«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

نظم ذكية تتفوق في الرياضيات وتظهر غباءها عند الأسئلة البسيطة

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«ألفابت» تستعد لأول إصدار سندات بالين لتمويل توسعات الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد شعار شركة «ألفابت» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«ألفابت» تستعد لأول إصدار سندات بالين لتمويل توسعات الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ألفابت»، يوم الاثنين، أنها تخطط لإصدار سندات مقوَّمة بالين الياباني لأول مرة، في خطوة تعكس توجه عمالقة التكنولوجيا إلى أسواق الدين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

تسير السعودية بخطى متسارعة ومتزنة في آنٍ واحد نحو بناء منظومة صناعية متكاملة، تتجاوز في طموحها حدود التجميع والاستيراد، لتستهدف بناء قدرات هندسية راسخة.

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

القضاء الأميركي يفتح الباب أمام مسؤولية جنائية للذكاء الاصطناعي

مهَّد المدِّعي العام في فلوريدا السبيل إلى تطبيق مقاضاة مطوري تكنولوجيا للذكاء الاصطناعي على الدور الذي أدِّته الأخيرة في ارتكاب جريمة أو الإقدام على الانتحار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا عبارة «مرحباً بكم في أوبن إيه آي» تظهر على الصفحة الرئيسية لـ«شات جي بي تي» (د.ب.أ)

ميزة جديدة في «شات جي بي تي» تُخطر المقربين عند الأزمات النفسية

أعلنت «أوبن إيه آي» عن إطلاق ميزة أمان جديدة ضمن تطبيق «شات جي بي تي»، تهدف إلى التدخل المبكر في حالات الطوارئ المرتبطة بالصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الذكاء الاصطناعي وسيلة فعّالة للدعاية السياسية (رويترز)

تقرير: إيران تؤثر على الرأي العام الأميركي بواسطة الذكاء الاصطناعي

تحقق إيران تقدماً متزايداً في «حرب المعلومات» عبر مقاطع فيديو و«ميمات» مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تنتشر بسرعة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مخاطر نفسية وإدراكية للاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة

رسم كاريكاتيري يظهر تفاعلا بين تلميذ وروبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي _جامعة ديوك_
رسم كاريكاتيري يظهر تفاعلا بين تلميذ وروبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي _جامعة ديوك_
TT

مخاطر نفسية وإدراكية للاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة

رسم كاريكاتيري يظهر تفاعلا بين تلميذ وروبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي _جامعة ديوك_
رسم كاريكاتيري يظهر تفاعلا بين تلميذ وروبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي _جامعة ديوك_

يشهد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي انتشاراً متسارعاً بين مختلف الفئات العمرية، ولا سيما المراهقون والشباب، إذ لم تعد هذه الأدوات تقتصر على تقديم المعلومات أو المساعدة في المهام اليومية، بل أصبحت لدى بعض المستخدمين مصدراً للدعم العاطفي والتفاعل الاجتماعي. ومع هذا التوسع، تتزايد التساؤلات حول التأثيرات النفسية والإدراكية لهذه التقنيات.

وتكشف دراستان صادرتان عن جامعتي دريكسل وديوك بالولايات المتحدة عن جانبَين مثيرَين للقلق في العلاقة المتنامية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. يتمثل الجانب الأول في احتمال تطور اعتماد نفسي مفرط قد يصل إلى سلوكيات شبيهة بالإدمان لدى المستخدمين، خصوصاً المراهقين، فيما يشير الجانب الثاني إلى أن الاستخدام الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تقليص التنوع الإبداعي وجعل الأفكار أكثر تشابهاً بين المستخدمين.

ازداد اهتمام المراهقين بروبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي (جامعة دريكسل)

سلوكيات شبيهة بالإدمان

أعرب الباحثون بجامعة دريكسل عن قلقهم من تنامي ارتباط المراهقين بروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع مؤشرات على تحوّل هذا الاستخدام إلى أنماط سلوكية أقرب إلى الإدمان تؤثر في حياتهم اليومية. وكشفت الدراسة عن أن عدداً كبيراً من المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون تطبيقات، مثل: «Character.AI» و«Replika» و«Kindroid»، لا للترفيه فقط، وإنما أيضاً للحصول على دعم عاطفي ونفسي، حسب دراسة نُشرت عبر منصة «ACM Digital Library» في 13 أبريل (نيسان) 2026. واعتمدت الدراسة على تحليل 318 منشوراً لمراهقين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً على منصة «ريديت»، حيث عبّر العديد منهم عن مخاوف من الإفراط في استخدام روبوتات الدردشة. وأظهرت النتائج أن الاستخدام يبدأ عادةً لأغراض بسيطة مثل الترفيه أو الدعم النفسي خلال فترات الوحدة والتوتر، ثم يتطور تدريجياً إلى اعتماد مفرط وسلوكيات أقرب إلى الإدمان.

وأفاد بعض المشاركين بأن هذا الاستخدام المفرط أثّر سلباً على النوم والأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية. كما رصد الباحثون أنماطاً سلوكية مرتبطة بالإدمان، من بينها الشعور بالذنب مع استمرار الاستخدام، والتعلق العاطفي بالروبوتات، وأعراض انسحاب مثل القلق والحزن عند التوقف، بالإضافة إلى الحاجة المتزايدة للاستخدام والانتكاس بعد محاولات التوقف.وقال الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة دريكسل، مات نامفاربور، إن الاستخدام المتكرر لروبوتات الدردشة يصبح مصدر قلق عندما يبدأ في اتخاذ أنماط مشابهة للإدمان السلوكي كما هو الحال مع الألعاب أو وسائل التواصل الاجتماعي.

ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بعدد مرات الاستخدام بقدر ما ترتبط بمدى تأثيره على الحياة اليومية، بما في ذلك الانسحاب من الأسرة والأصدقاء والهوايات، وصعوبة تحقيق الأهداف الدراسية أو الشخصية، وتراجع الأداء الأكاديمي، وانخفاض الدافعية والشعور العام بالسعادة.

وعن انعكاسات ذلك، أضاف أن أحد المخاوف المهمة يتمثّل في احتمال أن تحل روبوتات الدردشة محل جوانب أساسية من حياة المراهقين في مرحلة نمو حساسة؛ فإذا أصبح الارتباط بها عاطفياً على حساب العلاقات الواقعية، فقد يؤدي ذلك إلى تفويت فرص مهمة لتطوير المهارات الاجتماعية، مثل التفاعل مع الآخرين وإدارة العلاقات وبناء الفهم العاطفي، وهو ما قد ينعكس سلباً على القدرات الاجتماعية على المدى الطويل.

وأشار نامفاربور إلى أن النتائج توضح أنه على الرغم من تقديم روبوتات الدردشة غالباً مثل أدوات للتعليم أو الترفيه أو الإبداع، فإن كثيراً من المراهقين يستخدمونها للرفقة وتلبية احتياجات عاطفية أو نفسية، وهذا يتطلب من المصممين والمطورين مراعاة هذا التنوع في الاستخدامات، وإدراج آليات تضمن الاستخدام الصحي والمتوازن.

كما يستدعي من الآباء والمعلمين متابعة كيفية استخدامها، وتشجيع عادات متوازنة، وفتح حوارات حول دورها في الحياة اليومية.

استخدام روبوتات الدردشة يبدأ عادة لأغراض بسيطة مثل الترفيه (جامعة دريكسل)

تراجع الإبداع

أما الدراسة الأخرى الصادرة عن جامعة ديوك، فتشير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المستخدمة على نطاق واسع في الكتابة والإبداع، مثل «ChatGPT» و«Claude» و«Gemini»، تميل إلى إنتاج مخرجات متشابهة فيما بينها مقارنة بالبشر، ما قد يحدّ من التنوع الإبداعي على مستوى المجتمع.

وتوضح الدراسة أن اختبارات الإبداع أظهرت أن البشر يقدمون تنوعاً أكبر في الأفكار والروابط الذهنية، في حين تميل النماذج اللغوية إلى توحيد أنماط التفكير والإنتاج اللغوي، وفقاً لنتائج نُشرت بعدد 13 أبريل 2026 من دورية «PNAS Nexus».

ولتحليل ذلك، أجرى الباحثون اختبارات على 22 نموذجاً من نماذج الذكاء الاصطناعي، وقارنوها بأكثر من 100 مشارك بشري باستخدام أدوات قياس الإبداع المعروفة. وأظهرت النتائج أنه على الرغم من قدرة هذه النماذج أحياناً على التفوق على الأفراد في مهام إبداعية محددة، فإن مخرجاتها الإجمالية كانت أكثر تشابهاً وأقل تنوعاً مقارنة بالبشر.

وعن دلالات النتائج، قالت الباحثة الرئيسية للدراسة بجامعة ديوك، الدكتورة إميلي وينجر، إن كون نماذج اللغة الكبيرة تنتج مخرجات إبداعية أكثر تشابهاً من البشر يعني أن الاعتماد الواسع عليها في إنتاج المحتوى قد يؤدي إلى تقليص التنوع الإبداعي وجعل الأفكار أكثر تقارباً وأقل تميزاً بين الأفراد.وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن أحد المخاوف المحتملة على المدى الطويل يتمثل في إمكانية انعكاس هذا التجانس في المحتوى على السلوك البشري نفسه، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على هذه النماذج في الحياة اليومية. وأشارت إلى أن فهم حلقات التأثير المتبادل بين أنظمة الذكاء الاصطناعي وسلوك المستخدمين لا يزال محدوداً، ويحتاج إلى مزيد من البحث العلمي كونه مجالاً بالغ الأهمية.

كما أوضحت أن الكتّاب والمبدعين والطلاب الذين يعتمدون على نماذج الذكاء الاصطناعي في العصف الذهني أو توليد الأفكار يجب أن يدركوا أن المخرجات غالباً ما تكون متشابهة بغض النظر عن النموذج المستخدم؛ لذلك، وإذا كان الهدف إنتاج محتوى فريد فعلاً، فمن الأفضل عدم الاعتماد الكامل على هذه الأدوات.


اختراقان علميان يرسمان ملامح جديدة لعلاج السرطان

شكل تصويري لخلايا الدم البيضاء تهاجم ورما سرطانيا
شكل تصويري لخلايا الدم البيضاء تهاجم ورما سرطانيا
TT

اختراقان علميان يرسمان ملامح جديدة لعلاج السرطان

شكل تصويري لخلايا الدم البيضاء تهاجم ورما سرطانيا
شكل تصويري لخلايا الدم البيضاء تهاجم ورما سرطانيا

في تطورين علميين متزامنين يبدو أن الطب يقترب من تحول جذري في مواجهة أخطر تحديات علاج السرطان ممثلة في الأورام الصلبة التي لطالما قاومت أبرز العلاجات المناعية المتاحة.

وبينما يسعى فريق إلى هندسة خلايا مناعية أكثر ذكاءً وقدرة على الاختراق يتجه فريق آخر إلى تفكيك الدفاعات الكيميائية التي تحمي الورم. ويرسم هذان المساران معاً صورة لمستقبل قد لا يكون فيه العلاج مجرد قتل للخلايا السرطانية، بل إعادة برمجة ذكية للجهاز المناعي ذاته.

تطوران علميان

• علاجات «جاهزة» تخترق الورم. في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature بتاريخ 25 فبراير(شباط) 2026، أعلن باحثون من كلية الطب بجامعة ييل الأميركية عن تحقيق تقدم لافت في تطوير خلايا مناعية معدلة وراثياً تُعرَف باسم «الخلايا القاتلة الطبيعية» CAR-NK قادرة على استهداف الأورام الصلبة بكفاءة غير مسبوقة. وقاد الفريق عالم الوراثة سيدي تشين من كلية الطب بجامعة ييل الذي أجرى مسحاً واسعاً لعشرات الآلاف من الجينات ليحدد جيناً جديداً يُعرف بـOR7A10 بصفته مفتاحاً لتعزيز قدرة هذه الخلايا على مهاجمة السرطان.

وأظهرت التجارب على نماذج حيوانية لسرطان الثدي نتائج مذهلة؛ إذ تمكّنت الخلايا المعدلة، من القضاء الكامل على الأورام في جميع الحالات التي خضعت للعلاج. وهذا الإنجاز - وفق الباحثين - يُمثل خطوة مهمة نحو تجاوز أحد أكبر العوائق التي واجهت العلاجات المناعية سابقاً، ألا وهو ضعف فاعليتها ضد الأورام الصلبة مقارنة بسرطانات الدم.

وتكمن الأهمية الإضافية لهذه التقنية في طبيعتها المختلفة عن نظيرتها الأشهر CAR-T؛ إذ يمكن إنتاج الخلايا القاتلة الطبيعية CAR-NK من متبرعين أصحاء وتخزينها لتكون «جاهزة للاستخدام» الفوري. وهذا النموذج لا يُسرّع فقط من توفير العلاج، بل يقلل التكلفة بشكل كبير ويحدّ من المضاعفات الخطيرة التي قد تصاحب العلاجات التقليدية مثل «عاصفة السيتوكينات». وتشير بيانات التجارب السريرية الأولية إلى أن هذه العلاجات تحقق معدلات استجابة مرتفعة خصوصاً في سرطانات الدم، حيث سجلت بعض الدراسات نسب استجابة تصل إلى أكثر من 70 في المائة مع حالات شفاء كامل.

• تفكيك دفاعات الورم من الداخل. في المقابل، سلك فريق بحثي في ميونيخ بألمانيا مساراً مختلفاً، لكنه مكمل. فبدلاً من التركيز على تعزيز الخلايا المناعية فقط اكتشف الباحثون بقيادة البروفسور سيباستيان كوبولد من معهد علم الصيدلة السريرية أن الأورام تستخدم مادة كيميائية تُسمى البروستاغلاندين E2 (PGE2) Prostaglandin لتعطيل الخلايا التائية ومنعها من أداء وظيفتها.

وللتغلب على هذا الكمين البيولوجي؛ عدَّل الفريق خلايا CAR-T بحيث تصبح غير قادرة على الاستجابة لهذا المركب المثبط؛ ما منحها القدرة على العمل بحرية داخل بيئة الورم القاسية. ونُشرت هذه النتائج في مجلة Nature Biomedical Engineering بتاريخ 11 فبراير 2026، وأظهرت نجاحاً ملحوظاً في السيطرة على أورام صعبة مثل سرطان البنكرياس، بالإضافة إلى فاعلية قوية في عينات بشرية.

استراتيجية مزدوجة

وتعكس هاتان الدراستان تحولاً عميقاً في فهم العلماء لطبيعة المواجهة مع الأورام الصلبة. فبدلاً من الاعتماد على استراتيجية وحيدة تتمثل في تقوية الخلايا المناعية، يتجه البحث العلمي اليوم نحو مقاربة مزدوجة، هي تعزيز قدرات الخلايا المهاجمة من جهة وتعطيل آليات الدفاع والتمويه التي تستخدمها الأورام من جهة أخرى.

• دور الذكاء الاصطناعي. وهذا التوجه لا يأتي بمعزل عن تطورات موازية في مجالات أخرى؛ إذ بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دوراً متزايداً في تصميم هذه العلاجات من خلال النماذج الحاسوبية التي تتنبأ بكيفية استجابة الخلايا المناعية للأورام وتُسهم في تصميم خلايا أكثر كفاءة واستهدافاً. كما تتقاطع هذه الابتكارات مع أبحاث أوسع في «برمجة» الجهاز المناعي؛ وهو ما يفتح الباب أمام طب أكثر دقة، حيث يصبح العلاج مخصصاً وفقاً للتركيب البيولوجي لكل ورم وكل مريض.

• نحو مستقبل يلامس حياة المرضى. ورغم أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها التجريبية المخبرية وما قبل السريرية، فإنها تحمل آمالاً حقيقية لملايين المرضى حول العالم، خصوصاً أولئك الذين يعانون أوراماً صلبة لم تستجب للعلاجات التقليدية. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 100 تجربة سريرية جارية حالياً لتطوير علاجات CAR-NK وCAR-T من الجيل الجديد تستهدف أنواعاً مختلفة من السرطان، بما في ذلك أورام الثدي والمبيض والبنكرياس والجهاز الهضمي.

ومن المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية البشرية خلال السنوات القليلة المقبلة؛ وهو ما قد يمهد الطريق لحقبة جديدة في علاج السرطان. حقبة لا يقتصر فيها العلاج على استهداف المرض بشكل تقليدي، بل يعتمد على إعادة تصميم الجهاز المناعي نفسه ليكون أكثر ذكاءً وقدرة على التكيف.

في النهاية، تشير هذه التطورات إلى أن معركة الإنسان ضد السرطان لم تعد مجرد مواجهة مباشرة بالأدوية السامة أو الجراحات الموسعة، بل تحولت سباقاً علمياً لفهم أعمق للغة الخلايا والجزيئات وتسخير هذه المعرفة لصالح المرضى. ومع كل اختراق من هذا النوع يقترب العلم خطوة إضافية من تحويل السرطان من مرض يصعب احتواؤه إلى حالة يمكن التحكم فيها، بل ربما هزيمتها يوماً ما.


حين يتحدّث العَرق... جسدك يكشف عن مرضك قبل أن تشعر به

من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد
من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد
TT

حين يتحدّث العَرق... جسدك يكشف عن مرضك قبل أن تشعر به

من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد
من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد

لوقتٍ طويل، لم يكن التعرّق أكثر من استجابة طبيعية للحرارة أو الجهد... قطرات تظهر على الجلد ثم تختفي، دون أن نمنحها اهتماماً يُذكر. لكن ماذا لو لم يكن العرق مجرد استجابة فسيولوجية... بل رسالة؟

في السنوات الأخيرة، بدأ العلم ينظر إلى العرق بطريقة مختلفة تماماً؛ إذ لم يعد مجرد سائل يُفرزه الجسم للتبريد، بل أصبح يُفهم بوصفه وسيطاً بيولوجياً يحمل إشارات دقيقة عن الصحة الداخلية -إشارات قد تسبق الإحساس بالمرض نفسه.

وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يكشف العرق عما لا نشعر به بَعد؟

العرق يتحول إلى بيانات- ثورة صامتة في تشخيص الأمراض

«نافذة بيولوجية متحركة»

لا يقتصر العَرق على كونه ماءً يفرزه الجسم للتبريد، بل يحمل في طيّاته مزيجاً غنياً من المواد الحيوية. فهو يحتوي على الغلوكوز، والأملاح المعدنية (الإلكتروليتات)، ومواد ناتجة من نشاط الجسم اليومي، إلى جانب هرمونات مثل الكورتيزون، وبروتينات ترتبط بحالات الالتهاب والإجهاد داخل الخلايا. ومن هذا المنظور، لم يعد العرق مجرد استجابة فسيولوجية عابرة، بل يمكن اعتباره «نافذة بيولوجية متحركة» تعكس ما يحدث داخل الجسم لحظة بلحظة، دون حاجة إلى تدخل أو إجراءات مؤلمة.

في دراسة نُشرت عام 2025، قادها الباحث علي جافي من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، بالتعاون مع باحثين من جامعة التكنولوجيا في سيدني، تبيّن أن تحليل العرق باستخدام مستشعرات حيوية دقيقة يمكن أن يوفّر وسيلة غير جراحية لرصد مؤشرات صحية مرتبطة بأمراض مثل السكري وأمراض القلب، إضافة إلى اختلالات في التمثيل الغذائي، بل وحتى بعض المؤشرات العصبية.

ولا تكمن الميزة في هذه المقاربة فقط في نوعية المعلومات، بل في طريقة الوصول إليها: قياس مستمر، لحظي، وغير تدخّلي - دون إبر، ودون الحاجة إلى مختبر، ودون انتظار يفصل بين الإشارة وقراءتها.

الخوارزمية تفسّر ما لا يُرى

غير أن الإشارات الكيميائية في العرق ليست ثابتة، بل تتبدّل باستمرار تحت تأثير التوتر، والتغذية، والبيئة، ونمط الحياة. هذه الطبيعة المتحركة تجعل تفسيرها بالوسائل التقليدية وحدها محدوداً؛ إذ يصعب التقاط معناها من خلال قراءة منفصلة لكل مؤشر.

وهنا يظهر الدور الحاسم للذكاء الاصطناعي. ففي دراسة حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة علمية متخصصة في تقنيات الاستشعار الحيوي (ضمن منصة ScienceDirect التابعة لدار النشر Elsevier)، بقيادة الباحث يي هو من معهد الهندسة الطبية الحيوية بجامعة تسينغهوا (Tsinghua University) في الصين، ظهر أن العرق لم يعد مجرد إفراز فسيولوجي بسيط، بل يمثل نظاماً كيميائياً معقّداً يحمل طيفاً واسعاً من المؤشرات الحيوية، تشمل نواتج الاستقلاب، والهرمونات، والشوارد، القادرة على عكس التغيرات الجزيئية في الجسم بشكل لحظي. كما بيّنت الدراسة أن استخدام مستشعرات كهروكيميائية مرنة وقابلة للارتداء يتيح جمع هذه البيانات بشكل مستمر وغير جراحي، وبدرجة عالية من الحساسية.

ومع دمج هذه القراءات بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحليل مقتصراً على قياس كل مؤشر على حدة، بل بات قائماً على قراءة الأنماط... أي تغيّرات صغيرة قد تبدو بلا دلالة منفردة، لكنها تكتسب معناها عندما تُفهم ضمن سياق بيولوجي متكامل؛ ما يتيح ربطها بحالات صحية معقدة، بل والتنبؤ بالتغيرات المرضية قبل ظهورها سريرياً.

هنا يتغيّر السؤال: لم يعد ماذا يحتوي العرق؟ بل: هل تستطيع الخوارزميات أن تفهم اختلافه من إنسان إلى آخر؟

وهكذا، يتحوّل هذا السائل الحيوي من إشارة مبهمة إلى لغة بيولوجية قابلة للفهم... ولكن بلغة تكتبها الخوارزميات.

هل نرى أكثر أم نفهم أقل؟

من الجِلد إلى البيانات

الأكثر إثارة أن هذه التقنيات بدأت تخرج من المختبرات إلى الحياة اليومية. فقد ظهرت أجهزة مرنة تُثبت على الجلد، قادرة على جمع العرق وتحليله بشكل مستمر، ثم إرسال البيانات إلى تطبيقات ذكية تقوم بمعالجتها. وفي هذا النموذج الجديد، لا ينتظر الطب ظهور الأعراض، بل يراقب التغيرات الدقيقة التي قد تسبقها بأسابيع أو أشهر. وقد يتيح ذلك مستقبلاً التنبؤ باضطرابات في التمثيل الغذائي أو أمراض القلب قبل أن يشعر بها الإنسان.

هنا، لا يعود هذا السائل الحيوي مجرد نتيجة فسيولوجية، بل أداة استباقية - جزء من طبّ يتقدّم خطوة قبل المرض.

ورغم هذا التقدم، يبقى سؤال جوهري: هل يمكن الوثوق بما «تراه» الخوارزميات؟ الذكاء الاصطناعي بارع في التعامل مع كميات هائلة من البيانات، لكنه لا يفهم الإنسان كما يفهمه الطبيب. قد ترتبط تغيرات العرق بعوامل متعددة في الوقت نفسه، ولا يمكن فصلها دائماً بشكل قاطع أو تلقائي. وهنا تظهر مفارقة الطب الحديث:

نحن نرى أكثر من أي وقت مضى... لكننا لا نفهم دائماً أكثر. هل يتحول فائض البيانات إلى وضوح؟ أم تعقيد جديد يحتاج إلى تفسير أعمق؟

المفارقة، أن العرق، وهو أحد أبسط إفرازات الجسد، قد يصبح أحد أكثر أدوات التشخيص تعقيداً. ما كان يُنظر إليه كاستجابة عادية، أصبح اليوم محور أبحاث تجمع بين الكيمياء الحيوية والهندسة والذكاء الاصطناعي.

وهذا يعكس تحولاً أعمق في الطب المعاصر: لم نعد نبحث فقط عن المرض، بل عن إشاراته المبكرة، وعن اللغة الخفية التي يرسلها الجسد قبل أن يصرخ بالألم.

وفي زمنٍ يمكن فيه لجهاز صغير على الجلد أن يحلل العرق ويربطه بأنماط صحية معقدة، لم يعد السؤال: لماذا نتعرق؟ بل أصبح: ماذا يخبرنا هذا التعرّق... ولم نكن نعرف كيف نصغي إليه؟ فالعرق لم يعد مجرد استجابة للحرارة، بل تدفّقاً مستمراً للبيانات الحيوية.

ومع الذكاء الاصطناعي، وربما نكون قد بدأنا للتو في فهم لغةٍ ظلّت معنا طوال الوقت، ولم نُحسن الإصغاء إليها.