ليبي يروي لـ «الشرق الأوسط» قصة شقيقه المراهق و«داعش»

أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
TT

ليبي يروي لـ «الشرق الأوسط» قصة شقيقه المراهق و«داعش»

أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا

كانت رحلة مشوبة بالتوتر والصمت باتجاه الحدود. جلس محمد في مقعده وعيناه متعلقتان بهاتفه، بينما تنطلق السيارة بسرعة كبيرة خلف صف طويل من الشاحنات المتوقفة. صارت هذه الرحلة مألوفة، ودائما ما تكون حُبلى بالتوقعات. وفي نهاية الرحلة، دخل السائق بالسيارة إلى موقف بدا مزدحما عن آخره بالسيارات رغم أن الساعة كانت تشير إلى التاسعة مساء يوم الأحد، حيث كان المعبر الحدودي ما زال مغلقا منذ عدة أيام. وفي المقهى الأخير الذي ارتاده في تركيا، كان الشخص الذي اتصل بمحمد جالسا في انتظاره.
غير أن هذه الرحلات كانت دائما ما تفضي إلى نفس النتائج. وبعد دقيقتين، عاد محمد إلى السيارة وهو يطلق تنهيدة تنم عن خيبة أمل، ثم قال «ليس هو شقيقي أيوب»، ثم حل عليه مرة أخرى صمت مطبق طوال الرحلة.
كان محمد قد قضى بالفعل أربعة أسابيع في مدينة كلس التركية (تقع على الحدود مباشرة مع سوريا) يجري مكالمات هاتفية، متعقبا، ذهابا وإيابا إلى الحدود، الأشخاص الذين يتصل بهم لمساعدته في مطاردة يائسة لشقيقه «أيوب»، الذي ما زال في سن المراهقة. كان محمد يحمل بين جوانبه مشاعر عارمة بالمسؤولية تجاه شقيقه، ويشعر بأنه المسؤول عن فقدانه.
قبل ثلاث سنوات، حارب محمد، ومن حينها صار بطلا في عيون شقيقه الشاب. والآن، يسير أيوب، الذي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما فقط، على خطى محمد. يقول محمد «كان يقول لي في بعض الأحيان (أريد أن أصبح مثلك، أريد أن أفعل مثلما فعلت أنت)».
لم يفكر أبدا محمد أن شقيقه أيوب سيضع هذه الأفكار موضع التنفيذ، لكنه تلقى اتصالا هاتفيا من والدته في أواخر ديسمبر (كانون الأول) تقول فيه إن أيوب اختفى. اتصل ابنها المراهق، الذي لم يكن لديه وثائق سفر أو أي مبلغ من المال، حينما كانت طائرته على وشك الإقلاع، ليخبر عائلته أنه في طريقه إلى سوريا، وأنه ذاهب للانخراط في القتال الدائر هناك. وبعد يوم واحد، صعد محمد على متن طائرة أخرى على أمل اللحاق بشقيقه في تركيا قبل أن يعبر الحدود إلى سوريا. لكنه وصل متأخرا جدا، فقد خطط أيوب جيدا لرحلته، حيث كان قد عبر الحدود بالفعل عندما وصل محمد إلى كلس.
دخل أيوب سوريا وهناك انضم إلى أحد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وبقي محمد عند الحدود التركية مشغولا في البحث عن أي أدلة تقوده إلى أين يوجد وماذا يفعل شقيقه أيوب.
كان محمد يتصور أن العثور على أيوب قريب المنال، فقد علم بأنه موجود في حلب أو الباب أو أعزاز أو أي من المدن الواقعة في شمال سوريا، التي عُرفت بسوء السمعة خلال الحرب الدائرة هناك. غير أن المشكلة تكمن في أن أيوب لم ينضم إلى المعارضة السورية، بل انضم إلى تنظيم داعش، ذلك التنظيم المتطرف الإرهابي الذي يروع أجزاء كبيرة من مناطق سوريا الشمالية التي تسيطر عليها المعارضة، في محاولة لإقامة ما يسميه بالخلافة الإسلامية في ظل فراغ السلطة الذي خلفه نظام الأسد وراءه.
كان محمد يعرف أنه لا يستطيع دخول مناطق النزاع بسهولة للبحث عن شقيقه. يقول محمد «حتى لو عرفت أين هو، فلا يمكنني انتشاله من هناك لأنني لو سألت عنه، فهناك احتمال 80 في المائة أن يقتلوني، لأنهم سيعتقدون أنني أريد إخراجه من الإسلام».
بعد وقت قصير من وصوله إلى كلس، تناهى إلى مسامع محمد قصة تحذيرية عن رجل من السودان جاء للبحث عن ابنه، الذي تبدو قصته مماثلة تماما لقصة أيوب، حيث انضم ابن ذلك الرجل السوداني إلى إحدى مجموعات تنظيم داعش في بلدة أعزاز السورية التي تبعد بضعة أميال فقط عن الحدودي. وذهب والده للبحث عنه، لكن الرجل لم يعد. يقول محمد «لقد أطلقوا عليه النار، ومات الرجل. لقد قتلوه لأنه كان يبحث عن ابنه».
تنتشر الشائعات والقيل والقال في مدينة كلس كانتشار النار في الهشيم: وربما تكون قصة الرجل السوداني مجرد واحدة من تلك الأساطير التي تُروى في زمن الحروب. تبدو تلك المدينة، التي تمثل نقطة النهاية لكل من يأتي للبحث عن مفقود، وكأنها جزء من الغرب الأميركي. تعج الفنادق الرخيصة بالصحافيين والمتطرفين والانتهازيين، الذين يكسبون قوتهم من الحروب، مثل المهربين وتجار الأسلحة والذين يعملون في مجال المساعدات الإنسانية. جميعهم يتبادلون الأحاديث والقصص في الحانات والمقاهي، وهم من يختلقون تلك القصص شبه الحقيقية عن مقتل هذا الشخص أو ذاك. ثم تصل تلك القصة بعد فترة إلى آذان الأشخاص من أمثال محمد، الذين جاءوا إلى تلك المدينة مكرهين ثم تُركوا ليشقوا طريقهم خلال ذلك الجنون. يقول محمد «عندما يقول شخص ما إنه سينقذك من الغرق، تشعر ساعتها أنك ستخرج من المياه».
لكن محمد يجد نفسه يواصل الغرق من دون أن يجد طوق نجاة، فكلما أخبره أحدهم أنه سيساعده في العثور على شقيقه أيوب، رجع محمد بخفي حنين. ويسعى الكثير من أولئك إلى الحصول على المال مقابل تقديم خدمات لمحمد.
في غرفة فندقية مبهرجة يغلب عليها اللونان الأحمر والذهبي بشكل زاعق، جلس محمد يدخن السجائر الليبية الواحدة تلو الأخرى من دون توقف بينما يسحب بعض الصور من على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. يحاول تنظيم داعش فرض آيديولوجية تعود للقرون الوسطى، لكن على طريقة القرن الحادي والعشرين من خلال استغلال مواقع التواصل الاجتماعي: تويتر وفيسبوك وإنستغرام. وجد محمد على مواقع التواصل الاجتماعي واسع الانتشار صورة لأيوب، صبي بملامح طفل يحمل بيديه بندقية كلاشنكوف. ويظهر أيوب في الصورة مرتديا جلبابا كاكيا وسترة مموهة.
ولم يستطع محمد تحديد اللحظة التي تبدل فيها عقل شقيقه أيوب، لكنه كان على يقين أن ذلك التحول حدث بالفعل. ومنذ دخوله سوريا، أرسل المراهق إلى شقيقه رسائل عدوانية، يخبره فيه أنه لن يعود، وأنه سوف يقتله إذا رآه. خلال الأسابيع القليلة، التي قضاها أيوب في سوريا، استطاع تنظيم داعش تحويل عقله سهل التشكيل من خلال إخضاعه لأفكار متطرفة.
وفي رسائله لشقيقه، قال أيوب لمحمد، وهو شاب متدين، إنه لا يعتبره مسلما بحق. لقد استطاع أمراء داعش طبع بصماتهم سريعا وحشر نسختهم الفاسدة عن الإيمان في عقل أيوب.
ولكن محمد كان واثقا من أنه يعرف كيف جرى تجنيد شقيقه أيوب. وبالعودة إلى مدينة الخمس الليبية، كان هناك رجل أفضى بما عنده من أسرار حالما ألقي القبض عليه. كان ذلك الرجل أحد أعضاء تنظيم داعش، الذين تولوا مهمة تجنيد الشباب العطشى للقتال من خلال تسهيل حصولهم على جوازات السفر وتذاكر الطائرة، ومن ثم إرسالهم إلى سوريا حيث يبدأ هناك تلقينهم الأفكار الجديدة. عندما أُلقي القبض على ذلك الرجل، كان بصحبته ثمانية صبية جميعهم في نفس عمر أيوب، وكانوا يهمون بالسفر إلى سوريا. يقول محمد عن تلك الحادثة «لقد استطعنا على الأقل وقف ذلك الرجل عن إرسال أولئك الصبية». لكن الأوان كان قد فات بالنسبة لشقيقه.
لقد أصبحت ليبيا أرضا خصبة لتجنيد المتطرفين. فالحكومة المركزية الضعيفة لا تستطيع السيطرة على شرق البلاد. أما بنغازي ودرنة، فتسيطر عليهما جماعة إسلامية متشددة تدعى أنصار الشريعة، تهرب الأسلحة وتدرب المقاتلين الجهاديين من دون أن تتعرض لأي نوع من أنواع العقاب. ولكن حتى في مدن مثل الخمس، التي تبعد مسافة ساعة فقط بالسيارة من العاصمة طرابلس، فقد خلفت الثورة الليبية وراءها وفرة من الأسلحة وجيلا من الشباب المتعطشين لخوض الحروب.
كان أيوب يبلغ من العمر اثني عشر عاما فقط عندما كان يشاهد شقيقيه الأكبر سنا يقاتلان خلال ثورة بلاده التي كانت تسير على طريقة أفلام هوليوود. كان أيوب بالغا بما فيه الكفاية ليفهم ما الذي يجري في ليبيا، لكنه كان صغيرا جدا على المشاركة في الأحداث، وكان أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يشاهد بكثير من الحسد صبية يكبرونه بأعوام قليلة يرتدون الزي الكاكي ويتحولون من لا شيء إلى أبطال في غضون أشهر قليلة. لم يحضر أيوب ثورة يمكنه القتال فيها، ولكن تبقى هناك دائما سوريا - إحدى حالات الربيع العربي التي تحولت إلى كابوس من السخط، ثم تحولت بعد ذلك إلى مكان لا تحكمه أي قواعد أو قوانين، حيث يستطيع أي شاب من أي مكان يشعر بالملل أن يذهب إلى هناك حتى يحول ألعاب الفيديو القتالية، التي كان يلهو بها في يوم من الأيام، إلى حقيقة واقعة.
بعد بضعة أيام، عاد محمد إلى ليبيا، بعد أن فشلت محاولاته في البحث عن شقيقه أيوب. عاد محمد على أمل أن يكون شقيقه قد جرى اعتقاله من قبل إحدى كتائب الثوار الأكثر اعتدالا. ولكن في تلك الليلة في المقهى، الذي يقع على الحدود، تبددت آماله بسرعة وبقسوة. فقد بعث له أحد الذين اتصلوا به لمساعدته في البحث عن أيوب، صورة شاب ليبي كان محتجزا في سجن إحدى الكتائب، لكنه لم يكن أيوب. ما الذي يمكن أن يفعله في كلس إذن، إلا أن يجلس للاستماع إلى الشائعات، ويأمل في أن يجد ما هو أفضل؟
وبعد عودته إلى ليبيا، بدأ محمد في التفكير في كل ما فعله منذ ثلاث سنوات. إنه يلوم نفسه لأنه لعب دورا في صنع سلسلة يبدو أنها لن تكون لها نهاية الآن. يقول محمد «إنه خطؤنا، بدأنا هذه الثورة ولم نكملها. لقد حولت أطفالنا إلى بنادق، حتى إنهم عندما يسمعون أن هناك قتالا في مكان ما، يبتسمون ويرغبون في الاشتراك فيه. الآن، لا يستطيع العالم أن يفعل أي شيء».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.