البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

حققت أرباحاً بـ24.5 مليار دولار بنسبة نمو 16 %

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

شهد عام 2025 محطة تاريخية فارقة للبنوك السعودية التي سجلت أرباحاً قياسية بلغت 24.5 مليار دولار (ما يعادل 92 مليار ريال)، وبنمو سنوي نسبته 16 في المائة، وبفارق 3.46 مليار دولار (13 مليار ريال) مقارنةً بعام 2024. وفي وقت تترقب الأسواق أداء القطاع خلال العام الجاري، تشير التوقعات إلى نمو أكثر اعتدالاً واستقراراً، وسط رهانات على استمرار الإنفاق الحكومي في دعم المشاريع الكبرى بوصفها ركائز أساسية تحافظ على زخم الطلب الائتماني.

وقد جاء هذا الأداء القوي ثمرةً لتضافر عوامل استراتيجية، بدءاً من قوة الملاءة المالية للبنوك، وصولاً إلى توسع مَحافظ الإقراض. كما أن الأرقام المسجَّلة لم تكن بمعزل عن التقييمات الدولية؛ إذ يؤكد صندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي السعودي يتمتع بمرونة عالية، ومستويات رسملة قوية، وسيولة وفيرة، مع انخفاض ملحوظ في القروض المتعثرة لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2016. ويشير إلى أن البنوك السعودية أثبتت قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط بفضل اختبارات الضغط الصارمة، وأن القطاع المصرفي السعودي يمتلك أساسات صلبة تمكّنه من مواصلة دعم نمو الاقتصاد غير النفطي.

العاصمة السعودية (واس)

ما البنوك؟

شمل هذا الأداء القوي المصارف العشرة المدرجة في السوق السعودية، وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، وبنك «البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

تصدر «البنك الأهلي السعودي» قائمة البنوك من حيث صافي الأرباح، مسجلاً 25 مليار ريال، بنسبة نمو بلغت 18 في المائة. وجاء «مصرف الراجحي» في المرتبة الثانية من حيث صافي الأرباح، لكنه حقق أعلى نسبة نمو بين المصارف المدرجة، تجاوزت 26 في المائة، لتصل أرباحه إلى أكثر من 24.7 مليار ريال. في حين حل «بنك الرياض» ثالثاً بأرباح بلغت 10.4 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 12 في المائة.

مبنى «الراجحي» في العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

هيمنة البنوك الكبرى

وفي تعليق على النتائج المالية، قال محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن نتائج القطاع البنكي خلال عام 2025 تظهر أداءً استثنائياً، وهو نمو يعكس قوة القطاع المصرفي ومتانته، حيث تصدر البنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي المشهد، مما يؤكد استمرار هيمنة البنوك الكبرى المدعومة بقاعدة رأسمالية قوية وانتشار واسع.

وأضاف أن هذا النمو جاء مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة خلال معظم فترات العام، مما عزَّز صافي دخل العمولات الخاصة، كما أسهم التوسع في الإقراض، خصوصاً التمويل العقاري وتمويل الشركات المرتبطة بمشاريع «رؤية السعودية 2030»، في زيادة حجم الأصول المدرّة للدخل، كذلك استفادت البنوك من تحسن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنةً بفترات سابقة، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية التي رفعت كفاءة التشغيل وخفضت التكاليف.

ويتوقع الخالدي أن يشهد القطاع المصرفي السعودي نمواً أكثر اعتدالاً خلال 2026، مع احتمالية استقرار أو تراجع أسعار الفائدة، مما قد يضغط نسبياً على الهوامش الربحية، مضيفاً أن استمرار الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى، إضافةً إلى نمو القطاع غير النفطي، سيُبقي الطلب على التمويل عند مستويات قوية.

ويُرجِّح أن تركز البنوك على تنويع مصادر الدخل عبر الرسوم والخدمات الاستثمارية، وتعزيز التحول الرقمي لرفع الكفاءة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي السعودي سيبقى في موقع قوي، مدعوماً ببيئة اقتصادية مستقرة وإصلاحات هيكلية، مما يجعله قادراً على الحفاظ على مستويات ربحية جيدة رغم التحديات المحتملة.

أرباح «تاريخية»

من جهته، وصف المحلل المالي ناصر الرشيد، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أرباح القطاع لعام 2025 بأنها «تاريخية»، وتأتي مدفوعةً بالنمو المستمر في الأعمال بالاقتصاد السعودي والنمو السنوي للميزانية الحكومية، مضيفاً أن البنوك جزء من المنظومة المالية، كما أن القطاع البنكي هو القطاع الأكثر دعماً لمؤشر السوق السعودية.

وفي تحليل لنمو أرباح البنوك، أرجع الرشيد ذلك إلى نمو صافي الدخل من الفوائد والعمليات التشغيلية، الناتج من توسع محفظة الإقراض المصرفي، ونمو الدخل من الرسوم المصرفية والعمولات، وكذلك التوسع القوي في محفظة الإقراض وارتفاع حجم القروض البنكية وزيادة الطلب على التمويل من الشركات والأفراد، مما أسهم في زيادة الأرباح.

مبنى بنك الرياض (الشرق الأوسط)

نمو الطلب على الائتمان

وأشار إلى أن تحسن البيئة الاقتصادية وتشغيل بعض المشاريع الضخمة ضمن «رؤية 2030» عزَّزا الطلب على التمويل المصرفي وزادا الطلب على الائتمان، بالإضافة إلى تحسن مستويات الربحية التشغيلية وانخفاض تكاليف المخاطر في بعض البنوك وارتفاع الطلب على التمويل، كما حقق بعض البنوك أرباحاً رأسمالية من بيع الأصول والاستثمارات، مما أسهم في زيادة صافي الربح السنوي للقطاع البنكي.

وأضاف أن غالبية البنوك استفادت من تنوع مصادر الدخل وحققت مكاسب من الأدوات المالية المتنوعة، كالصكوك، والاستثمارات الأخرى، بالإضافة إلى استفادتها من الاستقرار والتخفيض النسبي في أسعار الفائدة، مما أسهم في تحسين الهوامش الربحية لدى بعض البنوك.

ورغم هذا الأداء الاستثنائي، يرى محللون أن القطاع المصرفي يواجه عدداً من التحديات في عام 2026؛ لعل أبرزها احتمال ضغوط الهوامش الربحية الناتجة عن اتجاهات أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التسارع الرقمي استثمارات مستمرة في الأمن السيبراني لمواكبة التهديدات المتطورة، إلى جانب التحدي المتمثل في الحفاظ على جودة الأصول في ظل بيئة ائتمانية متسارعة، وهو ما يفرض على البنوك انتهاج سياسات تحوطية مرنة تضمن استدامة الربحية والنمو في آن واحد.


مقالات ذات صلة

«موانئ» تضيف خدمة شحن جديدة إلى ميناء جدة لتعزيز الربط بالأسواق العالمية

الاقتصاد رصيف ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«موانئ» تضيف خدمة شحن جديدة إلى ميناء جدة لتعزيز الربط بالأسواق العالمية

أضافت شركة «إي إس إل» الإماراتية خدمة الشحن الجديدة «إس أر إس» إلى ميناء جدة الإسلامي؛ ما يسهم في ربط السعودية بالأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

القطاع غير النفطي في السعودية يسجل أسرع نمو خلال ثلاثة أشهر

نما القطاع الخاص غير النفطي في السعودية بأسرع وتيرة له في ثلاثة أشهر خلال مايو (أيار) مع تحسّن الطلب المحلي واستقرار سلاسل التوريد.

الاقتصاد بوتين يلقي خطاباً خلال جلسة عامة لمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في العام الماضي (رويترز)

الكرملين: السعودية «ضيف الشرف الرئيسي» في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي

أعلن الكرملين أن السعودية ستكون «ضيف الشرف الرئيسي» في الدورة التاسعة والعشرين لمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (SPIEF) لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة)

خاص إجراءات الحكومة تكسر جموح الأسعار وتهبط بالتضخم العقاري دون الصفر في السعودية

بدأت الأسواق العقارية السعودية تسجيل مؤشرات واضحة على تراجع الضغوط التضخمية، مدفوعة بحزمة من الإجراءات الحكومية التنظيمية والتنفيذية التي استهدفت زيادة المعروض.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد أفراد إحدى الأسر يجتمعون لزيارة مريض في مستشفى «سليمان الحبيب» بالسعودية (الموقع الإلكتروني)

شركات الرعاية الصحية السعودية تربح 305 ملايين دولار في الربع الأول

كشفت النتائج المالية لقطاع الرعاية الصحية المدرج في السوق المالية السعودية (تداول) عن مرحلة تصحيح مؤقتة فرضتها تكلفة التوسعات الرأسمالية.

محمد المطيري (الرياض)

نمو وظائف القطاع الخاص الأميركي بأعلى من التوقعات خلال مايو

مطعم يعلن عن وظائف لجذب العمال في أوشنسايد بكاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن وظائف لجذب العمال في أوشنسايد بكاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)
TT

نمو وظائف القطاع الخاص الأميركي بأعلى من التوقعات خلال مايو

مطعم يعلن عن وظائف لجذب العمال في أوشنسايد بكاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن وظائف لجذب العمال في أوشنسايد بكاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

أظهر تقرير «إيه دي بي» (ADP) للتوظيف الوطني ارتفاعاً في وظائف القطاع الخاص الأميركي خلال شهر مايو (أيار) المنصرم بنسبة تخطت تقديرات المحللين؛ حيث أضاف القطاع الخاص نحو 122 ألف وظيفة، مقارنة بـ105 آلاف وظيفة في شهر أبريل (نيسان) الماضي (بعد تعديل القراءة السابقة بالخفض). وجاءت هذه الأرقام أعلى من توقعات خبراء الاقتصاد الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والذين رجحوا زيادة قدرها 117 ألف وظيفة فقط.

ويشير التقرير – الذي يُطوّر بالاشتراك مع «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» – إلى استعادة سوق العمل الأميركية لتوازنها بعد فترة من الاضطراب شهدها العام الماضي بسبب الضغوط الناجمة عن الرسوم الجمركية. ورغم أن الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد تسببت في رفع أسعار السلع الأساسية وتأجيج معدلات التضخم، فإن مستويات تسريح العمالة في قطاع الأعمال لا تزال عند مستويات منخفضة تاريخياً.

ويأتي صدور هذه البيانات كمؤشر أولي يسبق تقرير الوظائف الحكومي الأكثر شمولاً والمراقب من كثب، والمقرر صدوره يوم الجمعة عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي، علماً بأن مؤشر «إيه دي بي» لا يعد دائماً متنبئاً دقيقاً بالقراءة الحكومية الرسمية.

وتتوقع استطلاعات «رويترز » أن تنمو الوظائف غير الزراعية بواقع 85 ألف وظيفة في مايو، مقارنة بزيادة بلغت 115 ألفاً في أبريل، وأن يستقر معدل البطالة عند مستوى 4.3 في المائة.

وتترقب الأسواق المالية إبقاء الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة القياسية لليلة واحدة ضمن نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة حتى العام المقبل، مع رصد تداعيات التضخم الناجم عن الحرب، لا سيما بعد أن سجل التضخم في أبريل أسرع وتيرة نمو له منذ ثلاث سنوات.


طوكيو تحذر المضاربين بالين وسط مؤشرات غامضة على التدخل

رجل يمر أمام مقر البورصة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
رجل يمر أمام مقر البورصة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

طوكيو تحذر المضاربين بالين وسط مؤشرات غامضة على التدخل

رجل يمر أمام مقر البورصة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
رجل يمر أمام مقر البورصة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

انخفض الين إلى مستويات سبقت تدخل طوكيو الشهر الماضي، مما دفع صناع السياسات إلى إصدار تحذيرات جديدة يوم الأربعاء، وشهدت بعدها الأسواق ارتفاعاً حاداً في العملة، مما أكد على تقلبات السوق.

وصباح الأربعاء، لامس الين خط 160 يناً للدولار للمرة الأولى منذ 30 أبريل (نيسان)، مما محا جميع المكاسب التي تحققت بعد تدخل قياسي من اليابان في أسواق الصرف الأجنبي.

وأدى الانخفاض المفاجئ للين إلى وضع المتداولين في حالة تأهب تحسباً لتحرك محتمل آخر من جانب طوكيو لدعم العملة. وكررت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي تصريحات وزيرة المالية التي أدلت بها في وقت سابق من اليوم، والتي أكدت فيها استعداد السلطات للرد على تحركات سعر الصرف.

وقالت تاكايتشي إن «التداول المضاربي الذي لا يستند إلى طلب حقيقي له تأثير كبير على سوق العملات». ولم تعلق وزارة المالية عندما سُئلت عما إذا كان الارتفاع المفاجئ في قيمة الين ناتجاً عن تدخل.

وقال كريس سيكلونا، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في شركة دايوا كابيتال ماركتس في لندن، إنه على الرغم من عدم استبعاد التدخل، فإن التحركات حتى الآن كانت محدودة. وأضاف: «قد يكونون (السلطات اليابانية) قد أجروا مراجعة لسعر الصرف لتعزيز تصريحاتهم بشأن الين. علينا الانتظار لنرى».

وشهدت الأسواق تقلبات طوال اليوم قبيل خطاب محافظ بنك اليابان كازو أويدا. وانخفض سعر صرف الدولار مقابل الين إلى أدنى مستوى له خلال الجلسة بعد تصريح أويدا بأن الموقف الأساسي للبنك المركزي هو مواصلة رفع سعر الفائدة. ويتمثل أحد الأسئلة الرئيسية المطروحة على الأسواق فيما إذا كانت تاكايتشي، ذات التوجهات المالية المتساهلة، وحكومتها تؤيدان المزيد من التشديد النقدي من قبل البنك المركزي.

وصرحت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، يوم الأربعاء، بأنها تتفق إلى حد كبير مع محافظ بنك اليابان في مختلف الجوانب، مضيفة أن أويدا وتاكايتشي أجريا «مناقشات بناءة للغاية» في اجتماع عُقد مؤخراً. وأظهرت بيانات يوم الجمعة أن اليابان أنفقت 11.7 تريليون ين (73.14 مليار دولار) منذ أبريل لدعم الين، في أكبر جولة تدخل في شهر واحد على الإطلاق.

• الخط الأحمر

وانخفضت العملة إلى أدنى مستوى لها منذ عامين تقريباً، مسجلة 160.725 ين للدولار في 30 أبريل، قبل أن ترتفع فجأة إلى 155 يناً، في حين يُعتقد أنها جولات متعددة من التدخل لشراء الين. لكن العملة تراجعت منذ ذلك الحين، مما أثار توقعات باتخاذ طوكيو مزيداً من الإجراءات للدفاع عن عملتها. ويتطلب التدخل بشراء الين بيع أصول أجنبية، بلغت قيمة الأصول التي تمتلكها اليابان نحو تريليون دولار في نهاية أبريل. وكتب برنت دونيلي، رئيس شركة التحليلات «سبكترا ماركتس»، في مذكرة: «ترتفع احتمالات التدخل فوق الصفر مع اقتراب مستوى 160 ينا للدولار، وترتفع بشكل ملحوظ إذا تم التداول عند مستوى 162. وقد أثرت أزمة الشرق الأوسط التي استمرت ثلاثة أشهر بشدة على الاقتصاد الياباني وعملته؛ حيث تستورد اليابان معظم نفطها وتدفع ثمنه بالدولار. وقد فاقم ذلك من تراجع الين أصلاً، وسط نهج بنك اليابان الحذر في رفع أسعار الفائدة وتوقعات بتوسيع نطاق التحفيز المالي. وركزت الإدارات اليابانية السابقة على سرعة تغير الأسواق عند اتخاذ قرار التدخل، لكن يبدو أن حكومة تاكايتشي تركز أكثر على حماية المستويات الرئيسية».

وقال بارت واكاباياشي، مدير فرع ستيت ستريت في طوكيو: «أعتقد أنهم نجحوا في غرس فكرة لدى المشاركين في السوق مفادها أن مستوى 160 هو المستوى الذي يجب أن نتوخى الحذر عنده. لقد وضعوا هذا المستوى بوضوح كنقطة تحول؛ حيث سنشهد توتراً وقلقاً متزايدين».

• إشارات الفائدة

وفي غضون ذلك، قال محافظ بنك اليابان كازو أويدا، إن البنك المركزي مُلزم بمناقشة إيجابيات وسلبيات رفع أسعار الفائدة إذا فاقت مخاطر التضخم مخاطر تراجع الاقتصاد، في تصريحات تُشير إلى احتمال أكبر لرفع سعر الفائدة هذا الشهر.

وأضاف أويدا، في خطاب ألقاه يوم الأربعاء: «تمر اليابان حالياً بوضعٍ يُرجّح فيه أن تؤدي الآثار الجانبية للتضخم الناجم عن ارتفاع أسعار النفط الخام إلى تجاوز التضخم الأساسي... ونعتقد أنه من الضروري اتخاذ قرارات بشأن السياسة النقدية المستقبلية بناءً على هذه الفرضية». وانخفض الدولار بنسبة 0.3 في المائة مقابل الين إلى 159.40 بعد تصريحات أويدا، مما يزيد من احتمالية رفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيسي إلى 1 في المائة من 0.75 في المائة في اجتماعه المقبل يومي 15 و16 يونيو (حزيران)، كما توقع العديد من المتعاملين في السوق.

وحذر أويدا من أن ضغوط الأسعار الناجمة عن صدمة الطاقة بسبب الحرب الإيرانية قد لا تكون مؤقتة، وقد تؤدي إلى ارتفاع التضخم الأساسي أكثر مما يتوقعه بنك اليابان.

وقال أويدا إنه إذا تأخر البنك المركزي في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة التضخم، فقد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة بشكل كبير لاحقاً، مما سيُثقل كاهل الاقتصاد والأسواق والنظام المالي. وأضاف: «بينما ينبغي لبنك اليابان الانتباه إلى المخاطر السلبية التي تهدد النشاط الاقتصادي، عليه أن يكون أكثر يقظة لاحتمالية تحقق مخاطر التضخم وتأثيرها السلبي على الاقتصاد».


ترمب يثير غضب العالم مجدداً بـ«رسوم العمل القسري»

سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
TT

ترمب يثير غضب العالم مجدداً بـ«رسوم العمل القسري»

سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة جديدة في النزاعات التجارية العالمية بعدما اقترحت فرض رسوم جمركية إضافية تتراوح بين 10 و12.5 في المائة على واردات قادمة من 60 اقتصاداً حول العالم، متهمة شركاءها التجاريين بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع دخول منتجات مصنوعة باستخدام العمل القسري إلى الأسواق العالمية.

والخطوة الأميركية، التي جاءت عبر مكتب الممثل التجاري الأميركي، لا تقتصر على كونها إجراءً تجارياً جديداً، بل تمثل محاولة لإعادة بناء جزء من منظومة الرسوم الجمركية الواسعة التي أطلقتها إدارة ترمب سابقاً قبل أن تُبطلها المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) الماضي.

وبينما تبرر واشنطن القرار بحماية العمال الأميركيين، ومكافحة الممارسات التجارية غير العادلة، أثارت المقترحات موجة واسعة من الانتقادات الدولية، وسط مخاوف من أن تؤدي إلى جولة جديدة من التوترات التجارية في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يواجه تداعيات الحرب الإيرانية، وتباطؤ النمو العالمي.

وقال الممثل التجاري الأميركي، جيميسون غرير، إن فشل الشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة في الحد من استيراد السلع المرتبطة بالعمل القسري «أمر غير مقبول»، مضيفاً أن هذا الواقع يجبر العمال الأميركيين على المنافسة في بيئة غير متكافئة.

وبموجب المقترحات الجديدة، ستخضع واردات من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا والمكسيك وتايوان وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وعدد من الاقتصادات الأخرى لرسوم إضافية تبلغ 10 في المائة، بينما تواجه الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا و45 دولة أخرى رسوماً أعلى تصل إلى 12.5 في المائة.

ورغم أن الإجراءات لم تدخل حيز التنفيذ بعد، إذ فتح مكتب الممثل التجاري باب التعليقات العامة حتى السادس من يوليو (تموز) مع عقد جلسة استماع في السابع من الشهر نفسه، فإن الإعلان وحده كان كافياً لإثارة ردود فعل قوية من أبرز الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

جانب من اجتماع بالبرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (إ.ب.أ)

اعتراضات واسعة

وكان الاتحاد الأوروبي في مقدمة المعترضين على القرار. فقد أكدت المفوضية الأوروبية أن الرسوم المقترحة «غير مبررة»، مشددة على التزامها بتنفيذ الاتفاق التجاري الذي أُبرم مع واشنطن العام الماضي.

ووصف رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، بيرند لانغه، المبررات الأميركية بأنها «سخيفة تماماً»، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي أقر بالفعل قانوناً عام 2024 يحظر استيراد المنتجات المرتبطة بالعمل القسري.

وقال لانغه إن الانطباع السائد أصبح أن الإدارة الأميركية تبحث أولاً عن فرض الرسوم، ثم تبحث لاحقاً عن الأساس القانوني الذي يبرر هذه الرسوم، في انتقاد يعكس تزايد التوتر داخل أوروبا تجاه السياسة التجارية الأميركية.

وتحمل هذه الانتقادات دلالة خاصة، لأن الاتحاد الأوروبي كان قد توصل العام الماضي إلى تفاهم مع واشنطن قبل بموجبه رسوماً أميركية بنسبة 15 في المائة على نطاق واسع من صادراته، في إطار تسوية هدفت إلى تجنب حرب تجارية عبر الأطلسي.

لكن التقرير الأميركي الجديد اعتبر أن الإجراءات الأوروبية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد، وأنها لا تتضمن عناصر كافية لضمان مكافحة فعالة للمنتجات المرتبطة بالعمل القسري، وهو ما رفضته بروكسل بشكل قاطع.

سفينة حاويات تغادر ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

بكين غاضبة

أما الصين، التي تواجه رسوماً مقترحة بنسبة 12.5 في المائة، فقد جاءت ردودها أكثر حدة. وقالت وزارة الخارجية الصينية إنه «لا يوجد ما يسمى بالعمل القسري في الصين»، متهمة واشنطن باستخدام الملف ذريعة للتلاعب السياسي، وفرض قيود تجارية أحادية الجانب.

وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ أن بكين تعارض جميع أشكال الرسوم الجمركية الأحادية، محذرة من أن الصين ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها التجارية.

وتأتي هذه المواجهة في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم حالة من التهدئة الحذرة بعد قمة الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين الشهر الماضي، والتي أسفرت عن تفاهمات تجارية تشمل خفضاً متبادلاً لبعض الرسوم، وتوسيع التعاون في مجالات محددة.

لكن القرار الأميركي الجديد يهدد بإعادة التوتر إلى العلاقة التجارية بين البلدين، خصوصاً أن واشنطن لا تزال تواصل تحقيقات أخرى تستهدف الفائض الصناعي الصيني، والدعم الحكومي للصناعات الاستراتيجية.

تلفزيونات معروضة في أحد متاجر وول مارت بولاية هيوستن الأميركية (أ.ب)

هدوء هندي

وفي الهند، التي وُضعت أيضاً ضمن قائمة الدول الخاضعة للرسوم الأعلى، جاء الرد أكثر هدوءاً. فقد أكدت وزارة التجارة الهندية أن الرسوم المقترحة ليست نهائية، وأن نيودلهي تواصل التفاوض مع الولايات المتحدة في إطار إجراءات التحقيق الحالية.

ويكتسب الموقف الهندي أهمية خاصة، لأن القرار الأميركي جاء بالتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات التجارية الثنائية بين البلدين، حيث يسعى الطرفان إلى التوصل لاتفاق إطار اقتصادي أوسع. ويرى مسؤولون هنود أن القضية تتجاوز ملف العمل القسري نفسه، وأنها جزء من أدوات الضغط الأميركية المستخدمة خلال المفاوضات التجارية.

مواقف متباينة

أما تايوان، التي تواجه رسوماً بنسبة 10 في المائة، فقد تبنت لهجة أكثر تفاؤلاً، معربة عن ثقتها بأن النتائج النهائية ستأخذ في الاعتبار التفاهمات التي توصلت إليها سابقاً مع واشنطن، بما يضمن معاملة تفضيلية نسبياً مقارنة ببعض الشركاء الآخرين.

وفي بريطانيا، قالت الحكومة إنها تواصل التواصل المنتظم مع الإدارة الأميركية، مؤكدة أنها تتخذ بالفعل إجراءات لمكافحة العمل القسري في سلاسل الإمداد المحلية، والعالمية، مع الحفاظ على الامتيازات التجارية القائمة للشركات البريطانية.

مزارع يقوم بحصاد محصول الذرة في مدينة ألباني بولاية جورجيا الأميركية (أ.ب)

وراء الستار

لكن خلف هذا الجدل السياسي والتجاري يبرز سؤال اقتصادي أوسع: «هل تمثل الرسوم الجديدة تحولاً دائماً في السياسة التجارية الأميركية؟»، فإدارة ترمب تبدو مصممة على إعادة استخدام أدوات الحماية التجارية بطرق جديدة بعد القيود القانونية التي فرضتها المحكمة العليا على صلاحيات الرئيس في فرض الرسوم الطارئة.

ولهذا جاءت التحقيقات الحالية بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، والتي تمنح الإدارة مساحة أوسع لفرض إجراءات ضد ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.

كما أن القائمة الواسعة للدول المستهدفة تشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى القضية باعتبارها نزاعاً مع الصين فقط، بل إنها جزء من استراتيجية أشمل لإعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية، وسلاسل التوريد الدولية.

ورغم ذلك، حاولت الإدارة الأميركية الحد من التأثيرات الاقتصادية المباشرة للقرار عبر استثناء عدد من السلع الحساسة من الرسوم المقترحة، بما في ذلك الطاقة، والعناصر الأرضية النادرة، وبعض المعادن، والمنتجات الدوائية، وقطع غيار الطائرات، والمواد الكيميائية العضوية، ومنتجات زراعية محددة.

لكن حتى مع هذه الاستثناءات، يخشى المستثمرون والشركات من أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى زيادة تكاليف التجارة العالمية، وإرباك سلاسل الإمداد، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يواجه تحديات مرتبطة بالتضخم، وأسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية.

وفي المحصلة، تبدو الرسوم الأميركية المقترحة أكثر من مجرد إجراء تجاري محدود؛ فهي تمثل اختباراً جديداً للعلاقات الاقتصادية بين واشنطن وشركائها الرئيسين، وقد تتحول خلال الأشهر المقبلة إلى إحدى أهم نقاط التوتر في الاقتصاد العالمي إذا تحولت من مقترحات قيد التشاور إلى واقع يفرض أعباء جديدة على التجارة الدولية.