هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة لم تصدر تأشيرات للمنتخب الإيراني قبل شهر على بدء كأس العالم

رياضة عالمية لاعبو إيران لم تصدر لهم تأشيرات لدخول الولايات المتحدة (د.ب.أ)

الولايات المتحدة لم تصدر تأشيرات للمنتخب الإيراني قبل شهر على بدء كأس العالم

قبل نحو شهر من انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لم تصدر الولايات المتحدة بعد تأشيرات دخول لأعضاء منتخب إيران.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الولايات المتحدة​ طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)

مقتل شخص صدمته طائرة أثناء إقلاعها في مطار أميركي

صدمت طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» شخصاً وقتلته أثناء الإقلاع، بعد أن قفز فوق سياج وكان يتواجد على مدرج في مطار دنفر الدولي بولاية كولورادو الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

أميركا: وفاة أحد المشاة بعد اصطدامه بطائرة أثناء إقلاعها من مطار دنفر

قالت سلطات مطار دنفر الدولي إن طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» صدمت بأحد المشاة على مدرج المطار.

«الشرق الأوسط» (دنفر )
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده إلى أعمال بناء قاعة الرقص خلف الستائر أثناء حديثه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)

بين المليار و400 مليون دولار… ترمب يشرح حقيقة تمويل قاعة الرقص بالبيت الأبيض

وسط الجدل المتصاعد حول مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليؤكد موقفه، مدافعاً عنه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب يعلن هدنة لـ3 أيام بين روسيا وأوكرانيا اعتباراً من السبت

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الجمعة)، هدنة لـ3 أيام بين روسيا وأوكرانيا اعتباراً من السبت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب وشي يبحثان إعادة ضبط العلاقة الأميركية - الصينية

شي مستقبلاً ترمب في بكين نوفمبر 2017 (أ.ب)
شي مستقبلاً ترمب في بكين نوفمبر 2017 (أ.ب)
TT

ترمب وشي يبحثان إعادة ضبط العلاقة الأميركية - الصينية

شي مستقبلاً ترمب في بكين نوفمبر 2017 (أ.ب)
شي مستقبلاً ترمب في بكين نوفمبر 2017 (أ.ب)

تفرض القضايا الجيوسياسية والتجارية نفسها على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين يوم الخميس المقبل، وهي أول زيارة رسمية لرئيس أميركي إلى بكين منذ عام 2017، بعد تأجيل سابق بسبب حرب إيران. وتحمل الزيارة أهمية خاصة في مسار إدارة التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم. كما تأتي في ظل أجواء مشحونة صعّدت التوتر بين العملاقين الاقتصاديين، بدءاً من تداعيات حرب إيران، وارتباك أسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن العملية العسكرية في فنزويلا، واستمرار الدعم الأميركي لتايوان، والمواجهة التكنولوجية المحتدمة بين الجانبين.

لكن هذا التوتر لم يمنع الصين من تخصيص مراسم احتفالية لاستقبال الرئيس الأميركي والوفد المرافق له في قاعة الشعب الكبرى، تعقبها محادثات مغلقة بين ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ.

إدارة التنافس

تحتلّ ملفّات التجارة صدارة النقاشات، حيث تسعى إدارة ترمب إلى تمديد الهدنة التجارية بين البلدين، وضمان استمرار وصولها إلى المعادن الحيوية وأشباه الموصلات الداخلة في الصناعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وصناعة الطائرات، إضافة إلى تأمين صفقات شراء صينية كبيرة من المنتجات الزراعية الأميركية. كما يطمح الجانب الأميركي إلى إنشاء مجلس تجارة ومجلس استثمار مشترك مع بكين، وتحقيق صورة انتصار يمكن تسويقها للداخل الأميركي.

جانب من لقاء ترمب وشي في بوسان يوم 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

أما الصين، فتستهدف حماية شركاتها من القيود التنظيمية التي تحاول واشنطن فرضها، خصوصاً على شركات الذكاء الاصطناعي وصناعة السيارات الكهربائية التي تسعى إلى دخول السوق الأميركية في منافسة مباشرة مع القطاع الأميركي. ويسعى الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى استقرار العلاقات، والحفاظ على قدرة بلاده على الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية، ومنع تصعيد الرسوم الجمركية، مع التأكيد على مبادئ «الاحترام المتبادل» التي تحمل دلالات اقتصادية وسياسية مرتبطة أيضاً بملفات جيوسياسية، مثل ملف تايوان.

الوفد الأميركي

يعمل البيت الأبيض حتى اللحظة الأخيرة على تحقيق توازن دقيق في تشكيل الوفد التجاري المشارك في القمة. وأشار كوش ديساي، مساعد المتحدث باسم البيت الأبيض، إلى أن الزيارة إلى الصين «تاريخية»، موضحاً أن الرئيس سيرافقه وفد يضمّ مسؤولين من الإدارة الأميركية وقادة أعمال، وأن الإدارة «ملتزمة باتباع توجيهات الرئيس لجعل هذه الرحلة تاريخية ومثمرة قدر الإمكان».

وأفاد موقع «سيمافور» بأن الإدارة الأميركية وجّهت بالفعل دعوات إلى الرؤساء التنفيذيين لشركات «إنفيديا» و«أبل» و«إكسون موبيل» و«بوينغ» و«بلاكستون» و«سيتي غروب»، إلا أن القائمة الكاملة للشركات المدعوة لم تُعلن بعد. ويبدو أن البيت الأبيض دعا عدداً محدوداً من الرؤساء التنفيذيين، لا يتجاوز رؤساء 10 شركات أميركية.

إيران وتايوان

في تصريحات للصحافيين، الخميس، أكّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن ملف إيران سيكون أحد الموضوعات المطروحة في القمة. وتؤثر الحرب الأميركية الإيرانية مباشرة على العلاقات الأميركية - الصينية، إذ ترتبط بكين باتفاقات شراكة استراتيجية قوية مع طهران، تركز بشكل خاص على التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا.

صورة نشرتها وكالة أنباء «شينخوا» لوزير الخارجية الصيني وانغ يي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي (إلى اليسار) قبيل اجتماعهما الثنائي في بكين الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب)

ورغم أن نصف واردات الصين من النفط، وما يقرب من ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر مضيق هرمز، ورغم أن نحو 13 في المائة من وارداتها النفطية ـ قبل اندلاع الأزمة ـ كانت تأتي مباشرة من إيران، فإن بكين نجحت حتى الآن في تجاوز تداعيات الاضطراب بشكل جيد، بفضل احتياطياتها الضخمة واستراتيجيتها القائمة على تنويع مصادر الطاقة الأحفورية وغير الأحفورية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على إدارة المفاوضات من موقع قوة.

وقد استضافت الصين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل أيام، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي، ما يعزز احتمالات انخراطها بشكل أكبر كوسيط محتمل للتوصل إلى اتفاق سلام.

وعلى الرغم من أن قضايا الأمن القومي لن تكون محور التركيز الرئيسي في القمة، فمن المرجح أن يُطرح ملف تايوان، حيث تحاول بكين حثّ الولايات المتحدة على التعامل مع قضية مبيعات الأسلحة لتايوان «بحكمة». وترى الصين أنه في ظلّ وجود رئيس أميركي يتبنّى عقلية «عقد الصفقات»، ويأمل في أن تمارس بكين ضغوطاً على إيران، فقد يكون مستعداً لتعديل موقفه تجاه تايوان.

وبدا ذلك واضحاً خلال محادثة هاتفية بين وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ونظيره الأميركي ماركو روبيو، الخميس الماضي، إذ أبدى الجانب الصيني أن بكين «ستشعر بارتياح كبير» إذا رأت مرونة في الموقف الأميركي تجاه تايوان، وربما تراجعاً عن بعض صفقات بيع الأسلحة للجزيرة.

وتشير تسريبات إلى أن بكين تحاول حثّ ترمب على التصريح بأن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان، وإثبات أن واشنطن لا تزال ملتزمة بمبدأ «الردع المزدوج» تجاه أي محاولة لتغيير الوضع الراهن. ويُرجّح محللون أن يكتفي الجانب الصيني بإعلان صارم لموقفه تجاه تايوان، بينما يختار الجانب الأميركي عدم الاعتراض على ذلك بشكل صريح.

أول زيارة منذ عقد

يُمثّل هذا الاجتماع أول زيارة يقوم بها رئيس أميركي إلى الصين منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، حين زارها ترمب للمرة الأخيرة خلال ولايته الأولى. ومع ذلك، فقد التقى ترمب وشي عدة مرات، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، حيث أسفرت المحادثات عن خفض الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الصينية من 57 في المائة إلى 47 في المائة. ووصف ترمب ذلك الاجتماع لاحقاً بأنه يستحق درجة «12 من أصل 10».

صورة أرشيفية لزيارة ترمب إلى بكين في نوفمبر 2017 (أ.ب)

وتصاعدت الحرب التجارية بين البلدين بعد أن فرضت إدارة ترمب رسوماً جمركية تراوحت بين 34 و125 في المائة، قبل أن تتراجع عقب جولات من المحادثات الثنائية. كما حدّ قرار المحكمة العليا الأميركية في فبراير الماضي، القاضي بعدم دستورية بعض هذه الرسوم، من قدرة ترمب على استخدام سلاح الرسوم الجمركية بشكل واسع.

لكن الصين، التي استوعبت تداعيات المواجهة التجارية، عملت منذ العام الماضي على تنويع علاقاتها التجارية، وتقليل اعتمادها على السوق الأميركية عبر التوجه إلى أسواق بديلة، وهو ما ساعدها على تخفيف آثار تراجع التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.

وتمثل هذه القمة الأميركية - الصينية باكورة سلسلة لقاءات أخرى مرتقبة بين ترمب وشي خلال العام الحالي، تشمل زيارة دولة محتملة للرئيس الصيني وزوجته إلى واشنطن في سبتمبر (أيلول)، وسفر ترمب إلى مدينة شنتشن الصينية لحضور قمة «أبيك» في نوفمبر، ثم مشاركة الرئيس الصيني في قمة مجموعة العشرين بمدينة ميامي الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.


مدرسة أميركية تدفع 125 ألف دولار تعويضاً لطالبة بسبب رسمة مؤيدة لفلسطين

الرسمة التي نشرتها والدة أحد الطلاب داخل مجموعة مؤيدة لإسرائيل على «فيسبوك»
الرسمة التي نشرتها والدة أحد الطلاب داخل مجموعة مؤيدة لإسرائيل على «فيسبوك»
TT

مدرسة أميركية تدفع 125 ألف دولار تعويضاً لطالبة بسبب رسمة مؤيدة لفلسطين

الرسمة التي نشرتها والدة أحد الطلاب داخل مجموعة مؤيدة لإسرائيل على «فيسبوك»
الرسمة التي نشرتها والدة أحد الطلاب داخل مجموعة مؤيدة لإسرائيل على «فيسبوك»

ستدفع إحدى المناطق التعليمية في نيويورك 125 ألف دولار أميركي لطالبة مسلمة أميركية من أصل باكستاني في المرحلة الثانوية، بعد إزالة عمل فني مؤيد للفلسطينيين رسمته في مساحة خصصتها لها مدرستها.

ووفقاً لموقع «واي نت»، التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، تعود الواقعة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين شاركت الطالبة، التي استخدمت الاسم المستعار جين خان، في أوراق القضية، في تقليد سنوي داخل المدرسة الثانوية بمدينة ديكس هيلز في نيويورك، حيث يُمنح طلاب الصف الأخير مساحة خاصة في موقف للسيارات، ويُسمح لهم بتزيينه كما يشاءون.

وقامت الطالبة برسم بطيخة مُزيَّنة بنقشة الكوفية الفلسطينية، إلى جانب اسمها، وعبارة «السلام عليكم» باللغة العربية، معتبرةً أن العمل يعبّر عن تضامنها مع الفلسطينيين ومعاناة أهالي غزة.

وأوضحت الدعوى القضائية أن البطيخة تُعد رمزاً معروفاً للتضامن مع فلسطين، بسبب احتوائها على ألوان العلم الفلسطيني، بينما أكدت الطالبة أن الرسمة تعبر عن تضامنها مع معاناة الفلسطينيين بصفتها مسلمةً وأميركيةً من أصل باكستاني.

وذكرت أن لعائلتها صلةً شخصيةً بـ«حرب غزة»، وأن أحد أقاربها متزوج من فلسطينية، وأن صديقاً للعائلة فقد 135 من أقاربه في حرب غزة.

لكن الأزمة بدأت بعدما نشرت والدة أحد الطلاب صورة الرسم داخل مجموعة مؤيدة لإسرائيل على «فيسبوك»، مطالبةً أعضاءها بالضغط على إدارة المدرسة لإزالته.

وانقسمت ردود الفعل بين مَن اعتبر الرسم تعبيراً سياسياً مشروعاً، ومن رأى أنه يحمل رسائل معادية لليهود.

وبحسب الدعوى، استدعت إدارة المدرسة الطالبة للتحقيق معها بشأن معنى الرسم، قبل أن تقوم بعد أيام بطلاء الجزء الذي يحتوي على البطيخة والكوفية باللون الأبيض، مع الإبقاء على باقي الرسومات.

وقالت والدة الطالبة إن ابنتها عادت إلى المنزل «تبكي وترتجف» بعد الواقعة؛ ما دفع الأسرة إلى التواصل مع منظمة حقوقية للمسلمين الأميركيين، التي ساعدتهم في رفع دعوى قضائية، خلال مارس (آذار) 2025.

واتهمت الدعوى المدرسة بانتهاك حق الطالبة في حرية التعبير، والتسبب لها في أذى نفسي، خصوصاً أن المدرسة (وفق محاميها) سبق أن سمحت برسومات وشعارات سياسية أخرى داخل مواقف السيارات، بينها رموز داعمة لحركات اجتماعية وأحزاب سياسية مختلفة.

من جهتها، برَّرت إدارة المدرسة تصرفها بأنها مسؤولة عن مراقبة الرسومات داخل ممتلكاتها، معتبرة أن البعض فهم الرموز الفلسطينية بوصفها تعبيراً عن الكراهية أو دعماً للإرهاب، وهو ما رفضه فريق الدفاع عن الطالبة بشكل قاطع.

وخلال نظر القضية، أبدى قاضٍ فيدرالي مخاوف من احتمال وجود تمييز قائم على وجهات النظر السياسية داخل المدرسة، مشجعاً الطرفين على التوصل إلى تسوية.

وفي النهاية، وافقت المنطقة التعليمية على دفع 125 ألف دولار للطالبة، من دون الاعتراف بارتكاب مخالفة قانونية، كما تراجعت عن محاولة فرض اتفاق يمنع الأسرة من الحديث عن القضية.

وقال محامي الطالبة إن قيمة التسوية «تؤكد أنهم كانوا يعلمون أنهم سيخسرون القضية، وأن حقوق هذه الشابة في حرية التعبير تعرضت لانتهاك كامل».

أما الطالبة، التي أصبحت تدرس حالياً في الجامعة، فأكدت أنها تأمل أن تشجع قصتها الأقليات والجاليات المسلمة والفلسطينية على «عدم الصمت وعدم السماح بإسكات أصواتهم، لأن لهم الحق في التعبير، وصوتهم مهم».


القضاء الأميركي يفتح الباب أمام مسؤولية جنائية للذكاء الاصطناعي

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

القضاء الأميركي يفتح الباب أمام مسؤولية جنائية للذكاء الاصطناعي

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

هل يمكن مقاضاة مطوّري تكنولوجيا للذكاء الاصطناعي على الدور الذي أدَّته الأخيرة في ارتكاب جريمة أو الإقدام على الانتحار؟ مهَّد المدَّعي العام في فلوريدا السبيلَ إلى تطبيق هذه الفرضية التي يقرُّ خبراء كثيرون بصوابها لكنهم يشدِّدون على أنَّ المسألة شديدة التعقيد.

وقال المدِّعي جيمس أوثماير، قبل بضعة أيّام بشأن روبوت «تشات جي بي تي»: «لو كان هذا الشيء خلف الشاشة إنساناً، لكنا اتهمناه بالقتل».

وبحسب المعلومات التي جمعها مكتب المدِّعي العام، قام فينيكس آيكنر، الطالب في جامعة ولاية فلوريدا، بالدردشة مع «تشات جي بي تي» قبل إطلاق النار على أشخاص عدّة في الحرم الجامعي؛ ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 6 في أبريل (نيسان) 2025.

وناقش آيكنر مع روبوت الدردشة أفضل سلاح، والذخائر المناسبة له لتنفيذ الهجوم، فضلاً عن المكان والزمان الملائمَين لإلحاق الأذى بأكبر عدد من الأشخاص، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

شعار شركة «أوبن إيه آي» المطوِّرة لمنصة الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» (رويترز)

وفتح المدِّعي العام تحقيقاً جنائياً في هذا الخصوص، من دون استبعاد احتمال توجيه الاتهام إلى شركة «أوبن إيه آي» المطوِّرة لـ«تشات جي بي تي» أو موظّفين فيها.

ويجيز القانون الأميركي إطلاق ملاحقات جنائية في حقّ شركات أو موظّفيها، غير أنَّ هذه الممارسات تبقى نادرة نسبياً.

وفي أواخر أبريل، حُكم على مختبرات «بوردو فارما» في مسار جنائي بدفع 8.3 مليار دولار غرامةً جزائيةً على دورها في انتشار أزمة الأفيونيات.

وقد سبق أن دينَت «فولكسفاغن» في فضيحة التلاعب بالانبعاثات الملوّثة، و«فايزر» على خلفية الترويج لمضاد الالتهابات «بيكسترا»، و«إكسون»؛ بسبب الانسكاب النفطي في ألاسكا.

وبالنسبة إلى الخبراء القانونيَّين فقد تتمحور الاتهامات إمّا على الإهمال أو الاستهتار الذي يعكس تجاهلاً متعمّداً لمخاطر معروفة أو التزام أمني.

وهي قد تؤدّي إلى جنح وليس جرائم، مع عقوبات أقلّ شدّة في حال الإدانة.

وقال ماثيو توكسن، الأستاذ المحاضر في القانون بجامعة يوتا: «بما أنه مجال جديد، فلا بدّ إذن للإقناع بصوابه من الحصول على مستندات داخلية تشير إلى مخاطر» مرتبطة بارتكاب جريمة قتل «لم تؤخذ على محمل الجدّ كما ينبغي».

ولا بدّ من أن تكون «هذه الحجج مفحمة» ليقتنع بها القاضي أو هيئة المحلّفين.

شعار «تشات جي بي تي» وعبارة «الذكاء الاصطناعي» في رسم توضيحي (رويترز)

وفيما يخصّ قضيّة فينيكس آيكنر، تعدّ «أوبن إيه آي» أن «تشات جي بي تي» ليس مسؤولاً عن «هذه الجريمة الشنيعة».

وأكّدت المجموعة أنَّها «تعمل باستمرار على تعزيز أدوات الحماية لرصد النوايا الخطيرة... والاستجابة على نحو ملائم في حال وجود مخاطر على سلامة» أشخاص.

وفي القانون الجنائي، فإن «عبء الإثبات هو الأثقل»، على ما ذكر براندن غاريت الأستاذ المحاضر في القانون في جامعة دوك، مع الإشارة إلى أنَّ أيّ شكّ محتمل يعود تلقائياً بالنفع على الشخص الملاحَق.

وأشار ماثيو توكسن إلى أنَّ «المنتج (أي تشات جي بي تي) هو الذي شجَّع الجريمة وليس تدخّلاً بشرياً، وهذا ما يكسب المسألة طابعاً جديداً».

إجراءات مدنية أو جنائية

وقد تكون الإجراءات المدنية «واعدة بقدر أكبر»، على ما قال توكسن. وقد يستند أصحاب الشكوى إلى مفهوم المسؤولية المدنية الأكثر شمولاً.

وقد أُطلقت ملاحقات مدنية عدة في حقِّ شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، غالبيتها على خلفية حالات انتحار، لكن لم تفضِ أيّ منها لإدانة رسمية بعد.

العلامة التجارية لـ«تشات جي بي تي» (أ.ف.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول)، اتّهم ممثّلو سوزان آدمز «أوبن إيه آي» أمام القضاء الكاليفورني بأنَّها أسهمت من خلال «تشات جي بي تي» في مقتل هذه السيّدة المتقاعدة على يد ابنها.

وأقرَّ المحامي ماثيو بيرغمان الذي يعمل على قضايا عدّة من هذا النوع بأنَّ النسخات الأخيرة من «تشات جي بي تي» باتت مزوَّدة «بأدوات حماية أكبر» في وجه هذه الأفعال، «لكنها لم تصل بعد إلى المستوى اللازم».

وقد يكون للإدانة الجنائية «أثر كبير على السمعة»، على ما قال ماثيو توكسن، حتّى لو لم تكن العقوبة شديدة القساوة. وقد «ينفّر ذلك المستثمرين».

غير أن «الملاحقات الجنائية لا يمكن أن تحلّ محلّ الضوابط النظامية»، بحسب براندن غاريت، في حين يبقى الكونغرس والحكومة مكتوفَي الأيدي راهناً في الولايات المتحدة.

ودعا غاريت إلى قواعد واضحة لتعرف الجهات الفاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي ما عليها فعله، بدلاً من الركون إلى «عقوبات بين الحين والآخر».