بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)
الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)
TT

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)
الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

تُعدّ الملكية البريطانية مؤسسة شديدة الحساسية تجاه الرأي العام، فهي، في نهاية المطاف، تمتلك الهيبة لا السلطة. وقد تسلّطت الأضواء أخيراً على الفضيحة المرتبطة بالأمير أندرو ماونتباتن ويندسور، الذي أُوقف الخميس للاشتباه بسوء السلوك في منصب عام. وجاء التوقيف عقب اتهامات وُجّهت إلى الأمير السابق بعد نشر ملايين الصفحات من الملفات المرتبطة بالمموّل المدان بجرائم استغلال الأطفال جيفري إبستين.

وكان أندرو قد جُرّد سابقاً من لقبه الأميري ومن مسكنه الواسع بقرار من شقيقه الملك تشارلز، بعد سنوات من الفضائح. ويُقال إن تشارلز اتخذ أكبر خطوة في عهده عبر محاولة عزل المؤسسة الملكية عن أي فضائح إضافية تتعلق بأندرو وصلاته بإبستين، غير أن هذا التطور الأخير أعاد القضية إلى واجهة الاهتمام العام.

الأمير أندرو دوق يورك خلال فعالية في ساندرينغهام نورفولك بشرق إنجلترا يوم 25 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

وليست هذه المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة، وفق تقرير لصحيفة «إندبندنت» البريطانية.

الحرب العالمية الأولى

أوضح جورج غروس، الخبير في الشؤون الملكية في كلية كينغز لندن، أن أحدث سابقة لفقدان أندرو ألقابه تعود إلى قانون حرمان الألقاب لعام 1917، الذي أدّى إلى تجريد عدد من أفراد الأسر الملكية البريطانية والدوقات وأعضاء طبقة النبلاء من ألقابهم إذا وقفوا إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.

وتتشابك العائلات الملكية الأوروبية فيما بينها، كما أن العائلة المالكة البريطانية ذات جذور ألمانية قوية، خصوصاً بعد زواج الملكة فيكتوريا من ألبرت أمير ساكس كوبرغ وغوتا، وإنجابهما تسعة أبناء.

وعندما دخلت بريطانيا وألمانيا الحرب عام 1914، وجد بعض أفراد العائلة الملكية البريطانية الموسّعة أنفسهم على طرفي النزاع. وفي عام 1917، غيّر الملك البريطاني جورج الخامس اسم العائلة من ساكس كوبرغ وغوتا إلى وندسور، وأطلق تشريعاً يقضي بإلغاء ألقاب الأمراء واللوردات الذين حملوا السلاح ضد الملك البريطاني أو حلفائه أو انحازوا إلى أعدائه خلال الحرب.

ومن بين المستهدفين الأمير إرنست أوغستوس، دوق كمبرلاند وتيفيوتديل، الذي كان أميراً من هانوفر وعضواً في العائلة الملكية البريطانية. وقد جُرّد من لقبه لاعتباره عدواً لبريطانيا بموجب قانون 1917 الذي نُفّذ عام 1919 بعد انتهاء الحرب. ووفق مكتبة مجلس العموم، كانت تلك المرة الأولى والوحيدة التي أُزيل فيها لقب بهذه الطريقة.

دوق وندسور الأمير إدوارد يقف مع زوجته واليس سيمبسون قبل أن يبحر من نيويورك يوم 7 فبراير 1952 في طريقه إلى إنجلترا لحضور جنازة شقيقه الملك الراحل جورج السادس (أ.ب - أرشيفية)

التنازل عن العرش

تحوّلت علاقة إدوارد، أمير ويلز، بالشخصية الاجتماعية الأميركية واليس سيمبسون إلى أزمة دستورية. فقد كانت سيمبسون مطلّقة مرتين، بينما كان إدوارد، وريث العرش، مرشحاً ليصبح الرئيس الرمزي لكنيسة إنجلترا التي لم تكن تسمح بزواج المطلقين داخل الكنيسة.

فقد أصبح الأمير ملكاً باسم إدوارد الثامن بعد وفاة والده الملك جورج الخامس مطلع عام 1936، وواصل إصراره على الزواج من سيمبسون رغم معارضة الحكومة البريطانية. وأمام الاختيار بين الواجب والعاطفة، تنازل عن العرش في ديسمبر (كانون الأول) 1936، معلناً في خطاب إذاعي أنه «وجد من المستحيل أداء واجباته كملك كما يرغب دون مساعدة ودعم المرأة التي يحب».

وأحدث هذا التنازل تحوّلاً في مسار الملكية، إذ اعتلى شقيقه الأصغر العرش باسم الملك جورج السادس، ثم خلفته ابنته الملكة إليزابيث الثانية، وبعد حكمها الذي دام 70 عاماً تولّى ابنها الملك تشارلز الثالث. وقد شدّد هؤلاء جميعاً على أن السمة الأساسية للملك يجب أن تكون الإحساس بالواجب، وهي صفة رُئي في المخيال الشعبي أن إدوارد افتقر إليها.

وأُرسل إدوارد وواليس، اللذان أصبحا دوق ودوقة وندسور وتحيط بهما شكوك بالتعاطف مع النازية، إلى جزر الباهاما حيث شغل منصب الحاكم. وبعد الحرب، عاشا في معظم الأحيان بعيداً عن بريطانيا حياة مترفة متنقلة.

الأميرة البريطانية ديانا (أ.ب - أرشيفية)

وفاة الأميرة ديانا

شكّلت وفاة الأميرة ديانا، الزوجة السابقة للملك الحالي تشارلز، في حادث سيارة بباريس عام 1997 عن عمر 36 عاماً صدمة عالمية، وتركت عائلتها، ومن بينهم ابناها ويليام وهاري (15 و12 عاماً آنذاك)، في حالة حداد.

وقد فاجأت قوة المشاعر الشعبية العائلة المالكة. وتكدّست أكوام الزهور أمام بوابات قصر باكنغهام حداداً على أميرة كانت قد عانت من التهميش داخل العائلة الملكية بعد طلاقها من الأمير تشارلز عام 1992.

في ذلك الوقت، كانت الملكة في بالمورال باسكتلندا في عطلتها الصيفية مع الأمير فيليب وتشارلز وويليام وهاري. وحافظت العائلة على حزنها في إطار خاص واستمرت في روتينها المعتاد، ولم تصدر الملكة بياناً لعدة أيام. ونصحها رئيس الوزراء توني بلير بإظهار تعاطف علني مع الجمهور، وقد عبّر بدقة عن المزاج العام حين وصف ديانا بأنها «أميرة الشعب».

وبعد عناوين صحافية من قبيل «تحدثي إلينا يا سيدتي» و«أظهري لنا اهتمامك»، ألقت الملكة إليزابيث خطاباً متلفزاً مباشراً إلى الأمة عشية جنازة ديانا، قائلة: «ما أقوله لكم الآن، بصفتي ملكتكم وجدّة، أقوله من قلبي»، معترفة بحزن البلاد ومشيدة بديانا ومتعهدة بالحفاظ على ذكراها.

الأمير البريطاني هاري وميغان دوق ودوقة ساسكس يلوّحان بيدهما أثناء زيارتهما لمركز التجارة العالمي في مانهاتن بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة يوم 23 سبتمبر 2021 (رويترز)

متاعب الأمير هاري

حتى عودة قضية إبستين إلى الواجهة، كان أندرو يسعى إلى استعادة مكانته داخل العائلة. وربما استفاد بشكل غير مباشر من الجدل المتعلق بالأمير هاري، الذي كان مصدر معظم الدراما في تلك الفترة خارج المشكلات الصحية البارزة داخل العائلة.

وتدهورت علاقة هاري بوالده وشقيقه الأكبر الأمير ويليام، ولي العهد، عندما تخلى هو وزوجته ميغان عن أدوارهما الملكية الرسمية وانتقلا إلى كاليفورنيا عام 2020. وقد عرض الزوجان خلافاتهما مع العائلة الملكية في مقابلة شهيرة مع الإعلامية أوبرا وينفري وسلسلة وثائقية على «نتفليكس»، كما زاد هاري التوتر بكشفه محادثات شخصية في مذكراته «سبير».

كما خالف هاري البروتوكول الملكي باللجوء إلى المحاكم لحل مشكلاته القانونية، وأصبح أول فرد ملكي رفيع يدلي بشهادته أمام القضاء منذ أكثر من قرن، وذلك في دعواه الناجحة بشأن اختراق هاتفه من قبل صحيفة «ديلي ميرور».

غير أن محاولته القانونية الفاشلة لاستعادة الحماية الشرطية التي سُحبت منه بعد تركه العمل الملكي اعتُبرت هجوماً على حكومة والده. وعندما رفضت المحاكم الدعوى نهائياً، أتاح ذلك فرصة للقاء بين الأب والابن، حيث احتسيا الشاي معاً في مقر إقامة تشارلز في لندن، كلارنس هاوس، في سبتمبر (أيلول). وكان ذلك أول لقاء بينهما منذ أكثر من عام، ولم يستمر سوى أقل من ساعة.


مقالات ذات صلة

كيت أميرة ويلز تزور إيطاليا في أول رحلة خارجية منذ مرضها

يوميات الشرق كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب) p-circle

كيت أميرة ويلز تزور إيطاليا في أول رحلة خارجية منذ مرضها

أعلن قصر كنسينغتون اليوم (الأربعاء) أن كيت أميرة ويلز ستتوجه إلى إيطاليا الأسبوع المقبل في أول زيارة رسمية تقوم بها للخارج منذ خضوعها للعلاج من مرض السرطان. …

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأميرة يوجيني البريطانية مع زوجها جاك بروكسبنك (أرشيف-أ.ب)

الأميرة البريطانية يوجيني تنتظر مولوداً ثالثاً

أعلن قصر باكنغهام، اليوم الاثنين، أن الأميرة يوجيني البريطانية، ابنة شقيق الملك تشارلز، حامل وتنتظر وصول مولودها الثالث من زوجها جاك بروكسبنك، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق استخدم فريق من جامعة برادفورد خوارزمية حاسوبية لتحليل رسومات أقارب بولين (جامعة برادفورد)

هل هذا هو الوجه الحقيقي لآن بولين؟

فازت آن بولين بقلب الملك البريطاني هنري الثامن، وأنجبت واحدة من أشهر ملوك البلاد، قبل أن تلقى حتفها بالإعدام عام 1536.

يوميات الشرق تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيودلهي)

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
TT

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

أعلن خفر السواحل السويدي أنه صعد على متن ناقلة النفط «جين هوي» واحتجزها يوم الأحد للاشتباه في رفعها علماً مزيفاً أثناء عبورها المياه السويدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضح خفر السواحل في بيان له، أن السفينة كانت تبحر في بحر البلطيق رافعة العلم السوري. كما تُثار مخاوف بشأن صلاحية السفينة للإبحار.

وكتب وزير الدفاع المدني السويدي، كارل أوسكار بولين، على منصة «إكس» أن «جين هوي» مدرجة حالياً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا.

وأفاد المدعون العامون السويديون يوم الاثنين أنه تم القبض على قبطان السفينة، وهو مواطن صيني، للاشتباه في استخدامه وثيقة مزورة وارتكابه جرائم أخرى.

وهذه هي خامس عملية احتجاز سفينة يقوم بها خفر السواحل السويدي في الأسابيع الأخيرة.

قال دانيال ستينلينغ، نائب رئيس العمليات في خفر السواحل: «لا تزال السفن التي يُشتبه في وجود خلل في صلاحيتها للإبحار تبحر في المياه السويدية. هذا أمر غير مقبول. لقد تدخلنا سابقاً، وها نحن نتدخل مجدداً».

ولم ترد السفارة الروسية في السويد على طلب للتعليق يوم الأربعاء.

وكانت السويد قد أعلنت العام الماضي أنها ستكثف عمليات فحص التأمين على السفن الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على السفن الروسية المشتبه في نقلها النفط والغاز أو الحبوب الأوكرانية المسروقة.


«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
TT

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر الكثير من وصول المستشار الألماني فريدريتش ميرتس إلى منصب المستشارية في برلين يوم 6 مايو (أيار) من العام الماضي لإعادة إطلاق العربة الفرنسية - الألمانية التي تُعدّ، منذ عقود عدة، بمثابة القاطرة الأوروبية التي من دونها سيراوح الاتحاد الأوروبي مكانه. وجاء حجم الآمال المعلقة على ميرتس مساوياً لحجم الخيبة الفرنسية من سلفه المستشار الاشتراكي أولاف شولتس الذي كان يشبه بـ«مكعب الجليد».

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

وطيلة ثلاث سنوات من حكمه، لم ينجح ماكرون في نسج علاقة خاصة مع شخصية منطوية وكتومة. وأمل الرئيس الفرنسي أن يكون ميرتس، القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي، أكثر تجاوباً من سلفه لجهة التجاوب مع رغبة باريس في تعزيز العلاقات الفرنسية - الألمانية من أجل حراك دبلوماسي متسق والسير بالمشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، ومنها تصنيع الطائرة القتالية المشتركة من الجيل السادس ودبابة المستقبل.

كذلك، كان ماكرون يمنّي النفس بالعثور على شريك ألماني يرافقه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا التي يدعو إليها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017 بما تعنيه من تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي. وأخيراً، كان ماكرون يراهن على خبرته في مجال السياسة الدولية بعد السنوات الثماني التي أمضاها في القصر الرئاسي لإقناع المستشار الجديد بخططه حيث إن الأخير لم يسبق له مطلقاً أن شغل منصباً وزارياً أو حكومياً آخر.

خيبة فرنسية من أداء ميرتس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال الاستقبال الرسمي 5 مايو بمناسبة زيارة ماكرون لأرمينيا (رويترز)

بعد مرور عام كامل، لا تبدو محصلة التعاون بين المسؤولين بمستوى الآمال التي كانت معقودة عليه رغم وعود البداية. فالمستشار ميرتس قال، بمناسبة زيارته الأولى لفرنسا، في اليوم التالي لتسلمه السلطة ما حرفيته: «لن نستطيع مواجهة التحديات (المفروضة علينا) إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً».

ويفهم مما سبق أن الطرفين يعيان أهمية قيام علاقات ثقة وتعاون بينهما لمصلحتهما ومصلحة أوروبا. ومن جانبه، استغل ماكرون كل مناسبة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين. ففي زيارة له لبرلين، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس، يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «واجبنا أن ننجح معاً» في مهمتنا وأن «مصلحتنا المشتركة تكمن في تحقيق ما نصبو إليه من مشاريع؛ لأن ذلك يعد معيار مصداقيتنا».

قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عقب اختتام قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق له أن أكد، بمناسبة الاجتماع الوزاري المشترك الفرنسي - الألماني في قصر الإليزيه، أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. وفي أوقات سابقة، نجحت قيادة الثنائي الفرنسي - الألماني في إقامة علاقات شخصية وسياسة استثنائية كالتي قامت بين الجنرال شارل ديغول والمستشار كونراد أديناور، وبين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، وأيضاً بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول.

جانب من جلسات قمة «المجموعة الأوروبية السياسية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

لم يبق لماكرون سوى عام واحد يمضيه في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن ميرتس أمضى عامه الأول في قصر المستشارية. وما يجمع بين المغادر والوافد أن كليهما يعاني تراجع شعبيته، كل في بلده. ففي فرنسا، اظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» لشهر أبريل (نيسان) أن 25 في المائة من العينة المستطلعة أجابوا بـ«نعم» على السؤال التالي: «هل ترى أن إيمانويل ماكرون رئيس جيد؟». أما بالنسبة لميرتس، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 10 في المائة فقط من العيّنة المستطلعة ترى أن حكومته «تؤدي عملها بشكل جيد» في حين 69 في المائة ترى أن أداءها «سيئ أو سيئ جداً».

وما يجمع الاثنين فشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف: «التجمع الوطني» في فرنسا وحزب «البديل» في ألمانيا. ومرة أخرى تبين استطلاعات الرأي أن مرشح أو مرشحة «التجمع الوطني» (جوردان بارديلا ومارين لوبن) يتمتعان بحظوظ جدية بالفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. أما في ألمانيا، فإن حزب «البديل» في طريقه لأن يتحول للحزب الأكثر شعبية في البلاد، متقدماً على حزب المحافظين أي الديموقراطي المسيحي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء أرمينيا عقب محادثاتهما في يريفان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الملفات الخلافية بين باريس وبرلين

خلال العام الماضي، تواجه ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين: الأول، قرض الـ90 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً. الأول مارس ضغوطاً قوية على بلجيكا لاستخدام الأموال الروسية المودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل والبالغة 125 مليار دولار. والآخر لم يبدِ حماسة للسير في خطة كان من شأنها أن تنسف الثقة بالسوق المالية الأوروبية أو أن تهدد الأموال الروسية المودعة في البنوك الفرنسية. وكانت النتيجة أن جهود ميرتس فشلت واضطر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على استدانة الـ90 مليار يورو من الأسواق المالية بكفالة المفوضية الأوروبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وتواجه الاثنان لاحقاً بشأن التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور» (البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، باراغواي وأورغواي) التي وُقّعت في الأول من العام الحالي ودخلت حيز التنفيذ في بداية مايو. وسبب الخلاف بين المسؤولين أن كلاً منهما تمسك بالدفاع عن مصالح بلاده: ماكرون عارضه سعياً منه لحماية المزارعين الفرنسيين من منافسة «غير متكافئة» بينما ميرتس دفع باتجاه إبرامه سعياً منه لتغليب مصالح صناعة السيارات الألمانية. أما المفوضية الأوروبية، فقد عدَّته، بلسان رئيستها الألمانية أورسولا فون دير لاين «رافعة اقتصادية وجيوسياسية» في حين العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز مرحلة من المطبات الهوائية الخطيرة.

دول قمة قبرص (أ.ف.ب)

لا يتوقف افتراق الآراء عند هذين الملفين. ذلك أن برلين تأخذ على فرنسا سياستها الاقتصادية المتساهلة في مسألة مديونية الدولة التي تتخطى بأشواط المسموح به على المستوى الأوروبي. وتبين الأرقام الرسمية أن ديون فرنسا بلغت نهاية العام الماضي 3500 مليار يورو؛ ما يشكل 116 في المائة من الناتج المحلي العام. وهذه النسبة من بين الأسوأ في أوروبا بينما نسبة المديونية الألمانية تتراوح ما بين 60 و65 في المائة من الناتج المحلي الألماني. وترى برلين أن ضعف الاقتصاد الفرنسي يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي وموقعه على الصعيد العالمي، فضلاً عن انعكاسه على قيمة العملة الأوروبية.

طائرة القتال المستقبلية

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة مطلية بألوان العَلم الفرنسي بمناسبة معرض الطيران في قاعدة نانسي - أوشي 4 مايو (أ.ف.ب)

بيد أن الخلاف الجدي والملموس بين البلدين يدور حول مشروع تصنيع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس الذي أطلق في عام 2017، وحتى اليوم ما زال يراوح مكانه. وباختصار شديد، ثمة خلافات تتناول تحديد الحاجات العسكرية (المهمات المطلوبة من الطائرة) والصناعية (توزيع العمل بين شركة «داسو للطيران» التي تصنع طائرة «رافال» والتي تريد أن تكون رائدة المشروع وشركة «إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية» التي تتمسك بها ألمانيا والتي تتشارك فيها مع فرنسا وإسبانيا).

كذلك، ثمة خلافات على كيفية إدارة المشروع. كذلك، تختلف مقاربة البلدين حول بناء دبابة المستقبل، والخلاف قائم حول دور الذي تريده شركة «رينميتال» الألمانية التي تصنع دبابة «ليوبارد» المعروفة وشركة «نيكستر» الفرنسية التي تنتج دبابة «لوكلير». وكانت المقاربة الفرنسية تقوم على إبراز دور «داسو» في القطاع الجوي مقابل تفضيل «رينميتال» أرضياً. وما زالت المساومات قائمة؛ ما سيعني تأخر الإنتاج العسكري الموعود والمشترك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه الرئاسي في باريس 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كثيرة الملفات الخلافية بين الطرفين، ومنها ما يرتبط بالعلاقة مع الحلف الأطلسي. فألمانيا تُعدّ، بسبب الإرث التاريخي، أكثر التصاقاً به بينما باريس تسعى للحفاظ على نوع من الاستقلالية داخله وهي تدفع الأوروبيين باتجاه تعزيز دفاعهم المشترك. إلا أن التباعد المستجد بين ميرتس والرئيس ترمب يدفع باتجاه التقارب بين باريس وبرلين بشأن «الأطلسي». وتجدر الإشارة إلى انطلاق حوار بينهما، بعيداً عن الأضواء، بشأن إفادة ألمانيا من المظلة النووية الفرنسية في إطار «البعد الأوروبي للمصالح القومية الفرنسية». لكن باريس لم تستسغ سابقاً قرار برلين إطلاق «مبادرة الدرع الأوروبي»، الذي انضمت إليه ما بين 2022 و2024 ما لا يقل عن 20 دولة أوروبية في حين فرنسا وإيطاليا وبولندا بقيت خارجه.

زعيم اليسار الراديكالي في فرنسا جان - لوك ميلانشون (أ.ب)

وما أغاظ باريس أن برلين قررت التوجه إلى الصناعات الجوية الأميركية والإسرائيلية بدل اللجوء إلى الصناعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص. وفي مجال التباعد، تمكن الإشارة إلى تضارب الرؤى بين العاصمتين بالنسبة لمستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية في حين تريد برلين تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. كذلك، تنظر باريس بنوع من الشك إلى نزوع ميرتس نحو تعزيز التعاون مع روما على حساب باريس؛ ما من شأنه إضعاف القاطرة الثنائية. إلا أن ما سبق، لا يعني الطلاق بين البلدين المتفقين بشأن الحرب في أوكرانيا والتمسك بدعم كييف والعلاقة مع روسيا وتعزيز البناء الأوروبي وتعظيم حضوره في العالم.


فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعت فرنسا الولايات المتحدة وإيران إلى «معالجة مسألة هرمز بشكل منفصل» عن باقي ملفات النزاع، مشددةً على أنها ذات «اهتمام مشترك»، وعرضت «مطالبها» من أجل تنفيذ مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في الممر المائي الحيوي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «يمكننا أن نعرض على إيران العبور مجدداً من مضيق هرمز، يمكننا السماح بمرور ناقلاتها من مضيق هرمز بشرط، وهو أن تقبل إيران بالانخراط في المفاوضات التي يدعوها الأميركيون إليها حول المسائل الجوهرية».

وأضافت: «ما نقوله للأميركيين هو أن عليهم فك الحصار عن (هرمز) واغتنام استعداد إيران للتفاوض حول القضايا الجوهرية».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قد تنتهي ويعاد فتح مضيق ‌هرمز ‌إذا ​التزمت ‌طهران ⁠بما ​تم الاتفاق ⁠عليه، مهدداً: «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من ​قبل».

وأكدت باكستان، الأربعاء، وجود «زخم» قد يُفضي إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في وقت نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، غداة إعلان الرئيس دونالد ترمب تعليق عملية عسكرية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وحديثه عن «إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي» مع طهران.

وأفاد موقع «أكسيوس» ومصدر باكستاني بأن الولايات المتحدة وإيران «تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب». ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم وموافقة أميركا على رفع عقوباتها والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين القيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز.