حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

بين ضرورات الميدان وضغوط الميزانية

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


مقالات ذات صلة

«المركزي الإماراتي» يحظر معاملات فروع «بنك ملي إيران» مع طهران

الخليج «المركزي الإماراتي» يحظر معاملات فروع «بنك ملي إيران» مع طهران

«المركزي الإماراتي» يحظر معاملات فروع «بنك ملي إيران» مع طهران

فرض مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي إجراءات إنفاذ بحق فروع «بنك ملي إيران» العاملة في البلاد

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
المشرق العربي انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

مطار المزة العسكري من سجن للانتهاكات إلى مطار لرجال الأعمال

باشرت الهيئة العامة للطيران المدني في سوريا، أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة بدمشق تمهيداً لإعادة ‏تصنيفه من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني

الولايات المتحدة​ بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)

بزشكيان في الأمم المتحدة: لن نخضع للضغوط والعقوبات

صعَّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عبر منبر الأمم المتحدة، خطابه ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قائلاً إن بلاده «لن تركع» تحت الضغوط الأميريكية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية أشخاص يشاركون في تجمع دعماً لحقوق الإنسان والمساواة للنساء في إيران بالقرب من نصب «لنكولن التذكاري» في العاصمة واشنطن يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إيران تشدد قبضتها على المحتجين و«الرياضيين»

عادت السلطات الإيرانية، وذلك بالتزامن مع الذكرى الرابعة لمقتل مهسا جينا أميني، إلى تشديد قبضتها الداخلية وتصعيد إجراءاتها بحق أشكال مختلفة من التحرك والاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)

طائرة تجارية إيرانية تهبط في الصين رغم تهديدات واشنطن بفرض عقوبات

هبطت طائرة تجارية تابعة لشركة ماهان الإيرانية، اليوم الأربعاء، في الصين، وفق ما أفاد موقع لتتبُّع حركة الملاحة الجوية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«إف بي آي» يحقق في مزاعم اختراق بيانات جميع موظفيه

عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)
عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

«إف بي آي» يحقق في مزاعم اختراق بيانات جميع موظفيه

عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)
عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) أنه يحقق في مزاعم مجموعة قرصنة إلكترونية باختراق أنظمته وسرقة بيانات حساسة تتعلق بآلاف الموظفين، وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقالت مجموعة «شايني هانترز» (Shiny Hunters) إنها استحوذت على بيانات جميع موظفي المكتب، البالغ عددهم نحو 38 ألفاً، إضافةً إلى أشخاص تقدّموا بطلبات للعمل لديه.

وتزعم المجموعة أن البيانات تشمل أسماء العملاء ومهامهم وأرقام شاراتهم وعناوين منازلهم وأرقام هواتفهم ومعلومات عن أزواجهم. واطلعت «بي بي سي» على عينة محدودة من البيانات قالت إنها تبدو حقيقية.

عناصر من «إف بي آي» يستجيبون لبلاغ عن حزمة مشبوهة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

ونقلت وكالة «رويترز» أن بعض المعلومات تتضمن تفاصيل عن مهام مسؤولين يعملون في ملفات حساسة، بينها مكافحة أنشطة الاستخبارات الصينية والروسية وعصابات المخدرات.

وقالت المجموعة إنها استغلت ثغرة في نظام تخزين سحابي تابع لشركة «أوراكل» يستخدمه المكتب، للوصول إلى عدة أنظمة، بينها أنظمة للتوظيف والتحقق من خلفيات الموظفين والسجلات الطبية والتحقيقات.

وأكد «إف بي آي» أنه «يحقق بنشاط وبشكل مكثف» في الواقعة، ويتعاون مع مزودي خدمات خارجيين لتحديد ما إذا كان الاختراق طال أنظمته مباشرة أم جهة خارجية.

وقالت «شايني هانترز» إن هدفها ليس المال، وطالبت المكتب بسحب تحذير أصدره عنها في مايو (أيار)، مهددةً بنشر قواعد البيانات كاملة خلال أسبوع إذا لم يستجب.


الجمهوريون يضخّون 900 مليون دولار إعلانات قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في غاستونيا بولاية نورث كارولينا في 16 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في غاستونيا بولاية نورث كارولينا في 16 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون يضخّون 900 مليون دولار إعلانات قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في غاستونيا بولاية نورث كارولينا في 16 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في غاستونيا بولاية نورث كارولينا في 16 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ضخ الجمهوريون نحو 900 مليون دولار في الإعلانات خلال الأسابيع الستة الأخيرة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي الأميركية، في رهان على أن إنفاقاً قياسياً قد يعوّض مناخاً سياسياً انقلب بوضوح ضدهم، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدد انتخابات التجديد النصفي، التي تُنظّم في منتصف الولاية الرئاسية الممتدة أربع سنوات، السيطرة على الكونغرس، وعدد كبير من مناصب حكام الولايات، وقد ترسم إلى حد بعيد قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تمرير برنامجه خلال العامين الأخيرين من ولايته.

ومن الآن وحتى يوم الاقتراع في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، حجز الجمهوريون وحلفاؤهم إعلانات بنحو 888 مليون دولار، في مقابل نحو 666 مليون دولار للديمقراطيين، بحسب شركة «أد إمباكت» المتخصصة في تتبع الإنفاق السياسي.

لافتة لمركز اقتراع في مدينة دالاس الأميركية في 26 مايو 2026 (أ.ب)

لكن شعبية ترمب تراجعت إلى مستويات تقارب 30 في المائة، فيما يتأخر الجمهوريون، الذين يسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ، بفارق كبير في استطلاعات الرأي المتعلقة بالكونغرس.

وأنتج ذلك مشهداً غير مألوف في المرحلة الأخيرة من الحملة: حزب يستفيد من مناخ سياسي مواتٍ، وآخر يملك إمكانات مالية أكبر بكثير.

وقالت كارولاين ويلز، المستشارة السياسية التي عملت سبع سنوات في اللجنة الوطنية لـ«الحزب الديمقراطي» إن «المال مهم، ولا ينبغي للديمقراطيين التقليل من شأن فارق يتجاوز 200 مليون دولار في الإنفاق الإعلاني».

وأضافت: «لكن المال لا يعيد ضبط المناخ السياسي، خصوصاً في هذه المرحلة المتأخرة من الانتخابات».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال تجمع انتخابي جمهوري في كاونسل بلافز بولاية أيوا في 18 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

مبالغ بلا سقف

تبدو الأرقام ضخمة حتى بالمعايير الأميركية. وتتوقع «أد إمباكت» و«كينيتيك بوليتيكال إنسايتس» إنفاقاً إجمالياً بنحو 12 مليار دولار على الإعلانات خلال الدورة الانتخابية 2025 - 2026، وهو رقم يفوق أي انتخابات أميركية سابقة، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية عام 2024.

ويعود ذلك جزئياً إلى أن القانون الأميركي يفرض قيوداً محدودة على المجموعات المستقلة ما دامت لا تنسق مباشرة مع المرشحين.

ويمكن لأكبر هذه المجموعات، المعروفة باسم «سوبر باكس»، جمع مبالغ غير محدودة من الأفراد الأثرياء، والشركات.

ويعكس سباق حاكمية كاليفورنيا حجم الإنفاق، إذ جرى إنفاق نحو 330 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية وحدها، أي في الجولة الأولى لاختيار المرشحين.

ويفوق ذلك بأكثر من مرتين ونصف المرة إجمالي الإنفاق في الانتخابات العامة البريطانية عام 2024، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو ضعف عدد سكان كاليفورنيا.

ويأتي جزء كبير من تفوق الجمهوريين المالي من مجموعات «سوبر باكس». ودخلت مجموعة «ماغا إنك»، أبرز جهة داعمة لترمب، شهر سبتمبر (أيلول) وفي حوزتها نحو 416 مليون دولار.

وتظهر الفجوة أيضاً على مستوى الحزبين. فقد كانت اللجنة الوطنية لـ«الحزب الجمهوري» تملك نحو 126 مليون دولار في نهاية أغسطس (آب)، في حين كانت نظيرتها الديمقراطية تملك نحو 17 مليون دولار نقداً، مقابل ديون تتجاوز هذا المبلغ بقليل.

كما يملك الجمهوريون ميزانية إعلانية أكبر في ثمانية من أصل تسعة سباقات لمجلس الشيوخ تُعد الأكثر تنافسية، بحسب «أد إمباكت».

وتبدو الفجوة الأوضح في تكساس، حيث يتوقع أن ينفق الجمهوريون ما يصل إلى 200 مليون دولار ضد جيمس تالاريكو.

ويتصدر المرشح الديمقراطي متوسط استطلاعات الرأي في ولاية فاز بها ترمب بفارق نحو 14 نقطة في 2024، لكنه يواجه إنفاقاً جمهورياً يفوق إنفاقه بنحو خمسة أضعاف، بحسب صحيفة «تكساس تريبيون».

وقال مايك مارينيلا، المتحدث باسم لجنة حملة الجمهوريين في مجلس النواب، إن «الجمهوريين يسيطرون على موجات البث، وديمقراطيو مجلس النواب لا يملكون القدرة المالية للرد».

صور لتجمّع انتخابي خلال كلمة لترمب أمامهم بغاستونيا في ولاية نورث كارولينا في 16 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

المال في مواجهة المزاج العام

وتُلزم القواعد الأميركية محطات البث بمنح المرشحين أدنى الأسعار المتاحة للإعلانات خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، وهو امتياز سعري لا تستفيد منه مجموعات «سوبر باكس» التي تنفق بصورة مستقلة عن حملات المرشحين.

وبما أن المرشحين الجمهوريين يعتمدون عادة أكثر على المجموعات الخارجية، ويجمعون تبرعات مباشرة أقل من منافسيهم، فقد يشتري الدولار الديمقراطي أحياناً وقتاً إعلانياً أكبر بكثير.

ويعكس حجم الإنفاق الجمهوري أيضاً صعوبة البيئة السياسية التي يواجهها الحزب.

فقد دفع غضب الناخبين من كلفة المعيشة والحرب المطولة مع إيران الجمهوريين إلى إنفاق مبالغ كبيرة في ولايات مثل تكساس، وأيوا، وأوهايو، كانوا يتوقعون عادة الاحتفاظ بها بسهولة.

ومع بدء التصويت المبكر بالفعل في بعض الولايات، تقل فرص الإنفاق المتأخر في تغيير آراء الناخبين، بحسب ويلز.

وأشارت إلى أن اللجان الوطنية الجمهورية تفوقت على نظيراتها الديمقراطية في جمع الأموال في عامي 2006 و2018، إلا أن الديمقراطيين كسبوا 31 مقعداً في مجلس النواب في الانتخابات الأولى، و41 مقعداً في الثانية.

ومع ذلك يخشى الديمقراطيون أن يغرقهم التفوق المالي للجمهوريين.

وقال الخبير الاستراتيجي السياسي مايك فاهي إن هذا التفوّق قد يكون أكثر تأثيراً في السباقات المتقاربة التي لا يعرف فيها الناخبون الكثير عن أي من المرشحين.

وأضاف: «قد يخلق المزاج الوطني فرصة، لكن سباقات مجلسي النواب والشيوخ تُحسم في النهاية مرشحاً بمرشح، وسوقاً بسوق».


ترمب: سأناقش مع شي الذكاء الاصطناعي... ونرغب بترك الأمور على حالها

ترمب وشي في قاعدة «أندروز» المشتركة في ولاية ماريلاند يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وشي في قاعدة «أندروز» المشتركة في ولاية ماريلاند يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب: سأناقش مع شي الذكاء الاصطناعي... ونرغب بترك الأمور على حالها

ترمب وشي في قاعدة «أندروز» المشتركة في ولاية ماريلاند يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وشي في قاعدة «أندروز» المشتركة في ولاية ماريلاند يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ​ترمب، أن الذكاء الاصطناعي سيكون «موضوع النقاش الرئيسي» عندما يلتقي الرئيس الصيني ‌شي ‌جينبينغ ‌اليوم ⁠(الخميس)، لكنه ​أشار إلى أن ⁠الزعيمين يرغبان في ترك الأمور على حالها.

وكتب ترمب ⁠في منشور ‌على ‌وسائل ​التواصل ‌الاجتماعي، مستخدماً المصطلح ‌الذي يفضِّله للإشارة إلى الذكاء الاصطناعي: «يوم مهم ‌مع الرئيس الصيني شي. سيكون الذكاء الفائق ⁠موضوعاً ⁠رئيسياً للنقاش، لكنني أريد ترك الأمور تماماً كما هي».

وقال: «هذا هو موقف الصين أيضاً. ووسيلة الحماية ​لدينا ​هي وزارة العدل!».