مصر: كشف أثري جديد لإمبراطور روماني بمعابد الكرنك

خلال أعمال ترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث

ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)
ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: كشف أثري جديد لإمبراطور روماني بمعابد الكرنك

ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)
ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف لوحة حجرية جديدة تعود إلى عصر الرومان، وذلك خلال تنفيذ مشروع تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث.

وعدَّت الوزارة، في بيان صحافي، الكشف «إضافة أثرية مهمة، تسهم في فهم التطورات التاريخية والمعمارية للموقع خلال العصور المختلفة».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي: «إن اللوحة الحجرية المكتشَفة عُثر عليها داخل طبقة أثرية مرتبطة بمنشآت من الطوب اللبن ترجع إلى العصرَين الروماني المتأخر والبيزنطي، وتقع في المنطقة الشمالية الغربية مباشرة من البوابة»، بحسب البيان.

من جانبه، أوضح رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن اللوحة مصنوعة من الحجر الرملي، بأبعاد 60 × 40 × 10 سنتيمترات، وتُصوِّر الإمبراطور الروماني تيبيريوس واقفاً أمام ثالوث الكرنك المقدس؛ آمون-رع، وموت، وخونسو، مشيراً إلى «ظهور نَصٍّ هيروغليفي أسفل المشهد مكوَّن من 5 أسطر يخلِّد أعمال تجديد سور معبد آمون-رع بهدف حمايته، ما يتوافق مع الأدلة الأثرية والمعمارية التي كشفت عنها أعمال المشروع».

لوحة من الحجر الرملي تعود لعصر الإمبراطور الروماني تيبيريوس (وزارة السياحة والآثار)

وخضعت اللوحة المكتشَفة لأعمال ترميم وصيانة دقيقة، ومن المقرَّر عرضها مستقبلاً في أحد المتاحف، بحسب الدكتور عبد الغفار وجدي، مدير عام آثار الأقصر، ورئيس البعثة من الجانب المصري في البيان.

وتستمر أعمال البحث والدراسة، التي ينفِّذها «المركز المصري الفرنسي لدراسة معابد الكرنك»؛ لتطوير ودراسة المنطقة الشمالية من معبد آمون-رع.

بدوره، قال عالم المصريات الدكتور حسين عبّد البصير إن اللوحة الحجرية المكتشَفة تمثل «إضافة علمية قيّمة تساعد على دراسة العلاقة بين مصر والفترة الرومانية، وكيفية الحفاظ على المقدسات المصرية وتطويرها خلال تلك الحقبة». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التفاصيل الموجودة باللوحة تمنح الباحثين فرصةً لدراسة الأبعاد الدينية والسياسية والفنية للموقع، وفهم كيف كانت السلطة الرومانية تحترم التقاليد المصرية، وتحاول التكيُّف مع الرموز الدينية المحلية، وهو ما يُظهِر التناغم بين القوة الرومانية والتراث المصري في الفترة الانتقالية بين العصور القديمة والعصر الروماني».

وانتهت البعثة الأثرية المصرية التابعة لـ«المركز المصري الفرنسي لدراسة معابد الكرنك (CFEETK)»، بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار بمصر، والمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، من أعمال إعادة تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث الواقعة شمال معابد الكرنك، بحسب وزارة السياحة والآثار.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، بحسب البيان، أن «المشروع يأتي في إطار خطة متكاملة لتطوير معابد الكرنك، بما يشمل تطوير منطقة المتحف المفتوح، ورفع كفاءة الخدمات المُقدَّمة للزائرين؛ بهدف تعزيز التجربة السياحية».

جانب من أعمال الترميم بالكرنك (وزارة السياحة والآثار)

وتضمَّن المشروع، الذي نُفِّذ خلال الفترة من 2022 إلى 2025، إعادة تركيب وترميم بوابة السور الشمالية التي شيَّدها الملك رمسيس الثالث خلال عصر الأسرة العشرين، والتي كان قد تمَّ اكتشاف الجزء السفلي منها في القرن التاسع عشر في حالة تدهور شديد، ومغطاة بالنباتات.

وشملت الأعمال تفكيك البوابة بالكامل، وترميم كتلها الحجرية، وتوثيقها علمياً، قبل إعادة تركيبها وفقاً لأحدث الأساليب العلمية. وأسفرت هذه الأعمال عن «الكشف عن عدد كبير من الكتل الحجرية المزخرفة المعاد استخدامها، التي تعود إلى عهد الملك أمنحتب الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، ويُرجَّح أنها كانت جزءاً من بوابة سور أقدم في الموقع نفسه».

وخلال أعمال تطوير الموقع في صيف 2025، تمكَّنت البعثة من الكشف عن طريق مرصوف كان قد سُجل لأول مرة في مطلع القرن العشرين، ويربط بين بوابة رمسيس الثالث وساحة الصرح الثالث داخل معابد الكرنك، بحسب البيان.

وعدَّ عبد البصير الانتهاء من مشروع إعادة تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث «إنجازاً بارزاً على الصعيدَين الأثري والعلمي، يمنح الباحثين والزوار على حد سواء فرصةً استثنائيةً لفهم التطورات التاريخية والمعمارية لهذا الموقع المميز عبر العصور المختلفة». وقال: «هذه البوابة، التي شيَّدها الملك رمسيس الثالث خلال عصر الأسرة العشرين، لم تكن مجرد مدخل وظيفي، بل كانت بمثابة رمز للقوة والسيادة الدينية والسياسية، وتكشف أعمال إعادة تركيبها عن مدى دقة التخطيط الهندسي والمعماري الذي كان سائداً في ذلك العصر، كما تسلِّط الضوء على العلاقة بين الفن والوظيفة والرمزية الدينية التي كانت محوراً في تصميم المعابد المصرية القديمة».

وأشار إلى أن الاكتشافات التي تمَّت خلال المشروع «تدل على استمرارية استخدام الموقع وتطويره عبر قرون طويلة»، موضحاً أن الكتل الحجريّة المكتشَفة أعيد استخدامها ضمن البوابة، ما يؤكد أن «معابد الكرنك لم تكن ثابتة على حال واحدة، بل كانت مسرحاً لتجدُّد مستمر يعكس التفاعلات بين الأجيال المختلفة من الحكام والفنانين والمهندسين».


مقالات ذات صلة

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

يوميات الشرق جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

عثرت البعثة الأثرية المصرية على مقبرتَين تعودان إلى العصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق اكتشاف عناصر معمارية جديدة في معبد القصر القديم (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف أجزاء جديدة من معبد القصر القديم بالواحات البحرية

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الجمعة، الكشف عن أجزاء جديدة من «معبد القصر القديم»، الذي يرجع تاريخه إلى عصر الأسرة الـ26 (منذ نحو 2600 سنة).

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من إنشاءات الكافتيريا الجديدة  (الشرق الأوسط)

 مصر: جدل بشأن إنشاء كافتيريا حول «البحيرة المقدسة» بمعابد الكرنك

أثارت صور متداولة لإنشاءات حول البحيرة المقدسة بمعابد الكرنك بالأقصر (جنوب مصر) جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)

اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

اكتشف علماء الآثار فيلا فاخرة تعود إلى القرن الأول الميلادي، زارها 3 أباطرة، وذلك في منطقة كاستيل دي غويدو الواقعة على مشارف روما...

«الشرق الأوسط» (روما)
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».