوان الصيني يحرم اقتصاد ألمانيا من 50 مليار دولار

سفينة الحاويات «ميرسك آيوا» ترسو في رصيف ميناء بريمرهافن بألمانيا (رويترز)
سفينة الحاويات «ميرسك آيوا» ترسو في رصيف ميناء بريمرهافن بألمانيا (رويترز)
TT

تخفيض قيمة اليوان الصيني يحرم اقتصاد ألمانيا من 50 مليار دولار

سفينة الحاويات «ميرسك آيوا» ترسو في رصيف ميناء بريمرهافن بألمانيا (رويترز)
سفينة الحاويات «ميرسك آيوا» ترسو في رصيف ميناء بريمرهافن بألمانيا (رويترز)

تتسبب العملة الصينية، التي تبقيها بكين عند مستوى منخفض بشكل مصطنع، في حرمان الاقتصاد الألماني من نمو تقدر قيمته بمليارات اليوروهات عاماً بعد عام، وذلك حسب ما خلصت نتائج دراسة أعدها معهد الاقتصاد الألماني «آي دبليو» بدعم من وزارة الخارجية الألمانية.

وأوضحت النتائج أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في ألمانيا يمكن أن يرتفع بنسبة تصل إلى 0.3 في المائة بحلول عام 2028، في حال تقييم اليوان الصيني «بصورة عادلة»، ولفت المعهد إلى أن ذلك الأمر يعادل مكاسب تراكمية تبلغ نحو 43 مليار يورو (49.3 مليار دولار) خلال الفترة من 2026 إلى 2028.

واعتمدت الدراسة في محاكاتها على رفع قيمة اليوان بنسبة 40 في المائة، وهي نسبة يرى خبراء أنها تعكس تقريباً القيمة العادلة للعملة الصينية.

ويرى المعهد أن بكين لا تسمح بتحديد سعر صرف حر لعملتها، بل تتبع سياسة إدارة حكومية لسعر الصرف.

وذكر المعهد في دراسته أن هذا التخفيض المتعمد لقيمة اليوان يجعل الصادرات الصينية أرخص ثمناً، ويرفع تكلفة الواردات إلى الصين، الأمر الذي أدى أيضاً إلى تراجع قيمة الصادرات الألمانية إلى الصين بشكل ملحوظ، كما أدى إلى ارتفاع كبير في الواردات الصينية إلى ألمانيا.

واتسع العجز في الميزان التجاري الألماني مع الصين خلال عام 2025 ليبلغ نحو 90 مليار يورو.

وحسب تقديرات المعهد، فإن التقييم العادل لليوان سوف يساعد الصين أيضاً على إعادة التوازن إلى اقتصادها الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التصدير.

وتابع المعهد أنه رغم أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني سيتراجع على المدى القصير نتيجة انخفاض الصادرات، فإن المحاكاة تشير إلى حدوث تعافٍ سريع مدفوع بزيادة الطلب المحلي. فمع تراجع جاذبية التصدير، ستبقى كميات أكبر من السلع داخل السوق الصينية، ما سيؤدي إلى انخفاض الأسعار وتحفيز الاستهلاك المحلي.

ويؤكد المعهد أن ارتفاع الطلب الداخلي يمكنه خلال سنوات قليلة أن يعوض إلى حد كبير تراجع الفائض التجاري الناتج عن انخفاض الصادرات. وبحلول عام 2028، سيقترب الاقتصاد الصيني مجدداً من المستوى الذي كان سيبلغه في سيناريو استمرار تخفيض قيمة العملة المحلية.

وقال الخبير بالمعهد، يورجن ماتس، إن «الإدارة النقدية التي تنتهجها الصين تعد بمثابة سم في جسد التجارة الحرة».

وأضاف أن الصين تبيع منتجاتها بأسعار أقل بكثير مما ينبغي أن تكون عليه وذلك بسبب تخفيض قيمة اليوان، ما يمنحها حصصاً سوقية لم تكن لتحصل عليها في ظل منافسة عادلة. واختتم تصريحاته بالقول إن «الصين تلعب بأوراق غير نزيهة. وينبغي لأوروبا أن تفرض رسوماً تعويضية لضمان تكافؤ شروط المنافسة».


«بتروناس» الماليزية تعزز وجودها النفطي في بحر قزوين

«بتروناس» تتوسَّع في بحر قزوين (رويترز)
«بتروناس» تتوسَّع في بحر قزوين (رويترز)
TT

«بتروناس» الماليزية تعزز وجودها النفطي في بحر قزوين

«بتروناس» تتوسَّع في بحر قزوين (رويترز)
«بتروناس» تتوسَّع في بحر قزوين (رويترز)

قالت شركة «بتروناس» الماليزية الوطنية للنفط والغاز، إنَّها أبرمت اتفاقات جديدة مع شركات من تركمانستان تعمل في مجال النفط والغاز؛ لتوسيع أنشطتها في بحر قزوين واستكشاف سبل تعاون أوسع في قطاع الهيدروكربونات.

وقالت الشركة، في بيان السبت، إنَّه بموجب الاتفاقات وقَّعت شركة «كاريغالي»، التابعة لـ«بتروناس»، اتفاقاً لتقاسم الإنتاج والحصول على حصة مشارَكة بنسبة 100 في المائة في منطقتَي «بلوك 19» و«بلوك 20» البحريَّتين، واتفاقية تعاون لتنفيذ دراسات زلزالية ثنائية البعد عبر البلوكات البحرية الشمالية، بحسب وكالة «بلومبرغ».

وجاء في البيان أن الشركتين معاً تمثِّلان «التزاماً مشتركاً لفتح آفاق مستقبلية وتعزيز فهم ما تحت سطح الأرض ودعم مكانة تركمانستان بوصفها مساهماً كبيراً في إمدادات الطاقة الإقليمية والعالمية».