بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)
الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)
TT

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)
الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

تُعدّ الملكية البريطانية مؤسسة شديدة الحساسية تجاه الرأي العام، فهي، في نهاية المطاف، تمتلك الهيبة لا السلطة. وقد تسلّطت الأضواء أخيراً على الفضيحة المرتبطة بالأمير أندرو ماونتباتن ويندسور، الذي أُوقف الخميس للاشتباه بسوء السلوك في منصب عام. وجاء التوقيف عقب اتهامات وُجّهت إلى الأمير السابق بعد نشر ملايين الصفحات من الملفات المرتبطة بالمموّل المدان بجرائم استغلال الأطفال جيفري إبستين.

وكان أندرو قد جُرّد سابقاً من لقبه الأميري ومن مسكنه الواسع بقرار من شقيقه الملك تشارلز، بعد سنوات من الفضائح. ويُقال إن تشارلز اتخذ أكبر خطوة في عهده عبر محاولة عزل المؤسسة الملكية عن أي فضائح إضافية تتعلق بأندرو وصلاته بإبستين، غير أن هذا التطور الأخير أعاد القضية إلى واجهة الاهتمام العام.

الأمير أندرو دوق يورك خلال فعالية في ساندرينغهام نورفولك بشرق إنجلترا يوم 25 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

وليست هذه المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة، وفق تقرير لصحيفة «إندبندنت» البريطانية.

الحرب العالمية الأولى

أوضح جورج غروس، الخبير في الشؤون الملكية في كلية كينغز لندن، أن أحدث سابقة لفقدان أندرو ألقابه تعود إلى قانون حرمان الألقاب لعام 1917، الذي أدّى إلى تجريد عدد من أفراد الأسر الملكية البريطانية والدوقات وأعضاء طبقة النبلاء من ألقابهم إذا وقفوا إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.

وتتشابك العائلات الملكية الأوروبية فيما بينها، كما أن العائلة المالكة البريطانية ذات جذور ألمانية قوية، خصوصاً بعد زواج الملكة فيكتوريا من ألبرت أمير ساكس كوبرغ وغوتا، وإنجابهما تسعة أبناء.

وعندما دخلت بريطانيا وألمانيا الحرب عام 1914، وجد بعض أفراد العائلة الملكية البريطانية الموسّعة أنفسهم على طرفي النزاع. وفي عام 1917، غيّر الملك البريطاني جورج الخامس اسم العائلة من ساكس كوبرغ وغوتا إلى وندسور، وأطلق تشريعاً يقضي بإلغاء ألقاب الأمراء واللوردات الذين حملوا السلاح ضد الملك البريطاني أو حلفائه أو انحازوا إلى أعدائه خلال الحرب.

ومن بين المستهدفين الأمير إرنست أوغستوس، دوق كمبرلاند وتيفيوتديل، الذي كان أميراً من هانوفر وعضواً في العائلة الملكية البريطانية. وقد جُرّد من لقبه لاعتباره عدواً لبريطانيا بموجب قانون 1917 الذي نُفّذ عام 1919 بعد انتهاء الحرب. ووفق مكتبة مجلس العموم، كانت تلك المرة الأولى والوحيدة التي أُزيل فيها لقب بهذه الطريقة.

دوق وندسور الأمير إدوارد يقف مع زوجته واليس سيمبسون قبل أن يبحر من نيويورك يوم 7 فبراير 1952 في طريقه إلى إنجلترا لحضور جنازة شقيقه الملك الراحل جورج السادس (أ.ب - أرشيفية)

التنازل عن العرش

تحوّلت علاقة إدوارد، أمير ويلز، بالشخصية الاجتماعية الأميركية واليس سيمبسون إلى أزمة دستورية. فقد كانت سيمبسون مطلّقة مرتين، بينما كان إدوارد، وريث العرش، مرشحاً ليصبح الرئيس الرمزي لكنيسة إنجلترا التي لم تكن تسمح بزواج المطلقين داخل الكنيسة.

فقد أصبح الأمير ملكاً باسم إدوارد الثامن بعد وفاة والده الملك جورج الخامس مطلع عام 1936، وواصل إصراره على الزواج من سيمبسون رغم معارضة الحكومة البريطانية. وأمام الاختيار بين الواجب والعاطفة، تنازل عن العرش في ديسمبر (كانون الأول) 1936، معلناً في خطاب إذاعي أنه «وجد من المستحيل أداء واجباته كملك كما يرغب دون مساعدة ودعم المرأة التي يحب».

وأحدث هذا التنازل تحوّلاً في مسار الملكية، إذ اعتلى شقيقه الأصغر العرش باسم الملك جورج السادس، ثم خلفته ابنته الملكة إليزابيث الثانية، وبعد حكمها الذي دام 70 عاماً تولّى ابنها الملك تشارلز الثالث. وقد شدّد هؤلاء جميعاً على أن السمة الأساسية للملك يجب أن تكون الإحساس بالواجب، وهي صفة رُئي في المخيال الشعبي أن إدوارد افتقر إليها.

وأُرسل إدوارد وواليس، اللذان أصبحا دوق ودوقة وندسور وتحيط بهما شكوك بالتعاطف مع النازية، إلى جزر الباهاما حيث شغل منصب الحاكم. وبعد الحرب، عاشا في معظم الأحيان بعيداً عن بريطانيا حياة مترفة متنقلة.

الأميرة البريطانية ديانا (أ.ب - أرشيفية)

وفاة الأميرة ديانا

شكّلت وفاة الأميرة ديانا، الزوجة السابقة للملك الحالي تشارلز، في حادث سيارة بباريس عام 1997 عن عمر 36 عاماً صدمة عالمية، وتركت عائلتها، ومن بينهم ابناها ويليام وهاري (15 و12 عاماً آنذاك)، في حالة حداد.

وقد فاجأت قوة المشاعر الشعبية العائلة المالكة. وتكدّست أكوام الزهور أمام بوابات قصر باكنغهام حداداً على أميرة كانت قد عانت من التهميش داخل العائلة الملكية بعد طلاقها من الأمير تشارلز عام 1992.

في ذلك الوقت، كانت الملكة في بالمورال باسكتلندا في عطلتها الصيفية مع الأمير فيليب وتشارلز وويليام وهاري. وحافظت العائلة على حزنها في إطار خاص واستمرت في روتينها المعتاد، ولم تصدر الملكة بياناً لعدة أيام. ونصحها رئيس الوزراء توني بلير بإظهار تعاطف علني مع الجمهور، وقد عبّر بدقة عن المزاج العام حين وصف ديانا بأنها «أميرة الشعب».

وبعد عناوين صحافية من قبيل «تحدثي إلينا يا سيدتي» و«أظهري لنا اهتمامك»، ألقت الملكة إليزابيث خطاباً متلفزاً مباشراً إلى الأمة عشية جنازة ديانا، قائلة: «ما أقوله لكم الآن، بصفتي ملكتكم وجدّة، أقوله من قلبي»، معترفة بحزن البلاد ومشيدة بديانا ومتعهدة بالحفاظ على ذكراها.

الأمير البريطاني هاري وميغان دوق ودوقة ساسكس يلوّحان بيدهما أثناء زيارتهما لمركز التجارة العالمي في مانهاتن بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة يوم 23 سبتمبر 2021 (رويترز)

متاعب الأمير هاري

حتى عودة قضية إبستين إلى الواجهة، كان أندرو يسعى إلى استعادة مكانته داخل العائلة. وربما استفاد بشكل غير مباشر من الجدل المتعلق بالأمير هاري، الذي كان مصدر معظم الدراما في تلك الفترة خارج المشكلات الصحية البارزة داخل العائلة.

وتدهورت علاقة هاري بوالده وشقيقه الأكبر الأمير ويليام، ولي العهد، عندما تخلى هو وزوجته ميغان عن أدوارهما الملكية الرسمية وانتقلا إلى كاليفورنيا عام 2020. وقد عرض الزوجان خلافاتهما مع العائلة الملكية في مقابلة شهيرة مع الإعلامية أوبرا وينفري وسلسلة وثائقية على «نتفليكس»، كما زاد هاري التوتر بكشفه محادثات شخصية في مذكراته «سبير».

كما خالف هاري البروتوكول الملكي باللجوء إلى المحاكم لحل مشكلاته القانونية، وأصبح أول فرد ملكي رفيع يدلي بشهادته أمام القضاء منذ أكثر من قرن، وذلك في دعواه الناجحة بشأن اختراق هاتفه من قبل صحيفة «ديلي ميرور».

غير أن محاولته القانونية الفاشلة لاستعادة الحماية الشرطية التي سُحبت منه بعد تركه العمل الملكي اعتُبرت هجوماً على حكومة والده. وعندما رفضت المحاكم الدعوى نهائياً، أتاح ذلك فرصة للقاء بين الأب والابن، حيث احتسيا الشاي معاً في مقر إقامة تشارلز في لندن، كلارنس هاوس، في سبتمبر (أيلول). وكان ذلك أول لقاء بينهما منذ أكثر من عام، ولم يستمر سوى أقل من ساعة.


مقالات ذات صلة

واقعة أغضبت الملكة إليزابيث من الأميرة ديانا... ما قصة تسريحة الشعر وتاج سبنسر؟

يوميات الشرق ديانا أميرة ويلز تظهر في هذه الصورة الأرشيفية خلال زيارتها باريس 11 نوفمبر 1988 (رويترز)

واقعة أغضبت الملكة إليزابيث من الأميرة ديانا... ما قصة تسريحة الشعر وتاج سبنسر؟

مصفف شعر ديانا، ريتشارد دالتون، صفف شعرها في هيئة «شينيون»، وهي كعكة شعر تُثبت عند أسفل العنق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأميرة إليزابيث مع ابنها الرضيع الأمير تشارلز في غرفة خاصة بقصر باكنغهام في أبريل 1949 (أ.ب)

«أنا عديمة الفائدة»... رسالة نادرة بخط يد الملكة إليزابيث تكشف معاناتها في بداية الأمومة

ظهرت رسالة لم يسبق نشرها للراحلة الملكة إليزابيث الثانية، تتحدث فيها عن جدول أعمالها «المزدحم للغاية» خلال فترة كانت فيها أماً شابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نسخ من كتاب تشارلز سبنسر شقيق الأميرة ديانا تظهر في مكتبة بلندن (رويترز) p-circle

كتاب شقيق ديانا... انتقادات لإليزابيث واتهامات تطول تشارلز

في كتاب يصدر، الثلاثاء، ويثير ضجة إعلامية منذ أيام، يصفّي تشارلز سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، حساباته مع العائلة الملكية البريطانية، لا سيما مع الملك تشارلز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري مع والدته الأميرة ديانا (أرشيفية - أ.ب)

الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته

كشف تقرير نشرته صحيفة «تلغراف» البريطانية عن أن الأمير هاري يخطِّط لإحياء الذكرى الـ30 لوفاة والدته، الأميرة ديانا، من خلال إنتاج فيلم وثائقي عنها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري (أ.ف.ب)

شقيق ديانا: هاري وميغان بحاجة إلى الحماية لتجنب محنة والدته

قال تشارلز سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، إن الأمير هاري وزوجته ميغان ينبغي أن يحصلا على حماية أمنية رسمية.

«الشرق الأوسط» (لندن )

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
TT

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، السبت، في الأمم المتحدة على أن موسكو ستحقق أهدافها العسكرية في أوكرانيا «مهما كانت الظروف».

وقال لافروف من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة: «سيتم تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة، والقضاء على التهديد الذي يواجه الأمن الروسي، مع عودة الحياة الهادئة. وسيحدث ذلك مهما كانت الظروف».

واتهم وزير الخارجية الروسي الدول الأوروبية، السبت، بأنها «تبذل كل ما في وسعها» لعرقلة المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع بين موسكو وكييف.

وقال: «تبذل أوروبا كل ما في وسعها لعرقلة محادثات السلام التي ترعاها إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)

كما دعا لافروف الولايات المتحدة إلى رفع «الحصار» المفروض على كوبا، وكذلك القيود المفروضة على التجارة مع أكبر جزيرة في منطقة البحر الكاريبي.

وقال لافروف إن على الولايات المتحدة رفع اسم كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وشنت الولايات المتحدة حملة ضغوط على كوبا أدت إلى حد كبير لمنع وصول النفط إلى الجزيرة، مما تسبب في انقطاع الكهرباء على نطاق واسع.

فاديفول يلتقي لافروف

إلى ذلك، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال لقائه نظيره الروسي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، السبت، موسكو إلى «التخلّي عن نهج التصعيد الخطير» الذي تتبنّاه، وفق ما أفاد به دبلوماسي ألماني.

وجرت المحادثات، وهي الأولى من نوعها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، على وقع تصاعد التوتر بين برلين وموسكو في الأسابيع الأخيرة، إذ حمّلت ألمانيا روسيا مسؤولية محاولة هجوم بطائرة مسيّرة استهدفت مطار لايبزيغ. وعلى الأثر، أمر كل من البلدين بإغلاق قنصلية البلد الآخر.

وقال الدبلوماسي الألماني إن فاديفول «دعا روسيا الاتحادية إلى التخلّي عن نهجها الخطير المتمثّل في التصعيد تجاه ألمانيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي».

وأوضح فاديفول، بحسب ما نقل عنه الدبلوماسي، أن «حوادث مثل محاولة الهجوم الأخيرة في لايبزيغ أو غيرها من الهجمات المتعدّدة الوسائل لن تزعزع عزم ألمانيا على دعم أوكرانيا التي تتعرّض لهجوم».

وتُعد ألمانيا من أبرز داعمي أوكرانيا، فيما اتهمها لافروف أخيراً بأنها «تريد الحرب مجدداً»، رافضاً اتهامات برلين لموسكو بالمسؤولية عن هجوم مطار لايبزيغ الشهر الماضي.


البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
TT

البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

عبَر البابا ليو الرابع عشر جادة الشانزليزيه، السبت، على وقع هتافات حشود غفيرة، قبل أن يترأس قداساً ضخماً هو أبرز فعاليات اليوم الثاني من زيارته لفرنسا. وعلى متن سيارته «بابا موبيلي»، حيَّا الحبر الأعظم مبتسماً الأطفال ورحَّب بحشود المصلِّين الذين وصل كثير منهم قبل ساعات لرؤيته وهو يتَّجه نحو ساحة الكونكورد؛ حيث أُقيم مذبح أبيض يعلوه صليب بارتفاع عدة أمتار.

وبدأ القداس بُعَيد الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي، مع اصطفاف نحو 700 ألف شخص -حسب الفاتيكان- على امتداد أكثر من كيلومترين وصولاً إلى شارع الجيش الكبير، خلف قوس النصر؛ حيث أمكنهم متابعة القداس الذي استمر ساعة ونصف ساعة عبر شاشات عملاقة.

وقالت ماري هيلين، التي قدمت من ضواحي باريس: «قد لا أرى شيئاً، ولكن لا يهم، المهم هو وجودنا بهذا العدد الكبير، ومشاركتنا في القداس».

شعبية واسعة

وفي ساحة الكونكورد؛ حيث كان الواصلون ينتظرون بصبر ويتناولون طعامهم، صرَّحت فيرجيني كورتو الآتية من نانتير مع عائلتها، والبالغة 51 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بأن «البابا هو النجم!». وأضافت: «إنه يخاطب جمهوراً يتجاوز الديانة الكاثوليكية، إنه البابا الذي نحتاج إليه في هذا العصر، البابا الذي يُضفي عمقاً وتأملاً».

وفي الشوارع المجاورة للشانزليزيه، ومع إغلاق عشرات محطات المترو، حملت عشرات الحافلات المصلِّين من مناطق عدة طوال الصباح، وغالباً ما كانت مجهزة بمقاعد قابلة للطي، استعداداً لانتظار وصول البابا.

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

وأوردت أبرشية باريس أن كثيراً من السياسيين حضروا للمشاركة في القداس؛ بينهم المرشحون للرئاسة: إدوارد فيليب، وغابرييل أتال، ومارين لوبان التي رافقها رئيس حزبها «التجمع الوطني» جوردان بارديلا، بالإضافة إلى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، والرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيسَي مجلسَي البرلمان، يائيل براون بيفيت، وجيرار لارشيه.

وغاب الرئيس إيمانويل ماكرون الذي استقبل البابا ليو الجمعة لدى وصوله إلى المطار، ثم في قصر الإليزيه، ومثَّلته زوجته بريجيت.

وتحاط هذه الزيارة البابوية الأولى منذ زيارة بنديكتوس السادس عشر عام 2008، والتي تنتهي الاثنين في ميتز، بعد محطة في لورد بدءاً من مساء السبت، بتدابير أمنية بالغة الشدة. وتشهد تعبئة 17 ألف متطوع، و15 ألف عنصر من الشرطة والدرك، و2500 صحافي معتمَد، وخُصصت لها ميزانية هائلة قدرها 27 مليون يورو.

«كرامة وسلام»

وبدأ ليو الرابع عشر -وهو نفسه ابن مهاجرين- يومه الثاني في فرنسا بزيارة «دار باخيتا» وهي جمعية أبرشية لاستقبال المهاجرين أسسها البابا فرنسيس عام 2017، وتحمل اسم القديسة جوزفين باخيتا، وهي راهبة سودانية عانت من العبودية في صغرها قبل أن تتحرر وتصبح رمزاً عالمياً لمكافحة الاتجار بالبشر.

وشدد البابا خلال لقائه عدداً من المغتربين والمهاجرين المسلمين والمسيحيين من جنسيات مختلفة، على أهمية «الالتقاء والعيش معاً بكرامة وسلام». وقال إن «تاريخ الكنيسة والبشرية... لم يكتبه الذين يعطون الانطباع بالانتصار من خلال فرض أنفسهم واحتلال المساحة؛ بل الذين يُفسحون المجال لغيرهم، ويُوجدون آليات سلام، ويبعثون الثقة، ويشجعون الحياة». ودعا إلى «الإقرار بدور النساء الجوهري في بناء حضارة تقوم على المحبة».

البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود في جادة الشانزليزيه يوم 26 سبتمبر (أ.ف.ب)

وتبعث هذه الزيارة للدار -حسب مسؤوليها- «رسالة» قبل أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، يتوقع أن تعود فيها مسألة الهجرة إلى الواجهة. ودعا البابا على الدوام منذ انتخابه في مايو (أيار) 2025 إلى الحفاظ على كرامة المهاجرين واللاجئين. ولم يتردد البابا الأميركي في انتقاد سياسة الرئيس دونالد ترمب بهذا الصدد.

وزار البابا بعد ذلك المعهد الكاثوليكي في باريس؛ حيث التقى بمُعَمَّدين جدد ومقبلين، ما يشهد على حيوية الكنيسة لدى شريحة من الشباب. وقال البابا خلال اللقاء في المقر التاريخي للمعهد: «قد يبدو من المستغرب أن نشهد هذه الظاهرة في إطار مجتمع كالمجتمع الفرنسي (...) مطبوع بثقافة شديدة العلمانية». وكان قد تطرق الجمعة إلى العلمانية في كلمته بقصر الإليزيه، معتبراً أن «العلمانية السليمة لا تعني استبعاد الدين من الفضاء العام».

وتلقى زيارة البابا اهتماماً شعبياً لافتاً منذ يومها الأول؛ إذ اصطف 300 ألف شخص -حسب الفاتيكان- الجمعة للترحيب به لدى عبوره في السيارة البابوية بوسط باريس، قبل أن يستقبله 80 ألف شاب استقبال النجوم مساء الجمعة، في ملعب «استاد دو فرنس».


ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
TT

ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)

دعت ألمانيا إلى تشكيل قوة تدخل سريع تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود (فرونتكس)، لمساعدة الدول في حال حدوث «ضغط» مفاجئ للهجرة عند الحدود الخارجية للاتحاد، على غرار ما حدث في جيب سبتة الإسباني هذا الصيف.

وصرّح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، خلال مؤتمر صحافي السبت في ميونيخ، بأن على أوروبا إرساء «آلية دعم جديدة للبلدان التي تواجه ضغطاً كهذا عند حدودها الخارجية».

وأضاف الوزير المحافظ قبيل اجتماع مع 16 من نظرائه في الاتحاد الأوروبي والمفوض الأوروبي ماغنوس برينر لمناقشة ملفات الهجرة، قائلاً: «بعبارة أخرى، قوة تدخل سريع تابعة لوكالة (فرونتكس)، تكون قادرة على تقديم الدعم اللازم للدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في غضون 24 ساعة».

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)

من جهته، أشار برينر إلى أن المفوضية الأوروبية ستقدم «في المستقبل القريب» تفويضاً «معزّزاً» لوكالة «فرونتكس»، لتكون قادرة على «التحرك بسرعة، ومرونة أكبر، قبل أن تتحول الأحداث إلى أزمات حقيقية».

وأكد دوبريندت أن الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس التي جعلت من تشديد سياسة الهجرة أولوية لكبح صعود اليمين المتطرف «على قناعة بإمكان الاستعانة بشكل أكبر بوكالة (فرونتكس) في إجراءات إعادة المهاجرين»، ولا سيما عبر الدول الثالثة التي يمرون بها، وكذلك في إطار «اتفاقية دبلن» داخل الاتحاد الأوروبي التي تحدد الدولة المسؤولة عن البتّ في طلب اللجوء.

واعتبر المفوض برينر أن على وكالة «فرونتكس» أن تؤدي «دوراً أكثر أهمية وكثافة في عمليات الإعادة».

تعمل ألمانيا حالياً، بالتعاون مع الدنمارك وهولندا والنمسا واليونان، على إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين (مراكز ترحيل) في دولة خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم.

وتمسّك دوبريندت بالهدف الذي أعلنته هذه الدول الخمس، والمتمثل في تقديم اتفاقات أولية مع دول من خارج التكتل «بحلول نهاية العام».

من جانبها، نددت لجنة الإنقاذ الدولية، الخميس، بمراكز الإعادة، واصفة إياها بأنها «نهج قاسٍ، ومكلف، ويجرّد الأشخاص من كرامتهم، وحقوقهم الأساسية».