إيران تؤكد مقتل لاريجاني وقائد «الباسيج» في ضربة جديدة لهرم القيادة

خامنئي رفض مقترحات لخفض التصعيد

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
TT

إيران تؤكد مقتل لاريجاني وقائد «الباسيج» في ضربة جديدة لهرم القيادة

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

أكدت طهران مقتل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» غلام رضا سليماني، إثر ضربات إسرائيلية، في واحدة من أكثر الضربات حساسية منذ بدء الحرب، ومقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأولى.

ونعت طهران رسمياً ليل الثلاثاء لاريجاني، وتوعّدها المرشد الجديد مجتبى خامنئي بأنه «لن يفلت من العقاب».ويعد غياب لاريجاني محطة مفصلية لكونه وجهاً أساسياً في نظام الحكم منذ عقود، وتنامى دوره خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقبل تأكيد مقتل لاريجاني وسليماني، التزمت طهران الصمت رسمياً حيال مصير الرجلين في الساعات الأولى، واكتفت وسائل إعلامها بنشر رسالة بخط يد لاريجاني، ورسالة من قائد «الباسيج»، من دون الإشارة إلى مقتلهما.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في رسالة تعزية إن مقتل علي لاريجاني ترك «أسى عميقاً»، واصفاً إياه بأنه من الشخصيات البارزة التي خدمت «الجمهورية الإسلامية» في مواقع مختلفة، من بينها البرلمان ومجلس الأمن القومي.

وأضاف أن لاريجاني لعب دوراً مهماً خلال مسيرته السياسية والأمنية، مؤكداً أن غيابه «سيكون من الصعب تعويضه». كما اعتبر أن مقتله جاء نتيجة «الهجمات التي استهدفت إيران»، مشيراً إلى أن نهج «الاستمرار والصمود» سيبقى قائماً رغم خسارته.

وجاء الإعلان الإسرائيلي في وقت رفضت فيه إيران، وفق رواية مسؤول كبير، مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشددة على أن الوقت «ليس مناسباً للسلام» قبل رضوخ واشنطن وإسرائيل.

وتوعدت إسرائيل المرشد الجديد بأنه «لن يفلت من العقاب». وقال المتحدث العسكري إيفي ديفرين في كلمة متلفزة «مجتبى خامنئي... لا نسمعه، ولا نراه، لكن يمكنني أن أقول لكم شيئاً واحداً: سنواصل ملاحقة أي شخص يشكل تهديداً لإسرائيل، ولن يفلت من العقاب، سنتعقبه ونجده ونحيّده».

واتسع الثلاثاء نطاق الضربات المتبادلة بين الطرفين، من طهران وشيراز وتبريز إلى أهداف في إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، بينما بقي مضيق هرمز في صلب المواجهة، مع استمرار إغلاقه العملي وتزايد التداعيات على الطاقة والتجارة العالمية.

ضربة في القلب

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية قتلت علي لاريجاني، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أقوى رجال الدولة في إيران، إلى جانب غلام رضا سليماني قائد «الباسيج» الذراع التعبوية لجهاز «الحرس الثوري».

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه استهداف لاريجاني في غارة قرب طهران استناداً إلى معلومات استخباراتية.

وذهب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك حين وصف لاريجاني بأنه «زعيم عصابة تتولى إدارة إيران فعلياً»، معتبراً أن استهدافه جزء من جهد أوسع لتقويض بنية الحكم في طهران ومنح الإيرانيين «فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم».

ومع أن نتنياهو أقر بأن هذا الهدف «لن يحدث دفعة واحدة، ولن يكون سهلاً»، فإن توصيفه للاريجاني عكس بوضوح قناعة إسرائيلية بأن الرجل كان يتجاوز موقعه الرسمي إلى دور تنسيقي مركزي داخل مؤسسات النظام.

وقد برز اسم لاريجاني خلال الأشهر الأخيرة، ثم بصورة أوضح منذ اندلاع الحرب، بوصفه الشخصية التي تجمع بين النفوذ الأمني والسياسي والقدرة على التعامل مع مراكز القوة المتعددة داخل النظام، من مؤسسات رجال الدين إلى «الحرس الثوري» مروراً بالأجهزة الأمنية والدبلوماسية.

لاريجاني يشارك في مسيرة «يوم القدس» يوم الجمعة الماضي بطهران

وجاء تأكيد مقتل لاريجاني بعد صمت دام ساعات. غير أن هذا الصمت لم يبدُ صمتاً عادياً. فقد بثّت قناة الأخبار في التلفزيون الإيراني رسالة لكل من لاريجاني وغلام رضا سليماني من دون الإشارة إلى أن إسرائيل تقول إنها قتلتهما.

وكانت رسالة لاريجاني، التي انتشرت صورة مخطوطتها في وسائل الإعلام الإيرانية، تكريماً لـ«ذكرى محاربي القوات البحرية للجيش»، فيما كانت رسالة سليماني، رئيس منظمة «الباسيج»، موجهة إلى القائد العام للجيش بمناسبة مراسم الوداع وتشييع المدمرة «دينا» التي ضربت قبالة سواحل سريلانكا .

ونُشر نص الرسالتين في وسائل الإعلام، في خطوة فُهمت على نطاق واسع على أنها محاولة لإظهار استمرار حضورهما أو على الأقل تجنب الإقرار السريع بما أعلنته إسرائيل.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائد «الباسيج» في ضربة دقيقة نُفذت في طهران، معتبراً أن قتله يمثل ضربة إضافية لهياكل القيادة والسيطرة الأمنية في إيران. وقال بعد ذلك إن سلاح الجو بدأ استهداف مقار وعناصر «الباسيج» المنتشرين في أنحاء طهران، قبل أن يعلن لاحقاً قصف أكثر من 10 مواقع لهذه القوات خلال يوم واحد.

وأشار إلى أن هذه الضربات جاءت بعد رصد انتقال نشاط «الباسيج» من مقراته الأصلية إلى مواقع بديلة، بعضها داخل مناطق مدنية في العاصمة. وأضاف أن من بين الأهداف التي ضُربت موقع قيادة طارئ كان يستخدمه «الباسيج» و«الحرس الثوري»، وكان في السابق مجمعاً لنادٍ لكرة القدم.

منظر عام للدمار الذي خلّفه القصف بمجمع «شهيدان إسماعيلي» الرياضي غرب طهران (د.ب.أ)

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال تقييم أمني صباح الثلاثاء، إن الجيش الإسرائيلي يواصل تنفيذ ضربات «بحزم» ضد أهداف متعددة في إيران، مؤكداً أن العمليات الليلية حققت «إنجازات وقائية كبيرة» قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية وأهدافها.

وأضاف زامير أن الضربات لا تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية، بل تستهدف أيضاً عناصر في «الحرس الثوري» وأجهزة القمع التابعة للنظام.

خامنئي يرفض التهدئة

في الأثناء، «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن القيادة الجديدة رفضت مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التصعيد أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

وبحسب هذا المسؤول، فإن مجتبى خامنئي، في أول اجتماع يبحث السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، أبلغ بأن «هذا ليس الوقت المناسب للسلام» قبل أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات.

ولم يوضح المصدر ما إذا كان مجتبى خامنئي حضر الاجتماع شخصياً أم عن بعد، في ظل استمرار الغموض حول وضعه الصحي ومكان وجوده. لكن الرسالة السياسية هنا بدت واضحة؛ لا استعداد لتلقف الوساطات في هذه المرحلة، ولا رغبة في تقديم إشارة ضعف بعد إعلان إسرائيل استهداف أحد أبرز رجال النظام.

غبار ودخان يتصاعدان بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

وتكتسب هذه المعادلة ثقلاً إضافياً إذا أخذ في الاعتبار أن لاريجاني كان يُنظر إليه، قبل إعلان مقتله، بوصفه من أكثر الشخصيات قدرة على لعب دور قناة تفاوض أو مخرج سياسي إذا قررت طهران خوض مسار تفاوضي مع واشنطن.

هذا الرفض لا ينفصل عن التصعيد اللفظي الداخلي. فقد قال محمد باقر قاليباف، في مقابلة تلفزيونية، إن إيران أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد، وإنها اتخذت تدابير لمواجهة محاولات تقويض قدراتها العملياتية، معتبراً أن الحديث الأميركي عن تدمير القدرة الهجومية الإيرانية «لم يعد يُصدّق».

كما أكد امتلاك بلاده مخزوناً كافياً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب القدرة على إنتاجها محلياً بوتيرة أعلى وتكلفة أقل من الصواريخ الاعتراضية لدى الخصوم.

وإلى جانب هذا الخطاب، شددت طهران قبضتها الداخلية عبر التحذير من اضطرابات أربعاء، واعتقال العشرات بتهم التجسس أو إرسال معلومات إلى الخارج، مع التهديد بمصادرة الأموال، بل الإعدام في قضايا التعاون مع «العدو».

في هذه البيئة، يظهر أن رفض التهدئة ليس مجرد رد فعل عاطفي على الاستهداف، بل جزء من معادلة بقاء. فالقيادة الإيرانية، وهي تواجه حرباً خارجية مفتوحة واهتزازاً في قمة هرم السلطة، لا تبدو مستعدة لإعطاء انطباع بالتراجع تحت الضغط.

لكن هذا الموقف يرفع في المقابل تكلفة المواجهة ويجعل أي مخرج سياسي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ثبت فعلاً غياب لاريجاني، أحد الوجوه القليلة القادرة على وصل المتشددين بالبراغماتيين داخل النظام.

استخفاف بالخيارات الوسط

في واشنطن، واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب استخدام لغة تميل إلى تضخيم أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، مع تجنب التورط في تفاصيل مزاعم مقتل المسؤولين الإيرانيين. فقد قال إن الولايات المتحدة «قضت على أسطولهم البحري وقضت على جيشهم في كل جوانبه»، وكرر أن الضربات أزالت معظم القدرات العسكرية الإيرانية إلى جانب التهديد النووي، معتبراً أن إعادة البناء ستستغرق سنوات إذا توقفت الحرب الآن.

وبدا أن ترمب يدرس خيارين، من شأنهما أن يتطلبا عمليات برية، أحدهما متعلق بجزيرة خرج، حيث تمر غالبية صادرات النفط الإيرانية، والآخر بالموقع النووي تحت الأرض في أصفهان، حسبما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز».

ولم يُظهر ترمب ميلاً إلى تسويق الحرب بوصفها مأزقاً أميركياً. بل على العكس، قال إنه لا يخشى تحوّل النزاع إلى حرب شبيهة بفيتنام، وإن ما يجري بالنسبة إليه «مجرد عملية عسكرية». وانتقد «الناتو» مجدداً، معتبراً أن الحلفاء ينبغي أن يشكروه على ضرب إيران، ومشيراً إلى أن امتناعهم عن المساعدة في الملفات الحساسة، وفي مقدمها هرمز، أمر «يجب أن نفكر فيه». كما لمح إلى أن الولايات المتحدة تستطيع التحرك بمفردها إذا لزم الأمر، قائلاً إنها لا تحتاج إلى كثير من المساعدة، «بل لا تحتاج إلى أي مساعدة» فعلياً.

في الملف الإيراني الداخلي، تجنب ترمب التركيز على مزاعم مقتل المسؤولين، لكنه واصل مهاجمة النظام كله. وكرر انتقاد الاتفاق النووي لعام 2015، وادعى أن إيران كانت ستحصل على سلاح نووي لولا انسحابه من الاتفاق، وهو قول يظل موضع نزاع واسع.

طهران تحت القصف

ميدانياً، بدت ليلة الثلاثاء من بين الأشد عنفاً على طهران منذ بداية الحرب. فقد تحدثت تقارير ومشاهدات عن سلسلة انفجارات متزامنة في مناطق واسعة من العاصمة بين نحو الساعة 3:07 و3:11 فجراً، تركزت خصوصاً في الشمال والشمال الشرقي. وأفاد سكان في تجريش ونياوران وباسداران ومناطق مجاورة بسماع انفجارات متتالية ترافقها أصوات طائرات مقاتلة تحلق على ارتفاع منخفض.

وفي شمال طهران، تحدثت تقارير عن انفجارات هزّت فرمانية، وأشارت تقارير إلى استهداف موقع مرتبط بقوات «الباسيج» في محيط كامرانية، حيث تردد الحديث عن 7 إلى 8 ضربات متتالية. وفي الشمال الشرقي، سجلت انفجارات في نارمك وسبلان وتهران بارس ومناطق مجاورة، فيما تحدث سكان عن 4 إلى 6 انفجارات بين 3:08 و3:11 فجراً.

أما في الوسط، فسمعت موجات انفجار في فاطمي ويوسف آباد وأمير آباد، بينما سُجلت في الغرب انفجارات قرب صادقية وستارخان وجنت آباد. وفي الجنوب والجنوب الشرقي، سُمع دوي قوي في شهر ري ومسعودية وخاوران، مع ترجيحات بأن بعض الضربات طالت مناطق صناعية أو لوجستية في أطراف المدينة.

ولم تقتصر الضربات على طهران. ففي كرج، أفيد عن انفجارين قويين قرابة الخامسة صباحاً. وفي كرمانشاه، وردت تقارير عن انفجارين شديدين عند نحو 4:50 فجراً. كما سُمع دوي انفجار في نجف آباد قرب أصفهان، وتحدثت تقارير لاحقة عن انفجارات وتحليق مقاتلات في أصفهان خلال النهار. وفي الجنوب، أفادت معلومات بسماع انفجارات في شيراز هزت عدة أحياء، وفي بندر عباس قرابة 2:50 فجراً.

وتعززت صورة الاستهداف المنهجي مع ما نشره الجيش الإسرائيلي عن غارات استهدفت بنى تحتية للنظام في طهران وشيراز وتبريز. وذكر المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي أن الضربات في طهران طالت مقرات أمنية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع لتخزين وإطلاق المسيّرات والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

وفي شيراز استُهدف، بحسب البيان الإسرائيلي، مقر قيادة الأمن الداخلي وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية، بينما طالت الضربات في تبريز منظومات دفاع جوي «بهدف توسيع التفوق الجوي وإزالة التهديدات».

وقال الجيش الإسرائيلي إن عشرات الطائرات المقاتلة نفّذت يوم الاثنين غارات في 3 مناطق رئيسية داخل إيران، هي طهران وشيراز وتبريز، استناداً إلى معلومات استخباراتية. وقال إن الضربات في طهران استهدفت مراكز قيادة تابعة لأجهزة الأمن الإيرانية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع تُستخدم لتخزين وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

الردّ الإيراني

في المقابل، سعت إيران إلى إظهار أن قدرتها على الردّ لم تتراجع. فقد أعلن الجيش الإيراني استخدام طائرات مسيّرة في هجوم على مراكز أمن تكنولوجي في إسرائيل، إلى جانب مراكز تصنيع أسلحة تابعة لشركة «رافائيل». كما أعلن «الحرس الثوري» تنفيذ موجة جديدة من الصواريخ فجر الثلاثاء، قال إنها استهدفت مواقع في شمال ووسط إسرائيل، من بينها نهاريا وبيت شيمش وتل أبيب والقدس الغربية، فضلاً عن وصفه «قواعد أميركية» في المنطقة.

وبحسب بيان العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري»، استخدمت في الهجمات منظومات «فوق ثقيلة» وصواريخ من طراز «خرمشهر» برؤوس حربية زنة طنين، و«قدر» متعددة الرؤوس، و«فتاح» و«خيبر شكن»، إلى جانب منظومات متوسطة المدى من طراز «فاتح» و«قيام» وطائرات مسيّرة انتحارية. وأكد البيان أن جولة جديدة من العمليات «التأثيرية والموجهة» بدأت منذ الفجر، وأن نتائجها ستُعلن تباعاً.

كما قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن القدرة العملياتية لقاعدة الظفرة الجوية تراجعت «بشكل كبير» بعد استهدافها، مشيراً إلى أن الهجمات شملت أيضاً قاعدة «العديد». وفي السياق نفسه، أعلن قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي أن «خاصرة الاستكبار تُكسر في الشارع والميدان».

هرمز: الممر المغلق

بقي مضيق هرمز محوراً مركزياً في الحرب، ليس من زاوية التهديد العسكري فقط، بل أيضاً من زاوية المأزق الدولي في كيفية التعامل معه. فالمضيق لا يزال مغلقاً إلى حد كبير، وتمر عبره نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وقد أدّى استمرار إغلاقه العملي، مقترناً بهجمات إيرانية على منشآت نفطية في الإمارات، إلى رفع أسعار النفط مجدداً وإحياء المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.

وترتبط أهمية هرمز هذه المرة بعاملين متوازيين: الأول أن إيران تتعامل معه كورقة ضغط استراتيجية مباشرة في مواجهة الحرب، والثاني أن حلفاء واشنطن أظهروا تردداً واضحاً في الانضمام إلى أي ترتيبات عسكرية لإعادة فتحه. فقد دعا ترمب مراراً الدول الحليفة إلى إرسال سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكن أياً منها لم يوافق حتى الآن.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إنه لا بد من إيجاد حلول دبلوماسية لإبقاء المضيق مفتوحاً، مضيفة أنه «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في مضيق هرمز». وأكدت فرنسا أنها غير مستعدة للمشاركة في تأمين المضيق «في الظرف الراهن»، في حين شددت ألمانيا على أن «هذه الحرب لا دخل لها بالناتو»، واستبعدت اليابان وأستراليا وبولندا وإسبانيا واليونان والسويد أي تدخل عسكري.

في الداخل الإيراني، سعى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى تقديم قراءة سياسية للمضيق، تتجاوز البعد العسكري المباشر. فقال إن هرمز «تحول إلى فرصة ذات مخاطرة» في الحرب، معتبراً أن الأميركيين وقعوا في «خطأ استراتيجي» نصبه لهم «الكيان الصهيوني»، وحوّلوا القدرة الكامنة في المضيق إلى ورقة فعلية. وأوضح أن هرمز «لن يعود من الناحية القانونية كما كان في السابق»، في إشارة إلى رغبة طهران في إعادة تعريف قواعد التعامل مع هذا الممر بعد الحرب.

في سياق موازٍ، أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالاً بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وربط صراحة بين اضطراب الملاحة في المضيق وبين الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، معتبراً أنه لا يمكن النظر إلى وضع هرمز بمعزل عن الوضع العام في المنطقة، حسب بيان للخارجية الإيرانية.


مقالات ذات صلة

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يستمر الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

تحليل إخباري 4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير، صهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة بيعها

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مقاتلة تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» في أثناء عبورها بحر العرب (سنتكوم) p-circle

ترمب: اتفاق إيران «غداً» ومضيق هرمز سيفتح فوراً

استبعدت إيران، السبت، توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد» مع الولايات المتحدة خلال 24 ساعة، في تباين مع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق بات أقرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
الاقتصاد أشخاص يسيرون بجوار كشك لبيع الكباب والنقانق في أحد شوارع برلين (رويترز)

«المركزي» الألماني يرجح استمرار ارتفاع الأسعار حتى حال انتهاء حرب إيران

قال محافظ البنك المركزي الألماني، يواخيم ناغل، إنه من المرجح أن تظل الأسعار مرتفعة لفترة طويلة، حتى إذا انتهت حرب إيران قريباً.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
TT

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

وتتعلق العقبة الأولى بتسلسل الخطوات في تنفيذ الاتفاق: هل تفتح إيران المضيق أولاً، أم تخفِّف واشنطن حصارها البحري وتفرج عن بعض الأموال المُجمَّدة؟

طهران تطالب بمكاسب اقتصادية مبكرة، بما في ذلك أموال مجمَّدة وتخفيف للعقوبات، بينما تصرُّ واشنطن على ألا تحصل إيران على فوائد ملموسة قبل تنفيذ التزامات واضحة. هذه النقطة حساسة سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد بشدة أي إفراج مالي مبكِّر لإيران في الاتفاقات السابقة.

أما العقبة الثانية، فهي الملف النووي نفسه. الاتفاق الأولي يكتفي غالباً بتعهُّد عام من إيران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، لكنه لا يحسم مستقبل التخصيب، ولا مصير المخزون العالي التخصيب، ولا آليات التفتيش. وهذا ما يثير خشية من أن تتحوَّل مهلة الـ60 يوماً إلى فرصة لإيران لإعادة ترتيب أوراقها لا إلى مسار تفكيك حقيقي.

العقبة الثالثة تتصل بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء الإقليميِّين. فبحسب مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد واشنطن، يبدو أنَّ الاتفاق يقوم على مقايضة مركزية: فتح «هرمز» مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

لكن سينغ يرى أن الاتفاق على الأرجح لا يعالج برنامج الصواريخ والمسيّرات إلا بصورة محدودة، ولا يتضمَّن أكثر من إعلان نيات بشأن الملف النووي، تاركاً القضايا الأوسع إلى مفاوضات لاحقة.

ويبقى لبنان العقدة الرابعة. فإيران تريد إدخال وقف الحرب هناك ضمن التسوية، بما يشمل «حزب الله» والوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تمنع انهيار الاتفاق من دون أن تظهر كأنها تقيِّد حرية إسرائيل في مواجهة «حزب الله»؟

إسرائيل قلقة من اتفاق ناقص

وتبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في الاتفاق المرتقب. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب على إيران تهدف فقط إلى وقف التصعيد في «هرمز»، بل إلى ضرب البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وربما تغيير ميزان القوة داخل إيران نفسها. لذلك، فإنَّ اتفاقاً يوقف الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف سيبدو في الداخل الإسرائيلي تنازلاً كبيراً.

وقد أبلغ ترمب رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق ما نُقل عن مسؤولين أميركيين، أنَّ الاتفاق قريب، وأنَّ «وقت إنهاء الحرب» قد حان.

لكن القبول الإسرائيلي يبدو اضطرارياً أكثر منه اقتناعاً. فوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، شدَّد على أنَّ إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل منفردة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد أنَّها لن تنسحب تلقائياً من مواقع في لبنان لمجرد أنَّ الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يتضمَّن وقفاً للتصعيد هناك.

ويرى روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في الندوة نفسها، أن لبنان كان الساحة التي حاولت إيران استخدامها لدق إسفين بين واشنطن وتل أبيب، عبر ربط مسار «حزب الله» بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وبحسب تقديره، فإنَّ اتفاقاً محدوداً يقتصر على تمديد وقف النار وحل مسألة «هرمز» سيترك أسئلةً جوهريةً بلا إجابة، وسيُشكِّل مشكلةً سياسيةً وأمنيةً كبرى لنتنياهو.

عراقجي يتسلم رسالةً نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران (الخارجية الإيرانية)

اتفاق لا يحسم جوهر الأزمة

المطروح حتى الآن ليس اتفاقاً شاملاً ينهي أسباب الحرب، بل مذكرة تفاهم تفتح مرحلةً تفاوضيةً جديدةً. فالصيغة المتداولة تقوم على وقف القتال، وإعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة، وتراجع الولايات المتحدة عن حصارها البحري للموانئ والتجارة الإيرانيتَّين، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات تمتد نحو 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة.

وتقول واشنطن إنَّ الاتفاق يجب أن يتضمَّن تعهداً إيرانياً بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع التزام لاحق بتفكيك عناصر البرنامج النووي، والتخلص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. لكن طهران تبدو حريصةً على ترك الملفات النووية الأكثر حساسية إلى المرحلة النهائية، بما يمنحها هامشاً للمناورة. لذلك، فإنَّ التفاؤل بقرب التوقيع لا يعني أنَّ الخلافات انتهت، بل إنَّ الطرفين توصَّلا إلى صيغة تؤجِّل الأصعب.


«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
TT

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا، ورفض التركيز على قضية نزع أسلحة الحزب من جانب واحد، مؤكداً أن الأمر يتطلب تنازلات سياسية شاملة من الدولة.

وبينما يتصاعد النقاش في تركيا بشأن «قانون إطاري» مقترح لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تطلق عليها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، أكد عضو اللجنة التنفيذية في منظومة «المجتمع الكردستاني» (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية، بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لـ«قوات الدفاع الشعبي» (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، أن إطلاق سراح أوجلان والاعتراف القانوني بالهوية الكردية شرطان أساسيان لتحقيق السلام مع تركيا.

شرطان أساسيان

ورفض كارايلان في تصريحات لـ«وكالة أنباء فرات» القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية السبت، فكرة أن يقوم حزب «العمال الكردستاني» بنزع أسلحته من جانب واحد دون تقديم تنازلات سياسية شاملة من جانب الدولة التركية.

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» مراد كارايلان (رويترز)

وقال: «يجب أولاً إطلاق سراح (القائد آبو/ أوجلان)»، لافتاً إلى ضرورة توضيح وضعه، بشكل جذري، قبل إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام؛ لأن أي تسوية جديدة تتطلب أن يتولى دور «المفاوض الرئيسي» والمحاور الأساسي فيها.

وأضاف: «لكي يتم إلقاء السلاح، يجب أن يقود أوجلان بنفسه هذه العملية، أو بعبارة أخرى، يجب أن يكون حراً»، رافضاً في الوقت ذاته التركيز الضيق على عملية نزع السلاح، وحذر من أن الحزب لن يقبل تشريعات تقوم على هذا الأمر فقط.

ولم تقتصر مطالب «العمال الكردستاني»، التي عبر عنها كارايلان، على مصير أوجلان فقط؛ إذ أكد أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية الدولة التركية، مطالباً بالاعتراف القانوني المكتوب بوجود الشعب الكردي ضمن قوانين الجمهورية.

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل بشمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأشار كارايلان إلى أنه إذا أوفت تركيا بالشرطين الأساسيين (تحرير أوجلان والاعتراف القانوني بالأكراد)، فإن حزب «العمال الكردستاني» سينظر حينها في «قانون اندماج ديمقراطي» من شأنه أن يُسهل عملية الحل.

ووصف الوضع الجيوسياسي الراهن بأنه «عملية استثنائية» سيُحدد فيها مصير الشعب الكردي خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى ضرورة صياغة استراتيجية موحدة للفصائل الكردية لمنع القوى الخارجية من فرض مخططات إقليمية غير مرغوب فيها.

ولفت كارايلان إلى تصريحات أوجلان السابقة، التي نقلها وفد «إيمرالي» التابع لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، والتي قال فيها: «لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم الأمر؛ لم نتوصل إلى اتفاق مع أي طرف. إنها عملية نضال».

تحدٍّ للحكومة التركية

وتشكل تصريحات كارايلان تحدياً للحكومة التركية؛ لأن الاعتراف القانوني بالهوية الكردية والإفراج عن شخصية مدانة بتهمة «الخيانة والانفصالية» (أوجلان)، من شأنهما أن يُثيرا ردود فعل داخلية عنيفة، لا سيما من القوميين، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، والتي قد يجري تقديم موعدها لتجرى مبكراً في خريف 2027.

أفادت تقارير باستعجال إردوغان وضع اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام قبل العطلة الصيفية للبرلمان (الرئاسة التركية)

في الوقت ذاته، ذكرت تقارير صحافية تركية أن الرئيس رجب طيب إردوغان أصدر تعليمات بالتحرك لوضع التشريعات الخاصة بعملية «تركيا خالية من الإرهاب» (السلام)، قبل عطلة البرلمان الصيفية التي تبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

وكشفت التقارير نقلاً عن مصادر بالحكومة أن عملية تسليم كهوف وأسلحة حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق قد استؤنفت، وأن اجتماعاً عُقد في سجن «إيمرالي» بين مسؤولين في الحكومة وأوجلان.

وحسب المصادر، فإن اللوائح القانونية المقترحة، التي لا تشمل سوى أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، قد تتحول إلى «عفو عام»؛ نظراً لانتهاكها مبدأ المساواة؛ إذ إنه من المستحيل تجنب قيام المحكمة الدستورية بإلغاء «القانون الإطاري» إذا لم يتم تطبيقه على جميع السجناء، ما يعني إطلاق سراح المدانين بجرائم قتل النساء والاغتصاب، ومرتكبي الاعتداءات على الأطفال، والمحتالين، وأعضاء حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما سيكون أسوأ رسالة يمكن توجيهها قبل الانتخابات.

نزع الأسلحة كأساس

ورداً على مطالبات الجانب الكردي بتسريع وضع «القانون الإطاري»، قال رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إنه لتسريع العملية يتعين على أجهزة الأمن تفعيل آليات رقابة قابلة للقياس والتحقق من نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ثم استكمال العملية بإقرار القوانين اللازمة في البرلمان.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وأضاف كورتولموش، في تصريحات، أن تقدماً أُحرز في العملية، وأن المسألتين اللتين كانتا تشكلان عقبتين أمام «العمال الكردستاني» في عملية إلقاء السلاح قد أُزيلتا، وهما اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وعدم تنفيذ مشروع تسليح «حزب الحياة الحرة الكردستاني» (بيجاك)، للمشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولفت إلى أنه سيعقد لقاء مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، للاستماع مباشرة إلى آخر المستجدات والمعلومات المتوفرة لديه حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني».


في طريقه للخسارة الانتخابية... ما هي خيارات نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

في طريقه للخسارة الانتخابية... ما هي خيارات نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)

يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نفسه أمام خسارة منتظرة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ولا تسعفه استطلاعات الرأي، ولا حتى تلك التي طلبها بنفسه للاطلاع على الأرقام، وهو ما قد يقوده لاتخاذ خطوات أخرى غير مألوفة، من أجل استعادة قوته أو كسب أصوات جديدة في لعبة التحالفات.

وقالت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، إن الاستطلاع المعمق الذي طلبه نتنياهو قبل الانتخابات كشف عن حقيقة قاتمة، وهي أن الائتلاف الحاكم عالق عند 50- 52 مقعداً، من دون أي مؤشر على تجاوز العقبة التي كانت تعيق تقدمه. ومع عدم استعادة المقاعد المفقودة وجمود الجبهات، أصبح وضع رئيس الوزراء حرجاً.

أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)

وحسب الصحيفة، فإن ما رآه نتنياهو هناك هو ما يراه معظم الإسرائيليين في جميع الاستطلاعات الأخرى، وهو أن وضع نتنياهو الحقيقي الآن حرج، ولكنه مستقر، إلا أن الاستقرار في هذه الحالة ليس ميزة؛ بل هو عيب؛ لأنه إذا استمر فسيخسر.

وكتب بن كسبيت في «معاريف» أنه في الوقت الراهن، لا توجد مؤشرات على إمكانية إحداث أي اختراق، كما أن جمود جميع الجبهات لا يبشر بالخير. وقال: «هذا ليس كل شيء. ففي الوقت الراهن، وبافتراض عدم حدوث معجزات أو عجائب، لا توجد أي بوادر (نصر شامل) في أي من القطاعات. إيران تُطلق علينا صواريخ باليستية مجدداً، و(حزب الله) بعيد كل البعد عن الاستسلام، والجيش الإسرائيلي يخسر مقاتلين أسبوعياً في جنوب لبنان، وفي غزة الوضع كالمعتاد: (حماس) تتعافى، وتزداد قوة، وتعيد بناء نفوذها، وبدلاً من أن تُدفن بلا كرامة، تُدفن تحت جبل هائل من الأموال التي تُغدقها عليها إسرائيل على شكل 800 شاحنة يومياً. النصر الشامل الوحيد الذي حققه نتنياهو هو حقيقة لا تُصدَّق، وهي إجراء الانتخابات في موعدها». وأضاف: «لم يعد لديه كثير من الحيل، وحتى العلاقات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تتدهور».

وتساءل بن كسبيت: «ما الذي يمكن لنتنياهو أن يفعله رغم ذلك؟»، وأجاب بأن أمام نتنياهو خيارات لن تنفعه، وكلها ستؤدي إلى انتحاره السياسي.

إسرائيليون يتظاهرون ضد نتنياهو وحكومته في تل أبيب يوم 25 أبريل 2026 (رويترز)

وقال الكاتب والمحلل الإسرائيلي، إن إلغاء الانتخابات التمهيدية (البرايمريز) في الحزب، وتنظيم «قائمة أحلام» خاصة به، كان أحد الخيارات، ولكن هو يعلم أنه إذا أُجريت انتخابات تمهيدية، فستكون «قائمة أحلام مرعبة».

وأضاف: «يمكنه في غمرة يأسه أن يَعِد العرب، في اليوم التالي للانتخابات، بأن إيتمار بن غفير لن يكون وزيراً للأمن القومي، وأن يتوصل معهم إلى اتفاق حول هوية من سيتولى المنصب، بما يشمل الوعود بصرف عشرات المليارات للقضاء على عائلات الجريمة العربية وتطوير الوسط العربي. كل هذا مقابل امتناعهم عن التصويت أثناء أداء حكومة الأقلية التابعة له اليمين الدستورية... نعم، هذا مسموح لنتنياهو. حكومة أقلية، حكومة يكون العرب في داخلها، أو بدعم من العرب من الخارج، سمِّها ما شئت. إذا نشأت الحاجة لذلك».

لكن بن كسبيت يرى أن كل ذلك لن ينفع. وقال: «نتنياهو يقاتل الآن بكل قوته من أجل إجراء الانتخابات في موعدها. لقد ذهب إلى صفقة فاسدة للغاية مع المتدينين المتزمتين (الحريديم)، تكلفنا المليارات وتفكك ما تبقى من قيم الدولة، فقط للحصول على شهر إضافي. وذلك على الرغم من أن الشهر المعني هو شهر أكتوبر (تشرين الأول)، والذي سيكون كله بمثابة ذكرى سنوية ضخمة واحدة لقتلى وضحايا الكارثة الرهيبة التي جلبها نتنياهو. في الأيام العادية، كان نتنياهو مستعداً لتقديم موعد الانتخابات عدة أشهر شريطة ألا تُجرى في أكتوبر... هو يعلم أن انتخابات في أكتوبر بمثابة انتحار، ويدرك تماماً معنى ذلك. ومع ذلك، فهو يسعى نحو أكتوبر بكل قوته (...) وكل هذا يفعله ليحفر لنفسه قبراً انتخابياً في أكتوبر، ويحقق مكسباً لا يتعدى بضعة أسابيع. هذا ليس منطقياً، وهذا ليس نتنياهو المعهود».

كذلك ناقشت القناة «12» الإسرائيلية خيارات نتنياهو. فرأت أن تحالف نتنياهو بدأ في تنظيم صفوفه استعداداً للحملة الانتخابية، ومن بين خياراته، انفصال حزب «أمل جديد» بقيادة وزير الخارجية جدعون ساعر، عن حزب «الليكود».

وقالت القناة إن الخطوة منسقة، وتهدف إلى إحداث انقسام بين الحزبين، ثم إعادة دمجهما لاحقاً في قائمة واحدة.

نتنياهو يلقي كلمة في «الكنيست» (أرشيفية- إ.ب.أ)

وحسب القناة، يهتم نتنياهو بهذه الخطوة لأنه غير قادر على ضم عدد كافٍ من المقاعد إلى القائمة الحالية. وهو غير راضٍ عن القائمة الحالية، ويعتقد أنها تضر بحزب «الليكود». ومن خلال تشكيل قائمة جديدة، سيتمكن من حشد مزيد من المؤيدين له وكسب مقاعد إضافية.

وقالت مراسلة القناة للشؤون السياسية و«الكنيست»، دافنا لئال: «تمنح هذه الخطوة نتنياهو مساحة أكبر للمناورة السياسية قبل الانتخابات. ويُعدُّ الانقسام بين الفصائل جزءاً من جهود رئيس الوزراء لمحاولة استقرار كتلة الائتلاف، وقد يسعى أيضاً، في إطار هذه الخطوة، إلى استقطاب مرشحين من أحزاب أخرى».

وأضافت: «في الوقت نفسه، يعمل نتنياهو على تعزيز العلاقة بين بتسلئيل سموتريتش وعوفر وينتر (عميد الاحتياط الذي يرغب نتنياهو في ضمه لحزب سموترتيش، وتوليته الحزب إذا لزم الأمر لضمان فوز الحزب)، ولكن مصادر سياسية تزعم أن الاتصالات تواجه صعوبات، ويرجع ذلك جزئياً إلى المخاوف من إمكانية استبعاد لاعبين آخرين في الائتلاف من القوائم الانتخابية».

وحسب لئال: «يبدو حالياً أن الأحزاب تتجه نحو الانفصال مقابل تحالف مستقبلي بثمن باهظ. يسعى ساعر إلى تعزيز نفوذه، بينما يطمح نتنياهو إلى تحقيق المرونة التي يعجز عن توفيرها من خلال حزبه. وفي غضون ذلك، تستمر المفاوضات لإعادة تنظيم الكتلة الانتخابية».