ليبيا: «الحدود الجنوبية الهشة»... ساحة مواجهات مفتوحة بين حفتر ومسلحين

قوات «الجيش الوطني» تتعقب قائد الفصيل «وردقو»

جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي (رئاسة الأركان البرية)
جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي (رئاسة الأركان البرية)
TT

ليبيا: «الحدود الجنوبية الهشة»... ساحة مواجهات مفتوحة بين حفتر ومسلحين

جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي (رئاسة الأركان البرية)
جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي (رئاسة الأركان البرية)

تفجّرت الأوضاع على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاءً عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب» بإمرة محمد وردقو، التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، خاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي بمعبر التوم الحدودي مع دولة النيجر (رئاسة الأركان البرية)

وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة من منتسبي الجيش وإصابة آخرين، إضافة إلى وقوع عدد منهم في أسر المجموعة التي تسميها وسائل إعلام تشادية بـ«ثوار جنوبيين»، ينتمون إلى المجلس العسكري لمدينة مُرزق.

ورغم إعلان القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بأن قواته تمكنت من تحرير جنوده المخطوفين، فإن الهجوم الذي وصفته بـ«الإرهابي الغادر»، الذي اتهمت «جهات معادية» بالوقوف وراءه، لفت الأنظار إلى «نقاط حدودية هشة»، باتت تُستخدم كورقة لـ«تصفية الحسابات»، ومحاولة لـ«بسط النفوذ».

هذه النقاط الحدودية هي منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

وقادت قوات «النخبة» بالجيش الوطني عملية عسكرية، وصفتها بأنها «نوعية ودقيقة» على الحدود الجنوبية منتصف الأسبوع، أسفرت عن تحييد عدد من الإرهابيين وأسر آخرين، كما صادرت كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، التي كانت بحوزتهم. وتناقلت وسائل إعلام محلية وشخصيات موالية للجيش نبأ إلقاء القبض على المسلّح «وردقو»، لكن مواقع موالية لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس نقلت عمن أسمته «مصدراً» عدم صحة الأنباء المتعلقة بأسره.

وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي (رئاسة الأركان البرية)

ويرى الدكتور عبد الله عثامنة، المستشار السياسي بالقيادة العامة، أن «عملية تحرير الجنوب الليبي من هيمنة القوات الأجنبية، التي جعلت من (الحُميرة القديمة والجديدة والسلفادور وبوابة التوم) مراكز لاستنزاف اقتصاد ليبيا، وتهريب خيراتها للخارج، كانت ممنهجة ضمن الاستراتيجية الوطنية للقيادة العامة».

وقال عثامنة في إدراج له عبر صفحته على «فيسبوك» إن الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام، «لم يقف مكتوف الأيدي، بل حرر أسرانا في أقل من 48 ساعة، وسحق من يحاول تهديد أمننا وخرق سيادتنا».

في السياق ذاته، يرى مسؤول عسكري ليبي سابق، تحدث إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه النقاط الحدودية «ستظل ساحة مواجهات، وستشهد مزيداً من الصراع، لكونها ظلت تجتذب لسنوات متمردين وإرهابيين من دول الجوار». وذكّر بأن «مئات المتمردين التشاديين ظلوا يتخذون هذه المنطقة ملاذاً آمناً»، مبرزاً أن المسلحين الذين شاركوا في قتل الرئيس إدريس ديبي في أبريل (نيسان) 2021، انطلقوا من الجنوب الليبي.

وما بين عمليات كر وفر تشهدها الصحراء الجنوبية، قال الكاتب الليبي عبد الحكيم معتوق إن الأنباء الواردة من منطقة «الغرنديقة»، و«سيوف الرمال» بوادي أملولو، تفيد بأن «مقاتلي تحرير الجنوب انسحبوا بشكل تكتيكي بعد أن كثف الجيش ضرباته باستخدام الطيران في معارك دامية».

وهذه المناطق الواقعة أقصى الجنوب الغربي الليبي، ضمن النطاق الجغرافي لبلدية غات، تعد جزءاً من نقاط التوتر على الحدود المترامية.

قيادات من الجيش الوطني الليبي والجيش التشادي عند النقطة الحدودية 35 (رئاسة الأركان البرية)

وبشّرت ما تسمى قيادة «غرفة عمليات تحرير الجنوب» أنصارها بأنها حققت «انتصارات جديدة»، وادعت أن قواتها المرابطة على الثغور «تمكنت من تطهير كامل الشريط الحدودي مع دولة النيجر الشقيقة، وفرض السيطرة النارية الكاملة على جميع المنافذ، والمعابر الحدودية في هذا القطاع الواسع». وهي الرواية التي دحضها «الجيش الوطني».

وكان وردقو، الذي تلا بيان العناصر المسلحة من أمام «منفذ التوم» الشهر الماضي، قد قال في مقطع فيديو إنهم سيواصلون عملياتهم ضد قوات «الجيش الوطني»، مضيفاً: «لسنا عصابات بل نحن من أبناء الجنوب».

كما ظهر وردقو على قناة «سلام» المحلية، وقال إنه مقيم في طرابلس، ويقود ما يسمى «غرفة عمليات تحرير الجنوب».

وعدّ الناشط الليبي، أسامة الشحومي، أن ظهور وردقو على قناة «سلام»، وتقديمه بصفته قائداً لعمليات تحرير الجنوب، يعد «خرقاً متعمداً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020» بين شرق ليبيا وغربها.

ووردقو، حسبما تشير الكاتبة الليبية عفاف الفرجاني، ينحدر من أصول تشادية، وكان من سكان منطقة «أوزو»، التي شكلت محور نزاع حدودي طويل بين ليبيا وتشاد؛ وقد حصل على الجنسية الليبية في أوائل التسعينات، على أساس أن هذه المنطقة كانت تحت النفوذ الليبي آنذاك.

ولفتت إلى أنه مع تغير المعادلات بعد حكم محكمة العدل الدولية، وإعادة منطقة «أوزو» إلى تشاد، تحولت المنطقة إلى بؤرة هشاشة أمنية استغلتها مجموعات مسلحة عابرة للحدود.

الفريق صدام حفتر (رئاسة الأركان البرية)

وبشأن صعود وردقو، ذكرت أن اسمه برز ضمن هذه التشكيلات، التي لم تكن يوماً مرتبطة بمشروع وطني واضح، بل تحركت وفق من يدفع، ووفق ميزان القوة على الأرض. وأوضحت أنه خلال فترة الصراع بين «فجر ليبيا» و«عملية الكرامة» عام 2014، جرى توظيف مجموعات مسلحة من عناصر تشادية، ضمن حسابات الحرب؛ لكن مع تغير موازين القوى، وتوقف مصادر التمويل بعد حسم المعركة عسكرياً لصالح «الكرامة»، وجدت هذه المجموعات نفسها خارج الغطاء المالي.

وردقو يتوسط رفقاءه (قناة سلام المحلية)

وانتهت إلى أن هذه المتغيرات «حوّلت المعادلة من الارتزاق السياسي إلى الابتزاز المحلي»؛ فبدلاً من الانخراط ضمن تشكيل منضبط، اتجهت بعض هذه العناصر إلى فرض واقع بالقوة على سكان الجنوب عبر نقاط توقيف، وفرض إتاوات مالية مقابل السماح بمرور المركبات.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

شمال افريقيا نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

تتمسك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي قبل حسم ملف الدستور الدائم، في وقت تتجدد فيه مطالب ليبية بطرح مشروع الدستور.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس النواب الليبي لمناقشة مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا الثلاثاء (إعلام مجلس النواب الليبي)

رفض مصري - يوناني لمصادقة البرلمان الليبي على اتفاق الحدود البحرية مع تركيا

أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا ملف ترسيم الحدود بشرق المتوسط إلى واجهة الخلافات الإقليمية في ظل رفض مصري ويوناني للمصادقة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لحظة حصاره الأربعاء (حسابات ليبية موثوقة)

فوضى الميليشيات والسلاح تداهم أكبر جهاز رقابي في ليبيا

عاد الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا إلى الواجهة، الأربعاء، مع اقتحام عناصر ميليشياوية مسلحة مقر ديوان المحاسبة في العاصمة طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» يتفقد قاعدة الواو العسكرية بالجنوب (الجيش الوطني)

أبعاد زيادة صدام حفتر لقاعدة عسكرية جنوب ليبيا

في إطار التحركات الميدانية المكثفة لتأمين الجنوب الليبي، أجرى الفريق صدام حفتر زيارات تفقدية للحدود والقبائل، مؤكداً الربط بين الأمن والاستقرار والتنمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

في وقت تحل فيه الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، يعيش أنصاره رحلة بحث شاقة عن «وريث» سياسي يملأ الفراغ الذي خلّفه غياب سيف الإسلام.

علاء حموده (القاهرة)

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
TT

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين

قضت محكمة تونسية، الأربعاء، بأحكام بالسجن تتراوح بين سنة واحدة نافذة وستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق عشرة ناشطين بيئيين، شاركوا في اعتصام نُظم عام 2020 بالقرب من مجمع صناعي مثير للجدل في محافظة قابس بجنوب البلاد.

وأوضحت المحامية حميدة الشايب وخير الدين دبيّة، المسؤول في حراك «أوقفوا التلوث» وأحد المتهمين المحكوم عليهم بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن المحكمة الابتدائية في قابس أكدت ثبوت الضرر، الذي لحق بالمجمع الكيميائي التونسي في هذه القضية.

وكان المجمع الكيميائي بقابس (حكومي) قد تقدم بشكوى ضد عدد من الناشطين، بتهمة «عرقلة حرية العمل» خلال اعتصام نُظم في ديسمبر (كانون الأول) 2020 بالقرب من المجمع، وفقاً لما أفادت به حميدة الشايب. وأُوقف الناشطون حينها ثم أُفرج عنهم.

وقال خير الدين دبيّة: «قيل لنا إن القضية ستُحفظ». غير أنه تبين للناشطين في مارس (آذار) الماضي أنهم أُدينوا غيابياً منذ عام 2023 بالسجن لمدة سنة واحدة.

وأكدت المحكمة الابتدائية في قابس، الأربعاء، الحكم بالسجن النافذ لمدة عام بحق متهمين اثنين، مع خفض العقوبة بالنسبة للثمانية الآخرين إلى ستة أشهر مع وقف التنفيذ.

وندّدت جمعية «تقاطع من أجل الحقوق والحريات»، في بيان، الأربعاء، بهذه الأحكام، منتقدة «اللجوء إلى المقاربات الزجرية في التعاطي مع المطالب الاجتماعية والبيئية، لما يمثّله ذلك من خطر على حرية الاحتجاج السلمي والمشاركة المدنية».

وأُنشئ المجمع الكيميائي التونسي، وهو مؤسسة عامة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الوطني، سنة 1972 على الساحل البحري لقابس. ويُتّهم هذا المجمع بانتظام من قبل المدافعين عن البيئة بالمساهمة في تلويث كبير للمنطقة، نظراً لتخصصه في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.

وفي أواخر فبراير (شباط) الماضي، رفض القضاء طلب الوقف المؤقت لإنتاجه. وتم رفع الدعوى على خلفية العديد من حالات التسمم، التي سجلت العام الماضي في محيط هذا المجمع.

وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تظاهر آلاف السكان للمطالبة بإغلاق هذا المصنع، كما شلّ إضراب عام هذه المدينة التي يقطنها نحو 400 ألف نسمة.


السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

أكّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «الجهد العسكري المصري هو للدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية، ولا يشمل هجوماً على اليمن». وقال، مساء الأربعاء، إن «المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك». وأشار إلى أن «الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها».

كما لفت السيسي إلى أن «وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك». وقال إن «الأمن القومي العربي لا يتجزأ»، وشدّد على أن «استقرار أشقائنا في الخليج أمر يخص مصر من منظور الأمن القومي، وعلى ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية، بما في ذلك في السودان وليبيا والصومال».

ومن المقرر أن ينعقد مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين المقبل، بشأن تفويض الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية.

وشارك الرئيس السيسي، الأربعاء، في جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء.

الرئيس المصري يشدد على ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية (الرئاسة المصرية)

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، فقد تحدث وزير الداخلية محمود توفيق عن الجهود المبذولة لتطوير منظومة الأمن، والتصدي للجريمة الجنائية، مشيراً إلى أن «الداخلية وضعت خطة متكاملة في إطار جهودها لإعادة صياغة العمل الأمني، خاصة مع تطور أساليب ارتكاب الجرائم، ارتكزت على محاور، من بينها تكوين كوادر في مجال الجريمة الإلكترونية والملكية الفكرية، والرصد المبكر لحركة التنظيمات الإرهابية، وتنمية وعي المواطن، كونه حائط الصد أمام مساعي النيل من استقرار الوطن، وتحديث السياسة العقابية بالنسبة للمحكوم عليهم».

وبدوره، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن «مصر محاطة بدول تشهد أزمات وصراعات، وهي أوضاع تتعلق بالأمن القومي المصري»، لافتاً إلى أن «بلاده لديها علاقات وشراكات استراتيجية مع مختلف القوى العالمية، وتدير تلك العلاقات والشراكات بحكمة وفقاً لعقيدة (الاتزان الاستراتيجي) التي أرساها الرئيس السيسي».

وحول ما يتعلق بأمن منطقة البحر الأحمر، أشار عبد العاطي إلى أن «مصر تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار في تلك المنطقة، بالتعاون مع الدول المتشاطئة، من خلال التعاون وإقامة الشراكات مع تلك الدول في المجالات المختلفة لوجستياً واقتصادياً وفي مجال التنمية السياحية».

كما أكد أن «الأمن المائي قضية وجودية، ولا يمكن رهن حياة 110 ملايين مصري بإرادة أحادية لأي طرف»، مشدداً على أن «مصر تطلب تطبيق قواعد القانون الدولي فقط»، مشيراً إلى أن «هناك قواعد تحكم السياسة المصرية تجاه دول القرن الأفريقي، وأولاها عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول والتأكيد على وحدة الدول واستقلاليتها والرفض الكامل لانفصال وتقسيم وتفكيك الدول في القرن الأفريقي، ومسألة النفاذ البحري بالتنسيق والاتفاق مع الدول المجاورة».

الرئيس السيسي أكد أن وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك (الرئاسة المصرية)

وأوضح عبد العاطي أن «مصر لن تسمح بتقسيم السودان، ولا السماح بسقوط مؤسسات الدولة السودانية، والجهد المصري متواصل مع الأطراف الإقليميّة الأخرى لإيجاد حل سياسي في السودان».

وعقب الرئيس السيسي خلال الجلسة، مساء الأربعاء، مؤكداً «ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، لأن عدم الحفاظ على مؤسسات الدول هو الذي يؤدي إلى سقوطها، وسقوط الدول يتسبب في مشكلات كبيرة جداً»، منوهاً بأن «الواقع الموجود بالمنطقة يشير إلى ذلك».

وتحدث السيسي عن ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014، وقال إنها «تقوم على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التآمر، والحفاظ على وحدة الدولة الوطنية ومؤسساتها، وعدم التعامل مع الميليشيات المسلحة، والتعاون من أجل البناء والتنمية والتعمير، والانخراط الإيجابي في علاقات متوازنة مع الجميع».


الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تتمسك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي، قبل حسم ملف الدستور الدائم، في وقت تتجدد فيه مطالب ليبيين بطرح مشروع الدستور المنجز عام 2017 للاستفتاء الشعبي، باعتباره مخرجاً من دوامة المراحل الانتقالية، التي تعاقبت على البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

وبدا التباين واضحاً خلال لقاء عقدته نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، مع أكاديميين وأعيان وشيوخ قبائل في جامعة غريان (غرب)، حيث انصب حديث المشاركين على ضرورة الاحتكام إلى الشعب بشأن المسودة الدستورية، وفق بيان للبعثة الأممية، مساء أمس الثلاثاء.

في المقابل، ركزت المقاربة الأممية على الخيارات التي طرحتها اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، وما خلصا إليه من توصيات تربط استكمال الاستحقاق الدستوري بتهيئة ظروف سياسية أكثر استقراراً.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

ولا تزال ليبيا تُدار بموجب الإعلان الدستوري، الصادر عقب إسقاط النظام السابق، فيما بقي مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة في يوليو (تموز) 2017 معلقاً، من دون عرضه على استفتاء عام، وهو ما أبقى الخلاف بشأن الأساس الدستوري الدائم للدولة مفتوحاً طوال سنوات الانقسام السياسي.

وخلال لقاء غريان، عبّر المشاركون عن إحباطهم من استمرار الأزمة، وتكرار المراحل الانتقالية، معتبرين أن بقاء المؤسسات السياسية في مواقعها، وسط الخلاف على شرعيتها، يطيل أمد الأزمة ويؤجل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

ورأى أحد الأكاديميين المشاركين أن تكرار تجربة الحكومات الانتقالية يقود إلى إعادة إنتاج المحاولات الفاشلة، في ظل استمرار الهيئات السياسية في تمديد ولاياتها، من دون إتاحة الفرصة أمام المواطنين لتحديد مستقبل النظام السياسي. واعتبر أن الاستفتاء على الدستور «يمثل مدخلاً ضرورياً لتمكين الليبيين من التعبير عن إرادتهم بشأن شكل الدولة ونظام الحكم».

واستحضر أحد الأعيان المحليين مؤتمر غريان لعام 1920، بوصفه محطة في تاريخ الحركة الوطنية الليبية، مشدداً على أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون دستور دائم يحظى بقبول الشعب. واختصر مشارك آخر مطلب الحاضرين في عبارة «دولة دستور يعني دولة قانون»، في إشارة إلى ارتباط إنهاء المرحلة الانتقالية بإقامة إطار قانوني مستقر، ينظم السلطات والعلاقة بينها.

أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

في المقابل، نقلت خوري إدراك البعثة بأهمية التوصل إلى دستور دائم، موضحة أنها دعمت وستواصل دعم الجهود الليبية لتحقيق هذا الهدف، مع التشديد على أن تقرير مستقبل البلاد الدستوري يظل قراراً سيادياً لليبيين. لكن مقاربة البعثة تستند إلى ما خلصت إليه مساراتها السياسية (اللجنة الاستشارية الليبية والحوار المهيكل) من ضرورة معالجة التحديات القائمة، وتهيئة ظروف أكثر استقراراً قبل حسم الخيارات الدستورية.

وكانت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة، قد خلصت في مايو (أيار) 2025 إلى أربعة خيارات دستورية وانتخابية، شملت إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، أو انتخاب البرلمان أولاً، ثم اعتماد دستور دائم، أو إقرار الدستور قبل الانتخابات، أو تشكيل لجنة حوار سياسي تتولى استكمال القوانين الانتخابية، وتحديد السلطة التنفيذية ومسار الدستور.

أما الحوار المُهيكل، الذي اختتم أعماله في يونيو (حزيران) الماضي، فقد أوصى مسار الحوكمة فيه بوضع إطار دستوري انتقالي توافقي وملزم، مع تأجيل حسم الدستور الدائم إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وتضمنت التوصيات مراجعة خبراء وطنيين لمسودات الدستور السابقة، وإحالة نتائج المراجعة إلى مجلس الشيوخ بعد انتخابه.

وفي ظل استمرار هذا التباين، يرى نوح عبد السيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، أن المشكلة لا تكمن في غياب مشروع دستوري جاهز، بل في عدم اتخاذ خطوات عملية لعرضه على المواطنين، رغم إنجازه من هيئة منتخبة.

واستغرب عبد السيد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، عدم تحرك الأمم المتحدة والدول المنخرطة في الأزمة الليبية لدفع الاستفتاء على مشروع 2017، معتبراً أن تجاهله يثير تساؤلات بشأن جدية المواقف الدولية إزاء إنهاء الخلاف الدستوري. وشدد على أن الإشادة بأهمية الدستور لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات تتيح لليبيين إبداء رأيهم فيه.

وتساءل عبد السيد عما إذا كانت التصريحات الأممية بشأن دعم الدستور تستهدف احتواء المطالب المحلية، أم تعكس توجهاً عملياً نحو إنهاء حالة الجمود، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية يتمثل في مدى استعدادها لدعم الاستفتاء على مشروع أنجزته هيئة تأسيسية منتخبة.

وانتهى عضو الهيئة التأسيسية إلى الربط بين استمرار التعثر الدستوري وحسابات القوى الخارجية، معتبراً أن بعض الدول قد تفضل التعامل مع سلطة مركزية مستقرة، حتى وإن اتسمت بطابع سلطوي، على دعم نظام ديمقراطي يتيح تداول السلطة، وتغيير الحكومات عبر الانتخابات.