«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

نظم ذكية تتفوق في الرياضيات وتظهر غباءها عند الأسئلة البسيطة

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«سترايب» و«أدفنت» تعرضان الاستحواذ على «باي بال» مقابل أكثر من 53 مليار دولار

الاقتصاد المقر الألماني لقسم المدفوعات الإلكترونية التابع لشركة «باي بال» في مجمع «يوروبارك دريليندن» للأعمال جنوب برلين (رويترز)

«سترايب» و«أدفنت» تعرضان الاستحواذ على «باي بال» مقابل أكثر من 53 مليار دولار

قالت مصادر مطلعة إن شركة المدفوعات «سترايب» وشركة الاستثمار المباشر «أدفنت إنترناشيونال» قدمتا عرضاً مشتركاً للاستحواذ على شركة «باي بال هولدينغز».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو )
علوم هوميروس مؤلف الأوديسة

ما يقترحه الذكاء الاصطناعي... لا يُعلّمه إلا الواقع

خلاصة أجيال من الحكمة البشرية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عَلَم وشعار «إيه إس إم إل» أمام مكاتب الشركة في مدينة فيلدهوفن الهولندية (رويترز)

«إيه إس إم إل» الهولندية ترفع توقعاتها المالية لعام 2026 وتُخطط لتوسيع إنتاجها

رفعت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مورِّد في العالم لمعدات تصنيع أشباه الموصلات، يوم الأربعاء، توقعاتها المالية لعام 2026، وأعلنت خططاً لتوسيع طاقتها الإنتاجية.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
يوميات الشرق شعار شركة «ميتا» على أحد مختبراتها في لوس أنجليس (رويترز)

اتهامات لـ«ميتا» باستخدام الذكاء الاصطناعي لتسريح ذوي إعاقة وحاصلين على إجازات مرضية

رفع 26 موظفاً في شركة «ميتا بلاتفورمز» دعوى قضائية، تتهم الشركة باستخدام برمجيات ذكاء اصطناعي استهدفت أشخاصاً ذوي إعاقة أو حاصلين على إجازات مرضية لتسريحهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
علوم دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

بعض ردود الذكاء الاصطناعي تحيِّر المرضى وتُجبر الأطباء على قضاء وقت في تصحيحها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ما يقترحه الذكاء الاصطناعي... لا يُعلّمه إلا الواقع

هوميروس مؤلف الأوديسة
هوميروس مؤلف الأوديسة
TT

ما يقترحه الذكاء الاصطناعي... لا يُعلّمه إلا الواقع

هوميروس مؤلف الأوديسة
هوميروس مؤلف الأوديسة

ثمة سببٌ يدفعنا للعودة إلى جذور الحكمة القديمة بهدف رسم مسارنا نحو المستقبل. فبعض الأفكار تُختبر عبر الأجيال، وتجتاز حقباً من التناقل عبر آلاف السنين، كما كتبت كاجا بيرينا(*).

هوميروس وفولكنر... والذكاء الاصطناعي

تبقى قصيدة الأوديسة للشاعر الإغريقي هوميروس خالدة، وكذلك الأصوات المعاصرة. يقول ويليام فوكنر، أيقونة القرن العشرين، إن «القلب البشري في صراعه مع ذاته» هو الموضوع الوحيد الجدير بالكتابة عنه. وكانت هذه المقولة بمثابة النجم الهادي الذي ربطت به منذ زمن بعيد رغبتي المزدوجة في أن أصبح صحافية وأن أدرس السلوك البشري.

أما القراء الأصغر سناً، فقد يبدو قرن فولكنر بعيداً كقرن هوميروس. فنحن نعيش في زمن يبدو فيه الذكاء الاصطناعي وكأنه يلتهم كل شيء.

الذكاء الاصطناعي... خلاصة أجيال من الحكمة البشرية

وقد يبدو أحياناً كأنه حكمة متاحة عند الطلب، لذا، من المهم الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي الذي نلجأ إليه طلباً للمشورة حول كيفية العيش ليس إلا خلاصة أجيال من الحكمة البشرية التي دُرِّب عليها. وهذا ليس بالأمر الهين، وأنا من أشد المؤيدين للذكاء الاصطناعي في مجالات عدة.

تُقدم البرامج الذكية اقتراحاتٍ لا حصر لها لما يمكننا وما ينبغي لنا فعله، وكثير منها رائع، ويتجاوز ما كنت أفكر فيه بمفردي.

أهمية التنفيذ والتفكير في العالم الحقيقي

لكن برزت مشكلتان: أولاً، أنك تحصل على «المتوسط ​​الإحصائي» - الذي صُمِّم الذكاء الاصطناعي لتقديمه. وثانياً، لا يزال عليك التنفيذ بنفسك، إذ لا يزال عليك الانخراط في العالم الحقيقي وخوض ذلك التواصل الصعب، لا يزال عليك التعامل مع صعوبات الحياة اليومية وتعقيدات العلاقات الحميمة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُثري الخريطة... لكن لا يزال عليك استكشافها

عليك ابتكار الجديد، عليك السفر، عليك ابتكار طقوس خاصة بك وبأسرتك، إنك لن تستكشف هذه المنطلقات المتعلقة بالوجود في العالم في هذه الصفحات.

لذا، نعم، فقد يُقلل الذكاء الاصطناعي من قيمة أعمال هوميروس وفوكنر (لكنها تبقى عظيمة).

وفي النهاية، لا تُصبح تلك المُدخلات متعددة الأبعاد (التي تلقّن بها الأدوات الذكية) ذات قيمة إلا بقدر ما تُحققه من نتائج (جيدة) في عالمنا ثلاثي الأبعاد.

* مجلة «سايكولوجي توداي».


دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب
TT

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

يكشف بحث جديد من جامعة دارتموث أن تصحيح الأخطاء الطبية التي يرتكبها الذكاء الاصطناعي إضافة إلى نسيانه لتوقيت مواعيد متابعة المرضى، يستنزف وقت الأطباء. إلا أن طريقة تدريب جديدة له قد تُسهم في حل هذه المشكلة، كما كتبت لوسيا أورباخ*.

تعطيل المرضى بسبب ردود الذكاء الاصطناعي

إن انتشار الذكاء الاصطناعي يكاد يكون سريعاً كسرعة انتشار «الإنفلونزا» في غرف انتظار أقسام الطوارئ؛ إذ ربما يكون تبنِّي هذه التقنية في قطاع الرعاية الصحية هو السبب وراء اضطرارك للانتظار لفترة أطول قبل الحصول على موعد.

وقد وجدت دراسة جديدة من كلية دارتموث أن أخطاء الذكاء الاصطناعي قد تُكلِّف الأطباء وقتاً ثميناً عند ملء السجلات الطبية. فالأخطاء والتفاصيل غير ذات الصلة تُجبر الأطباء على قضاء وقت في تصحيح ردود الذكاء الاصطناعي، وهو وقت كان من الممكن استغلاله في علاج المرضى أو التحدث معهم.

مقارنة الردود الذكية المولَّدة بالردود الحقيقية

وعُرضت الدراسة في الاجتماع السنوي لعام 2026 لجمعية اللغويات الحاسوبية، ونُشرت في وقائع المؤتمر. وكانت هذه أول دراسة واسعة النطاق لبوابة إلكترونية للمرضى تستخدم الذكاء الاصطناعي لصياغة الردود عليهم. وطوَّر الباحثون أداة تُقارن الردود المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بمجموعة بيانات من الردود الحقيقية التي صاغها متخصصون في الرعاية الصحية من مؤسسة «دارتموث هيلث». وحلَّلوا 146 ألف محادثة بين 10 آلاف و105 مرضى وأطباء الرعاية الأولية في نظام الرعاية الصحية الريفي الكبير. بالإضافة إلى ذلك، استخدموا الأداة لتقييم ردود الأطباء بواسطة برامج «كلود» و«جيميناي» و«تشات جي بي تي» و«لاما» (Llama)، و«ألوي» (Aloe)، و«كوين» (Qwen).

وقالت الدكتورة سارة بريوم المؤلفة الرئيسية للدراسة، في بيان صحافي: «وجدنا أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو كطبيب، ولكنه لا يفكر مثله».

الذكاء الاصطناعي وعدم التوافق

تشير النتائج إلى أن الردود المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي غالباً ما تكون غير متوافقة مع ما يكتبه الأطباء فعلياً. يشمل ذلك الردود الطويلة جداً، أو التي تتضمن تفاصيل طبية غير ذات صلة أو غير دقيقة، أو التي تفتقر إلى أسئلة المتابعة. وفي إحدى الحالات، اقترح الذكاء الاصطناعي في البوابة الإلكترونية على امرأة تبلغ من العمر 32 عاماً تتناول دواءً لحموضة المعدة، وكانت قلقة بشأن الغثيان المستمر، تعديل نظامها الغذائي. وتجاهل الطبيب ذلك الاقتراح، وسأل عما إذا كان هناك أي احتمال لكونها حبلى.

أسئلة المرضى والأخطار على المسنين والحوامل

من بين جميع الثغرات التي حددها الباحثون، برز عدم طرح أسئلة متابعة توضيحية. وهذه مشكلة، كما تقول بريوم لمجلة «إنك»؛ لأن سؤال المتابعة غالباً ما يُوجِّه الرعاية في الاتجاه الصحيح.

وينطبق هذا بشكل خاص على رسائل الإبلاغ عن الأعراض؛ حيث إن طرح السؤال الخاطئ، أو عدم طرح أي سؤال على الإطلاق، قد يُؤدي بالمريض إلى مسار تشخيصي أو علاجي خاطئ.

وأضافت بريوم أن المخاطر أكبر بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر، بما في ذلك كبار السن، والمرضى الذين يُعانون من أمراض مزمنة متعددة، والأشخاص الذين يتلقون علاجاً مثبِّطاً للمناعة أو علاجاً للسرطان، والنساء الحوامل.

وأضافت بريوم أنه «يمكن للنموذج دائماً توليد إجابة دون طرح أي أسئلة أولاً، وهذا ليس عيباً. إلا أن العيب الحقيقي هو أن الطبيب الحقيقي، لو تلقى الرسالة نفسها، لكان قد طرح سؤالاً توضيحياً قبل الرد. وعندما يتجاهل النموذج هذه الخطوة، فإنه لا يعمل بكفاءة؛ بل يخمن فقط».

توليد رسائل مُخصصة

مع ذلك، توجد بعض الفوائد المحتملة لهذه التقنية الجديدة في مجال الرعاية الصحية. فقد وجد الباحثون أنه من خلال تكييف الذكاء الاصطناعي مع أساليب التواصل الفردية للأطباء، يمكن تحسين الدقة بنسبة 33 في المائة، وتقليل التحرير بنسبة تصل إلى 26 في المائة. وخلصت الدراسة إلى أن ردود الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مفيدة عند تخصيصها وفقاً لاحتياجات الطبيب.

وابتكر الباحثون تقنية تُسمى «TADPOLE» وهي اختصار لـعبارة «تحسين التفضيل المباشر للوكيل الموضوعي لتعزيز التعلم» (Thematic Agentic Direct Preference Optimization for Learning Enhancemen) التي تُدرّب منصات الذكاء الاصطناعي باستخدام نموذج هجين مُكوَّن من ردود الطبيب وردود الذكاء الاصطناعي. وعندما قاموا بدمج برنامج «TADPOLE» مع 6 أنظمة تجارية لإدارة التعلم، وجدوا أن الردود المُعدَّة مسبقاً تتوافق بشكل أفضل مع معايير الطبيب للدقة وجودة المعلومات، ما يوفر على الأطباء المشغولين ساعة إلى ساعتين من العمل يومياً.

مخاطر نشر الذكاء الاصطناعي من دون تقييم

يُعدُّ نشر هذه الأدوات على نطاق واسع قبل تقييمها من حيث السلامة والتحيز وممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤولة الأخرى خطراً حقيقياً، لا سيما بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر من المرضى. كما يُشكِّل خطراً محتملاً على مقدمي الرعاية الصحية وأنظمة الرعاية الصحية؛ إذ يُؤدي أي رد خاطئ أو مُضلل مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي إلى مخاطر قانونية كبيرة.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء

مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء
TT

مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء

مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء

منحت لجنة الاتصالات الفيدرالية شركة ناشئة من كاليفورنيا ترخيصاً لإطلاق واختبار قمر صناعي يستخدم مرآة عملاقة لعكس ضوء الشمس إلى الأرض بعد غروبها، على الرغم من اعتراضات علماء الفلك وخبراء الحياة البرية وغيرهم، ممن يرون أن هذه الخطة قد تعرقل البحث العلمي وتؤثر على أنماط نوم الكائنات الحية.

مرآة فضائية

تعتزم شركة «ريفليكت أوروبيتال» إطلاق القمر الصناعي، المزود بمرآة عرضها 60 قدماً (18 متراً) وهي في الواقع عاكس رقيق، إلى مدار أرضي منخفض في وقت لاحق من هذا العام. وتأمل الشركة في نهاية المطاف إرسال ما يصل إلى 50 ألف مرآة إلى المدار. وستعكس هذه المرايا ضوء الشمس لتشغيل محطات الطاقة الشمسية، وإنارة شوارع المدن، ومساعدة فرق الإنقاذ.

تحذيرات علماء الفلك وخبراء الطيران وعلماء الأحياء

وكتبت اللجنة في قرارها بمنح الترخيص: «يُعدُّ القمر الصناعي التجريبي لشركة (ريفليكت أوروبيتال) مثالاً على تقنية ثورية محتملة».

لكن العلماء يحذرون من أن هذه التقنية قد تُسبب آثاراً جانبية خطيرة. ففي رسالة وُجِّهت إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية في يونيو (حزيران)، ذكرت الجمعية الفلكية الأميركية أن المرايا قد تُعرِّض عمل المرافق الفلكية المموَّلة اتحادياً للخطر؛ إذ يعتمد علماء الفلك على سماءٍ مُظلمة لرؤية أعماق الفضاء، وقد يواجه هواة رصد النجوم اضطراباتٍ أيضاً. كما حذَّرت الجمعية من أن المشروع قد يُسبب مؤقتاً «وميضاً مُبهراً» لطياري الخطوط الجوية وسائقي السيارات ليلاً.

وحذَّر علماء آخرون من أن المشروع قد يُؤثِّر على الإيقاعات البيولوجية التي يعتمد عليها البشر والحيوانات لمعرفة أوقات النوم والهجرة، وتستخدمها النباتات لمعرفة أوقات الإزهار. وإجمالاً، تلقَّت لجنة الاتصالات الفيدرالية أكثر من 1800 تعليقٍ عامٍ على الطلب، مُعظمها سلبي.

وكتبت الجمعية الفلكية الأميركية: «من الواضح أن الأنشطة التي تقترحها شركة (ريفليكت أوروبيتال) سيكون لها تأثيرٌ على بيئة الأرض، بما في ذلك صحة الإنسان والزراعة والحياة البرية، بالإضافة إلى علم الفلك». إلا أن لجنة الاتصالات الفيدرالية رفضت هذه التحذيرات، واصفة المخاوف بأنها «افتراضية»، ومُشيرة إلى أن الأنشطة في الفضاء لا تخضع لقوانين البيئة. وكتبت الوكالة: «حتى لو كانت لدى اللجنة صلاحية مراجعة هذه العمليات ووضع شروط لها (وهو ما لا تملكه)، فمن غير المرجح حدوث هذه الأضرار».

أكبر مرآة مقترحة حالياً قطرها 55 متراً تعادل إضاءة 100 قمر مكتمل باتجاه الأرض

شبكة مرايا فضائية

ورغم أن لجنة الاتصالات الفيدرالية لم توافق حتى الآن إلا على قمر صناعي واحد، فإن شركة «ريفليكت أوروبيتال» تخطط بالفعل لإطلاق مرايا فضائية أكبر.

ويبلغ قطر أكبر مرآة مقترحة حالياً 180 قدماً (55 متراً) وتُضيء بما يعادل إضاءة 100 قمر مكتمل باتجاه الأرض. وتأمل الشركة في إطلاق ألف مرآة فضائية بحلول نهاية عام 2028، و5 آلاف مرآة أخرى بحلول عام 2030.

وتؤكد «ريفليكت أوروبيتال» أن هذه الأقمار الصناعية قد تُقلل من استخدام الوقود الأحفوري من خلال تمديد ساعات توليد الطاقة من محطات الطاقة الشمسية، ما قد يُساهم في الحد من تغير المناخ.

وقال بن نواك، الرئيس التنفيذي لشركة «ريفليكت أوروبيتال»، في بيان أُرسل إلى مجلة «فاست كومباني»: «نحن ممتنون للجنة الاتصالات الفيدرالية لتقديرها أهمية اختبار التقنيات الجديدة في الفضاء. هذه الرخصة هي الخطوة الأولى نحو اختبار فعالية تقنيتنا والضمانات التي طورناها بدقة».

وأعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية أن بإمكان علماء الفلك وغيرهم إثارة مخاوفهم مجدداً في حال قدمت شركة «ريفليكت أوروبيتال» طلباً مستقبلياً لإطلاق أقمار صناعية إضافية.

آثار محتملة

وإلى جانب الآثار المحتملة على علماء الفلك والطيارين والنباتات والحيوانات، يحذر العلماء من أن إضافة آلاف الأقمار الصناعية ستؤدي إلى تفاقم مشكلة الحطام المداري المتنامية. وفي اجتماع مائدة مستديرة عُقد في 4 يونيو، واستضافته الأكاديميات الوطنية، قال توني تايسون، أستاذ البحوث المتميز في جامعة كاليفورنيا- ديفيس، وكبير علماء مرصد «فيرا سي. روبين»، إن خطط «ريفليكت أوروبيتال» تعد «أكثر جنوناً» من انتشار أقمار النطاق العريض التي تشغلها شركات مثل «سبايس إكس» و«أمازون».

كما أعرب تايسون عن مخاوفه من أن عاكسات الأغشية الرقيقة للمرايا قد تُشتت ضوء الشمس على مساحة واسعة بدلاً من توجيهه بدقة نحو هدف محدد. وقال: «تخيَّلوا السماء مليئة بالأقمار».

* مجلة «فاست كومباني».