ليبي يروي لـ «الشرق الأوسط» قصة شقيقه المراهق و«داعش»

أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
TT

ليبي يروي لـ «الشرق الأوسط» قصة شقيقه المراهق و«داعش»

أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا

كانت رحلة مشوبة بالتوتر والصمت باتجاه الحدود. جلس محمد في مقعده وعيناه متعلقتان بهاتفه، بينما تنطلق السيارة بسرعة كبيرة خلف صف طويل من الشاحنات المتوقفة. صارت هذه الرحلة مألوفة، ودائما ما تكون حُبلى بالتوقعات. وفي نهاية الرحلة، دخل السائق بالسيارة إلى موقف بدا مزدحما عن آخره بالسيارات رغم أن الساعة كانت تشير إلى التاسعة مساء يوم الأحد، حيث كان المعبر الحدودي ما زال مغلقا منذ عدة أيام. وفي المقهى الأخير الذي ارتاده في تركيا، كان الشخص الذي اتصل بمحمد جالسا في انتظاره.
غير أن هذه الرحلات كانت دائما ما تفضي إلى نفس النتائج. وبعد دقيقتين، عاد محمد إلى السيارة وهو يطلق تنهيدة تنم عن خيبة أمل، ثم قال «ليس هو شقيقي أيوب»، ثم حل عليه مرة أخرى صمت مطبق طوال الرحلة.
كان محمد قد قضى بالفعل أربعة أسابيع في مدينة كلس التركية (تقع على الحدود مباشرة مع سوريا) يجري مكالمات هاتفية، متعقبا، ذهابا وإيابا إلى الحدود، الأشخاص الذين يتصل بهم لمساعدته في مطاردة يائسة لشقيقه «أيوب»، الذي ما زال في سن المراهقة. كان محمد يحمل بين جوانبه مشاعر عارمة بالمسؤولية تجاه شقيقه، ويشعر بأنه المسؤول عن فقدانه.
قبل ثلاث سنوات، حارب محمد، ومن حينها صار بطلا في عيون شقيقه الشاب. والآن، يسير أيوب، الذي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما فقط، على خطى محمد. يقول محمد «كان يقول لي في بعض الأحيان (أريد أن أصبح مثلك، أريد أن أفعل مثلما فعلت أنت)».
لم يفكر أبدا محمد أن شقيقه أيوب سيضع هذه الأفكار موضع التنفيذ، لكنه تلقى اتصالا هاتفيا من والدته في أواخر ديسمبر (كانون الأول) تقول فيه إن أيوب اختفى. اتصل ابنها المراهق، الذي لم يكن لديه وثائق سفر أو أي مبلغ من المال، حينما كانت طائرته على وشك الإقلاع، ليخبر عائلته أنه في طريقه إلى سوريا، وأنه ذاهب للانخراط في القتال الدائر هناك. وبعد يوم واحد، صعد محمد على متن طائرة أخرى على أمل اللحاق بشقيقه في تركيا قبل أن يعبر الحدود إلى سوريا. لكنه وصل متأخرا جدا، فقد خطط أيوب جيدا لرحلته، حيث كان قد عبر الحدود بالفعل عندما وصل محمد إلى كلس.
دخل أيوب سوريا وهناك انضم إلى أحد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وبقي محمد عند الحدود التركية مشغولا في البحث عن أي أدلة تقوده إلى أين يوجد وماذا يفعل شقيقه أيوب.
كان محمد يتصور أن العثور على أيوب قريب المنال، فقد علم بأنه موجود في حلب أو الباب أو أعزاز أو أي من المدن الواقعة في شمال سوريا، التي عُرفت بسوء السمعة خلال الحرب الدائرة هناك. غير أن المشكلة تكمن في أن أيوب لم ينضم إلى المعارضة السورية، بل انضم إلى تنظيم داعش، ذلك التنظيم المتطرف الإرهابي الذي يروع أجزاء كبيرة من مناطق سوريا الشمالية التي تسيطر عليها المعارضة، في محاولة لإقامة ما يسميه بالخلافة الإسلامية في ظل فراغ السلطة الذي خلفه نظام الأسد وراءه.
كان محمد يعرف أنه لا يستطيع دخول مناطق النزاع بسهولة للبحث عن شقيقه. يقول محمد «حتى لو عرفت أين هو، فلا يمكنني انتشاله من هناك لأنني لو سألت عنه، فهناك احتمال 80 في المائة أن يقتلوني، لأنهم سيعتقدون أنني أريد إخراجه من الإسلام».
بعد وقت قصير من وصوله إلى كلس، تناهى إلى مسامع محمد قصة تحذيرية عن رجل من السودان جاء للبحث عن ابنه، الذي تبدو قصته مماثلة تماما لقصة أيوب، حيث انضم ابن ذلك الرجل السوداني إلى إحدى مجموعات تنظيم داعش في بلدة أعزاز السورية التي تبعد بضعة أميال فقط عن الحدودي. وذهب والده للبحث عنه، لكن الرجل لم يعد. يقول محمد «لقد أطلقوا عليه النار، ومات الرجل. لقد قتلوه لأنه كان يبحث عن ابنه».
تنتشر الشائعات والقيل والقال في مدينة كلس كانتشار النار في الهشيم: وربما تكون قصة الرجل السوداني مجرد واحدة من تلك الأساطير التي تُروى في زمن الحروب. تبدو تلك المدينة، التي تمثل نقطة النهاية لكل من يأتي للبحث عن مفقود، وكأنها جزء من الغرب الأميركي. تعج الفنادق الرخيصة بالصحافيين والمتطرفين والانتهازيين، الذين يكسبون قوتهم من الحروب، مثل المهربين وتجار الأسلحة والذين يعملون في مجال المساعدات الإنسانية. جميعهم يتبادلون الأحاديث والقصص في الحانات والمقاهي، وهم من يختلقون تلك القصص شبه الحقيقية عن مقتل هذا الشخص أو ذاك. ثم تصل تلك القصة بعد فترة إلى آذان الأشخاص من أمثال محمد، الذين جاءوا إلى تلك المدينة مكرهين ثم تُركوا ليشقوا طريقهم خلال ذلك الجنون. يقول محمد «عندما يقول شخص ما إنه سينقذك من الغرق، تشعر ساعتها أنك ستخرج من المياه».
لكن محمد يجد نفسه يواصل الغرق من دون أن يجد طوق نجاة، فكلما أخبره أحدهم أنه سيساعده في العثور على شقيقه أيوب، رجع محمد بخفي حنين. ويسعى الكثير من أولئك إلى الحصول على المال مقابل تقديم خدمات لمحمد.
في غرفة فندقية مبهرجة يغلب عليها اللونان الأحمر والذهبي بشكل زاعق، جلس محمد يدخن السجائر الليبية الواحدة تلو الأخرى من دون توقف بينما يسحب بعض الصور من على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. يحاول تنظيم داعش فرض آيديولوجية تعود للقرون الوسطى، لكن على طريقة القرن الحادي والعشرين من خلال استغلال مواقع التواصل الاجتماعي: تويتر وفيسبوك وإنستغرام. وجد محمد على مواقع التواصل الاجتماعي واسع الانتشار صورة لأيوب، صبي بملامح طفل يحمل بيديه بندقية كلاشنكوف. ويظهر أيوب في الصورة مرتديا جلبابا كاكيا وسترة مموهة.
ولم يستطع محمد تحديد اللحظة التي تبدل فيها عقل شقيقه أيوب، لكنه كان على يقين أن ذلك التحول حدث بالفعل. ومنذ دخوله سوريا، أرسل المراهق إلى شقيقه رسائل عدوانية، يخبره فيه أنه لن يعود، وأنه سوف يقتله إذا رآه. خلال الأسابيع القليلة، التي قضاها أيوب في سوريا، استطاع تنظيم داعش تحويل عقله سهل التشكيل من خلال إخضاعه لأفكار متطرفة.
وفي رسائله لشقيقه، قال أيوب لمحمد، وهو شاب متدين، إنه لا يعتبره مسلما بحق. لقد استطاع أمراء داعش طبع بصماتهم سريعا وحشر نسختهم الفاسدة عن الإيمان في عقل أيوب.
ولكن محمد كان واثقا من أنه يعرف كيف جرى تجنيد شقيقه أيوب. وبالعودة إلى مدينة الخمس الليبية، كان هناك رجل أفضى بما عنده من أسرار حالما ألقي القبض عليه. كان ذلك الرجل أحد أعضاء تنظيم داعش، الذين تولوا مهمة تجنيد الشباب العطشى للقتال من خلال تسهيل حصولهم على جوازات السفر وتذاكر الطائرة، ومن ثم إرسالهم إلى سوريا حيث يبدأ هناك تلقينهم الأفكار الجديدة. عندما أُلقي القبض على ذلك الرجل، كان بصحبته ثمانية صبية جميعهم في نفس عمر أيوب، وكانوا يهمون بالسفر إلى سوريا. يقول محمد عن تلك الحادثة «لقد استطعنا على الأقل وقف ذلك الرجل عن إرسال أولئك الصبية». لكن الأوان كان قد فات بالنسبة لشقيقه.
لقد أصبحت ليبيا أرضا خصبة لتجنيد المتطرفين. فالحكومة المركزية الضعيفة لا تستطيع السيطرة على شرق البلاد. أما بنغازي ودرنة، فتسيطر عليهما جماعة إسلامية متشددة تدعى أنصار الشريعة، تهرب الأسلحة وتدرب المقاتلين الجهاديين من دون أن تتعرض لأي نوع من أنواع العقاب. ولكن حتى في مدن مثل الخمس، التي تبعد مسافة ساعة فقط بالسيارة من العاصمة طرابلس، فقد خلفت الثورة الليبية وراءها وفرة من الأسلحة وجيلا من الشباب المتعطشين لخوض الحروب.
كان أيوب يبلغ من العمر اثني عشر عاما فقط عندما كان يشاهد شقيقيه الأكبر سنا يقاتلان خلال ثورة بلاده التي كانت تسير على طريقة أفلام هوليوود. كان أيوب بالغا بما فيه الكفاية ليفهم ما الذي يجري في ليبيا، لكنه كان صغيرا جدا على المشاركة في الأحداث، وكان أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يشاهد بكثير من الحسد صبية يكبرونه بأعوام قليلة يرتدون الزي الكاكي ويتحولون من لا شيء إلى أبطال في غضون أشهر قليلة. لم يحضر أيوب ثورة يمكنه القتال فيها، ولكن تبقى هناك دائما سوريا - إحدى حالات الربيع العربي التي تحولت إلى كابوس من السخط، ثم تحولت بعد ذلك إلى مكان لا تحكمه أي قواعد أو قوانين، حيث يستطيع أي شاب من أي مكان يشعر بالملل أن يذهب إلى هناك حتى يحول ألعاب الفيديو القتالية، التي كان يلهو بها في يوم من الأيام، إلى حقيقة واقعة.
بعد بضعة أيام، عاد محمد إلى ليبيا، بعد أن فشلت محاولاته في البحث عن شقيقه أيوب. عاد محمد على أمل أن يكون شقيقه قد جرى اعتقاله من قبل إحدى كتائب الثوار الأكثر اعتدالا. ولكن في تلك الليلة في المقهى، الذي يقع على الحدود، تبددت آماله بسرعة وبقسوة. فقد بعث له أحد الذين اتصلوا به لمساعدته في البحث عن أيوب، صورة شاب ليبي كان محتجزا في سجن إحدى الكتائب، لكنه لم يكن أيوب. ما الذي يمكن أن يفعله في كلس إذن، إلا أن يجلس للاستماع إلى الشائعات، ويأمل في أن يجد ما هو أفضل؟
وبعد عودته إلى ليبيا، بدأ محمد في التفكير في كل ما فعله منذ ثلاث سنوات. إنه يلوم نفسه لأنه لعب دورا في صنع سلسلة يبدو أنها لن تكون لها نهاية الآن. يقول محمد «إنه خطؤنا، بدأنا هذه الثورة ولم نكملها. لقد حولت أطفالنا إلى بنادق، حتى إنهم عندما يسمعون أن هناك قتالا في مكان ما، يبتسمون ويرغبون في الاشتراك فيه. الآن، لا يستطيع العالم أن يفعل أي شيء».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.