الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

استمرار المطالب بإجراءات تهدئة شاملة «تدعم مسار الحقوق والحريات»

مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
TT

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي. لكن رغم هذه الخطوة، فإن ناشطين يؤكدون استمرار احتجاز أكثر من 150 آخرين يقضون عقوبات حبسية متفاوتة، تتراوح بين عامين و8 سنوات. وبينما تستند السلطات في استمرار حبسهم إلى تصنيف أفعالهم ضمن «الجرائم القانونية»، تصر القوى المعارضة على أن هذه الأحكام تعدّ «إجراء عقابياً» على خلفية مواقفهم المعارضة سياسات السلطة.

من مظاهرات الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون سياسيون)

قال الناشط المعارض الصحافي المعروف، فضيل بومالة، عبر حساباته في الإعلام الاجتماعي، يوم عيد الفطر، إن عدداً من المعتقلين «غادروا أسوار السجون، في حين لا يزال آخرون قيد الاحتجاز»، وأبرزهم الشاب محمد تاجديت الملقب «شاعر الحراك»، والشاب ابراهيم لعلامي. وأكد بومالة خبر الإفراج عن معتقل الرأي الشهير صهيب دباغي بولاية باتنة (400 كيلومتر شرق العاصمة)، ومعه الناشط يوسف بلورغي من المنطقة نفسها.

محمد تاجديت من أبرز نشطاء الحراك المسجونين (متداولة)

كما أبرز بومالة، وهو معتقل رأي سابق يرصد منذ سنوات المتابعات الأمنية والقضائية للناشطين المعارضين وينشرها، أن عدداً من المعتقلين لايزالون رهن الحبس، رغم صدور مرسوم العفو الرئاسي، وذكر من بينهم زهير حجازي، وعبد العزيز بن هدي، ومنصور مخالفية، ومختار دالي، وهم مسجونون، وفقه، بشرق ووسط وغرب البلاد.

وأضاف بومالة أن معتقلَي الرأي بشرق البلاد؛ صدوق قحام ومراد لوريسي، غادرا السجن عشية عيد الفطر بعد انقضاء مدة محكوميتهما، «دون أن يكون لخروجهما أي علاقة بإجراءات العفو الرئاسي، وفق ما تم تداوله».

عفو رئاسي باستثناءات صارمة

بمناسبة عيد الفطر؛ فقد أعلنت الرئاسة، في بيان، أن الرئيس عبد المجيد تبون وقع مرسومين رئاسيين يتضمنان إجراءات عفو تشمل 5600 سجين.

الناشط معتقل الرأي إبراهيم لعلامي (ناشطون سياسيون)

ويتعلق المرسوم الأول، وفق البيان، بالأشخاص المحكوم عليهم في قضايا القانون العام، وينص على عفو كامل لفائدة 5600 شخص؛ سواء أكانوا موقوفين أم غير موقوفين، صدرت في حقهم أحكام نهائية، وكانت مدة عقوبتهم، أو ما تبقى منها، تساوي أو تقل عن 24 شهراً.

ويُستثنى من هذا الإجراء، وفق البيان نفسه، عدد من الجرائم المصنفة «خطيرة»؛ من بينها «قضايا الإرهاب والتخريب، والاعتداء على أمن الدولة وسلامة التراب الوطني»، إضافة إلى جرائم «الفساد والقتل».

ويدخل تحت طائلة هذه الاستثناءات ناشطون من فترة «العشرية السوداء» (مرحلة الاقتتال مع الجماعات المتشددة خلال التسعينات)، وأيضاً رؤساء حكومات ووزراء ورجال أعمال، أدانهم القضاء بعقوبات ثقيلة بالسجن، بناء على تهم «فساد»، ينتمي كلهم إلى فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019). وقد أُوقفوا بعد استقالة بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) 2019 تحت ضغط الشارع الرافض ترشحه لولاية خامسة.

الناشط المعارض الصحافي فضيل بومالة (وسط) (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما يُستثنى أيضاً المتورطون في «شبكات إجرامية منظمة، وجرائم السرقة المشددة، والاعتداءات المرتبطة بالأنظمة المعلوماتية، التي تستهدف مؤسسات عمومية أو تابعة للدفاع الوطني»، فضلاً عن «الجرائم المتعلقة بالمخدرات والتهريب، والمضاربة غير المشروعة والغش التجاري والصحي»، وفق البيان الرئاسي.

ويشمل هذا الاستثناء فئتين؛ الأولى تضم أعضاء في تنظيمات مصنفة «جماعاتٍ إرهابيةً»، مثل «حركة تقرير مصير منطقة القبائل»، المعروفة اختصارا بـ«ماك»، وحركة «رشاد» الإسلامية. وقد جرى سجن كثير من المنتمين إلى التنظيمين منذ إدراجهما في «لائحة الإرهاب» عام 2021، علماً بأن قيادييهما يقيمون في الخارج وصدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية، وأبرزهم فرحات مهني زعيم «ماك»، والعربي زيتوت القيادي في «رشاد».

أما الفئة الثانية، فتضم تجاراً ومتعاملين اقتصاديين سُجنوا بتهمة «احتكار السلع» بموجب «قانون مكافحة المضاربة غير المشروعة»، الذي سُنَّ في ذروة جائحة «كوفيد19»، كما

لا يشمل العفو جرائم «التمييز وخطاب الكراهية»، وأنشطة «عصابات الأحياء»، وبعض المخالفات الخطيرة المنصوص عليها في قانون السجون.

ويتعلق المرسوم الثاني بالجرائم المرتبطة بالنظام العام، مع التركيز على «الجرائم المعلوماتية»، وتلك المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا هو الإجراء الذي يشمل معتقلي الرأي؛ شريطة أن تكون أحكام الحبس الصادرة بحقهم نهائية، واستنفدت سبل الطعن القانوني كافة.

«التهدئة الشاملة» مطلب سياسي

تأتي هذه المستجدات في سياق استمرار المطالب الحقوقية والسياسية الداعية إلى الإفراج عن جميع معتقلي الرأي، الذين يصل عددهم إلى 200، وفتح المجال أمام إجراءات تهدئة شاملة «تعزز الثقة، وتدعم مسار الحقوق والحريات في البلاد»، وفق ما ذكره عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان.

زعيم «ماك» فرحات مهني مستهدف بمذكرة توقيف دولية (ناشطون)

وقال معزوز إن «مئات الأسر تحيي العيد في ظل غياب قسري لأبنائها وآبائها المعتقلين بسبب مواقفهم وآرائهم.. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات السجون، بل هم حكايا إنسانية، وجراح غائرة في قلب المجتمع؛ عند كل قضبان أمٌ تنتظر، وأطفال يكبرون في غياب السند»، مشدداً على أن «هذا الألم الصامت لا يقتصر على الغرف المغلقة، بل يمتد ليقوض جسور الثقة بين المواطن والدولة. ومن هذا المنطلق، يتجدد النداء إلى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لتفعيل صلاحياته الدستورية، واتخاذ إجراءات عفو شاملة تفتح باب التهدئة وتداوي جراح هؤلاء المظلومين».

وأضاف معزوز موضحاً أن مثل هذه الخطوة، في هذا التوقيت بالذات، «لن تكون ضعفاً ولا تنازلاً، بل ستكون تعبيراً عن حكمة سياسية وسموّ في ممارسة الدولة. فالتاريخ السياسي في الجزائر، كما في غيرها، يعلّمنا حقيقة بسيطة: الأزمات لا تُحلّ بالتشدد، بل بقرارات شجاعة تعيد فتح آفاق الحوار».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

شمال افريقيا رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)

الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الواجهة الأزمة الحادة التي تجمع بلاده مع الاتحاد الأوروبي منذ عامين، والتي تتعلق بـ«اتفاق الشراكة» ومشكلات الاستيراد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة أقدام تزن الملايين... من يتصدر قائمة أغلى اللاعبين العرب بمونديال 2026؟

تعرف على ترتيب أغلى النجوم العرب في كأس العالم 2026

قائمة أغلى النجوم العرب في مونديال 2026 تشهد صدارة حكيمي بـ(80) مليون يورو، وسط ملاحقة قوية من صيباري ومرموش وبوعدي في بورصة الملايين العالمية.

كوثر وكيل (لندن)
الرياضة «جنرالات المونديال»... خمسة فرسان يتربعون على عرش التهديف العربي في كأس العالم

من هم هدافو العرب في تاريخ المونديال؟

خمسة فرسان يتربعون على عرش هدافي العرب في المونديال بـ3 أهداف، يلاحقهم جيل الثنائيات الذهبي عبر مسيرة حافلة أسقطت عمالقة الكرة وتوجت الأمجاد الرياضية.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية فلاديمير بيتكوفيتش (رويترز)

بيتكوفيتش سعيد ببقاء مصير الجزائر «بين يديها»... والرشدان يتحسّر على ضياع الفوز

أكد مدرب منتخب الجزائر، السويسري فلاديمير بيتكوفيتش، أن الفوز القاتل الذي حققه فريقه على الأردن 2 - 1 الاثنين، في كأس العالم 2026 منح لاعبيه جرعة كبيرة من الثقة

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
شمال افريقيا الحملة الانتخابية تجري بالجزائر وسط فتور من الناخبين (إعلام حزبي)

الجزائر: مذكرة لهيئة الانتخابات عن «الملصقات الدعائية» تثير جدلاً واسعاً

أحدثت مذكرة جديدة لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر هزة في مسار الحملة الانتخابية للاقتراع التشريعي المقرر في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

المغرب: سجن سياسيَين بارزَين 10 و12 عاماً في قضية مرتبطة بالمخدرات

سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)
سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

المغرب: سجن سياسيَين بارزَين 10 و12 عاماً في قضية مرتبطة بالمخدرات

سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)
سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)

قضت محكمة مغربية ليل الخميس بإدانة رئيس مجلس جهة الشرق سابقا عبد النبي بعيوي، والبرلماني والرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي سعيد الناصري، بالسجن 12 و10 أعوام توالياً، في قضية تهريب دولي للمخدرات المسماة «إسكوبار الصحراء».

وهذه المرة الأولى التي يحاكم فيها سياسيان بارزان في المغرب في قضية مماثلة، ما خلف صدمة واهتماما إعلاميا واسعا في المغرب. وهما موقوفان منذ نهاية 2023.

وكانا متّهمين بتهم عدة أبرزها «الاتجار الدولي في المخدرات والتزوير والارشاء»، ضمن ملف ضخم ضم أكثر من 20 متهما، في محاكمة استغرقت عامين منذ افتتاحها رسميا في مايو (أيار) 2024.


الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)
رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)
TT

الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)
رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)

أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الواجهة الأزمة الحادة التي تجمع بلاده مع الاتحاد الأوروبي منذ عامين، والتي تتعلق بـ«اتفاق الشراكة» ومشكلات الاستيراد التي يطرحها منذ بدء تنفيذه عام 2005. في وقت يسعى فيه الجانبان منذ أشهر إلى تجاوز هذا الخلاف عبر التفاوض، لكن يظل كل واحد منهما متشبثاً بموقفه بشأن إحداث توازن بين «الالتزامات والمنفعة التجارية».

الرئيس تبون ورئيس الوزراء ووزيرة التجارة الداخلية خلال زيارة المعرض الدولي (الرئاسة)

وخلال زيارته «معرض الجزائر الدولي» السنوي، المقام منذ الثلاثاء الماضي بعاصمة البلاد، أعاد تبون إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي، مؤكداً في تصريحات نقلها التلفزيون العمومي، وحملت نبرة تذمر، أنه يتوجب على حكومته «التفاوض مع الجانب الأوروبي لفتح حدوده أمام الحديد والصلب الجزائري»، ومشدداً على أنه «من غير المقبول بتاتاً فرض نظام الكوتا (الحصص) علينا، في وقت لا نضع فيه نحن أي قيود أو حصص على ما نشتريه من الاتحاد الأوروبي».

تبون ينتقد قيود أوروبا

قال الرئيس تبون، وهو محاط بكبار المسؤولين في البلاد، أهمهم الوزير المنتدب للدفاع قائد الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، إن «وارداتنا حتى اللحظة تشكل 85 في المائة من الاتحاد الأوروبي؛ لذا لا يمكن القبول بفرض حصص مجحفة ضدنا»، مبرزاً أن الجزائر «تملك اليوم كافة الحجج والمؤهلات التي تدفع أوروبا للاعتماد على الصلب الجزائري؛ فهو يتمتع بجودة استثنائية، فضلاً عن كونه منتجاً صديقاً للبيئة، ونظيفاً للغاية من حيث انبعاثات الكربون».

رئيس الجزائر وقائد جيشها في المعرض الدولي (الرئاسة)

ووفق ما تقوله الحكومة الجزائرية، تخضع صادرات البلاد من الحديد والصلب نحو الاتحاد الأوروبي لنظام «حصص وقائية» معقد، ومقسم دورياً على أساس ربع سنوي؛ إذ لا تمنح المفوضية الأوروبية للجزائر حصة سنوية ثابتة برقم محدد، بل تدرجها ضمن فئة «باقي الدول» التي تتنافس على حصص جماعية بنظام الأولوية لمن يسجل صادراته أولاً. وفي حال استنفاد هذه الحصص تفرض أوروبا رسوماً جمركية حمائية تصل إلى 25 في المائة على الكميات الإضافية.

ولذلك يثير هذا النظام حفيظة الجانب الجزائري؛ إذ انتقدت الحكومة الجزائرية والمجمعات الصناعية الكبرى مثل «توسيالي» و«بلارة»، في مناسبات عديدة، هذه القيود، عادّةً أنها تشكل عائقاً أمام تدفق المنتج الجزائري عالي الجودة والأقل بصمة كربونية، الذي تحتاجه السوق الأوروبية، وسط مطالب مستمرة من الجزائر بفتح المجال كاملاً لصادراتها ومراجعة هذه الإجراءات الحمائية، بما يتماشى مع حجم الشراكة الاقتصادية بين الطرفين.

محادثات بين وفدَي الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الجزائرية في مايو الماضي (وزارة الخارجية الجزائرية)

وطُرح هذا الملف العام الماضي بحدة، من قِبل مسؤولي المجمع الجزائري - التركي للحديد والصلب «توسيالي»؛ فرغم الطلب المتزايد على منتجاته التي تصدر لنحو 25 دولة، فإنها تواجه عقبات وعراقيل تنظيمية في الأسواق الأوروبية.

وحقق هذا المركب الصناعي الموجود بوهران، كبرى مدن غرب الجزائر، رقم أعمال قُدر بـ3 مليارات دولار العام الماضي، منها مليار دولار موجّه للتصدير، مع تطلع المجمع لبلوغ 1.5 مليار دولار مع نهاية 2026.

وأوضح مسؤول بالمجمع لـ«الشرق الأوسط» أن الاتحاد الأوروبي يمنحه حصصاً مخصصة لثلاثة أشهر، لكنه يستهلكها، حسبه، بالكامل في الأسبوع الأول فقط، وذلك على الرغم من أن جميع دول الاتحاد الأوروبي ترغب في التموّن بالصلب انطلاقاً من مصنع وهران، وفق نفس المسؤول.

تهديد بـ«المعاملة بالمثل»

أمام استمرار هذا الوضع لسنوات، كان الرئيس تبون أمر رئيس الوزراء سيفي غريب، قبل عام، بـ«مراجعة هذا الأمر بتطبيق مبدأ (المعاملة بالمثل)»، وقال بهذا الخصوص: «نحن نمنح الأفضلية للاتحاد الأوروبي مقارنة بدول أخرى، ولا سيما أن الصلب الذي ننتجه يتمتع بجودة ممتازة». وتعهد الرئيس، يومها، بمعالجة الملف قائلاً: «هذا الأمر سنناقشه مع الاتحاد الأوروبي»، وكان يشير إلى بدء محادثات مع مفوضية الاتحاد الأوروبي بخصوص مراجعة «اتفاق الشراكة»، الذي تراه الجزائر مجحفاً بحقها، بدعوى أنه «يحقق المنفعة لأوروبا بشكل حصري».

وزير خارجية الجزائر مع المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط (وزارة الخارجية الجزائرية)

وكان تبون خلال خوضه في مشكلة «فرض الكوتا الأوروبية على الحديد والصلب الجزائري» ينقل موقفاً قديماً نسبياً يخص التعاون الاقتصادي مع أوروبا؛ إذ ترى الجزائر أن اتفاق الشراكة صار يُثقل كاهلها، ويعوق حريتها في الحركة وتطوير اقتصادها.

وتُعول الجزائر على منجم «غار جبيلات» الواقع بجنوبها الغربي لرفع إنتاجها الوطني من الحديد والصلب، وتطوير قدرات مصانعها التحويلية الكبرى، وبالتالي الرفع من طاقة التصدير نحو الأسواق الدولية، وتأمين خطوط إمداد جديدة بالعملة الصعبة.

ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

ويمثل هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يضم احتياطياً ضخماً يقدّر بنحو 3.5 مليار طن، ركيزة أساسية لإنهاء التبعية لاستيراد المادة الأولية، وتوفير مئات الملايين من الدولارات للخزينة العمومية؛ إذ مرّ بمراحل متسارعة منذ إطلاقه رسمياً في 30 يوليو (تموز) 2022، تلتها خطوة وضع حجر أساس مصنع المعالجة الأولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023 لتثمين جودة الخام، وصولاً إلى مطلع عام 2026، الذي شهد الشروع الفعلي في الاستعمال المحلي، وتوجيه الشحنات عبر خط السكة الحديدية المنجمي العملاق «تندوف - بشار»، والممتد على مسافة 950 كيلومتراً لنقل الحديد نحو مناطق التصنيع والموانئ في الشمال.


النيابة الليبية تحقق مع شبكة دولية «متورطة» في الاحتيال وغسل الأموال

النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)
النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)
TT

النيابة الليبية تحقق مع شبكة دولية «متورطة» في الاحتيال وغسل الأموال

النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)
النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)

أخضعت النيابة العامة الليبية شبكة دولية للتحقيق لاتهامها بـ«غسل الأموال والاحتيال والنصب على المواطنين، واستهداف عملاء المصارف التجارية»، فيما أمرت بـ«تعقّب مثل هذه الأعمال في عموم البلاد، والتصدي لها قبل أن توقع بمزيد من الضحايا».

وأعلن جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب في العاصمة طرابلس، أن إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية في ليبيا تمكنت، بالتعاون مع وحدة التحري بالجهاز، من «رصد وتتبع وتفكيك شبكة إجرامية منظمة عابرة للحدود، متورطة في تنفيذ عمليات احتيال ممنهجة تستهدف عملاء المصارف الليبية».

وأوضح جهاز مكافحة الجرائم، مساء الأربعاء، أن التحريات الفنية والميدانية «كشفت عن أساليب متقدمة استخدمتها الشبكة في تنفيذ جرائمها، بما في ذلك الاستغلال غير المشروع للأنظمة الإلكترونية المالية، واستهداف الضحايا عبر وسائل رقمية متعددة».

وقال مصدر بالنيابة العامة لـ«الشرق الأوسط» إن التحقيقات أثبتت «تمدد العلاقات والنشاط الإجرامي للشبكة دولياً بين ليبيا وثلاث دول أخرى، هي ألمانيا وفرنسا والإمارات»، مشيراً إلى أنه «تبيّن للمحققين ترابط الشبكة هيكلياً بشكل دقيق ومنظم، وتضم متخصصين في إنشاء صفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي».

وأوضح المصدر أن النائب العام شدد على «ضرورة استباق مثل هذه المخططات المجرّمة، والتصدي لتلك الشبكات، وتوعية المواطنين بمثل هذه العمليات التي تسلبهم ثرواتهم».

أسهمت حالة الانفلات الأمني في انتشار الشبكات الإجرامية في ليبيا (رويترز)

وكانت النيابة الليبية قد صعّدت عملياتها لتعقّب متهمين فرّوا من البلاد بعد ارتكابهم جرائم الاتجار بالمخدرات، وتبييض الأموال والقتل، مشيرة إلى أنها تسعى لإدراج 137 شخصاً في «النشرة الحمراء».

وبشأن «طبيعة الأنشطة الإجرامية المثبتة»، تحدث جهاز مكافحة الجرائم المالية عن تنفيذ الشبكة «عمليات احتيال باستخدام بيانات بطاقات مصرفية دولية مسروقة، تم الحصول عليها عبر منتديات غير قانونية على شبكة الـDark Web».

كما تبين للجهاز «اختبار صلاحية البطاقات المسروقة عبر منصات دفع إلكترونية متعددة»، بالإضافة إلى «إنشاء صفحات مصرفية وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، واستدراج الضحايا عبر تطبيقات المراسلة الفورية».

وتحدث الجهاز عن «تحويل وتبييض عائدات الأنشطة الإجرامية عبر العملات الرقمية المشفرة، وخاصة عملة USDT، باستخدام محافظ رقمية مجهولة الهوية»، وانتهت تحريات الجهاز إلى «ضبط المشتبه به الرئيسي، وإحالته إلى نيابة النظام العام لاستكمال الإجراءات القانونية، وفقاً للتشريعات النافذة».

كما أفاد الجهاز بأنه «تم تحديد أحد المتعاونين الرئيسيين في الشبكة؛ وهو مصري الجنسية ومتخصص في إنشاء وإدارة الصفحات الوهمية»، مبرزاً أن التحقيقات كشفت عن أن الشبكة الإجرامية «تورطت في غسل ما يقارب 10 ملايين دينار ليبي من عائدات هذه الأنشطة غير المشروعة، عبر قنوات مالية ورقمية متعددة، بهدف إخفاء مصدرها الحقيقي» (الدولار يساوي 6.42 دينار في السوق الرسمية، فيما يصل إلى 8.47 دينار في السوق الموازية).

تستغل الشبكات الإجرامية الدولية في ليبيا حالة الانقسام الأمني وعدم السيطرة الكاملة على المنافذ والحدود المترامية (الشرق الأوسط)

وتجد مثل هذه الشبكات الدولية في ليبيا مناخاً لأنشطتها غير المشروعة، مستغلة حالة الانقسام الأمني والحكومي، وعدم السيطرة الكاملة على المنافذ والحدود المترامية.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، كشف جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب عن تورط عدد من الموظفين بأحد المصارف التجارية العاملة في ارتكاب وقائع اختلاس وتلاعب بالحسابات المصرفية الخاصة بأحد العملاء.

وسبق للنائب العام الصديق الصور تفكيك وضبط عصابات إجرامية دولية، تسللت إلى ليبيا ومارست فيها إجراماً منظماً في 20 سبتمبر (أيلول) 2024، مبرزاً أنها «كونت شبكات وهياكل انخرط فيها مئات المهاجرين غير النظاميين، لتحقيق أغراض مشتركة بين هذه العصابات ومنظمات المافيا النشطة في دول البحر المتوسط».

وأمر النائب العام بحبس مساعد مدير عام «مصرف الصحارى»، ومسؤول إدارة الائتمان في المصرف، وقال، في بيان، الأربعاء: «إنهما أخلّا بقواعد الائتمان المصرفي وضوابطه عند إجازتهما صرف 800 مليون دينار، في صورة ائتمان مُنح لتمويل عمليات إنتاجية واستثمارية دون توافر الضمانات العينية للوفاء به».

وأمرت النيابة العامة بحبس المتهمَيْن احتياطياً على ذمة التحقيق، واستردت 300 مليون دينار من المبالغ الممنوحة بالمخالفة، ومنعت النيابة العامة أيضاً التصرف في بقية الأموال المتتبَّعة، ووجهت بملاحقة بقية المُسهمين.

وسمح الانفلات الأمني، الذي ضرب ليبيا طوال الـ15 عاماً الماضية، بهروب متهمين على ذمة عدد من القضايا من البلاد، وتحدث النائب العام في مؤتمر صحافي سابق عن ملف الهاربين، وسبل تفعيل العقوبات بشأنهم، قائلاً إن النيابة العامة أحالت 137 طلب نشرة حمراء إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، في حين أشارت النيابة إلى أن هذه الإجراءات تستهدف «إنهاء عمليات الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكَبة»، إنصافاً للعدالة وتفعيلاً للقانون.

شكشك خلال لقائه السفير البريطاني لدى ليبيا (ديوان المحاسبة الليبي)

وكان خالد شكشك، رئيس ديوان المحاسبة، قد بحث مع السفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز عدداً من الموضوعات المتعلقة ببناء القدرات المؤسسية وبرامج التعاون الفني، إلى جانب استعراض عدد من المبادرات الهادفة إلى دعم مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز النزاهة والشفافية وتطوير الأداء الرقابي.

وأدرج ديوان المحاسبة اللقاء «في إطار التزامه بتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين، بما يعزز قدراته المؤسسية ويدعم جهوده للنهوض بنظام الرقابة، وتحقيق أعلى معايير النزاهة والشفافية».