الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

من «الوظائف الأميركية» إلى تضخم أوروبا... «شرارة إيران» تعيد صياغة موازين الفائدة

أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)
أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)
أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية جوهرية، ستكشف لأول مرة عن حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران بقطاعات التوظيف، والتصنيع، ومستويات الأسعار العالمية. فبالنسبة للمستثمرين، لم تعد البيانات الماكرو اقتصادية هي المحرك الوحيد؛ بل باتت «تابعة» للتطورات الميدانية في المنطقة.

ففي الولايات المتحدة، تتجه الأنظار يوم الجمعة المقبل إلى تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر مارس (آذار)، والذي يمثل الاختبار الحقيقي لقوة الاقتصاد الأميركي في ظل القفزة الحادة لأسعار الوقود. وبينما يتوقع خبراء «إتش إس بي سي» نمواً إيجابياً متواضعاً، فإن الأسواق بدأت تُسعِّر احتمالية بنسبة 42 في المائة لرفع الفائدة خلال عام 2026 بدلاً من خفضها، مدفوعة بمخاوف «تآكل القوة الشرائية» وارتفاع تكاليف الإنتاج الناتجة عن حرب الشرق الأوسط.

لافتة «وول ستريت» داخل بورصة نيويورك في مانهاتن (رويترز)

التضخم الأوروبي

في أسبوع عمل قصير تفرضه عطلات عيد الفصح، تترقب القارة العجوز صدور بيانات التضخم الأولية لشهر مارس، بدءاً من ألمانيا يوم الاثنين، وصولاً إلى فرنسا وإيطاليا ومنطقة اليورو يوم الثلاثاء. وتكتسب هذه الأرقام أهمية استثنائية، كونها «المختبر الأول» لقياس الأثر الحقيقي لصراع الشرق الأوسط على جيوب المستهلكين الأوروبيين، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ويرى محللو «إنفستيك» و«إتش إس بي سي» أن القفزة المفاجئة في أسعار الطاقة العالمية، وتحديداً الغاز الطبيعي الذي ارتفع بنسبة 60 في المائة، بدأت تتسرب بالفعل إلى تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي عبر بوابة «الأسمدة» والمواد الخام.

ومع تراجع قيمة اليورو أمام الدولار، ارتفعت فاتورة الاستيراد بشكل حاد، مما يضع البنك المركزي الأوروبي أمام «معضلة وجودية»؛ فمن جهة، يضغط التضخم المستورد لرفع الفائدة، ومن جهة أخرى، يهدد تباطؤ الاستهلاك بدفع القارة نحو «ركود تضخمي» طويل الأمد.

وحسب «وول ستريت جورنال»، فإن الأسواق لم تعد تراهن على خفض الفائدة في الصيف؛ بل بدأت تتحصن ضد سيناريوهات بقاء التضخم فوق مستهدف الاثنين في المائة لفترة أطول من المتوقع.

زلزال السندات البريطانية

تعيش سوق السندات الحكومية البريطانية (Gilts) واحدة من أعنف موجات الاضطراب منذ أزمة الموازنة المصغرة؛ حيث تسببت «حقائق الحرب» في قلب التوقعات رأساً على عقب. فبينما كانت الأسواق قبل شهر واحد فقط تترقب خفضين لسعر الفائدة خلال عام 2026، انقلبت الآية تماماً لتبدأ عقود المقايضة في تسعير 3 عمليات رفع متتالية للفائدة، لمواجهة الضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل سلاسل التوريد عبر مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، تترقب الأوساط المالية صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي المنقحة يوم الثلاثاء؛ ليس لقيمتها التاريخية فحسب؛ بل لفهم الملاءة الاقتصادية ونقطة الانطلاق التي بدأ منها الاقتصاد البريطاني مواجهة الصدمة الحالية. وما يثير قلق المستثمرين بشكل أكبر هو البيانات الصادرة عن «إل إس إي جي» والتي تشير إلى احتمالية تصل إلى 73 في المائة، أن يضطر بنك إنجلترا للتحرك ورفع الفائدة «بشكل عدواني» في اجتماعه المقبل، وهو ما دفع بعائدات السندات للقفز إلى مستويات تعكس مخاوف الأسواق من دخول الاقتصاد في مرحلة من عدم اليقين المستمر.

سيارة تدخل محطة وقود في لندن (إ.ب.أ)

الصين في مواجهة التكاليف

تترقب الأسواق العالمية ببالغ الحذر صدور مؤشرات مديري المشتريات الرسمية والخاصة في الصين يومي الثلاثاء والأربعاء؛ حيث تُمثل هذه البيانات «لحظة الحقيقة» لقدرة العملاق الآسيوي على امتصاص صدمة التكاليف الناتجة عن حرب الشرق الأوسط. ورغم التوقعات المتفائلة لخبراء «آي إن جي» بعودة النشاط التصنيعي لمنطقة التوسع في مارس، فإن الهواجس تتركز حول «هوامش الربح» التي باتت تذوب تحت وطأة الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الخام، وتكاليف الشحن البحري البديلة.

ووفقاً لبيانات «ستاندرد آند بورز»، تواجه الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة ضغوطاً مزدوجة؛ فمن جهة، هناك ارتفاع في تكاليف الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع، ومن جهة أخرى، هناك تخوف من تراجع «الطلب العالمي» نتيجة موجة التضخم التي تضرب الأسواق الغربية. إن أي انكماش غير متوقع في النشاط الإنشائي أو التصنيعي الصيني هذا الأسبوع سيكون بمنزلة إشارة إنذار مبكر لتباطؤ النمو العالمي؛ خصوصاً أن بكين تجد نفسها مضطرة لموازنة دعم الاقتصاد المحلي مع فاتورة استيراد طاقة متضخمة تعبر مسارات بحرية أطول وأكثر كلفة، بعيداً عن مضيق هرمز.

اليابان: الين في مهب الريح

وفي اليابان، تترقب الأسواق المالية يوم الاثنين صدور ملخص آراء بنك اليابان، وسط ضغوط غير مسبوقة على الين الذي بات يتأرجح أمام قوة الدولار النفطي. وبينما حافظ البنك على سعر الفائدة عند 0.75 في المائة في اجتماعه الأخير، فإن تصاعد وتيرة الحرب في إيران وضع صانعي السياسة النقدية في طوكيو أمام حقيقة قاسية: فاليابان التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة عبر مضيق هرمز، تجد نفسها مضطرة لمراقبة تسارع التضخم الأساسي المدفوع بتكاليف الشحن والوقود.

وحسب مسح «تانتان» للأعمال المرتقب صدوره يوم الأربعاء، يسود القلق أوساط كبار المصنِّعين اليابانيين من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى «تآكل الهوامش الربحية» لقطاع الرقائق والإلكترونيات، مما قد يجبر البنك المركزي على التخلي عن حذره المعهود، والتدخل المباشر لدعم العملة أو رفع الفائدة بشكل مفاجئ لكبح «تضخم المستوردات».

وفي كوريا الجنوبية، ورغم توقعات بنمو الصادرات بنسبة 42.9 في المائة بفضل قطاع الرقائق، فإن «تضخم المستوردات» يظل التهديد الأكبر لاستقرار الميزان التجاري الكوري.

مارة يسيرون أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

الهند: «الروبية» واختبار الصمود

لا تبدو الهند، ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم، بمعزل عن شظايا الصراع؛ فالروبية الهندية تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة اتساع عجز الحساب الجاري مع ارتفاع فاتورة الطاقة. ومع اقتراب صدور بيانات مديري المشتريات لقطاعي التصنيع والخدمات، تترقب نيودلهي مؤشرات واضحة على قدرة الشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة على امتصاص صدمة تكاليف النقل والمدخلات الأولية.

ويشير المحللون إلى أن البنك الاحتياطي الهندي قد يضطر للتدخل في سوق الصرف الأجنبي لمنع الانزلاق الحاد للعملة؛ خصوصاً مع ازدياد «علاوات الحرب» على الشحنات القادمة عبر الممرات البحرية البديلة. إن الرهان الهندي الآن يتلخص في مدى قدرة «الطلب المحلي القوي» على تعويض التباطؤ المحتمل في الطلب العالمي، وسط مخاوف من أن تتحول صدمة الطاقة الحالية إلى «كبح جماحي» لخطط النمو الطموحة لعام 2026.


مقالات ذات صلة

أوروبا تواجه عجزاً بـ510 آلاف برميل يومياً في وقود الطائرات

الاقتصاد طائرات متوقفة على مدرج مطار فيوميتشينو في روما (رويترز)

أوروبا تواجه عجزاً بـ510 آلاف برميل يومياً في وقود الطائرات

تتجه أوروبا إلى تسجيل عجز كبير في إمدادات وقود الطائرات خلال الربع الأخير من العام، رغم توسعها في استيراد الشحنات من موردين بعيدين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا علم «الاتحاد الأوروبي» يرفرف خارج مقر «المفوضية الأوروبية» في بروكسل (رويترز)

دراسة: 56 % من مواطني الاتحاد الأوروبي يرون مستقبل التكتل «في خطر»

كشفت دراسة أوروبية حديثة عن أزمة ثقة واسعة بقدرة «الاتحاد الأوروبي» على مواجهة التحديات المتراكمة، رغم استمرار تمسك غالبية المواطنين بالمشروع الأوروبي...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد بورصة نيويورك خلال تداولات بعد ظهر يوم 3 سبتمبر 2026 في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

أسبوع حاسم للبنوك المركزية... أسواق الفائدة تترقب إشارات «الفيدرالي»

تتجه الأسواق العالمية إلى أسبوع حافل بقرارات وإشارات البنوك المركزية، مع ترقب المستثمرين لمسارات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد إيلون ماسك يظهر على الشاشة وهو يحضر افتراضياً القمة الوزارية للابتكار لمجموعة العشرين (أ.ف.ب)

أميركا تحث مجموعة العشرين على عدم تشديد تنظيم الذكاء الاصطناعي

حثت الولايات المتحدة دول مجموعة العشرين، الثلاثاء، على تبني نهج أقل تشدداً في تنظيم الذكاء الاصطناعي، والدفع نحو تجنب إنشاء قواعد أو هيئات رقابية جديدة للقطاع.

«الشرق الأوسط» (آشفيل، نورث كارولاينا)
خاص أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز) p-circle 03:42

خاص الشتاء يختبر أمن الطاقة الأوروبي... والجزائر تتقدم إلى الواجهة

تدخل أوروبا موسم الشتاء وهي تواجه معادلة غاز أكثر تعقيداً من السابق: مخزونات أدنى من المعتاد، وأسعار مرتفعة، وإمدادات قطرية معطلة فيما روسيا تستعد للخروج.

هلا صغبيني (الرياض)

«بنك كندا»: الرسوم الأميركية قد تخفض نمو الربع الرابع إلى أقل من 1 %

مبنى «بنك كندا» في أوتاوا (رويترز)
مبنى «بنك كندا» في أوتاوا (رويترز)
TT

«بنك كندا»: الرسوم الأميركية قد تخفض نمو الربع الرابع إلى أقل من 1 %

مبنى «بنك كندا» في أوتاوا (رويترز)
مبنى «بنك كندا» في أوتاوا (رويترز)

حذّر محافظ «بنك كندا»، تيف ماكليم، من أن الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة قد تخفّض نمو الاقتصاد الكندي في الربع الرابع إلى أقل من 1 في المائة، في وقت يواجه فيه البنك معضلة متزايدة بين احتواء تباطؤ النشاط الاقتصادي والتعامل مع ضغوط تضخمية قد تتفاقم بفعل ارتفاع أسعار النفط.

وقال ماكليم، الاثنين، إن التصعيد التجاري الأخير بين كندا والولايات المتحدة قد يدفع الشركات مجدداً إلى تأجيل قرارات الاستثمار والتوظيف، بعدما بدأ الاقتصاد الكندي يتكيّف مع الرسوم الأميركية خلال الأشهر الماضية.

وأضاف أن استمرار الرسوم الجديدة قد يؤدي إلى خفض نمو الربع الرابع إلى «نحو النصف»، ليهبط إلى أقل من 1 في المائة، مقارنة بتوقع سابق للبنك في يوليو (تموز) بنمو قدره 1.5 في المائة للربع الثالث.

وكان الاقتصاد الكندي قد سجل نمواً سنوياً بمعدل 3.3 في المائة خلال الربع الثاني، مع بدء الشركات والأسر في تعديل خطط الاستثمار والإنفاق بعد نحو 18 شهراً من الرسوم الأميركية.

لكن انهيار مساعي التوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدَين، وهما شريكان تجاريان منذ عقود، أعاد حالة عدم اليقين إلى الاقتصاد، مع فرض واشنطن رسوماً جديدة.

وقال ماكليم إن أحدث تصعيد «قد يتسبّب مرة أخرى في تأجيل الشركات قرارات الاستثمار والتوظيف».

النفط يضع «بنك كندا» أمام معضلة

ولا تقتصر المخاطر على تباطؤ النمو. إذ قال ماكليم إن الصراع في الشرق الأوسط يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم من خلال ارتفاع أسعار النفط، مشيراً إلى أن بقاء الخام قرب مستوى 100 دولار للبرميل قد يدفع التضخم الكندي إلى الارتفاع.

ويبلغ معدل التضخم السنوي في كندا حالياً 3 في المائة، وهو أعلى من هدف «بنك كندا» البالغ 2 في المائة.

كما أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى التأثير في أسعار الخام، وألحق أضراراً بطاقة إنتاج البنزين والديزل، ما يزيد الضغوط على تكاليف الوقود.

وقال ماكليم إن غياب أي انفراجة في الصراع الأميركي-الإيراني زاد مخاطر أن تصبح الضغوط التضخمية أوسع نطاقاً وأكثر استدامة، وإن لم تظهر حتى الآن أدلة على انتقال ارتفاع تكاليف الوقود إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى.

ويضع ذلك «بنك كندا» أمام معادلة صعبة في تحديد مسار أسعار الفائدة، إذ إن تباطؤ النمو يدعم خفض تكاليف الاقتراض، في حين قد يتطلّب استمرار التضخم المرتفع أو اتساع نطاقه سياسة نقدية أكثر تشدداً.

وقال ماكليم: «لا نريد رفع سعر الفائدة وإضعاف النمو إذا كانت الضغوط التضخمية تحت السيطرة، لكننا لا نريد أيضاً أن نتأخر في الاستجابة إذا أصبحت الضغوط التضخمية أكثر استمراراً».

الشركات تعيد ترتيب سلاسل الإمداد

وقال محافظ «بنك كندا» إن الشركات الكندية بدأت، منذ اندلاع الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، تقليص تعرضها للرسوم من خلال إعادة ترتيب سلاسل الإمداد ومصادر التوريد.

كما بدأت الشركات تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن تأثير هذه الاستثمارات في الإنتاجية سيحتاج إلى وقت قبل أن يظهر بوضوح في البيانات الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، تواجه كندا ضغوطاً هيكلية على جانب العرض، مع تباطؤ نمو السكان وتقدمهم في السن، وهو ما يؤثر في حجم قوة العمل والطلب الاستهلاكي.

ويأتي تحذير «بنك كندا» في وقت يحاول فيه الاقتصاد استيعاب صدمات متزامنة من التجارة والطاقة، ما يجعل مسار التضخم والنمو خلال الأشهر المقبلة أكثر حساسية لتطورات الرسوم الأميركية وأسعار النفط.


«قطر للاستثمار» و«جي بي مورغان» يطلقان شراكة بـ20 مليار دولار

أفق مدينة الدوحة (رويترز)
أفق مدينة الدوحة (رويترز)
TT

«قطر للاستثمار» و«جي بي مورغان» يطلقان شراكة بـ20 مليار دولار

أفق مدينة الدوحة (رويترز)
أفق مدينة الدوحة (رويترز)

أعلن جهاز قطر للاستثمار، صندوق الثروة السيادي، وشركة «جي بي مورغان أسيت مانيجمينت» في بيان صدر يوم الاثنين، عن عزمهما إطلاق شراكة استراتيجية حجمها 20 مليار دولار في الأسواق العامة والخاصة في مجالي الأسهم والائتمان.

ومن المقرر أن تتولى «جي بي مورغان» بموجب الاتفاق المبدئي، إدارة محافظ أسهم عالمية مخصصة للجهاز حجمها 15 مليار دولار.

وسيقدم جهاز قطر للاستثمار وشركة إدارة الأصول الأميركية، في إطار مبادرة للأسواق الخاصة قيمتها خمسة مليارات دولار، تمويلاً رئيسياً للشركات المتوسطة الحجم في الولايات المتحدة.

وقال محمد سيف السويدي الرئيس التنفيذي لجهاز قطر للاستثمار، في هذا الصدد، إن هذا التعاون «سيؤدي دوراً مهماً في فتح آفاق جديدة أمام الشركتين لتحقيق قيمة طويلة الأجل».

وتواجه قطر ضغوطاً مالية بسبب حرب إيران، مما جعل من المستحيل عليها تصدير الغاز الطبيعي المسال، مصدر دخلها الرئيسي، على نحو يُعتمد عليه. وتسعى الدوحة إلى تنويع اقتصادها من خلال توسيع قطاعها المالي.

يبلغ حجم الأصول التي يديرها صندوق الثروة السيادي لقطر 580 مليار دولار، ويركز منذ فترة طويلة على تكوين الثروة في الخارج.

غير أن رئيس وزراء قطر أعلن، يوم الأحد، عن إنشاء قسم جديد في الجهاز مخصص لتطوير الاستثمارات المحلية.

كان الجهاز قد وقّع في يناير (كانون الثاني) اتفاقية لتوسيع شراكته مع البنك الاستثماري الأميركي غولدمان ساكس، مستهدفاً استثمارات 25 مليار دولار.


تركيا توسع تحقيقات التلاعب ببورصة إسطنبول وتجمّد أصولاً

بورصة إسطنبول (أ.ب)
بورصة إسطنبول (أ.ب)
TT

تركيا توسع تحقيقات التلاعب ببورصة إسطنبول وتجمّد أصولاً

بورصة إسطنبول (أ.ب)
بورصة إسطنبول (أ.ب)

كثفت السلطات التركية تحقيقاتها في قضية الاحتيال والتلاعب التي هزت بورصة إسطنبول منذ 16 سبتمبر (أيلول)، على خلفية هبوط حاد في مؤشرها الرئيسي «بيست 100» بنحو 6 في المائة، مع استمرار الضغوط على السوق. وجاءت التحقيقات الجديدة لتكشف اتساع نطاق القضية، مع احتجاز 15 شخصاً، وتجميد أصول مرتبطة بمسؤولين في عدد من شركات الاستثمار.

وأعلن وزير العدل التركي أكين غورليك، الاثنين، أن السلطات التركية احتجزت 15 شخصاً في إطار تحقيق يتعلق بتعاملات على أسهم شركة «كاتيليم إيفيم» للتمويل الادخاري المدرجة في البورصة، وجمدت أصولاً مرتبطة بمسؤولين تنفيذيين في شركات استثمار أخرى.

وبينما تؤكد السلطات محدودية تأثير التلاعب الذي شهدته البورصة تطالب المعارضة التركية بإعلان تفاصيل ما حدث وعقد جلسة استثنائية للبرلمان لبحث فضيحة التلاعب بالأسهم، قال غورليك إن الادعاء العام بدأ إجراءات قانونية بحق 25 مشتبهاً بهم في التحقيق المتعلق بالشركة، بينما لا يزال 10 من المشتبه بهم فارين من العدالة.

اعتقالات وتجميد معاملات

وأضاف غورليك، عبر حسابه في «إكس» أن السلطات جمدت المعاملات المالية والتصرفات في الأصول المتعلقة بمسؤولين تنفيذيين وموظفين على صلة بشركات «بوصولا فاينانس هولدينغ»، و«بوصولا ياتيريم للأوراق المالية»، و«تيرا ياتيريم للأوراق المالية»، و«تيرا بورتفوي للإدارة»، و«هدف هولدينغ»، و«هدف بورتفوي للإدارة»، و«بولز ياتيريم للأوراق المالية»، و«بولز بورتفوي للإدارة»، و«أفق ياتيريم للإدارة والعقارات».

وتابع غورليك أن الحكومة أصدرت تعليمات إلى البنوك وجهات التوثيق وهيئات السجل العقاري وهيئة التحقيق في الجرائم المالية بمنع نقل الأصول الخاضعة للتحقيق أو تقليصها.

وأمرت السلطات بفرض رقابة مشددة على المعاملات التي يجريها أعضاء مجالس الإدارة والمخولون بالتوقيع وأزواجهم وأقاربهم المقربون، والتي قد تؤدي إلى خفض قيمة أصولهم، على أن تخضع هذه المعاملات لموافقة الادعاء العام.

وكان السبب الرئيسي لتقلبات السوق هو التحركات السعرية غير المعتادة التي شهدتها بعض الأسهم، والإجراءات التنظيمية المتخذة ضد شركات إدارة المحافظ. وأعلنت هيئة أسواق رأس المال عن ظهور مشاكل في السيولة لدى بعض الصناديق عقب صدور لوائح جديدة تستهدف صناديق التحوط، حيث أدى ازدياد طلب المستثمرين على سحب استثماراتهم من هذه الصناديق إلى تكثيف ضغوط البيع في السوق.

«كاتيليم إيفيم» ضاعفت أرباح أسهمها بنسبة 300 % منذ بداية العام بسبب التلاعب في البورصة (موقع الشركة)

وخلصت الهيئة إلى وجود شبهات بالتلاعب والاحتيال في أسهم شركات «كاتيليم إيفيم»، و«غوندوغدو غيدا»، اللتين شهدت أسهمهما ارتفاعاً بنسبة 300 في المائة منذ بداية العام الحالي، و«ديستيك فاينانس فاكتورينغ»، التي شهدت أسهمها ارتفاعاً بنسبة 140 في المائة.

كما فرضت الهيئة حظراً على التداول لمدة عامين على بعض الأفراد والمؤسسات، وكانت شركة «بورتفوي» ومديروها من بين الجهات الخاضعة للعقوبات.

خسائر ضخمة

ولم يقتصر البيع المكثف في السوق على الأسهم قيد التحقيق فحسب، فبينما أشارت التقارير إلى تكثيف عمليات البيع في أسهم قطاعات مختلفة لتلبية احتياجات السيولة النقدية للصناديق، تم الكشف عن تدفق للأموال إلى الخارج بقيمة مليار دولار تقريباً.

ومع ذلك، تؤكد الإدارة الاقتصادية والمؤسسات الرقابية عدم وجود أي مخاطر نظامية في الأسواق.

وأوقفت السلطات 4 مسؤولين وفرض حظر سفر على 51 آخرين في شركات وصناديق استثمارية، في إطار حملة متصاعدة على شبهات التلاعب بأسعار الأسهم، التي تقع في صلب أزمة سيولة هزت قطاع صناديق الاستثمار في تركيا، ما دفع الجهات التنظيمية إلى تجميد عشرات الصناديق والأمر بتصفيتها.

ودفعت الاضطرابات المالية السلطات المعنية إلى إصدار أوامر بتصفية 131 صندوقاً استثمارياً تديرها 7 شركات، وأعلن مجلس أسواق رأس المال، في بيان الاثنين، تمديد فترة التصفية إلى 6 أشهر لضمان بيع الأصول بأسعار مناسبة.

منظر عام لبورصة إسطنبول من الخارج (رويترز)

وكشفت البيانات الرسمية، عن انخفاض إجمالي أصول الصناديق بقيمة 510 مليارات ليرة، (نحو 11 مليار دولار)، بين نهاية أغسطس (آب) الماضي و18 سبتمبر (أيلول) الحالي، إثر سحب المستثمرين لأموالهم بكثافة.

وسجلت الصناديق، تدفقات خارجة بقيمة 411 مليار ليرة تركية، حسب منصات التحليل المالي، متأثرةً بازدياد موجات الخروج، وتراجع التقييمات السوقية للأوراق المالية المدرجة في بورصة إسطنبول.

وشملت التوقيفات أطرافاً رئيسية في القطاع المالي خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينهم رئيس مجلس إدارة شركة «تيرا» إمري تيزمن، ورئيس مجلس إدارة «بوصولا القابضة» سردار تورهان، ورئيسة شركة «ديستيك فاينانس».

وتسببت وتيرة الانهيار في محو نحو 51 مليار دولار من القيمة السوقية للأسهم التركية، عقب تراجع المؤشر العام للبورصة بنسبة 10 في المائة خلال الأسبوع الماضي.

ويشمل التحقيق، الذي يتضمن أيضاً تحركات الأموال والعملات المشفرة للمديرين التنفيذيين وأفراد أسرهم المباشرين، تحديد ما إذا كانت الأموال قد حُوّلت إلى الخارج أو صدرت عملات مشفرة من خلال هؤلاء الأفراد.

الحكومة تهون من التداعيات

وقال وزير الخزانة والمالية محمد شيمشيك، عقب اجتماع طارئ للجنة الاستقرار المالي الخميس الماضي، إن المشاكل في السوق تقتصر على عدد قليل من الصناديق، وإنه «لا يوجد خطر نظامي ينتشر في سوق الأسهم وسوق الصناديق».

وأضاف أن 131 صندوقاً استثمارياً ستتم تصفيتها، يبلغ حجمها نحو 10 في المائة من إجمالي حجم الصناديق، ولن تُشكل عملية التصفية ضغطاً على سوق الأسهم، لافتاً إلى أنه تم اتخاذ «إجراءات صارمة» لمنع انتشار المخاطر إلى السوق بأكملها، وعزلنا المنطقة التي تعاني من المشكلة، وسيتم حماية مدخرات المستثمرين لفترة محددة.

اجتماع للجنة الاستقرار المالي برئاسة وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك (من حسابه في إكس)

وبدأت التعاملات في بورصة إسطنبول في مستهل الأسبوع، الاثنين، بتراجع بنسبة 0.87 في المائة للمؤشر الرئيسي «بيست 100» عند 13.168.54 نقطة، بعد تراجع عند الإغلاق، يوم الجمعة الماضي، بنسبة 1.67 في المائة، ليهبط إلى 13.284.42 نقطة بعد موجة بيع.

وخسر مؤشر القطاع المصرفي في الجلسة الافتتاحية، الاثنين، 0.09 في المائة، بينما خسر مؤشر الشركات القابضة 2.62 في المائة.

وبالنسبة لمؤشرات القطاعات، كان قطاع النقل الأكثر ربحاً بارتفاع 0.21 في المائة، بينما كان قطاع التأجير التمويلي والتمويل التجاري الأكثر خسارة بنسبة 9.55 في المائة.

المعارضة تطالب بالمحاسبة

وطالبت المعارضة التركية الحكومة بالكشف عن جميع ملابسات فضيحة التلاعب والاحتيال في صناديق الاستثمار والمستفيدين منها. واتهم زعيم المعارضة رئيس «الحزب الجديد»، أوزغور أوزيل، الحكومة بتدمير حياة الملايين من الأبرياء، الذين ادخروا بشق الأنفس من رواتبهم، ربما أملاً في تدبير أمورهم المعيشية أو دفع الإيجار، والذين علقوا آمالهم على تحقيق مكاسب من سوق الأسهم.

وقال أوزيل، خلال لقاء جماهيري في مدينة بورصة (غرب تركيا) الجمعة، إن هناك 7 ملايين مستثمر في سوق الأسهم، 3.5 مليون منهم، أي النصف، يتداولون بمبلغ 10 آلاف ليرة تركية أو أقل، حرمهم التلاعب والاحتيال بأسهم بورصة إسطنبول من حقوقهم.

زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل طالب بالكشف عن ملابسات التلاعب والاحتيال بصناديق الاستثمار (حساب الحزب الجديد في إكس)

وأضاف أن الحكومة تقول اليوم إنها لن تسمح بانتهاك حقوق المواطنين، وستحارب من يفعل ذلك، لكن سيكون هناك نقاش واسع حول ما فعله أصحاب النفوذ في هذه الدولة، سواء في البيروقراطية أو في الوزارات، خصوصاً أصحاب النفوذ في جهاز القضاء، بهذه الصناديق في الماضي، من أجل تحقيق المكاسب الهائلة على حساب صغار المتعاملين، مطالباً بالكشف عن جميع الملابسات والأسماء التي استفادت من التلاعب في هذه الصناديق.

ودعا حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد وثالث أكبر أحزاب البرلمان، إلى عقد جلسة استثنائية للبرلمان، دون انتظار افتتاح الدورة الجديدة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وتطبيق رقابة موضوعية وصارمة على أسواق رأس المال.

وقدم نائب رئيس حزب «الجيد»، إرهان أوسطا، سؤالاً برلمانياً إلى وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشيك، بشأن التطورات في بورصة إسطنبول، وذكّره بتصريح سابق، أدلى به في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أقر فيه بعلمه بالتلاعبات في السوق، وتساءل عن سبب استغراق اتخاذ الاحتياطات اللازمة 10 أشهر، وعما إذا كانت المؤسسات المعنية قامت بواجباتها.