العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

الجسم البشري يمكن أن يملك أكثر من «جينوم» واحد

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان
TT

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

العلماء يكتشفون العجائب والغرائب في الخريطة الجينية للإنسان

في الصفوف الدراسية في علم الأحياء وفي العلوم ألأخرى جرى إبلاغنا مرارا وتكرارا، بأن خريطتنا الوراثية (الجينوم) تقع في قلب هويتنا وشخصيتنا. لذا فما علينا إلا قراءة التسلسل الجيني في الكرموسومات في أي خلية، للاطلاع على كل المعلومات الخاصة بجينات الإنسان. وكما تقول شركة «23 أند مي» 23andme، الشركة البارزة في مجال اختبار الجينات على موقعها على الشبكة، بأنه «كلما علمت المزيد عن حمضك النووي، عرفت نفسك أكثر».

وفرة جينية متنوعة
لكن العلماء باتوا يكتشفون إلى درجة مدهشة تقريبا بأننا نحتوي على وفرة كبيرة من الجينات. كان الباحثون يرددون منذ فترة طويلة، أن من النادر أن تكون الخلايا في شخص سليم تختلف من الناحية الجينية بشكل كبير. بيد أن العلماء شرعوا يكتشفون أنه من العادي جدا أن يمتلك الفرد كثيرا من «الجينومات». وبعض الأفراد على سبيل المثال يمتلكون مجموعات من الخلايا بتشوهات وتحولات لا تجدها في بقية أنحاء الجسم، بينما يمتلك البعض الآخر جينومات مصدرها أشخاص آخرون.
«كانت هنالك همسات حول ذلك منذ سنوات، وحتى عقود، ولكنها كانت كلها على سبيل الافتراض»، كما يقول ألكسندر أوروبان عالم الوراثة في جامعة ستانفورد في أميركا.
لكن جاءت أخيرا سلسلة من التقارير التي صدرت عن أوروبان وغيره تقول إن مثل هذه الهمسات ليست افتراضية فحسب، بل إن الاختلافات في الجينومات الموجودة في شخص ما، هي من السعة والشمول بحيث لا يمكن إنكارها. «نحن نعرف أنها موجودة هناك، ونحن في سبيلنا إلى وضع خريطة لمثل هذه القارة الجديدة»، يضيف أوريان.
وكتب الدكتور جيمس لوبسكي الخبير البارز في الجينوم البشري في كلية بايلور للطب في مجلة «ساينس» أن وجود الجينومات المتعددة في شخص بشري سيكون له أثره الكبير على ممارسة الطب، «لأنه يغير أسلوب التفكير».
ووجد العلماء روابط بين كثير من الجينومات، وأنواع نادرة من الأمراض، وشرعوا حاليا في التحقق من هذه الاختلافات الجينية، بغية تسليط الضوء على المزيد من حالات الاضطرابات الصحية الشائعة.
وهذا التغيير بالنظرة العلمية شرع يثير أيضا تساؤلات حول كيفية قيام علماء الطب الشرعي باستخدام الحمض النووي للتعرف على الأشخاص. كما وضع تحديات أمام المستشارين في علم الوراثة الذين لا يستطيعون الافتراض أن المعلومات الجينية المستخلصة من إحدى الخلايا، يمكنها أن تعلمهم كثيرا حول الحمض النووي لأجسام الأشخاص.

الخريطة الجينية الأصلية
عندما تتحد النطفة والبويضة لتكوين الحمض النووي لهؤلاء الأفراد، فإن الجينوم الذي ينتجه الاثنان يتضمن جميع المعلومات الضرورية لتشييد جسم بشري جديد. وعندما تنقسم البويضة لتشكل الجنين، فإنها تنتج نسخا جديدة من الجينوم الأصلي.
ولعقود من السنين أجرى اختصاصيو علم الوراثة بحوثا واكتشافات حول كيفية قيام الجنين باستخدام هذه التعليمات والإرشادات الموجودة في جينوم واحد لتطوير العضلات والأعصاب والأجزاء الأخرى من الجسم البشري. كذلك استخدموا عملية الكشف عن التسلسل لفهم الاختلافات الجينية التي قد تثير مخاطر الإصابة ببعض الأمراض المعينة. وبذلك يمكن لهؤلاء الاختصاصيين النظر إلى نتائج الفحوصات والاختبارات لمساعدة المرضى وعائلاتهم في التعامل مع هذه الأمراض عن طريق تغيير نظامهم الغذائي مثلا، إذا كان ينقصهم جين معين يفرز إنزيما معينا.
وكانت تكلفة الحصول على سلسلة جينوم برمته قد تدنت بشكل كبير خلال السنوات العشرين الماضية، لتصبح بضعة آلاف الدولارات فقط من أصل ثلاثة مليارات دولار تكلفة أولى المحاولات السابقة، التي تشاركت كلها لمعرفة تسلسل الجينوم البشري. وبذلك يجري التعرف على الروابط وتحديد علاقاتها بالتشوهات والأمراض التي لم تكن معروفة سابقا.
وتعتمد كل هذه الاختبارات القوية على فرضية وجود جينوم محدد واحد. واعتقد العلماء أنهم قادرون على النظر إلى الجينوم من الخلايا التي تستخلص من مسحة من بطانة الخد داخل الفم ليتمكنوا من معرفة جينومات الخلايا في الدماغ، أو الكبد، أو أي جزء آخر من الجسم.
تخالط جيني
لكن منذ أواسط بدايات الأعوام الأولى من القرن العشرين أخذ العلماء يتلقون إشارات وأدلة بأن هذا الأمر ليس صحيحا دوما. وفي عام 1953 مثلا قامت امرأة بريطانية بالتبرع بنصف لتر من الدم. وتبين لاحقا أن بعض هذا الدم كان من نوع «أو» O والآخر من نوع «إيه» A. وتوصل العلماء الذين درسوا حالتها، إلى أنها اكتسبت بعض دمها هذا من أخيها التوأم في رحم أمها، بما في ذلك بعض جينوماته الموجودة في خلايا دمه.
وبدا أن مثل هذه «الخيمرية» Chimerism (في الميثولوجيا الإغريقية، الكيمر أو الخيمر Chimera هو كائن أو وحش خرافي) التي باتت تعرف بها مثل هذه الحالات لسنوات طوال، أنها من الأشياء النادرة. لكنها قد تكون من الأمور الشائعة، وفقا إلى الدكتورة ليندا راندولف الطبيبة في مستشفى الأطفال في لوس أنجليس، التي كتبت مراجعة عن «الخيمرية» في يوليو (تموز) الماضي نشرت في مجلة «أميركان جورنال أوف ميديكال جينيتكس».
وقد ينتهي التوائم بالحصول على دم مختلط لدى تلقيهم التغذية في رحم أمهاتهم عن طريق المجموعة ذاتها من الأوعية الدموية. وفي حالات أخرى قد تندمج البويضتان المخصبتان سويا، لتستمر هاتان «الخيمريتان الجنينيان» طوال حياتهما المقبلة غير عارفتين بأصلهما.
وقد اكتشفت إحدى النساء أنها «خيمرية» وهي في عمر 52 سنة، وكانت بحاجة إلى زرع كلى بعد إخضاعها للفحوصات لإيجاد شخص مطابق لها. وأظهرت النتائج أنها ليست - من الناحية الجينية كما يبدو - والدة أطفالها البيولوجيين الثلاثة، وأنها كانت وليدة جينومين مختلفين، أحدهما كان وراء تكوين دمها وبعض من بويضاتها، بينما حملت البويضات الأخرى جينوما منفصلا!

نساء بجينات أبنائهن
وبمقدور النساء أيضا اكتساب جينومات من أطفالهن. فبعد ولادة الطفل قد يترك وراءه بعض الخلايا الجنينية في جسد والدته التي قد تنتقل إلى الأعضاء الأخرى المختلفة، حيث يجري امتصاصها في نسيجها. وبذلك فإن من المحتمل جدا، وفقا إلى الدكتور راندولف، أن تكون أي امرأة كانت قد حملت - «خيمرية».
وهكذا شرع العلماء بالبحث منهجيا عن «الخيمريين» بدلا من انتظار اكتشافهم صدفة خلال الفحوص الطبية. وهم موجودون في قسم كبير من أفراد الجمهور، ففي العام الماضي أجرى العلماء الكنديون عمليات تشريح في أدمغة 59 امرأة ميتة، ووجدوا خلايا عصبية بـ«الكرموسومات» من نوع «واي» Y الذكرية في 63% منهن. ويبدو أن الخلايا هذه تطورت من خلايا يرجع أصلها إلى أولادهن.
وأفادت أوجين دهموليا من معهد «دانا - فاربر» للسرطان في بوسطن وزملاؤها في تقرير نشر في «ذي إنترناشيونال جورنال أوف كانسر» في أغسطس (آب) الماضي أن الخلايا الذكرية يمكنها أن تخترق نسيج الثدي لدى النساء. فلدى البحث عن «كرموسومات» Y في عينات مأخوذة من نسيج الثدي، وجدوها في 56% من النساء اللواتي خضعن للفحوصات.
وقبل قرن مضى اكتشف اختصاصيو علم الوراثة أسلوبا يكتسب الأشخاص من خلاله جينومات جديدة. فقد كانوا يدرسون «الحيوانات الفسيفسائية -mosaic animals »، وهي مخلوقات نادرة برقع ملونة غريبة من الفرو. ولم ترث هذه الحيوانات هذه الجينات من آبائها وأمهاتها، بل اكتسبتها عندما كانت لا تزال أجنة على شكل تشوهات في الخلايا الجلدية التي تنقسم لإنتاج الرقع الملونة هذه. وتعرف هذه الحالة بـ«الموزائيكية» mosaicism التي كان من الصعب دراستها في البشر قبل مجيء عصر سلسلة الحمض النووي. لكن في عام 1960 وجد الباحثون نوعا من سرطان الدم (اللوكيميا) يحدث نتيجة هذا «الموزائيكية» عندما تتشوه الخلية الدموية وتتمسخ ذاتيا لدى انقسامها، ناقلة كتلة كبيرة من الكرموسوم إلى الخلية الأخرى.
ودعمت الدراسات اللاحقة فكرة أن السرطان هو نتيجة التشوهات في خلايا محددة. لكن العلماء كانوا يملكون معلومات قليلة عن مسؤولية «الموزائيكية» في الإصابة بالسرطان.
وأظهرت الاكتشافات الأخيرة بوضوح أن «الموزائيكية» هي حالة شائعة، حتى بين الخلايا السليمة. فقد قام الدكتور أربان ورفاقه على سبيل المثال بالتحقق عن التمسخ في الخلايا التي تدعى الخلايا الليفية الموجودة عادة في الأنسجة الضامة. وبحثوا بشكل خاص عن حالات عندما تكون مقاطع من الحمض النووي مكررة أو ملغاة. وتبين أن 30% من تلك الخلايا الليفية تحمل في طياتها واحدة على الأقل من هذا التمسخ. والآن شرع العلماء يعترفون بمدى شيوع «الخميرية» و«الموزائيكية» وتأثيراتهما على الصحة العامة.
ويقول الدكتور والش الطبيب الأخصائي بالجينات في مستشفى بوسطن إنه من مأمون الكلام القول إن نسبة كبيرة من هذه التمسخات هي حميدة، فقد دلت الدراسات الأخيرة على «الخيمرية» أن مثل هذه الجينومات الإضافية قد تكون مفيدة، إذ تقوم الخلايا الخيمرية من الأجنة على سبيل المثال بالبحث عن الأنسجة التالفة وترممها.
لكن العلماء اكتشفوا أيضا حالات عندما تقوم التمسخات في خلايا معينة بالمساعدة على تطور أمراض غير السرطان، فقد درس الدكتور والش حالة اضطراب عقلي لدى طفل تسمى «كبر حجم الدماغ غير الطبيعي» hemimegalencephaly، عندما ينمو أحد جانبي الدماغ أكثر من الجانب الآخر، مما يؤدي إلى أزمات مرضية مدمرة. فقد عثر الدكتور والش بعد إزالته نصف دماغ الطفل على خلايا عصبية ممسوخة من قبل أحد جيناتها التي تتحكم بنمو الخلايا العصبية. وبذلك يمكن التعرف على آلية الأمراض على حد قوله.
ومن شأن عمليات زرع النخاع الشوكي إرباك علماء التشريح. فقد قام الباحثون في الجامعة الطبية النمساوية في إنسبروغ بأخذ مسحات من لعاب 77 شخصا تلقوا مثل هذا الزرع، قبل تسع سنوات. وعثروا على نسبة 74% من العينات على مزيج من الجينوم، منها ما يعود إلى الأصل، ومنها يعود إلى أولئك المتبرعين. فالخلايا الجذعية المزروعة لم تحل محل خلايا الدم فحسب، بل تحولت إلى خلايا أيضا في بطانة الخد. وهذا يفسر أيضا أن علماء الطب الشرعي في ولاية واشنطن في أميركا تحيروا من أن عينات اللعاب والسائل المنوي المأخوذة من بعض مرتكبي الاعتداءات الجنسية لم تتطابق مع الجينات المحددة لهوياتهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»



كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.