خلاف في الكونغرس يهدد تمويل وزارة الأمن الداخلي

عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)
TT

خلاف في الكونغرس يهدد تمويل وزارة الأمن الداخلي

عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)

تستعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية لشلل مالي جديد، الجمعة، بعد فشل مفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس بشأن إدارة الهجرة والجمارك، بعد مقتل أميركيَين في مينيابوليس على يد عناصر تابعين لها.

وقبل الإغلاق الجزئي، الذي يبدأ، منتصف ليل الجمعة - السبت، قال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الخميس: «إنّنا نضغط منذ أسابيع من أجل إصلاحات منطقية».

واتهمت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت المعارضة، قائلة عبر قناة «فوكس نيوز»، إن «الديمقراطيين يدفعون حكومتنا نحو إغلاق آخر لأسباب سياسية وحزبية».

وكان الديمقراطيون قد أكدوا معارضتهم لأي تمويل جديد لوزارة الأمن الداخلي، قبل إجراء تغييرات جذرية في طريقة عمل إدارة الهجرة والجمارك (ICE) في كل أنحاء البلاد.

ويطالب الديمقراطيون خصوصاً بالحدّ من الدوريات المتنقلة، وحظر وضع عملاء هذه الوكالة الفيدرالية أقنعة في أثناء العمليات، والحصول على أمر قضائي لدخول الممتلكات الخاصة.

وتصاعدت معارضة الديمقراطيين لإدارة الهجرة والجمارك وأساليبها العنيفة، بعد مقتل رينيه غود وأليكس بريتي في يناير (كانون الثاني)، وهما مواطنان أميركيان قضيا برصاص عناصرها في مينيابوليس في أثناء احتجاجهما على عمليات مكافحة الهجرة.

ويسعى المشرّعون إلى تحقيق قدر أكبر من المحاسبة لعملاء إدارة الهجرة والجمارك، بما في ذلك فرض الالتزام بمعايير الاستخدام المعقول للقوة.

وأكد شومر أنّ «الديمقراطيين لن يدعموا منح شيك على بياض للفوضى».

«أنصاف حلول»

كذلك، أعرب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز عن مخاوف، محذراً من أن إدارة الهجرة والجمارك «خارجة عن السيطرة تماماً».

وقال: «ينبغي استخدام أموال دافعي الضرائب لجعل الحياة أكثر يسراً للشعب الأميركي، لا لتعذيبهم أو قتلهم»، مشيراً إلى أنّ العنف يحدث «عندما يظهر هؤلاء العملاء الملثمون وغير المدرّبين التابعون لإدارة الهجرة والجمارك في مكان ما».

وحتى لو صوّت جميع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الـ53 لصالح تمويل وزارة الأمن الداخلي، فإنّ قواعد المجلس تتطلّب دعم 60 عضواً من أصل 100 لإمرار مشروع قانون الميزانية؛ ما يعني الحاجة إلى انضمام بعض الديمقراطيين إليهم.

ورداً على مطالب الديمقراطيين، قال البيت الأبيض إنه مستعد للتفاوض، وأرسل مقترحاً مضاداً في وقت متأخر، الأربعاء.

وقالت ليفيت، الجمعة: «انخرط البيت الأبيض بشكل كبير مع الديمقراطيين في مناقشات ومفاوضات جادة بشأن سياسة إنفاذ قوانين الهجرة».

ووصف زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون العرض بأنّه «جاد للغاية»، وقال إنّ الديمقراطيين «لن يحصلوا أبداً على تلبية قائمة مطالبهم الكاملة»، غير أنّ المعارضة رفضت بشكل قاطع تقديم تنازلات.

وقالت السيناتور الديمقراطية باتي موراي: «لن تنجح أنصاف الحلول»، مضيفة أنّ مطالب حزبها منطقية وضرورية.

تداعيات على المطارات

إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فقد يتم إيقاف آلاف الموظفين الحكوميين عن العمل، بينما يُطلب من آلاف آخرين العمل دون أجر، إلى حين التوصل إلى اتفاق ينهي شلل الميزانية.

لكن إدارة الهجرة والجمارك ستكون قادرة على مواصلة عملياتها خلال الإغلاق الجزئي، بعدما وافق الكونغرس على تمويل لها، العام الماضي.

وسيطول التأثير الأساسي وكالات أخرى، من بينها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) التي تشرف على الاستجابة الطارئة للكوارث الطبيعية.

وحذرت إدارة أمن النقل المسؤولة عن سلامة المطارات، في منشور على منصة «إكس»، من أنّ الإغلاق المطوّل قد تكون له عواقب «كبرى»، لا سيما في مجال الطيران مع استنزاف الموظفين وأوقات انتظار أطول وتأخير رحلات جوية وإلغائها.

وسيكون هذا ثالث إغلاق خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية، أحدها إغلاق حكومي قياسي استمر 43 يوماً في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين.


مقالات ذات صلة

تقرير: كيف استخدم جيفري إبستين جائزة «نوبل للسلام» لجذب شخصيات مرموقة

الولايات المتحدة​ صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز) p-circle

تقرير: كيف استخدم جيفري إبستين جائزة «نوبل للسلام» لجذب شخصيات مرموقة

أظهرت ملفات الملياردير الأميركي الراحل المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، أنه كان يبالغ مراراً في إبراز علاقاته بالرئيس السابق للجنة جائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (ستافانجر)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)

تحليل إخباري جرعة تهديد أميركية عالية تسبق مفاوضات جنيف مع إيران

بينما يُفترض أن تفتح جولة ثانية من الاتصالات الأميركية - الإيرانية في جنيف نافذةً جديدة، أطلق الرئيس دونالد ترمب تصريحاً عن «تغيير النظام».

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)

جهاز سري في النرويج يعيد إحياء لغز «متلازمة هافانا»

كشفت معلومات عن تجربة سرية أجراها عالم حكومي في النرويج، قام خلالها ببناء جهاز قادر على بث نبضات قوية من طاقة الميكروويف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ للأمن (أ.ب) p-circle

روبيو: أميركا في عهد ترمب تريد قيادة «ترميم» النظام العالمي

وجَّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم السبت، رسالة قوية تدعو إلى الوحدة مع أوروبا في مؤتمر ميونيخ الأمني.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ - واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزارة الأمن الداخلي الأميركية تدخل في إغلاق جزئي p-circle

وزارة الأمن الداخلي الأميركية تدخل في إغلاق جزئي

دخلت وزارة الأمن الداخلي الأميركية اليوم (السبت) في إغلاق جزئي من المتوقع أن يستمر لفترة طويلة بسبب عدم إقرار تمويلها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير: كيف استخدم جيفري إبستين جائزة «نوبل للسلام» لجذب شخصيات مرموقة

صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
TT

تقرير: كيف استخدم جيفري إبستين جائزة «نوبل للسلام» لجذب شخصيات مرموقة

صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)

أظهرت ملفات الملياردير الأميركي الراحل المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، التي اطلعت عليها وكالة «أسوشييتد برس»، أنه كان يبالغ مراراً في إبراز علاقاته بالرئيس السابق للجنة جائزة نوبل للسلام، وذلك في دعواته ومحادثاته مع شخصيات بارزة مثل رجل الأعمال البريطاني ريتشارد برانسون، ووزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز، وبيل غيتس، وستيف بانون الحليف البارز للرئيس دونالد ترمب.

وورد اسم توربيورن ياغلاند، الذي ترأس اللجنة النرويجية لجائزة نوبل بين عامي 2009 و2015، مئات المرات ضمن ملايين الوثائق المتعلقة بإبستين، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية الشهر الماضي.

ومنذ نشر الملفات، جرى اتهام ياغلاند (75 عاماً) في النرويج بـ«الفساد الجسيم» على خلفية تحقيق استند إلى معلومات وردت في تلك الوثائق، حسب وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية بالشرطة النرويجية (أوكوكريم).

ورغم عدم وجود أدلة في الوثائق التي تم الاطلاع عليها حتى الآن على الضغط المباشر من أجل الفوز بجائزة نوبل للسلام، فإن إبستين كان يبرز مراراً استضافة ياغلاند في منازله في نيويورك وباريس خلال العقد الثاني من الألفية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2018 إبان الولاية الأولى لترمب، وفي إشارة واضحة إلى اهتمامه بالجائزة، تبادل إبستين رسائل نصية متنوعة مع بانون، كتب في إحداها: «سينفجر رأس دونالد إذا علم أنك أصبحت الآن صديقاً للرجل الذي سيحدد يوم الاثنين الفائز بجائزة نوبل للسلام».

وأضاف: «قلت له إنه في العام المقبل يجب أن تكون أنت (الفائز بجائزة نوبل للسلام) عندما نسوي الأمر مع الصين»، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وفي عام 2012، كتب إبستين إلى وزير الخزانة الأميركي الأسبق ورئيس جامعة هارفارد السابق لاري سامرز بشأن ياغلاند، قائلاً: «رئيس جائزة نوبل للسلام معي، إذا كنت مهتماً».


«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
TT

«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)

«ملفات إبستين» نبع لا ينضب من الفضائح، أغرق الداخل الأميركي، وأربك العالم بسيل هائل من الأسماء والمعلومات والرسائل التي كشفت النقاب عن شبكة واسعة النطاق حبكها الرجل الذي قضى في سجنه في عام 2019. شبكة أشرك فيها أسماء كثيرة متعددة الأقطاب والانتماءات، بالتعاون مع شريكته غيلان ماكسويل التي تقبع في السجن حالياً آملة بعفو رئاسي كشرط لشهادتها. ملفات سحبت رئيساً أميركياً سابقاً، هو بيل كلينتون، إلى مقعد الشاهد في الكونغرس في سابقة غير معهودة في التاريخ الأميركي.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، كيف تحوّل ملف إبستين من قضية جنائية إلى زلزال سياسي هزّ المؤسسة الأميركية، وطبيعة علاقاته بمراكز النفوذ والمال والسياسة والثقافة.

هجمات سياسية

ألقت قضية إبستين بظلالها على أعمال الكونغرس، وأظهرت عمق الانقسامات في ملف لا ينبغي أن يكون مُسيَّساً نظراً لتورط أطراف من الحزبين فيه. وهذا ما تحدثت عنه الصحافية الاستقصائية بيف ترنر، التي استشهدت بجلسة استماع لوزيرة العدل بام بوندي أمام الكونغرس على مدى 6 ساعات، وقد اتّسمت بأجواء مشحونة للغاية.

ضحايا إبستين يقفن وراء وزيرة العدل بام بوندي في جلسة استماع في الكونغرس يوم 11 فبراير 2026 (أ.ب)

وانتقدت ترنر بوندي خصوصاً فيما يتعلق بتجاهلها ضحايا إبستين وعائلاتهم الموجودين في الجلسة، فقالت: «عندما رفع الضحايا وراءها أيديهم للإشارة إلى أن إدارة ترمب لم تتحدث معهم، كان من الجيد أن تستدير على الأقل لتراهم، وتُقرّ بوجودهم. لقد كانت في وضع دفاعي للغاية. وأعتقد أنها أخطأت في تقدير الموقف. ربما يجب أن تصدر بياناً لتشرح سبب عدم قيامها بذلك. صدمتني رؤية أن هؤلاء النساء لم يتم الاستماع إليهن. الأشخاص الذين تعرضوا للأذى بهذه الطريقة، في رأيي، يجب أن يُستمع إليهم».

ويعرب المؤرخ السياسي مات دالاك، وهو بروفسور الإدارة السياسية، عن دهشته من تحوّل القضية إلى مسألة سياسية في الولايات المتحدة، مشيراً إلى استغلال الديمقراطيين لها واستخدامها سلاحاً. ويتساءل: «أين كان الديمقراطيون خلال سنوات حكم (جو) بايدن؟ أين كانوا خلال ولاية ترمب الأولى فيما يتعلق بهذه القضية؟». لكنه يستدرك قائلاً إن «الجمهوريين ليسوا أبرياء كذلك؛ فمدير (إف بي آي) الحالي كاش باتيل، ودونالد ترمب، وبام بوندي هم الذين روجوا لنظريات المؤامرة حول قضية إبستين. والآن يبدو أنهم كانوا غير أكفاء، وفاسدين إلى حد ما. ويبدو أنهم يحاولون التستر على الأمر بالقول إنه لا يوجد شيء آخر يمكن رؤيته هنا. الأمر فوضوي للغاية. أعتقد أنه أمر قبيح للغاية»، منتقداً «تجاهل الضحايا».

النائب الجمهوري أمام لائحة ضحايا إبستين في 11 فبراير 2026 (رويترز)

واستضاف «تقرير واشنطن» الصحافية الاستقصائية فيكي وارد ومنتجة وثائقي «مطاردة غيلان». لدى وارد تاريخ طويل يتعلق بتغطية هذه الملفات؛ إذ واجهت ما وصفته بـ«تهديد شخصي من إبستين» عندما سعت للتحقيق في ممارساته في عام 2003، كما تقول. وتحدّثت وارد عن إبستين «الذي كان شخصية غامضة في ذلك الوقت»، فقالت إن «كل ما كان معروفاً عنه هو أنه فجأة، ومن دون سابق إنذار، حصل على مبلغ ضخم من المال، واشترى به أكبر منزل في نيويورك، في مانهاتن، واشترى جزيرة خاصة، وحصل على مزرعة ضخمة في نيو مكسيكو. في مرحلة ما، اشترى أيضاً شقة كبيرة في باريس، لكن لم يكن أحد يعرف من أين جاءت هذه الأموال، وكان شخصاً منعزلاً. لكن في خريف عام 2002، ظهر اسمه في صحيفة (نيويورك بوست)؛ لأنه سافر على متن طائرته مع بيل كلينتون، ومجموعة من المشاهير الأميركيين الآخرين إلى أفريقيا في مهمة خيرية. ودفع هذا العنوان رئيس تحرير مجلة (فانيتي فير) لتكليفي بالتحقيق في أمر هذا الرجل».

لكن وارد قالت إنه «بعد كشف التحقيق عن اسم ضحيتين لإبستين، ضغط الأخير على رئيس التحرير لشطبهما من المقال»، كما ذكرت أنها اضطرت للتعاقد مع شركة حماية أمنية بعد «تهديدات من إبستين».

من جهته، أعرب البروفسور دالاك عن دهشته لتمكّن إبستين من الإفلات من العقاب لسنوات طويلة، رغم وجود تقارير وتحقيقات بشأنه منذ عام 2002، ويرى أن هذا سبب أساسي في ظهور نظريات حوله، بينها عمله لصالح أجهزة استخبارات.

علاقات استخباراتية؟

أظهرت الوثائق الجديدة التي نشرتها وزارة العدل، بداية هذا الشهر، دلائل على علاقة إبستين مع مسؤولين روس، على رأسهم السفير الروسي السابق لدى الأمم المتحدة، وتواصل متكرّر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، بالإضافة إلى رسائل متبادلة مع مدير «سي آي إيه» السابق ويليام بيرنز قبل تسلُّمه منصبه؛ ما طرح أسئلة حول علاقاة إبستين المتشعّبة، وما إذا كان يعمل مُخبراً لأحد أجهزة الاستخبارات.

صورة لإبستين في الوثائق الجديدة (أ.ف.ب)

وتقول وارد إنها كثيراً ما اعتقدت أن إبستين «كان وكالة تجسس مؤلفة من رجل واحد يعمل بشكل فعال لنفسه». وأضافت أن «هذه الملفات أظهرت أن شبكته العالمية كانت أكثر اتساعاً مما كنت أعتقد، وأنه كان قادراً على (...) الحصول على معلومات سرية». وأعطت مثالاً على ذلك علاقاته مع السفير البريطاني في واشنطن بيتر ماندلسن، الذي استقال جراء الفضيحة، فقالت: «يُزعم أنه سلّم إبستين معلومات حساسة، كان بإمكانه استخدامها لصالحه. ويبدو أنه كان يمرر أيضاً معلومات من ماندلسن إلى مصادره في أعلى المستويات في جي بي مورغان».

من الأمور البارزة كذلك في الوثائق الجديدة، شريط فيديو يثير احتمال دخول شخص إلى زنزانة إبستين ليلة وفاته، على خلاف الرواية الرسمية، ما عزّز نظريات المؤامرة بأن إبستين «قُتل» ولم ينتحر. وعن ذلك، تقول ترنر: «هناك الكثير من الناس على هذا الكوكب الذين أرادوا موت هذا الرجل. وبعد هذه الوثائق الجديدة، نعلم الآن عدد الأشخاص الذين كانوا يرغبون في التزامه الصمت». وتساءلت ترنر عن سبب فقدان لقطات الكاميرا من زنزانة إبستين ليلة وفاته، وتضيف: «ليس لديَّ أي دليل على أنه قُتل، لكنني أعتقد أيضاً أن نرجسياً مثل جيفري إبستين ليس من النوع الذي ينهي حياته بنفسه. إن رجلاً مثله كان على الأرجح يجلس في تلك الزنزانة متفائلاً بأن شخصاً ما سيأتي في وقت ما ويخرجه؛ لأن لديه الكثير من المعلومات عن الكثير من الناس».

وترفض الحكومة الأميركية هذه الادّعاءات، كما تؤكّد الوثائق الطبية وشهادة وفاة إبستين انتحاره.

علاقات متشعّبة

لم يقتصر نفوذ إبستين على السياسيين فحسب، بل امتد ليطول جامعات أميركية مرموقة، على رأسها هارفارد، إضافةً إلى مراكز أبحاث، حيث ضخّ مبالغ طائلة على شكل تبرعات استُخدمت لتلميع صورته. ويقول البروفسور دالاك إن هذه العلاقات سببها أموال التبرعات الطائلة التي قدمها إبستين للجامعات، مضيفاً أن «المال له تأثير كبير في الولايات المتحدة. له تأثير في الجامعات. له تأثير في كل مكان تقريباً. وما نراه حقاً هو أحد جوانب النظام الرأسمالي السيئة. إن النظام الرأسمالي يفعل الكثير من الأشياء العظيمة، لكنه قبيح في زوايا أخرى؛ فهو يمنح قوة استثنائية للمشاهير والأثرياء».

وأعطى دالاك دليلاً على ذلك عبر مقارنة قضية إبستين بقضية هارفي واينستين، المنتج السينمائي السابق، فيضيف: » لديك شخص غني للغاية، وقوي للغاية، يسيء استخدام تلك القوة، ويرتكب جرائم ضد النساء والفتيات القاصرات؛ لأن التوقع كان: أنني مشهور وغني، يمكنني الإفلات من العقاب. لن يحاسبني أحد».

غيلان ماكسويل «الصامتة»

مع التداعيات المستمرة لملفات ابستين، تتوجه الأنظار إلى شريكته غيلان ماسكويل التي تقبع في السجن في حكم مدته 20 عاماً. وقد اشترطت ماكسويل عفواً رئاسياً عنها مقابل إفراجها عن معلومات متعلقة بإبستين.

غيلان ماكسويل في سجنها ببروكلين في 4 يوليو 2020 (رويترز)

وتستبعد ترنر أن يصدر ترمب عفواً عنها، مشيرة إلى أن أي قرار من هذا النوع سيكون بمثابة «اعتراف بالذنب منه بأنه متورط بطريقة ما في هذه القضية». وأضافت: «لا أعتقد أن ترمب سيقدم لها أي تنازلات. ومن ثم، ما الذي سيحفزها على قول الحقيقة؟ ستتمسك بصمتها؛ لأن هذا كل ما لديها»، لكن دالاك يرى أنه من الصعب حسم ما سيقوم به ترمب «الذي يحب لفت الانتباه من خلال تصرفاته».


جرعة تهديد أميركية عالية تسبق مفاوضات جنيف مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)
TT

جرعة تهديد أميركية عالية تسبق مفاوضات جنيف مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)

بينما يُفترض أن تفتح جولة ثانية من الاتصالات الأميركية - الإيرانية في جنيف، الثلاثاء المقبل، نافذةً دبلوماسية جديدة، جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترمب عن أن «تغيير النظام» في إيران قد يكون «أفضل شيء يمكن أن يحدث» لتقلب منسوب الرسائل الأميركية رأساً على عقب، بجرعة تهديد عالية من منطق «اتفاق نووي موسّع» إلى خطاب يلامس جوهر الشرعية السياسية في طهران.

وعلى هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، السبت، ​صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقابلة ‌مع ‌بلومبرغ، ​⁠بأن «​الرئيس ⁠ترمب يفضّل إبرام اتفاق مع إيران، ⁠لكن ذلك صعب ‌للغاية»، مشيراً إلى أن «المرشد الإيراني علي خامنئي لو أراد مقابلة ترمب، فسيحدث ذلك غداً».

شهر الحشد... سباق الأسابيع

اللافت في التصعيد أنه لا ينفصل عن الزمن العسكري. فحسب تقديرات نقلتها وسائل إعلام أميركية، فإن وصول حاملة الطائرات الثانية «جيرالد فورد» من الكاريبي إلى الشرق الأوسط يحتاج نحو ثلاثة إلى أربعة أسابيع، أي بما يوازي تقريباً المهلة التي حددها ترمب للتوصل إلى اتفاق، والمدة التي يحتاج إليها البنتاغون لاستكمال إعادة تموضع منظومات الدفاع الجوي والطائرات ووسائط الإسناد اللازمة لأي عملية واسعة، إن قررت الإدارة الذهاب إلى هذا الخيار.

وفي هذا التزامن، يصبح «التفاوض تحت الضغط» أكثر من مجرد عبارة، إنه جدول زمني مزدوج: دبلوماسي سريع، وعسكري يتقدم على مهل، لكن بثبات.

وفق ما أوردته «رويترز»، يتوقع أن يلتقي المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وفداً إيرانياً في جنيف بوساطة سلطنة عمان، في اليوم نفسه الذي يُفترض أن يجريا فيه أيضاً لقاءات تتصل بمسار الحرب في أوكرانيا.

وهذا التداخل في الملفات ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يوحي بأن البيت الأبيض يتعامل مع «الضغط المتوازي» كمنهج: إبقاء أكثر من خصم/ ملف على نار التفاوض نفسها، مع إسناد ذلك بإظهار القدرة على نقل القوة العسكرية بسرعة بين مسارح العمليات.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تبحر في الكاريبي (رويترز)

جنيف تحت سقف «تغيير النظام»

لكن تصريح «تغيير النظام» يطرح سؤالاً أساسياً: هل هو ورقة تفاوض قصوى لرفع سقف الشروط، أم تغيير حقيقي في الهدف؟ التجربة القريبة تقول إن واشنطن كثيراً ما تستخدم أقصى العبارات لخلق «هامش تنازل» لاحقاً، غير أن إدخال مصطلح بهذا الثقل، الذي تُفسّره طهران عادةً كإعلان نوايا عدائية، يزيد من صعوبة هندسة تسوية تقنية حول القيود النووية. وهو، في الوقت نفسه، قد يُقرأ في المنطقة كرسالة طمأنة للحلفاء القلقين من اتفاق «ضيق» لا يتناول الصواريخ الباليستية وشبكات الوكلاء.

على مستوى الرسائل الرسمية، جاء التأكيد من البيت الأبيض بأن الرئيس «يبقي كل الخيارات على الطاولة» ويستمع لوجهات نظر متعددة قبل اتخاذ القرار النهائي. هذه الصيغة المألوفة في أوقات الأزمات، تعمل هنا كغطاء سياسي لتعايش مسارين متناقضين ظاهرياً: مسار تفاوضي يقول إن الهدف «اتفاق»، ومسار تعبئة يقول إن البديل «جاهز».

ومع ذلك، فإن التناقض يتحول إلى مشكلة عملية عندما يكون الطرف الآخر مطالباً بإقناع مؤسساته الداخلية بأن التفاوض ليس «كميناً» يمهّد لضربة أو يفتح الباب لتغيير النظام.

في المقابل، يُظهر التحرك العسكري أن واشنطن لا تريد أن تكرر لحظة «تهديد بلا جاهزية». فإرسال الحاملة «فورد» من الكاريبي إلى الشرق الأوسط يرفع الثقل البحري ويُحسن قدرة الردع، خصوصاً إذا ترافق مع إعادة نشر بطاريات دفاع جوي إضافية في قواعد تستضيف قوات أميركية. ومن شأن ذلك أن يعالج نقطة ضعف حساسة: أي ردّ إيراني محتمل لا يستهدف فقط المصالح الأميركية المباشرة، بل القواعد والمنشآت والشركاء في دول عدة، ما يفرض على البنتاغون أن ينظر إلى «الدفاع» بقدر نظره إلى «الهجوم».

هنا بالضبط تتقاطع مهلة الشهر التي يحتاج إليها الجيش لاستكمال الحشد مع مهلة الأسابيع التي تحتاج إليها الحاملة الثانية للوصول: كأن الإدارة تريد أن تدخل جولة جنيف وهي تمسك بسقف التهديد عالياً، لكنها تعرف أن القدرة على تنفيذ تهديد واسع ليست «زرّاً» يُضغط عليه، بل منظومة تجهيز وتمركز وذخائر وحماية للقوات المنتشرة. وبهذا المعنى، فإن التصعيد الكلامي قد يكون محاولة لـ«شراء الوقت» سياسياً: إبقاء إيران تحت ضغط الإيقاع، بينما يكتمل الإيقاع العسكري في الخلفية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أخطار سوء التقدير

أما إيران، فستحاول غالباً تفكيك هذه المعادلة عبر مسارين: الأول التشدد العلني ضد «التفاوض تحت التهديد» لتفادي الظهور بمظهر المتراجع، والثاني اختبار ما إذا كانت واشنطن مستعدة لصفقة جزئية أو مرحلية تُرضي الحاجة السياسية في البيت الأبيض لإعلان «إنجاز»، من دون أن تُفجّر خطوطاً حمراء إيرانية مرتبطة بالصواريخ أو النفوذ الإقليمي.

وكلما توسّعت مطالب واشنطن لتشمل ملفات غير نووية، ارتفعت تكلفة الاتفاق داخلياً في طهران، وازدادت جاذبية سيناريو «المماطلة» حتى تتضح نيات الإدارة فعلياً.

لذلك، تبدو تصريحات ترمب أقرب إلى «دبلوماسية الإكراه» منها إلى إعلان قرار نهائي: رفع سقف الهدف السياسي (تغيير النظام)، وإسناده بخطوات تعبئة واقعية، مع ترك باب جنيف مفتوحاً لتنازل مشروط. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطرة واضحة: كلما اقترب الخطاب من «تغيير النظام»، تقل مساحة الحلول الوسط، وتزداد فرص سوء التقدير، خصوصاً إذا اعتقد أي طرف أن الآخر يستخدم التفاوض غطاءً لعملية باتت شبه محسومة.