لقاءات مصرية مكثفة في أنطاليا لمواجهة تداعيات حرب إيران

عبد العاطي تحدث عن ثوابت بلاده الداعمة لتسوية الأزمات سلمياً

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية مكثفة في أنطاليا لمواجهة تداعيات حرب إيران

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)

تُعقد لقاءات مصرية مكثفة على هامش أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي تحتضنه تركيا لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، وإنجاح مسار المفاوضات بين واشنطن وإيران، واحتواء التوتر لتحقيق التهدئة في المنطقة. وأكدت القاهرة «ثوابتها الداعمة لتسوية الأزمات بالطرق السلمية».

والتقى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت، نظيرته البريطانية، إيفيت كوبر، في إطار التشاور الدوري بين البلدَيْن لتعزيز العلاقات، وتبادل الرؤى بشأن مستجدات الأوضاع الإقليمية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي متحدثاً إلى الصحافيين خلال فعاليات أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (رويترز)

واستعرض عبد العاطي الجهود التي تبذلها مصر لاحتواء التصعيد في المنطقة، معرباً عن أمله في أن تُسفر المفاوضات الأميركية-الإيرانية عن تثبيت وقف إطلاق النار، والتوصل لتفاهمات تؤدي إلى إنهاء الحرب. كما شدد على «سرعة التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان، تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية شاملة ذات ملكية سودانية خالصة»، مؤكداً «أولوية وصول المساعدات إلى الشعب السوداني دون عوائق»، ومستعرضاً الجهود التي تبذلها مصر في إطار «الرباعية الدولية» للتعامل مع الأزمة.

وتضم «الرباعية الدولية» بشأن السودان كلاً من السعودية ومصر وأميركا والإمارات، وقدّمت في سبتمبر (أيلول) الماضي مبادرة، تضمّنت إقرار هدنة مدتها 3 أشهر بين الأفرقاء، من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من السكان المدنيين، على أن تُطلق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة 9 أشهر، تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين.

لقاء بدر عبد العاطي السبت مع وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر (الخارجية المصرية)

وأعرب عبد العاطي، خلال لقاء كوبر، السبت، عن التطلّع إلى إتمام زيارات رفيعة المستوى بين البلدَيْن خلال الفترة المقبلة، بما يعكس عمق العلاقات الثنائية، والعمل على جذب مزيد من الاستثمارات البريطانية، من خلال مشاركة كبرى الشركات البريطانية في مؤتمر استثماري، من شأنه أن يمثّل نقلة نوعية في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدَيْن، إلى جانب التعاون في ملف الهجرة، مؤكداً «أهمية ربطه بالجانب التنموي ومعالجة أسبابه الجذرية».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، جدّد الوزيران «التأكيد على الرغبة المشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وأهمية مواصلة تعزيز التنسيق والتشاور المشترك على ضوء العلاقات الوثيقة التي تربط البلدَين، وبما يُسهم في خفض التصعيد، ودعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيرته النمساوية، بياتة ماينل رايزينغر، خلال لقاء السبت، على الدور الذي تضطلع به بلاده في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى «الجهود المكثفة التي تبذلها القاهرة لاحتواء التصعيد الراهن في المنطقة، ودعم مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية». وتحدث عن ثوابت الموقف المصري، الداعمة لتسوية الأزمات بالطرق السلمية، والحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية. وكذلك حرص القاهرة على تعزيز التعاون الثنائي في المجالات المختلفة، خصوصاً في المجال الاقتصادي والتجاري والاستثماري، من خلال إعادة تفعيل اللجنة المشتركة بين البلدَيْن، وتشجيع الاستثمارات النمساوية بمصر، خصوصاً في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

كما أعرب المسؤول المصري عن التطلّع لتكثيف التعاون المشترك في مجال تدريب وتنظيم العمالة، وتدشين برامج للتبادل الأكاديمي والثقافي، والتعاون في مجال الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فضلاً عن إمكانية العمل الثلاثي في أفريقيا للاستفادة من الخبرات المصرية الكبيرة بالعمل التنموي والاقتصادي في القارة.

محادثات وزير الخارجية المصري ونظيرته النمساوية في تركيا السبت (الخارجية المصرية)

وفي لقاء ثالث مع نظيره الأوكراني، أندري سيبيها، مساء الجمعة، جدد عبد العاطي «التأكيد على موقف مصر الثابت الداعي إلى تسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية والحوار، بما يُسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي».

كما تبادل عبد العاطي مع رئيسة «المجموعة الدولية للأزمات»، كومفورت إيرو، السبت، الرؤى إزاء التحديات المتشابكة في الإقليم، والجهود التي تبذلها مصر لخفض التصعيد، ودعم الأمن والاستقرار في الإقليم. في حين أعربت إيرو عن «تقديرها للدور المصري المحوري في معالجة الأزمات الإقليمية»، مؤكدة الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور مع مصر خلال الفترة المقبلة، بما يُسهم في استعادة الاستقرار للمنطقة.

وكان «الاجتماع الرباعي» للسعودية وباكستان ومصر وتركيا قد بحث، مساء الجمعة، سبل تعزيز التنسيق المشترك إزاء التطورات المتسارعة، التي تشهدها المنطقة، ومتابعة مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، ومواصلة الجهود المشتركة لخفض التصعيد، واحتواء التوتر لتحقيق التهدئة لاستعادة الأمن والاستقرار للمنطقة، فضلاً عن مستقبل النظام الإقليمي بعد انتهاء الحرب الحالية. وضم الاجتماع وزير الخارجية المصري، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار.

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره الأوكراني على هامش منتدى أنطاليا السبت (الخارجية المصرية)

وحسب بيان لمتحدث «الخارجية المصرية»، تميم خلاف، السبت، فإن «الاجتماع الوزاري يعد الاجتماع الثالث في إطار (الآلية الرباعية)، حيث عُقد الاجتماع الأول بالرياض في 20 مارس (آذار) الماضي، والثاني بإسلام آباد في 29 مارس الماضي».

وقال خلاف إن الوزير عبد العاطي أكد خلال الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق المشترك في ظل الظرف الدقيق، الذى تمر به المنطقة، مُرحباً بـ«نتائج الاجتماع الأول لكبار المسؤولين لـ(الآلية الرباعية)، الذي عُقد بإسلام آباد في 14 أبريل (نيسان) الحالي، باعتبارها (خطوة إيجابية) نحو تفعيل أطر التنسيق لـ(الآلية)، وتعزيز التعاون بين الدول الأربع».

وتبادل الوزراء التقييمات بشأن التداعيات الاقتصادية الوخيمة للحرب على الاقتصاد العالمي، حيث دار نقاش بينهم حول سبل احتواء التداعيات على حركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي، وأمن الطاقة وأسعار النفط، وسبل التغلب على هذه التداعيات، وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي. واتفق الوزراء على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق خلال المرحلة المقبلة، ومواصلة بذل الجهود لإنجاح مسار المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد، واستعادة الهدوء والأمن والاستقرار للمنطقة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

تهمين التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية  ترمب يتحدث إلى الصحافيين بعد وصوله على متن «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الثلاثاء (أ.ب) p-circle

ترمب: نسيطر بالكامل على مضيق هرمز

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة باتت تسيطر «بالكامل» على مضيق هرمز، مجدداً التمسك بالحصار البحري المفروض على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية مروحية تابعة للبحرية الأميركية من طراز «إم إتش-60» خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران (سنتكوم) p-circle

«الحرس الثوري» يلوّح بإطالة الحرب حتى رحيل ترمب

قال مستشار كبير في «الحرس الثوري» إن إيران قد تطيل الحرب حتى مغادرة الرئيس دونالد ترمب منصبه، بينما أفادت «رويترز» بأن واشنطن وطهران لا تبحثان تمديد الهدنة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
الاقتصاد شعار «أوبك» خلف نموذج لحفارة نفط (رويترز)

«أوبك» ترفع توقعاتها لنمو الطلب على النفط إلى 2.2 مليون برميل يومياً في 2027

خفضت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط للعام الجاري إلى 580 ألف برميل يوميا، في رابع تعديل لها على التوالي بالخفض.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

الزيدي لتشريع «قانون ملزم» لحصر السلاح بيد الدولة

قرر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة، في إطار ما تقول مصادر إنه استعداد لمواجهة متوقعة مع فصائل ترفض تسليم أسلحتها...

حمزة مصطفى (بغداد)

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
TT

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية تُقيم في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مُسجَّل عليه عدد من خطوط الهاتف الجوال (الشرائح) التي لا تعلم عنها شيئاً، ما دفعها إلى توكيل المحامي حسن شومان لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعقّب هذه الأرقام، تجنباً لتورطها في أي مشكلة أو مسؤولية قانونية بسببها.

ويؤكد شومان لـ«الشرق الأوسط» أنه بمجرد حصوله على التوكيل الذي ستُحرره سمر في السفارة المصرية بكندا سيتوجه إلى فرع شركة الجوال لتوقيع إنكار ملكية، ثم يحرر محضراً في قسم الشرطة لحماية موكلته من التورط في أي جريمة من الممكن ارتكابها بهذه الخطوط.

ورغم ما حققته أزمة خطوط الجوال الأخيرة من قلق وارتباك لدى المصريين في الداخل، فقد حققت أضعاف ذلك للمصريين بالخارج، ممن قد يتعرض أحدهم للتوقيف في المطار بسبب حكم في جريمة لا يعلم عنها شيئاً.

ويزيد من صعوبة موقف المغتربين، عجز الكثيرين منهم عن مجرد الاستعلام عن هذه الخطوط، إذ يتطلب أبلكيشن «ماي نترا»، التابع لـ«الجهاز القومي للاتصالات»، رقماً مصرياً، يتم عبره إرسال رقم سري لاستكمال خطوات التسجيل، وهو ما فشل أحمد إبراهيم، الذي يعمل في إحدى دول الخليج، فيه.

ويقول إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إنه تابع ما حدث مع المصري عمرو عمارة بقلق، وحاول الاستعلام وحمّل التطبيق، لكنه لا يملك خطّاً مصرياً، إذ إنه مغترب منذ 10 سنوات وخطه القديم جرى إيقافه.

وعمارة، هو طالب مصري جامعي، حُكم عليه بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة تستخدم خطاً مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدّم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجّلت خطاً باسمه، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل إلى هذه العصابة.

وأضاف إبراهيم، الذي يعمل في المجال الطبي، أنه لم يكن يستطيع أن يأخذ أي رد فعل فوري لو اكتشف تسجيل خطوط باسمه، مضيفاً: «توكيل المحامي يحتاج للذهاب إلى السفارة، ومواعيد عملها تتعارض مع مواعيد عملي».

مصريات في نيويورك (وزارة الخارجية المصرية)

وواجهت السيدة المصرية المقيمة في كندا مشكلة إبراهيم نفسها، ويوضح محاميها شومان، أنه «لم يكن لديها خط مصري يعمل حتى تستعلم من خلاله عن الأرقام المرتبطة برقم هويتها، فلجأت إلى حيلة بإدخال رقم والدتها المصري، وتمكنت في النهاية من التسجيل»، لافتاً إلى أن «هذه المشكلة تواجه كثيراً من المصريين في الخارج، وعلى (الجهاز القومي للاتصالات) الانتباه لها وحلها، بأن يكون التسجيل مقصوراً على الرقم القومي فقط».

ورأى وكيل نقابة المحامين سابقاً، مجدي سخي، أن حالة الإرباك التي يعيشها المصريون في الخارج هي جزء من الأزمة، مضيفاً: «إذا كان مصريو الداخل لا يعلمون الإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها تجاه هذه الأزمة، فما بالنا بالخارج»، ناصحاً كل من وجد خطوطاً دون علمه فعليه توكيل محامٍ يتحرك نيابة عنه في الإجراءات.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف الجوالة الأربع إلى النيابة العامة للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)

وتلقى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» أكثر من 4 آلاف شكوى وفق ما أوضحه المتحدث باسم الجهاز محمد إبراهيم، في تصريحات إعلامية.

وبينما يحاول المصريون في الخارج الوصول إلى الأرقام المسجلة بأسمائهم، يتخوف جزء آخر منهم من أن الأزمة الأخيرة سيترتب عليها تحديث للبيانات يستوجب وجود صاحب الخط بنفسه، وهو ما لن يستطيعوا تحقيقه، ما قد يعرض خطوطهم المصرية للوقف رغم ما ترتبط به من حسابات ومعاملات، مطالبين عبر «السوشيال ميديا» بوضع حالاتهم في الحسبان، وإتاحة وسائل للتحقق وتقديم الشكاوى عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج.


انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
TT

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي، الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في وقت تكشف فيه الأجهزة المختصة بصورة متكررة عن تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وتلاحق أصحابها قضائياً.

وتتجاوز دلالة هذه الواقعة حدود الحسابات المصرفية إلى ظاهرة أوسع، إذ يرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح «أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا»، معتبراً أن حالة الفوضى التي تشهدها البلاد وفّرت بيئة مواتية لهذه الممارسات.

وقال غيث لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات ارتبطت، بحسب تقديره، بزيادة الطلب على الدولار، واتساع أنشطة تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن ظاهرة تبييض الأموال «ارتبطت بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري في عام 2014»، وأنها «لم تكن بهذا الشكل» خلال فترة عضويته في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ويحقق مكتب النائب العام حالياً مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مصرفية غير طبيعية، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار على حسابه الشخصي، بعدما لاحظ جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة النشاط المصرح به للحساب، فضلاً عن عدم وجود مستندات، أو مبررات تجارية تثبت مشروعية الأموال، بحسب بيان الجهاز، الثلاثاء.

غير أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة؛ ففي 3 أغسطس (آب) الحالي، أعلنت الجهات المختصة ضبط المستفيد الحقيقي من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي، فيما سبقتها في 22 يوليو (تموز) واقعة أخرى، بلغت قيمة التحويلات فيها نحو 3.8 مليون دينار.

وتكشف هذه الوقائع، بحسب غيث، أهمية تشديد الرقابة على التدفقات المالية، وربط حجم الأموال الداخلة إلى الحسابات بطبيعة النشاط والدخل المعلن. وقال بهذا الخصوص: «إذا كان هناك موظف يتقاضى راتباً قدره ألفا دينار، ثم دخل إلى حسابه فجأة 5 ملايين دينار، فلا بد أن يُسأل عن مصدر هذه الأموال، وكيف دخلت إلى حسابه». مضيفاً أن الرقابة على التحويلات يجب ألا تقتصر على قيمة الأموال، بل يجب أن تمتد إلى صلة المرسل بالمستفيد ومصدر الأموال والغرض من التحويل، ومشيراً إلى أن بعض الدول العربية والغربية تطبق إجراءات أكثر صرامة في تتبع التدفقات المالية.

صراف ليبي خلال معاملة مالية مع أحد الزبائن في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد على وقع انقسام سياسي وأمني، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، وسط ترتيب متدنٍّ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، التي أصدرتها «منظمة الشفافية الدولية».

ولا ينقطع حديث مدونين ليبيين عن تفشي الفساد في ليبيا، فعلى سبيل المثال تحدث المدون فوزي الشريف عما يصفه بأنه «صناعة المليونيرات» في ليبيا، مشيراً إلى أن الاستفادة من النفوذ أو الأموال العامة قد تتبعها محاولات لإخفاء مصادر الأموال، وإعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، من بينها شراء العقارات، وتحويل جزء من الأموال إلى الخارج، ثم إدخال أموال أخرى في مشروعات تجارية، بينها تجارة السيارات الفارهة.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد في ليبيا، ومن ضمنه جرائم غسل الأموال، بأنه «حرب مدمرة ضد المواطن الليبي»، داعياً الدول التي تستقبل هذه الأموال إلى تطبيق إجراءات صارمة لملاحقة ومساءلة الشخصيات الليبية المتورطة في هذه الممارسات.

ويقول هارون لـ«الشرق الأوسط» إن خطورة غسل الأموال تتجاوز إخفاء المصدر الأصلي للأموال، إلى إعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، بما يسمح بتحويل أموال، يُشتبه في أنها جاءت من مصادر غير قانونية، إلى ثروات يصعب تتبع أصلها.

وسبق أن حث صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يتوافق مع المعايير الدولية، بل وصفه بأنه يمثل «أولوية ملحة» لحماية نزاهة النظام المالي، مضيفاً أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي من شأنه تحسين الشفافية، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب (إعلام المجلس)

برلمانياً، لا تزال العقبة الرئيسية داخلية، إذ لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب، ما يبقي المواجهة مع هذه الجرائم مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق بين الجهات المصرفية والرقابية والقضائية.


«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
TT

«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)

خلّف حادث تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، في شمال مصر، الثلاثاء، نقاشاً واسعاً حول عمالة الأطفال وما يتعرضون له من ظروف قاسية في أثناء العمل، في ظل تجاهل قوانين تحظر عملهم.

وأسفر الحادث عن وفاة 18 شخصاً وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 أعوام و50 عاماً، وأظهرت التحقيقات أن سبب الحادث يعود إلى «انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، ما أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى»، وفق بيان للنيابة العامة المصرية، الأربعاء.

وكان العمال، ومعظمهم من قريتين في محافظة الشرقية في دلتا النيل، وبينهم أطفال، في طريقهم للعمل في مزرعة بالإسماعيلية، حيث كانوا يستقلون شاحنات صغيرة مكتظة، دائماً ما تستخدم لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر.

وقالت جومانة وليد البالغة 16 عاماً، والتي نجت من الحادث، إن آخر ما قالته شقيقتها التي توفيت متأثرة بإصابتها هو: «أريد أن أرى أمي»، ولفتت إلى أنها كانت مرهقة ونائمة؛ «لأننا نستيقظ كل يوم في الساعة الخامسة صباحاً من أجل العمل». وأضافت: «لم أشعر بأي شيء حتى انقلبت الشاحنة»، وفق تصريحات أدلت بها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعرّضت عائلة مصرية إلى مأساة قاسية بعد أن فقدت 7 من أبنائها في الحادث، وأعلنت «عائلة الداؤدي» عبر «فيسبوك» وفاة 7 من أبنائها، بينهم أشقاء، مع تشييع جثامينهم في الساعات الأولى من صباح الأربعاء.

ويُظهر آخر مسح حكومي شامل، أُجري عام 2021، أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة.

كما تُقدّر منظمة «اليونيسيف»، في تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر، بنحو 6.6 مليون طفل.

ويمثل العمل غير الرسمي نحو 67 في المائة من إجمال الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، وفق «منظمة العمل الدولية». فيما تشير تقديرات رسمية، إلى أن نحو 63 في المائة من الأطفال العاملين في مصر يعملون في قطاع الزراعة، الذي يعاني من ضعف الرقابة.

محافظ الإسماعيلية يطمئن على أحد المصابين (محافظة الإسماعيلية)

ورغم أن الحكومة المصرية أقرت في مطلع عام 2025، قانوناً جديداً للعمل يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، فإن أحمد مصيلحي، محامي ورئيس «شبكة الدفاع عن الطفل»، قال: «إن بيئة العمل ما زالت تجذب الأطفال، وأن الاعتماد فقط على تطبيق القانون دون وجود منظومة متكاملة تقوض دوافع الأسر للموافقة على عمل أبنائهم في سن صغيرة، يبقى بلا نتائج مرجوة على الأرض».

ويسمح قانون العمل المصري للأطفال التدريب من سن 14، ويمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر. كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة.

ويشير مصيلحي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من القوانين التي يتم إقرارها، لا تؤدي لمنع الجريمة، وهو أمر ينعكس على أوضاع عمالة الأطفال في مصر، مضيفاً: «رغم أن قانون الطفل وضع آليات واضحة لحماية الأطفال من استغلال سوق العمل، فإن الأزمة تبقى في التطبيق؛ إذ إنه أقر بتشكيل لجان فرعية في كل مركز شرطة، دورها حماية الطفل من أي مخاطر، بالإضافة إلى دعم اجتماعي ومادي للأسر التي فقدت من يعولها».

وأكد أن تنفيذ القوانين المنظمة لعمل الأطفال يتطلب مشاركة متكاملة من عدة وزارات، أبرزها «التضامن الاجتماعي» لتقديم الدعم المالي، ويكون ذلك بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز دور وزارة التربية والتعليم في منع التسرب التعليمي، وتوفير بيئة تعليمية ملائمة تجذب الطلاب إلى المدرسة، وكذلك تعزيز دور مراكز الشباب لتوعية الأطفال وإتاحة ممارسة أنشطة مفيدة لهم.

ويُرجع الخبراء أسباب عمالة الأطفال في مصر إلى عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى، إلى جانب موروثات ثقافية ترى في عمل الطفل دعماً ضرورياً للأسرة.

سيارة تقل جثامين ضحايا حادث الإسماعيلية (وزارة الصحة)

واعتبر حزب «العدل» المعارض أن «حادث الإسماعيلية تحول من مجرد ملف يتعلق بسلامة الطرق، إلى أزمة تنموية واقتصادية واجتماعية متكاملة»، مشيراً إلى أن «طفلاً في الثالثة عشرة من عمره لا يفترض أن يكون على متن سيارة لنقل العمال في السادسة صباحاً، وإنما مكانه الطبيعي في المدرسة أو المنزل أو أحد مراكز الشباب المناسبة لسنه».

وأوضح أن «وجود الأطفال داخل سيارات نقل العمال لا يمكن اعتباره مجرد اختيار فردي للأسر، وإنما انعكاس لظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها بعض الأسر، وأن الحادث لا يمكن فصله عن ارتفاع الأسعار وتآكل القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة».

وطالب «الاتحاد العام لنقابات عمال مصر» «بتشديد الرقابة على تشغيل الأطفال، ومراجعة منظومة العمالة غير المنتظمة ونقل العمال، والتأكد من عدم وجود أطفال دون السن القانونية بين العاملين في مواقع العمل أو وسائل نقل العمال» .