عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

وزير الثقافة الجزائري يتحدث عن برنامج الوزارة الثقافي ولايرى ان هناك تراجعا

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي

يبدو أن وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي لم يكن يتوقع منا أن نطرح عليه أسئلة تعكس «سوداوية غير مبررة»، على حد تعبيره، فهو يجد أن الحديث عن تراجع الحياة الثقافية تعبير غير دقيق «ما دامت العشرات من الأسماء الأدبية قد أحدثت نقلة نوعية في شتى أشكال الإبداع الأدبي وأوصلت صوت الجزائر إلى كثير من المحافل العربية»، وأن «المثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز».
هنا لقاء مع وزير الثقافة الجزائري، يتحدث فيه عن برنامج الوزارة الثقافي، وما تحقق منه، وكذلك عن البرامج والخطة الثقافية المستقبلية:

* بداية، ألا تشكل معرفتكم الدقيقة بحكم ماضيكم ككاتب وإعلامي ومسؤول مسؤولية كبيرة في ظل النقائص الكبيرة التي يعاني منها المشهد الثقافي الجزائري الأمر الذي يسبب لكم ضغطا لا تحسدون عليه؟
- في البداية، اسمح لي أن أعبر لكم عن امتناني وشكري لاهتمامكم من قبل صحيفة عالمية الانتشار في قيمة «الشرق الأوسط». وعطفا على سؤالكم فإنني أعتقد أن هناك رغبة قوية من قبل الحكومة الجزائرية لاستكمال برنامج الدولة الثقافي، الذي اشتغل عليه مجموعة من وزراء الثقافة السابقين، وهو البرنامج المستمد من رؤية ثقافية تهدف إلى تأكيد الشخصية الجزائرية بكل ما تحمله من أبعاد تاريخية ومعرفية، ومن ثم الحفاظ على خصوصيتها والتفتح على مختلف الثقافات الإنسانية. وفي الحقيقة نعمل جاهدين على أن نقدم تصورا ثقافيا ضمن إطار يكون في مستوى الحرص الذي يمليه السيد رئيس الجمهورية والاهتمام الذي توليه الحكومة الجزائرية في بلد يملك من التنوع الثقافي والفني بين مختلف أقطاب الساحة الثقافية واتجاهاتها. لكننا قد نتحفظ من وصفكم للنقائص بالكثيرة لأن التنوع والتعدد الذي أشرنا إليه سابقا، يجعل من وجود نقائص في العمل الثقافي أمرا طبيعيا لأن مهمتنا ليست صناعة الثقافة، وإنما تسيير الثقافة وخدمتها. الثقافة عمل وسلوك يومي تشارك وتساهم في صناعته كل مؤسسات الدولة وجميع تشكيلات المجتمع والفرد في تصورنا هو اللبنة الأولى للتنمية الثقافية المستديمة ووزارة الثقافة تعمل على إدارة الشأن الثقافي بالتنسيق والاستشارة مع كل القطاعات التي نراها شريكة في صناعة الساحة الثقافية على غرار التربية والتعليم والسياحة، وكل هذا يتم استنادا إلى مرجعيتنا الدستورية وبالاهتمام الشخصي لرئيس الجمهورية وبمتابعة الوزير الأول.
* ما التصور المبدئي الذي جئتم به للوزارة انطلاقا من معرفتكم القديمة للقطاع كمثقف وكاتب ومسؤول سابق لاتحاد الكتاب؟
- ندرك جيدا أن تشكيل تصور ورؤية شاملة لتسيير قطاع الثقافة في الجزائر يحتاجان إلى تنسيق حكومي متواصل وهو ما يحدث حاليا ذلك أن الدولة وضعت من أولوياتها جعل قطاع الثقافة قطاعا منتجا وفعالا، علاوة على مهام وزارة الثقافة التي تتمثل في تسيير شؤون الثقافة وتحريك الفعل الثقافي، بات من الضروري أن تكون الرؤية مشتركة بين كل القطاعات الشريكة في الحكومة وفي مقدمتها المشتغلون في حقل الإبداع من مسرح وسينما وأدب وفنون تشكيلية ومهتمين بالتراث المادي واللامادي، فرهان المرحلة يقتضي العمل على مساري ترسيخ المكتسب الثقافي والدفع بالاستثمار الخاص ليكون شريكا في وضع صناعة المنتج الثقافي.
* الكثير من المثقفين والإعلاميين يتحدثون عن تراجع الحياة الفكرية والفنية بوجه عام مقارنة بالسبعينات والثمانينات.. ما تعليقكم؟
- أولاً، ما مؤشرات التراجع؟ ثم لنفترض أننا اتفقنا على هذا الأمر، كيف لنا أن نناقش أسبابه ونبحث عن سبل استعادة هذه الحياة الثقافية والإنسانية؟ الجزائر لا توجد في منأى عما يحدث في العالم وهي جزء هام منه تتأثر وتؤثر فيه وتتفاعل مع كل المستجدات التي تحدث هنا وهناك، ثم إن تراجع الحياة الثقافية هل يعني بالضرورة تراجع الثقافة؟
* والجواب؟
- أبدًا. إن الحياة الثقافية هي الجسد الذي يحمل روح الثقافة، ويبدأ هذا الجسد الحياة صغيرا ثم شابا قويا، يمرض ويتعب، لكن هذا لا يعني أبدا أنه يموت، بل تنتقل هذه الروح من جسد إلى آخر، من جيل لآخر، وتاريخ الجزائر الثقافي يؤكد هذا. واسمح لي أن أعود قليلا إلى الوراء لأذكر القارئ العربي أن الحياة الثقافية في الجزائر لم تمت في يوم من الأيام. ففي أعتم مراحل الاستعمار ظلمة ومن أشد زواياه التاريخية حلكة منحت الجزائر الإنسانية أسماء ثقافية بارزة لا تزال إلى اليوم تحرك أسئلة الثقافة وتساهم في تجلياتها منذ «أبوليوس» أول روائي في التاريخ وهو أمازيغي مناوئ للرومان إلى عمر راسم، ومحمد الخضر حسين، ومالك بن نبي، ومفدي زكريا، ومحمد العيد آل خليفة، وحمودة بن الساعي، ورضا حوحو، ومحمد ديب، وكاتب ياسين، ومالك حداد، ومحمد راسم. أذكر هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحسر، فالمجال لا يسمح بذكرها كلها. وعندما ضرب الإرهاب المتوحش الجزائر في مطلع التسعينات، كان يدرك أهمية المثقف في التصدي للظلامية فكان المثقف هدفه الأول وكان من ضحاياه عشرات المثقفين الذين سقطوا على أيدي أعداء الحياة والتسامح. لذلك تجدنا نسعى لاستعادة هذه الحياة الثقافية في بلد لم تتوقف فيه رئة الثقافة عن تنفس هواء الثقافة لحظة واحدة، وكان لسياسة الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة الوطنية الأثر القوي في استعادة الجزائر أمنها واستقرارها، وما كان ذلك ممكنا لولا القراءة العميقة التي أولاها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للمجتمع الجزائري وإدراكه لأهمية تجنيب الأجيال تبعات الأزمة التي كادت تدمر أركان الدولة ومؤسساتها.
* خلافًا لمرحلة حكم الحزب الواحد ورغم التضييق على الحريات السياسية والفكرية مقارنة باليوم، يحن الكثير من المثقفين والصحافيين إلى الماضي القريب الذي برز فيه مفكرون وأدباء ومؤرخون كبار تركوا فراغا كبيرا وعرفت تلك الفترة انفتاحا على العالم العربي، الأمر الذي سمح بزيارة أدباء كبار من أمثال نزار قباني، ومحمود درويش، وأدونيس، وفنانين، خلافًا ليومنا هذا الذي تبدو فيه الجزائر معزولة ثقافيا وأنا شخصيا عايشت الغليان الذي كان قائما كصحافي ومثقف.. ما ردكم؟
- أصر على تحفظي الشديد على مصطلح ضمور، فالوضع لم يصل إلى هذا الحد من السوداوية التي ينظر من خلالها البعض إلى الساحة الثقافية، وإن كانت الجزائر محل اهتمام كتاب وأدباء في وقت سابق فإن الدول العربية اليوم محل اهتمام كتاب وأدباء جزائريين، والمثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز. من المهم جدًا أن نتحدث عن الأسماء التي ذكرت كنقطة تحول كبيرة في مسار الثقافة الجزائرية، لكن لا يمكن أن يحدث التحول الثقافي في أي عصر وفي أي بلد كل سنة أو كل عشر سنوات. تتحدث عن أسماء أدبية وفكرية جاءت في سياق تحول إنساني عميق وهي نتاج واقع فكري وثقافي جزائري امتد لعشرات السنين بدءًا من أبي اليقظان، والسعيد الزاهري، ومحمد راسم، وبن باديس، وبن سماية، والأمير خالد، ورمضان حمود، وغيرهم ممن ساهم في استعادة الوعي الجزائري من سجن الاحتلال في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها قاسية، ومثلما استلزمت المرحلة التاريخية اليوم وجود هذه التعددية السياسية والفكرية التي نعتقد أنها شكلت صدمة روحية إيجابية ما زلنا نحتاج إلى وقت كي نعبر فيه إلى مرحلة التعايش، وهذا لا يتم إلا من خلال الثقافة التي من شأنها أن تخفف هذه الصدمة.
ومن جانب آخر، لا أفهم لماذا يتوقف السؤال عند جيل الركيبي ودودو وغيرهما، بينما يلغي تماما المساهمات الثقافية والإبداعية لواسيني الحائز على جوائز عربية عدة منها الشيخ زايد وكتارا وأحلام مستغانمي الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للرواية وعياش يحياوي الحائز على جائزة العويس وفضيلة الفاروق وحرز الله وسمير قاسمي والخير شوار وأسماء أخرى مثل جوادي وحمدي ومفلاح وحمري وأزراج الحائز على جائزة اللوتس وعامر وفاسي والزاوي وزتيلي ومنور وشكيل وبلحسن وجلطي والأعرج وبوشحيط ووبوجادي وفلوس وفني وحديبي ومرياش وميلود حكيم وطاهوري وبن خليفة وأسماء ذات أداء قوي نال كثير منها جوائز عربية ودولية أمثال دحية وصديقي وظريف وإسماعيل يبرير والراحل مالك بوذيبة، وأخرى صاعدة بقوة تنبئ بمهارات إبداعية عالية وبشهادات نقاد وقارئين جيدين للمشهد الثقافي العربي. لم يقتصر التفوق على الأدب، وطال السينما والمسرح والتشكيل وعليه نحن مطمئنون لمستقبل الثقافة الجزائرية بتنوعها اللغوي خاصة ما اتصل باللغة الأمازيغية، حيث بدأت ملامح المنجز الأدبي والسينمائي والمسرحي تظهر جليا وتؤكد حضورها الوطني، إذ تمت ترجمة رواية أحلام مستغانمي «الأسود يليق بك» للأمازيغية وأعمال أخرى في خطوة لتعزيز مكانتها في الساحة الثقافية الجزائرية، وبالتالي فلا جدوى من تجزئة حركة الثقافة الجزائرية. بعيدا عن المجايلة في الثقافة الجزائرية، لا يمكن القفز على المرحلة الأكثر سوادًا في حياة الجزائر المستقلة، وهي التي سعى فيها الإرهاب إلى تدمير ركائز الدولة وكتم أنفاس الكتاب والصحافيين، إذ إن الطاهر جاووت، ويوسف سبتي، وبختي بن عودة، وعبد القادر علولة، وسعيد مقبل، وعز الدين مجوبي، وجمال الدين زعيتر، وحسني شقرون، ومحمد الصالح باوية، والهادي فليسي، وغيرهم من الذين امتدت إليهم يد الغدر والإرهاب كانوا في جبهة الفكر التنويري لمقاومة الفكر التدميري، وبالتالي لا يمكن تجاوز كل هذه التحولات بأسئلة تمجد مرحلة وتلغي مراحل.
* التكوين الذي كان قائما حتى وقت غير بعيد تسبب هو الآخر في تراجع الحياة الفنية بشقيها المسرحي والسينمائي، والمواهب الكثيرة التي برزت في السنوات الأخيرة ليست في مستوى تقنيات وموجات الإبداع المعاصر وورثت من الجيل السابق الخطاب السياسي، وهذا ما لاحظه نقاد عرب وأجانب أعجبوا بقدرات الكثير من الفنانين الجزائريين في أكثر من مهرجان عربي وفي مهرجان قرطاج المسرحي بوجه خاص.. ما تعليقكم؟
- أنت تتحدث عن تراجع ثم عن إعجاب ومع هذا أعود لأؤكد لك أن وزارة الثقافة لا تصنع الثقافة، إنما تسيرها، وإن كان الهدف الأسمى هو الإصلاح الثقافي وصناعة الثقافة الحديثة لا يستلزم أبدا إنشاء معاهد لتكوين الشعراء والأدباء والفنانين.
* هذا تأويلكم للتقدم، سيادة الوزير، وأنا أحترمه.. والدليل على أن حديثي عن التراجع لا يشمل الأدب لخصوصيته الإبداعية القائمة على الموهبة الإنسانية بالأساس، إيماني بقدرات العشرات من الكتاب الشبان غير المعروفين بالقدر الكافي في الخارج بسبب غياب استراتيجية ثقافية مدروسة تمكن من إيصال الصوت الجزائري الفكري والأدبي في الخارج على مدار العام وليس فقط بمناسبة المهرجانات والمعارض التي تبرز فيها الأسماء الكبيرة، وحتى توزيع الكتاب غير مهيكل داخليا مهنيا ولا يكشف عن توجهات وميول واهتمامات القراء؟
- سؤالكم على قدر كبير من الأهمية، واللغة لم تكن في يوم من الأيام حاجزا أمام التعايش الثقافي، سواء داخل حيز ثقافي واحد أو بين أكثر من حيز. نعتبر في وزارة الثقافة أن التعدد اللغوي ظاهرة صحية وضرورية، وأن هذا النقاش والحراك الحاصل أمر طبيعي جدا، ولذلك تجدنا نعمل على السير بهذا الاختلاف نحو التكامل الذي يمنح الإضافة اللازمة للشخصية الثقافية الجزائرية المتنوعة. من هنا، فإننا نهيب بكل المثقفين والكتاب الجزائريين، بغض النظر عن توجهاتهم، أن يساهموا في هذا المسعى. أما الخلافات الآيديولوجية المرتكزة أساسا على خلافات سياسية جوهرية فهي لا تعنينا تماما، لكننا نسعى من خلال الفعل الثقافي الرزين والهادئ والطموح إلى أن نجمع بين كل اتجاهات الثقافة بكل محمولاتها معتقدين أن أي نقاش ثقافي يحدث هو إضافة لسياسة البلد الثقافية. أما الحديث عن وجود طلاق وانغلاق ففيه كثير من المغالاة وأنتم بحاجة إلى إعادة تحميض الصورة.
* كيف ذلك علمًا بأن المثقفين المعربين والمفرنسين الذين يتواصلون مع بعضهم البعض لا يكاد يذكر ويتوقف على بعض الكتاب المعروفين من أمثال واسيني والزاوي وبوجدرة وأن كل جناح مخندق في جبهته والمعرب لا يقرأ للمفرنس والعكس صحيح؟
- هذه الصورة التي تعطونها وأنتم في باريس.
* أخيرًا كيف بقيتم تكتبون رغم انشغالاتكم كوزير؟
- أصر على أن الكتابة التزام مني تجاه القارئ وتجاه نفسي، ولم أكن في يوم من الأيام متفرغًا للكتابة، لكنني أبذل جهدًا إضافيًا على حساب العائلة والأصدقاء لأكتب.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.