العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

الجسم البشري يمكن أن يملك أكثر من «جينوم» واحد

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان
TT

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

في الصفوف الدراسية في علم الأحياء وفي العلوم ألأخرى جرى إبلاغنا مرارا وتكرارا، بأن خريطتنا الوراثية (الجينوم) تقع في قلب هويتنا وشخصيتنا. لذا فما علينا إلا قراءة التسلسل الجيني في الكرموسومات في أي خلية، للاطلاع على كل المعلومات الخاصة بجينات الإنسان. وكما تقول شركة «23 أند مي» 23andme، الشركة البارزة في مجال اختبار الجينات على موقعها على الشبكة، بأنه «كلما علمت المزيد عن حمضك النووي، عرفت نفسك أكثر».

وفرة جينية متنوعة
لكن العلماء باتوا يكتشفون إلى درجة مدهشة تقريبا بأننا نحتوي على وفرة كبيرة من الجينات. كان الباحثون يرددون منذ فترة طويلة، أن من النادر أن تكون الخلايا في شخص سليم تختلف من الناحية الجينية بشكل كبير. بيد أن العلماء شرعوا يكتشفون أنه من العادي جدا أن يمتلك الفرد كثيرا من «الجينومات». وبعض الأفراد على سبيل المثال يمتلكون مجموعات من الخلايا بتشوهات وتحولات لا تجدها في بقية أنحاء الجسم، بينما يمتلك البعض الآخر جينومات مصدرها أشخاص آخرون.
«كانت هنالك همسات حول ذلك منذ سنوات، وحتى عقود، ولكنها كانت كلها على سبيل الافتراض»، كما يقول ألكسندر أوروبان عالم الوراثة في جامعة ستانفورد في أميركا.
لكن جاءت أخيرا سلسلة من التقارير التي صدرت عن أوروبان وغيره تقول إن مثل هذه الهمسات ليست افتراضية فحسب، بل إن الاختلافات في الجينومات الموجودة في شخص ما، هي من السعة والشمول بحيث لا يمكن إنكارها. «نحن نعرف أنها موجودة هناك، ونحن في سبيلنا إلى وضع خريطة لمثل هذه القارة الجديدة»، يضيف أوريان.
وكتب الدكتور جيمس لوبسكي الخبير البارز في الجينوم البشري في كلية بايلور للطب في مجلة «ساينس» أن وجود الجينومات المتعددة في شخص بشري سيكون له أثره الكبير على ممارسة الطب، «لأنه يغير أسلوب التفكير».
ووجد العلماء روابط بين كثير من الجينومات، وأنواع نادرة من الأمراض، وشرعوا حاليا في التحقق من هذه الاختلافات الجينية، بغية تسليط الضوء على المزيد من حالات الاضطرابات الصحية الشائعة.
وهذا التغيير بالنظرة العلمية شرع يثير أيضا تساؤلات حول كيفية قيام علماء الطب الشرعي باستخدام الحمض النووي للتعرف على الأشخاص. كما وضع تحديات أمام المستشارين في علم الوراثة الذين لا يستطيعون الافتراض أن المعلومات الجينية المستخلصة من إحدى الخلايا، يمكنها أن تعلمهم كثيرا حول الحمض النووي لأجسام الأشخاص.

الخريطة الجينية الأصلية
عندما تتحد النطفة والبويضة لتكوين الحمض النووي لهؤلاء الأفراد، فإن الجينوم الذي ينتجه الاثنان يتضمن جميع المعلومات الضرورية لتشييد جسم بشري جديد. وعندما تنقسم البويضة لتشكل الجنين، فإنها تنتج نسخا جديدة من الجينوم الأصلي.
ولعقود من السنين أجرى اختصاصيو علم الوراثة بحوثا واكتشافات حول كيفية قيام الجنين باستخدام هذه التعليمات والإرشادات الموجودة في جينوم واحد لتطوير العضلات والأعصاب والأجزاء الأخرى من الجسم البشري. كذلك استخدموا عملية الكشف عن التسلسل لفهم الاختلافات الجينية التي قد تثير مخاطر الإصابة ببعض الأمراض المعينة. وبذلك يمكن لهؤلاء الاختصاصيين النظر إلى نتائج الفحوصات والاختبارات لمساعدة المرضى وعائلاتهم في التعامل مع هذه الأمراض عن طريق تغيير نظامهم الغذائي مثلا، إذا كان ينقصهم جين معين يفرز إنزيما معينا.
وكانت تكلفة الحصول على سلسلة جينوم برمته قد تدنت بشكل كبير خلال السنوات العشرين الماضية، لتصبح بضعة آلاف الدولارات فقط من أصل ثلاثة مليارات دولار تكلفة أولى المحاولات السابقة، التي تشاركت كلها لمعرفة تسلسل الجينوم البشري. وبذلك يجري التعرف على الروابط وتحديد علاقاتها بالتشوهات والأمراض التي لم تكن معروفة سابقا.
وتعتمد كل هذه الاختبارات القوية على فرضية وجود جينوم محدد واحد. واعتقد العلماء أنهم قادرون على النظر إلى الجينوم من الخلايا التي تستخلص من مسحة من بطانة الخد داخل الفم ليتمكنوا من معرفة جينومات الخلايا في الدماغ، أو الكبد، أو أي جزء آخر من الجسم.
تخالط جيني
لكن منذ أواسط بدايات الأعوام الأولى من القرن العشرين أخذ العلماء يتلقون إشارات وأدلة بأن هذا الأمر ليس صحيحا دوما. وفي عام 1953 مثلا قامت امرأة بريطانية بالتبرع بنصف لتر من الدم. وتبين لاحقا أن بعض هذا الدم كان من نوع «أو» O والآخر من نوع «إيه» A. وتوصل العلماء الذين درسوا حالتها، إلى أنها اكتسبت بعض دمها هذا من أخيها التوأم في رحم أمها، بما في ذلك بعض جينوماته الموجودة في خلايا دمه.
وبدا أن مثل هذه «الخيمرية» Chimerism (في الميثولوجيا الإغريقية، الكيمر أو الخيمر Chimera هو كائن أو وحش خرافي) التي باتت تعرف بها مثل هذه الحالات لسنوات طوال، أنها من الأشياء النادرة. لكنها قد تكون من الأمور الشائعة، وفقا إلى الدكتورة ليندا راندولف الطبيبة في مستشفى الأطفال في لوس أنجليس، التي كتبت مراجعة عن «الخيمرية» في يوليو (تموز) الماضي نشرت في مجلة «أميركان جورنال أوف ميديكال جينيتكس».
وقد ينتهي التوائم بالحصول على دم مختلط لدى تلقيهم التغذية في رحم أمهاتهم عن طريق المجموعة ذاتها من الأوعية الدموية. وفي حالات أخرى قد تندمج البويضتان المخصبتان سويا، لتستمر هاتان «الخيمريتان الجنينيان» طوال حياتهما المقبلة غير عارفتين بأصلهما.
وقد اكتشفت إحدى النساء أنها «خيمرية» وهي في عمر 52 سنة، وكانت بحاجة إلى زرع كلى بعد إخضاعها للفحوصات لإيجاد شخص مطابق لها. وأظهرت النتائج أنها ليست - من الناحية الجينية كما يبدو - والدة أطفالها البيولوجيين الثلاثة، وأنها كانت وليدة جينومين مختلفين، أحدهما كان وراء تكوين دمها وبعض من بويضاتها، بينما حملت البويضات الأخرى جينوما منفصلا!

نساء بجينات أبنائهن
وبمقدور النساء أيضا اكتساب جينومات من أطفالهن. فبعد ولادة الطفل قد يترك وراءه بعض الخلايا الجنينية في جسد والدته التي قد تنتقل إلى الأعضاء الأخرى المختلفة، حيث يجري امتصاصها في نسيجها. وبذلك فإن من المحتمل جدا، وفقا إلى الدكتور راندولف، أن تكون أي امرأة كانت قد حملت - «خيمرية».
وهكذا شرع العلماء بالبحث منهجيا عن «الخيمريين» بدلا من انتظار اكتشافهم صدفة خلال الفحوص الطبية. وهم موجودون في قسم كبير من أفراد الجمهور، ففي العام الماضي أجرى العلماء الكنديون عمليات تشريح في أدمغة 59 امرأة ميتة، ووجدوا خلايا عصبية بـ«الكرموسومات» من نوع «واي» Y الذكرية في 63% منهن. ويبدو أن الخلايا هذه تطورت من خلايا يرجع أصلها إلى أولادهن.
وأفادت أوجين دهموليا من معهد «دانا - فاربر» للسرطان في بوسطن وزملاؤها في تقرير نشر في «ذي إنترناشيونال جورنال أوف كانسر» في أغسطس (آب) الماضي أن الخلايا الذكرية يمكنها أن تخترق نسيج الثدي لدى النساء. فلدى البحث عن «كرموسومات» Y في عينات مأخوذة من نسيج الثدي، وجدوها في 56% من النساء اللواتي خضعن للفحوصات.
وقبل قرن مضى اكتشف اختصاصيو علم الوراثة أسلوبا يكتسب الأشخاص من خلاله جينومات جديدة. فقد كانوا يدرسون «الحيوانات الفسيفسائية -mosaic animals »، وهي مخلوقات نادرة برقع ملونة غريبة من الفرو. ولم ترث هذه الحيوانات هذه الجينات من آبائها وأمهاتها، بل اكتسبتها عندما كانت لا تزال أجنة على شكل تشوهات في الخلايا الجلدية التي تنقسم لإنتاج الرقع الملونة هذه. وتعرف هذه الحالة بـ«الموزائيكية» mosaicism التي كان من الصعب دراستها في البشر قبل مجيء عصر سلسلة الحمض النووي. لكن في عام 1960 وجد الباحثون نوعا من سرطان الدم (اللوكيميا) يحدث نتيجة هذا «الموزائيكية» عندما تتشوه الخلية الدموية وتتمسخ ذاتيا لدى انقسامها، ناقلة كتلة كبيرة من الكرموسوم إلى الخلية الأخرى.
ودعمت الدراسات اللاحقة فكرة أن السرطان هو نتيجة التشوهات في خلايا محددة. لكن العلماء كانوا يملكون معلومات قليلة عن مسؤولية «الموزائيكية» في الإصابة بالسرطان.
وأظهرت الاكتشافات الأخيرة بوضوح أن «الموزائيكية» هي حالة شائعة، حتى بين الخلايا السليمة. فقد قام الدكتور أربان ورفاقه على سبيل المثال بالتحقق عن التمسخ في الخلايا التي تدعى الخلايا الليفية الموجودة عادة في الأنسجة الضامة. وبحثوا بشكل خاص عن حالات عندما تكون مقاطع من الحمض النووي مكررة أو ملغاة. وتبين أن 30% من تلك الخلايا الليفية تحمل في طياتها واحدة على الأقل من هذا التمسخ. والآن شرع العلماء يعترفون بمدى شيوع «الخميرية» و«الموزائيكية» وتأثيراتهما على الصحة العامة.
ويقول الدكتور والش الطبيب الأخصائي بالجينات في مستشفى بوسطن إنه من مأمون الكلام القول إن نسبة كبيرة من هذه التمسخات هي حميدة، فقد دلت الدراسات الأخيرة على «الخيمرية» أن مثل هذه الجينومات الإضافية قد تكون مفيدة، إذ تقوم الخلايا الخيمرية من الأجنة على سبيل المثال بالبحث عن الأنسجة التالفة وترممها.
لكن العلماء اكتشفوا أيضا حالات عندما تقوم التمسخات في خلايا معينة بالمساعدة على تطور أمراض غير السرطان، فقد درس الدكتور والش حالة اضطراب عقلي لدى طفل تسمى «كبر حجم الدماغ غير الطبيعي» hemimegalencephaly، عندما ينمو أحد جانبي الدماغ أكثر من الجانب الآخر، مما يؤدي إلى أزمات مرضية مدمرة. فقد عثر الدكتور والش بعد إزالته نصف دماغ الطفل على خلايا عصبية ممسوخة من قبل أحد جيناتها التي تتحكم بنمو الخلايا العصبية. وبذلك يمكن التعرف على آلية الأمراض على حد قوله.
ومن شأن عمليات زرع النخاع الشوكي إرباك علماء التشريح. فقد قام الباحثون في الجامعة الطبية النمساوية في إنسبروغ بأخذ مسحات من لعاب 77 شخصا تلقوا مثل هذا الزرع، قبل تسع سنوات. وعثروا على نسبة 74% من العينات على مزيج من الجينوم، منها ما يعود إلى الأصل، ومنها يعود إلى أولئك المتبرعين. فالخلايا الجذعية المزروعة لم تحل محل خلايا الدم فحسب، بل تحولت إلى خلايا أيضا في بطانة الخد. وهذا يفسر أيضا أن علماء الطب الشرعي في ولاية واشنطن في أميركا تحيروا من أن عينات اللعاب والسائل المنوي المأخوذة من بعض مرتكبي الاعتداءات الجنسية لم تتطابق مع الجينات المحددة لهوياتهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل
TT

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

إذا كنتِ تبحثين باستمرار عن أماكن هادئة في العمل للاختباء، أو الصراخ، أو التنفيس عن غضبك، أو حتى البكاء، ثم تعودين بعد فترة وكأن كل شيء على ما يرام، فقد تكونين عرضة لما يُسمى «التأقلم الصامت hushed coping». وقد يُعيقكِ هذا الأمر في الكثير من النساء في مسيرتهن المهنية، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

«التأقلم الصامت»

يُشير التأقلم الصامت إلى عادة كبت مشاعر الإرهاق والضغط النفسي، والمضي قدماً في العمل بصمت. بالنسبة للنساء، قد يُضيف هذا الأمر تعقيداً آخر يتمثل في مكافحتهن للصورة النمطية الراسخة التي تعدّ أن إظهار الكثير من المشاعر في العمل أمر غير مهني.

وقد وجدت دراسة أُجريت على 115 امرأة عاملة في القطاع العام، ونُشرت في مجلة «العدالة الاجتماعية والإدارة العامة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن نحو 55 في المائة من المشاركات وافقن على أن وظائفهن تتطلب منهن إخفاء مشاعرهن الحقيقية. أفادت المشاركات أيضاً بأنهن غالباً ما يخفين الغضب (43 في المائة)، والانزعاج (40 في المائة)، والشعور بالعجز (37 في المائة)، والحزن (34 في المائة).

بيئة العمل: «اصمتي واعملي»

تقول ليوني كينيبول، خبيرة القيادة النسائية والمؤسسة المشاركة لمنصة Female x Finance المهنية والإعلامية، لمجلة «فاست كومباني»: «ترغب النساء بشدة في الشعور بالتقدير والاهتمام، ويشعرن بمشاعر كثيرة في مكان العمل. لكنهن لا يجدن البيئة المناسبة للتعبير عن رغباتهن بصراحة». وتضيف: «يبدو أن بيئة العمل مصممة على أساس (اصمتي واعملي)». قد يبدو الصمت الخيار الأكثر أماناً مهنياً.

تكلفة مهنية ونفسية خفية ومتراكمة

لكن السلوكيات التي تقلل من احتمالية وصف الشخص بأنه عاطفي قد تقلل أيضاً من فرص ملاحظته كموظف، والاستماع إليه، وترقيته في نهاية المطاف. كما أن التأقلم الصامت قد يعني تجنب المحادثات الصعبة، ورفض الفرص، وتحمل أعباء عمل مرهقة بصمت.

وتقول كينيبول: «تفترض النساء وجود الكثير من الأمور عن الشركات دون التحدث عنها». بينما تقول كريستين سيكلز، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة الاستشارات «مايك دروب وركشوب»: «لذلك؛ قد يصعب رصد التكلفة المهنية لأنها تتراكم من خلال كل ما لا يفعله الشخص. وهذا ما يجعل التأقلم الصامت مكلفاً للغاية... فالتكلفة خفية ومتراكمة».

وتضيف: «إنها الترقية التي لا تسعى (المرأة) إليها لأنها غارقة في المشاكل، والتقييمات السلبية التي تتجاهلها. ولا يظهر أي من ذلك في لحظة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الاستمرار في فعله سهلاً للغاية».

تأقلم ناجم عن التجاهل وعدم التقدير

من جهتها، تقول إيمي فيجليوتي، الاختصاصية النفسية المرخصة ومؤسسة عيادة «سيلف ووركس» للعلاج النفسي، لمجلة «فاست كومباني» إن التأقلم الصامت قد ينبع من الشعور بالتجاهل أو عدم الاحترام أو عدم التقدير؛ أو التعامل مع مُديرين سامّين؛ أو قلة فرص النمو. ومع مرور الوقت، قد يتطور إلى نوع من اليأس المكتسب؛ إذ تفترض المرأة العاملة أنه إذا لم يُجدِ التحدث نفعاً في الماضي، فلماذا أُرهق نفسي بالمحاولة مجدداً؟

تقول فيجليوتي إن المعاناة في صمت قد تُنهك الموظفات عاطفياً ونفسياً؛ ما يُضعف اندفاعهن في نهاية المطاف، بل ويجعلهن يشككن في كفاءتهن. وقد يُلحق ذلك الضرر بأصحاب العمل أيضاً: فعندما لا يشعر غالبية الموظفين بالأمان الكافي لمشاركة أفكارهم، أو طرح أسئلتهم، أو التعبير عن مخاوفهم، يُمكن أن يُصبح صمتهم «عائقاً كبيراً أمام التغيير والتطوير التنظيمي»، على حد قولها.

التأقلم في صمت دليل على ضرورة التغيير

تقول جيني هاريسون، محامية حقوق الموظفين والمؤسسة المشاركة لمكتب جيني هاريسون للمحاماة، لمجلة «فاست كومباني»، إنه إذا وقع أي شخص في فخ التأقلم الصامت نتيجة عبء عمل يفوق طاقته، فعليه أولاً الاستعداد لمحادثة صريحة مع مديره بشأن قائمة مشاريعه، ومتطلبات الجدول الزمني، والتزامه تجاه الشركة. كما تنصح هاريسون بالتدرب على طريقة العرض بهدوء قبل الاجتماع؛ حتى يتمكن الموظف أو الموظفة من التعبير عن احتياجاته دون الشعور بالإرهاق.

وتضيف: «فكّري في إخبار مديرك بأنك تعتقدين أن من مصلحة الشركة زيادة الموارد المخصصة للمشاريع لضمان تسليمها في الوقت المحدد وبأعلى مستوى من الكفاءة والتنفيذ. إذا حاولت التواصل بوضوح ولم تستجب الشركة، فسيكون لديك كل المعلومات الكافية عن طبيعة هذه الشركة».

البحث عن مُحاورين

وتتفق فيجليوتي على أهمية التعبير عن الرأي، لكنها تقول إن التخلص من هذه العادة لا يعني بالضرورة البدء بمديرك.

وتضيف: «أعتقد أن النقطة الأساسية هنا هي أنه عند محاولة التخلص من عادة معينة، ابدأ بأفراد من جمهور تشعر معه بالراحة والأمان، ويحترم رأيك». بينما تقترح كينيبول بالمثل البدء بخطوات صغيرة. يمكن أن تكون الخطوة الأولى ببساطة هي التحدث عن مخاوفك مع زميلة أو زميل تثقين بها أو به، وهما اللذان قد يشاركانك إياها أو يقدمان لك رأياً واقعياً قيّماً. وتقول: «الخطوة الأولى دائماً هي التحدث مع شخص تثق به في المؤسسة، شخص لديه خبرة أطول منك، ويعرف ثقافة العمل، ويعرف كيف تُدار الأمور هناك – حينذاك ستسمعين، على الأرجح، أن الأمر ليس شخصياً (بل عمومياً)».

وأحياناً، قد يكشف هذا الحوار عن أن التوتر الذي يُظهره مديرك لا علاقة له بأدائك، وقد يفتح الباب أمام تواصل أكثر صراحة.

وتقول كينيبول: «الجميع مشغولون، والجميع يتعامل مع التوتر بطريقة مختلفة، لكن لا تأخذي الأمر على محمل شخصي».

* مجلة «فاست كومباني»


هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
TT

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

تثير التحذيرات الجديدة -التي تشير إلى أن البشر يقتربون من مرحلة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي- تساؤلاً مقلقاً: هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي ليصبح واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه البشرية؟

ورغم صعوبة تقييم مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن السيناريو الأسوأ -وهو انقراض البشرية- يجعل المخاوف الأرضية الأخرى تبدو ضئيلة الأهمية، كما كتب تشيكو هارلان (*).

التغير المناخي... علم راسخ

البشرية... من أزمة «صناعية» إلى أخرى

صحيح أن التغير المناخي يتسبب في ظروف حرارة خطيرة، ويؤجج العواصف العاتية، ويدمر المحاصيل، وقد يؤدي إلى اضطرابات هائلة على مستوى الكوكب، لكن كل ذلك لا يهم إلا إذا ظلت حضارتنا قائمة ومعروفة بهيئتها الحالية.

يقول توبي أورد، الباحث في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «الهاوية: المخاطر الوجودية ومستقبل البشرية» (The Precipice): «فيما يتعلق بالأمور التي قد تؤدي إلى نهاية البشرية، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً أكبر».

يضع هذا الوضع نشطاء المناخ في حالة تنافس للحصول على قدر محدود من الاهتمام السياسي، ففي حين يجتمع الدبلوماسيون وقادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمعالجة أكثر مشكلات الكوكب إلحاحاً، يخشى البعض أن يتم تجاهل قضية الاحتباس الحراري رغم تفاقمها.

عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس ترمب في واشنطن يوم الخميس، من المتوقع أن يناقش زعيما الدولتين الأكثر إنتاجاً لغازات الدفيئة قضايا عدة، من بينها سلامة الذكاء الاصطناعي. أما التغير المناخي -الذي يصفه ترمب بأنه «خدعة»- فمن غير المرجح أن يكون مدرجاً على جدول الأعمال.

التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً وأكثر واقعية

كتبت ليا ستوكس، أستاذة سياسات البيئة في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الأسبوع الماضي، أن الذكاء الاصطناعي «يستحوذ على كل اهتمامنا»، وجادلت بأن التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً أكثر واقعية، مستشهدة بموجات الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف والانهيار الجليدي المروع الذي وقع الشهر الماضي في نيبال.

وكتبت الدكتورة ستوكس: «على عكس الذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً؛ إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن. يبدو أيضاً أن الكثيرين قد تناسوا -بشكل مريح لأنفسهم- مدى إلحاح ضرورة حل هذه المشكلة».

تكهنات حول كارثة الذكاء الاصطناعي

من المعروف أن البشر يفتقرون إلى الكفاءة في تقييم المخاطر. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تظل المخاطر في الغالب مجرد تكهنات في هذه المرحلة، فحتى أكثر التوقعات جرأةً بشأن تسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية غالباً ما تفتقر إلى تفاصيل حول كيفية وقوع هذه الكارثة.. هل ستأتي النهاية على شكل ميكروب فائق الخطورة صممه الذكاء الاصطناعي أم عبر إطلاق أسلحة نووية؟ كما أن دمار المجتمع البشري قد يحدث ببطء أكبر، من خلال استيلاء نظام ذكاء اصطناعي مارق على البنية التحتية، في حين يعاني البشر من الجوع ويُحرمون من الحصول على الدواء.

الأتمتة تنتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل... ثم يقع خلل ما

يقول سيث باوم، المدير التنفيذي لمعهد المخاطر الكارثية العالمية: «هناك سيناريوهات لكوارث تدريجية قد يسببها الذكاء الاصطناعي، فنحن نواصل أتمتة المزيد والمزيد من العمليات بمرور الوقت، لننتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل، ثم يقع خلل ما».

تنبع هذه التوقعات من شعور بأن البشر بصدد خلق كيان قد يستعصي على السيطرة، كيان قد يكتسب القدرة على تطوير نفسه ذاتياً، ليصبح أذكى وأسرع منا بكثير من جميع النواحي الجوهرية. أما عن الحلول للحيلولة دون حدوث كل ذلك فهي غير موجودة بعد.

التغير المناخي... علم راسخ

في المقابل، تتسم قضية التغير المناخي بوجود حقائق ومعطيات معلومة، فالعلم الذي يربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة العالمية هو علم راسخ لا يقبل الجدل. كما أن الحلول المتاحة للحد من الانبعاثات -مثل الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية- هي حلول مُثبتة الفعالية ومتوفرة بكثرة. وعلى الصعيد العالمي، أصبحت المؤتمرات السنوية الرامية إلى درء هذه الأزمة جزءاً ثابتاً من الأجندة الدولية، وهي مؤتمرات تزخر بالمصطلحات العلمية والسياسية، فضلاً عن السجالات الدبلوماسية حول خطط العمل طويلة الأجل.

قد تبدو هذه المؤتمرات ذات طابع بيروقراطي، إلا أنها أثبتت أهميتها، فقد كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أما الآن فيقول العلماء إن الاحترار يسير في مسار يؤدي إلى ارتفاع قدره 2.6 درجة مئوية (4.7 درجة فهرنهايت)، وذلك بناءً على السياسات والاتجاهات الحالية. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من الحد الذي عدّته الدول مقبولاً أو قابلاً للتحمل.

تتجلى عواقب تغير المناخ في أحداث متطرفة ومفاجئة مثل حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المشكلة ببطء نسبي، وبطرق قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه المستمر. فمنذ أن أصبحت هذه القضية محط اهتمام العالم قبل جيل مضى، أثارت لحظات من التكاتف الجماعي، فضلاً عن ردود فعل معارضة ومشاعر اليأس والإرهاق. يقول الدكتور بوم: «نحن نميل إلى اعتبار الأمور التي تحدث تدريجياً أموراً طبيعية ونعتاد عليها. فالناس العاديون لا يرغبون في أن يكون هذا الأمر هو محور تفكيرهم الدائم».

مخطط دائري لبيانات الاستدامة (صورة رقمية مُولّدة لمقطع عرضي دائري متعدد البيئات تُظهر تطور المدينة من مدينة قديمة ملوثة إلى نمط حياة نظيف يعتمد على الطاقة البديلة المستدامة)

مشكلات من صنع البشر

ثمة روابط ملحوظة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ باعتبارهما تهديدين للبشرية. ففي كلتا الحالتين، تنبع المخاطر من أنشطة بشرية؛ سواء كان ذلك يتمثل في تطوير «نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والرائدة» (frontier models)، أو في حرق الوقود الأحفوري الذي يغذّي الاقتصاد العالمي الحديث. وفي كلتا الحالتين أيضاً، تمارس شركات عملاقة (سواء كانت شركات تكنولوجيا تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات أو شركات طاقة عملاقة عابرة للقارات) تأثيراً هائلاً على مسار التاريخ.

وقد قلّل الرئيس ترمب من شأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً أخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنها تصدر عن «الأشخاص أنفسهم الذين قالوا قبل وقت قصير، إن العالم سيفنى بسبب (تغير المناخ)».

الذكاء الاصطناعي... تدمير البيئة أم حمايتها؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون أداة فعالة في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنه -على سبيل المثال- تصميم أنظمة إنذار أكثر تطوراً للكوارث، أو ابتكار حلول تخفف من حدة نقص المياه العالمي. وبالفعل، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تعزيز حماية جزر المالديف (التي تتميز بانخفاض مستوى أراضيها عن سطح البحر) وإعادة تأهيل المناطق الساحلية.

الذكاء الاصطناعي سيستهلك عام 2030 كهرباء تعادل ما يستهلكه نحو 200 مليون نسمة

ولكن على المدى القصير على الأقل، يجعل الذكاء الاصطناعي خفض انبعاثات غازات الدفيئة أمراً أكثر صعوبة؛ إذ يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المائة خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وقد ذكر معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك بحلول عام 2030 كمية من الكهرباء تعادل ثلاثة أضعاف ما تستهلكه نيجيريا وباكستان وبنغلاديش مجتمعة، وهي دول يبلغ مجموع سكانها نحو 650 مليون نسمة.

تراجع الشركات عن أهدافها البيئية

لقد أصبحت شركات التكنولوجيا مشترياً رئيسياً للطاقة، وباتت تدعم مشروعات تعتمد على كل من الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري. في خطاب ألقاه يوم الاثنين، وصف سايمون ستيل، مسؤول المناخ في الأمم المتحدة، قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه «شره لاستهلاك الطاقة»، وقال إنه بحاجة إلى «احترام العلم وبدء مواءمة مساره مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، وبشكل عاجل».

وفي اليوم نفسه، صرح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيرأس مؤتمر المناخ الدولي لهذا العام في نوفمبر (تشرين الثاني)- بأن جدول أعمال المؤتمر سيتضمن مناقشة «الاستهلاك المتزايد للطاقة» في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «عالماً يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، ونظام طاقة عالمياً يعاني من الاضطراب، ومخاوف متزايدة بشأن صعود الذكاء الاصطناعي؛ كلها أمور تستدعي التحرك».

قبل ست سنوات، وضعت شركة «غوغل» خطة للاعتماد على طاقة خالية من الكربون بحلول عام 2030. وقد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، هذه الخطة بأنها «مبادرة طموحة للغاية لتحقيق الاستدامة» أو ما يُعرف بـ«مشروع القمر» (moonshot)، مشيراً إلى أن مدينته الأم في الهند، تشيناي، كانت قد غمرتها مياه الفيضانات قبل بضع سنوات، ما جعل «آثار تغير المناخ تبدو أقرب بكثير إلى حياته الشخصية».

سباق الذكاء الاصطناعي غيّر الأولويات

إن انبعاثات «غوغل» مستمرة في الارتفاع، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة «مايكروسوفت»، التي كانت قد أعلنت سابقاً هدفها بأن تصبح «سالبة الكربون» (أي تزيل من الكربون أكثر مما تنتج) بحلول عام 2030.

وفي العام الماضي، نشر الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- مقالاً طويلاً (يقع في 5000 كلمة) جادل فيه بأن تغير المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». وقد عكست استنتاجاته -التي جاءت بعد سنوات من تمويل قضايا المناخ- وجهة نظر مثيرة للجدل مفادها أنه حتى مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب سيظل بوسع البشر «العيش والازدهار في معظم أنحاء الأرض». ثم في الشهر الماضي، نشر غيتس مقالاً مطولاً آخر، تناول فيه مخاطر الذكاء الاصطناعي.

سمة مشتركة: عدم القدرة على التنبؤ

غير أن العديد من العلماء يرون أنه من الخطأ افتراض أن تغير المناخ سيسير وفق مسار يمكن التنبؤ به، أو بطريقة تتيح للدول إدارته والسيطرة عليه. ويشير البعض إلى أن أنظمة كوكب الأرض أثبتت -على مدى العقد الماضي- أنها أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة التدريجي مما كان متوقعاً، فضلاً عن أن المزيد من الاحترار لا يزال بانتظارنا.

إن العالم يفقد جمال الشعاب المرجانية والأسماك التي تتخذ منها موطناً، والاقتصادات القائمة على صيد تلك الأسماك. كما أن النباتات والأشجار تذبل وتضعف تحت وطأة ظروف مناخية أقسى، ما قد يقلّص إحدى الوسائل الطبيعية التي تمتص بها الأرض غاز ثاني أكسيد الكربون. ويؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى انكشاف مساحات واسعة من المياه الداكنة الممتصة للحرارة، ما يزيد من حدة ارتفاع درجات الحرارة. وعلاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات المستقبلية في ظروف المحيطات إلى إضعاف أو توقف أنظمة دورانٍ -لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام- تُعد حيوية للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة في بعض أنحاء العالم.

وتشير كاثرين ريتشاردسون، الأستاذة في جامعة كوبنهاغن، المتخصصة في دراسة «حدود الكوكب»، إلى أن مخاطر حلقات التغذية الراجعة وتعقيد نظام الأرض هما السبب الدقيق وراء خطورة وضع افتراضات مسبقة حول شكل العالم في المستقبل ومدى ملاءمته للعيش.

وذكرت أن معظم مراحل التقدم البشري -بدءاً من العصر الحجري والعصر البرونزي ووصولاً إلى عصر النهضة- قد تحققت في ظل درجات حرارة ظلت ضمن نطاق محدود. وقالت: «لا نعلم يقيناً ما إذا كان بوسعنا الازدهار» في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار درجتين أو ثلاث درجات مئوية. وأضافت أننا لا نعرف حتى الآن كيف قد يبدو عالم كهذا. وللتعبير عن حالة عدم اليقين المرتبطة بتغير المناخ، استخدمت عبارات مشابهة لتلك التي تُستخدم في التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. إذ قالت: «قد نفقد السيطرة على هذه العملية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.