العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

الجسم البشري يمكن أن يملك أكثر من «جينوم» واحد

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان
TT

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

في الصفوف الدراسية في علم الأحياء وفي العلوم ألأخرى جرى إبلاغنا مرارا وتكرارا، بأن خريطتنا الوراثية (الجينوم) تقع في قلب هويتنا وشخصيتنا. لذا فما علينا إلا قراءة التسلسل الجيني في الكرموسومات في أي خلية، للاطلاع على كل المعلومات الخاصة بجينات الإنسان. وكما تقول شركة «23 أند مي» 23andme، الشركة البارزة في مجال اختبار الجينات على موقعها على الشبكة، بأنه «كلما علمت المزيد عن حمضك النووي، عرفت نفسك أكثر».

وفرة جينية متنوعة
لكن العلماء باتوا يكتشفون إلى درجة مدهشة تقريبا بأننا نحتوي على وفرة كبيرة من الجينات. كان الباحثون يرددون منذ فترة طويلة، أن من النادر أن تكون الخلايا في شخص سليم تختلف من الناحية الجينية بشكل كبير. بيد أن العلماء شرعوا يكتشفون أنه من العادي جدا أن يمتلك الفرد كثيرا من «الجينومات». وبعض الأفراد على سبيل المثال يمتلكون مجموعات من الخلايا بتشوهات وتحولات لا تجدها في بقية أنحاء الجسم، بينما يمتلك البعض الآخر جينومات مصدرها أشخاص آخرون.
«كانت هنالك همسات حول ذلك منذ سنوات، وحتى عقود، ولكنها كانت كلها على سبيل الافتراض»، كما يقول ألكسندر أوروبان عالم الوراثة في جامعة ستانفورد في أميركا.
لكن جاءت أخيرا سلسلة من التقارير التي صدرت عن أوروبان وغيره تقول إن مثل هذه الهمسات ليست افتراضية فحسب، بل إن الاختلافات في الجينومات الموجودة في شخص ما، هي من السعة والشمول بحيث لا يمكن إنكارها. «نحن نعرف أنها موجودة هناك، ونحن في سبيلنا إلى وضع خريطة لمثل هذه القارة الجديدة»، يضيف أوريان.
وكتب الدكتور جيمس لوبسكي الخبير البارز في الجينوم البشري في كلية بايلور للطب في مجلة «ساينس» أن وجود الجينومات المتعددة في شخص بشري سيكون له أثره الكبير على ممارسة الطب، «لأنه يغير أسلوب التفكير».
ووجد العلماء روابط بين كثير من الجينومات، وأنواع نادرة من الأمراض، وشرعوا حاليا في التحقق من هذه الاختلافات الجينية، بغية تسليط الضوء على المزيد من حالات الاضطرابات الصحية الشائعة.
وهذا التغيير بالنظرة العلمية شرع يثير أيضا تساؤلات حول كيفية قيام علماء الطب الشرعي باستخدام الحمض النووي للتعرف على الأشخاص. كما وضع تحديات أمام المستشارين في علم الوراثة الذين لا يستطيعون الافتراض أن المعلومات الجينية المستخلصة من إحدى الخلايا، يمكنها أن تعلمهم كثيرا حول الحمض النووي لأجسام الأشخاص.

الخريطة الجينية الأصلية
عندما تتحد النطفة والبويضة لتكوين الحمض النووي لهؤلاء الأفراد، فإن الجينوم الذي ينتجه الاثنان يتضمن جميع المعلومات الضرورية لتشييد جسم بشري جديد. وعندما تنقسم البويضة لتشكل الجنين، فإنها تنتج نسخا جديدة من الجينوم الأصلي.
ولعقود من السنين أجرى اختصاصيو علم الوراثة بحوثا واكتشافات حول كيفية قيام الجنين باستخدام هذه التعليمات والإرشادات الموجودة في جينوم واحد لتطوير العضلات والأعصاب والأجزاء الأخرى من الجسم البشري. كذلك استخدموا عملية الكشف عن التسلسل لفهم الاختلافات الجينية التي قد تثير مخاطر الإصابة ببعض الأمراض المعينة. وبذلك يمكن لهؤلاء الاختصاصيين النظر إلى نتائج الفحوصات والاختبارات لمساعدة المرضى وعائلاتهم في التعامل مع هذه الأمراض عن طريق تغيير نظامهم الغذائي مثلا، إذا كان ينقصهم جين معين يفرز إنزيما معينا.
وكانت تكلفة الحصول على سلسلة جينوم برمته قد تدنت بشكل كبير خلال السنوات العشرين الماضية، لتصبح بضعة آلاف الدولارات فقط من أصل ثلاثة مليارات دولار تكلفة أولى المحاولات السابقة، التي تشاركت كلها لمعرفة تسلسل الجينوم البشري. وبذلك يجري التعرف على الروابط وتحديد علاقاتها بالتشوهات والأمراض التي لم تكن معروفة سابقا.
وتعتمد كل هذه الاختبارات القوية على فرضية وجود جينوم محدد واحد. واعتقد العلماء أنهم قادرون على النظر إلى الجينوم من الخلايا التي تستخلص من مسحة من بطانة الخد داخل الفم ليتمكنوا من معرفة جينومات الخلايا في الدماغ، أو الكبد، أو أي جزء آخر من الجسم.
تخالط جيني
لكن منذ أواسط بدايات الأعوام الأولى من القرن العشرين أخذ العلماء يتلقون إشارات وأدلة بأن هذا الأمر ليس صحيحا دوما. وفي عام 1953 مثلا قامت امرأة بريطانية بالتبرع بنصف لتر من الدم. وتبين لاحقا أن بعض هذا الدم كان من نوع «أو» O والآخر من نوع «إيه» A. وتوصل العلماء الذين درسوا حالتها، إلى أنها اكتسبت بعض دمها هذا من أخيها التوأم في رحم أمها، بما في ذلك بعض جينوماته الموجودة في خلايا دمه.
وبدا أن مثل هذه «الخيمرية» Chimerism (في الميثولوجيا الإغريقية، الكيمر أو الخيمر Chimera هو كائن أو وحش خرافي) التي باتت تعرف بها مثل هذه الحالات لسنوات طوال، أنها من الأشياء النادرة. لكنها قد تكون من الأمور الشائعة، وفقا إلى الدكتورة ليندا راندولف الطبيبة في مستشفى الأطفال في لوس أنجليس، التي كتبت مراجعة عن «الخيمرية» في يوليو (تموز) الماضي نشرت في مجلة «أميركان جورنال أوف ميديكال جينيتكس».
وقد ينتهي التوائم بالحصول على دم مختلط لدى تلقيهم التغذية في رحم أمهاتهم عن طريق المجموعة ذاتها من الأوعية الدموية. وفي حالات أخرى قد تندمج البويضتان المخصبتان سويا، لتستمر هاتان «الخيمريتان الجنينيان» طوال حياتهما المقبلة غير عارفتين بأصلهما.
وقد اكتشفت إحدى النساء أنها «خيمرية» وهي في عمر 52 سنة، وكانت بحاجة إلى زرع كلى بعد إخضاعها للفحوصات لإيجاد شخص مطابق لها. وأظهرت النتائج أنها ليست - من الناحية الجينية كما يبدو - والدة أطفالها البيولوجيين الثلاثة، وأنها كانت وليدة جينومين مختلفين، أحدهما كان وراء تكوين دمها وبعض من بويضاتها، بينما حملت البويضات الأخرى جينوما منفصلا!

نساء بجينات أبنائهن
وبمقدور النساء أيضا اكتساب جينومات من أطفالهن. فبعد ولادة الطفل قد يترك وراءه بعض الخلايا الجنينية في جسد والدته التي قد تنتقل إلى الأعضاء الأخرى المختلفة، حيث يجري امتصاصها في نسيجها. وبذلك فإن من المحتمل جدا، وفقا إلى الدكتور راندولف، أن تكون أي امرأة كانت قد حملت - «خيمرية».
وهكذا شرع العلماء بالبحث منهجيا عن «الخيمريين» بدلا من انتظار اكتشافهم صدفة خلال الفحوص الطبية. وهم موجودون في قسم كبير من أفراد الجمهور، ففي العام الماضي أجرى العلماء الكنديون عمليات تشريح في أدمغة 59 امرأة ميتة، ووجدوا خلايا عصبية بـ«الكرموسومات» من نوع «واي» Y الذكرية في 63% منهن. ويبدو أن الخلايا هذه تطورت من خلايا يرجع أصلها إلى أولادهن.
وأفادت أوجين دهموليا من معهد «دانا - فاربر» للسرطان في بوسطن وزملاؤها في تقرير نشر في «ذي إنترناشيونال جورنال أوف كانسر» في أغسطس (آب) الماضي أن الخلايا الذكرية يمكنها أن تخترق نسيج الثدي لدى النساء. فلدى البحث عن «كرموسومات» Y في عينات مأخوذة من نسيج الثدي، وجدوها في 56% من النساء اللواتي خضعن للفحوصات.
وقبل قرن مضى اكتشف اختصاصيو علم الوراثة أسلوبا يكتسب الأشخاص من خلاله جينومات جديدة. فقد كانوا يدرسون «الحيوانات الفسيفسائية -mosaic animals »، وهي مخلوقات نادرة برقع ملونة غريبة من الفرو. ولم ترث هذه الحيوانات هذه الجينات من آبائها وأمهاتها، بل اكتسبتها عندما كانت لا تزال أجنة على شكل تشوهات في الخلايا الجلدية التي تنقسم لإنتاج الرقع الملونة هذه. وتعرف هذه الحالة بـ«الموزائيكية» mosaicism التي كان من الصعب دراستها في البشر قبل مجيء عصر سلسلة الحمض النووي. لكن في عام 1960 وجد الباحثون نوعا من سرطان الدم (اللوكيميا) يحدث نتيجة هذا «الموزائيكية» عندما تتشوه الخلية الدموية وتتمسخ ذاتيا لدى انقسامها، ناقلة كتلة كبيرة من الكرموسوم إلى الخلية الأخرى.
ودعمت الدراسات اللاحقة فكرة أن السرطان هو نتيجة التشوهات في خلايا محددة. لكن العلماء كانوا يملكون معلومات قليلة عن مسؤولية «الموزائيكية» في الإصابة بالسرطان.
وأظهرت الاكتشافات الأخيرة بوضوح أن «الموزائيكية» هي حالة شائعة، حتى بين الخلايا السليمة. فقد قام الدكتور أربان ورفاقه على سبيل المثال بالتحقق عن التمسخ في الخلايا التي تدعى الخلايا الليفية الموجودة عادة في الأنسجة الضامة. وبحثوا بشكل خاص عن حالات عندما تكون مقاطع من الحمض النووي مكررة أو ملغاة. وتبين أن 30% من تلك الخلايا الليفية تحمل في طياتها واحدة على الأقل من هذا التمسخ. والآن شرع العلماء يعترفون بمدى شيوع «الخميرية» و«الموزائيكية» وتأثيراتهما على الصحة العامة.
ويقول الدكتور والش الطبيب الأخصائي بالجينات في مستشفى بوسطن إنه من مأمون الكلام القول إن نسبة كبيرة من هذه التمسخات هي حميدة، فقد دلت الدراسات الأخيرة على «الخيمرية» أن مثل هذه الجينومات الإضافية قد تكون مفيدة، إذ تقوم الخلايا الخيمرية من الأجنة على سبيل المثال بالبحث عن الأنسجة التالفة وترممها.
لكن العلماء اكتشفوا أيضا حالات عندما تقوم التمسخات في خلايا معينة بالمساعدة على تطور أمراض غير السرطان، فقد درس الدكتور والش حالة اضطراب عقلي لدى طفل تسمى «كبر حجم الدماغ غير الطبيعي» hemimegalencephaly، عندما ينمو أحد جانبي الدماغ أكثر من الجانب الآخر، مما يؤدي إلى أزمات مرضية مدمرة. فقد عثر الدكتور والش بعد إزالته نصف دماغ الطفل على خلايا عصبية ممسوخة من قبل أحد جيناتها التي تتحكم بنمو الخلايا العصبية. وبذلك يمكن التعرف على آلية الأمراض على حد قوله.
ومن شأن عمليات زرع النخاع الشوكي إرباك علماء التشريح. فقد قام الباحثون في الجامعة الطبية النمساوية في إنسبروغ بأخذ مسحات من لعاب 77 شخصا تلقوا مثل هذا الزرع، قبل تسع سنوات. وعثروا على نسبة 74% من العينات على مزيج من الجينوم، منها ما يعود إلى الأصل، ومنها يعود إلى أولئك المتبرعين. فالخلايا الجذعية المزروعة لم تحل محل خلايا الدم فحسب، بل تحولت إلى خلايا أيضا في بطانة الخد. وهذا يفسر أيضا أن علماء الطب الشرعي في ولاية واشنطن في أميركا تحيروا من أن عينات اللعاب والسائل المنوي المأخوذة من بعض مرتكبي الاعتداءات الجنسية لم تتطابق مع الجينات المحددة لهوياتهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»



نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».