رئيس «مايكروسوفت السعودية»: المملكة تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي للذكاء الاصطناعي

وضوح وثقة… معادلة السعودية الجديدة لتوسيع الذكاء الاصطناعي

المملكة تنتقل من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى بيئات الإنتاج الفعلية داخل القطاعات الحيوية (شاترستوك)
المملكة تنتقل من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى بيئات الإنتاج الفعلية داخل القطاعات الحيوية (شاترستوك)
TT

رئيس «مايكروسوفت السعودية»: المملكة تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي للذكاء الاصطناعي

المملكة تنتقل من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى بيئات الإنتاج الفعلية داخل القطاعات الحيوية (شاترستوك)
المملكة تنتقل من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى بيئات الإنتاج الفعلية داخل القطاعات الحيوية (شاترستوك)

عندما استضافت الرياض جولة «مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي» هذا الأسبوع كان الإعلان الرئيسي واضحاً: الشركة تؤكد أن العملاء سيتمكنون من تشغيل أعباء العمل السحابية من منطقة مراكز بيانات «أزور» اعتباراً من الربع الرابع من عام 2026.

غير أن خلف هذا الإنجاز التقني الهام تكمن دلالة أعمق. فالسعودية لم تعد في مرحلة تجريب الذكاء الاصطناعي، بل تدخل ما يمكن وصفه بمرحلة التنفيذ حيث تتقاطع البنية التحتية والحوكمة وتنمية المهارات واعتماد المؤسسات في مسار واحد. وبالنسبة لتركي باضريس، رئيس «مايكروسوفت السعودية»، فإن التوقيت لم يكن صدفة، بل نتيجة سنوات من التحضير.

يقول باضريس خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش الحدث: «تأكيد تمكين العملاء من تشغيل أعباء العمل السحابية من منطقة مراكز بيانات (أزور) في الربع الرابع من 2026 يمنح المؤسسات وضوحاً وثقة أثناء تخطيط رحلتها الرقمية ورحلة الذكاء الاصطناعي».

قد يبدو «الوضوح والثقة» تعبيرين إجرائيين، لكنهما في الواقع متغيران استراتيجيان. فالمؤسسات الحكومية والشركات الكبرى لا تنتقل إلى التوسع في الذكاء الاصطناعي اعتماداً على التجارب فقط، بل عندما تتأكد من توفر البنية التحتية محلياً، ومواءمة المتطلبات التنظيمية، وضمان استمرارية التشغيل على المدى الطويل. وإعلان منطقة «أزور» الجديدة يعني أن طبقة البنية التحتية لم تعد مجرد خطة مستقبلية، بل التزاماً محدد الجدول وقريب التنفيذ.

تركي باضريس رئيس «مايكروسوفت السعودية» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»

من التجارب إلى بيئات الإنتاج

شهدت قصة الذكاء الاصطناعي في السعودية مراحل متتابعة. المرحلة الأولى ركزت على توسيع البنية التحتية الرقمية، وتطوير الأطر التنظيمية، وتعزيز جاهزية الحوسبة السحابية. هذه المرحلة أسست القدرة. أما المرحلة الحالية فهي مرحلة التفعيل والاستخدام. وقد أوضح باضريس أن الحوار تغيّر بالفعل قائلاً: «نعمل في مختلف أنحاء المملكة بشكل وثيق مع الجهات الحكومية والمؤسسات والشركاء لدعم الجاهزية من تحديث البيانات والحوكمة إلى تطوير المهارات حتى يتمكن العملاء من الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة الإنتاج بثقة». الفرق بين «التجريب» و«الإنتاج» جوهري. فالتجارب تختبر الإمكانات، أما بيئات الإنتاج فتُعيد تشكيل سير العمل.

تُجسد شركات مثل «قدية للاستثمار» و«أكوا باور» هذا التحول. فبدلاً من استخدام الذكاء الاصطناعي كمبادرات تجريبية منفصلة، باتت هذه الجهات تدمجه في عملياتها اليومية.

تستخدم «أكوا باور» خدمات «أزور للذكاء الاصطناعي» ومنصة البيانات الذكية لتحسين عمليات الطاقة والمياه على نطاق عالمي، مع تركيز قوي على الاستدامة وكفاءة الموارد، من خلال الصيانة التنبؤية والتحسين المعتمد على الذكاء الاصطناعي.

أما «قدية»، فقد وسَّعت استخدام «مايكروسوفت 365 كوبايلوت» لتمكين الموظفين من تلخيص الاتصالات، وتحليل البيانات، والتفاعل مع لوحات المعلومات عبر مئات الأصول والمقاولين. لم يعد الذكاء الاصطناعي يعمل على هامش المؤسسة، بل أصبح جزءاً من بنيتها التشغيلية. هذا يعكس مرحلة نضج حقيقية. فالذكاء الاصطناعي يتحول من أداة استعراضية إلى أداة إنتاجية.

تأكيد تشغيل منطقة «أزور» في السعودية بحلول الربع الرابع 2026 يمنح المؤسسات وضوحاً وثقة للتخطيط والتوسع (غيتي)

البنية التحتية كإشارة استراتيجية

توفر منطقة مراكز بيانات «أزور» في شرق المملكة مزايا تتجاوز تقليل زمن الاستجابة. فهي تعزز الإقامة المحلية للبيانات وتدعم متطلبات الامتثال وتقوي الأطر السيادية الرقمية.

في قطاعات منظمة بشدة مثل المالية والرعاية الصحية والطاقة والخدمات الحكومية، لا تُعد مواءمة البيانات مع المتطلبات التنظيمية خياراً، بل ضرورة.

وأكد باضريس أن هذا الإنجاز يعكس التزاماً طويل الأمد «وأن هذا الإنجاز يمثل محطة مهمة في التزامنا طويل الأمد بتمكين أثر حقيقي وقابل للتوسع للقطاعين العام والخاص في المملكة».

التركيز على «الأثر القابل للتوسع» يعكس فهماً أعمق هو أن البنية التحتية لا تخلق القيمة بحد ذاتها، بل تهيئ الظروف لبنائها. والسعودية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بنية اقتصادية أساسية، شبيهة بشبكات الطاقة أو النقل، تشكل قاعدة لرفع الإنتاجية.

الحوكمة كمحفّز للسرعة

على المستوى العالمي، غالباً ما يُنظر إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي كعامل مُقيّد. أما في الحالة السعودية، فتبدو الحوكمة مدمجة في استراتيجية التسريع. يتطلب اعتماد الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة أطر ثقة واضحة. كما أن الامتثال لا يمكن أن يكون لاحقاً، بل يجب أن يكون جزءاً من التصميم. كما أن مواءمة الخدمات السحابية مع متطلبات السيادة الرقمية الوطنية يقلل من الاحتكاك عند مرحلة التوسع. وعندما تثق المؤسسات بأن الامتثال مدمج في المنصة نفسها، تصبح قرارات التوسع أسرع. وبهذا المعنى، تتحول الحوكمة إلى عامل تمكين.

تحديث البنية البيانية وتوحيد الحوكمة شرط مسبق لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة تشغيلية حقيقية (شاترستوك)

العائق غير المرئي

رغم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتصدر العناوين، فإن التحدي الأكبر في المؤسسات غالباً ما يكمن في بنية البيانات. وأنظمة البيانات المجزأة والصوامع المؤسسية ونقص الحوكمة الموحدة، كلها عوامل تعيق التوسع.

الاستراتيجية في السعودية تركز على تحديث البنية البيانية كأساس. فبيئة بيانات منظمة ومتكاملة هي شرط مسبق لاستخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية. من دون هذا الأساس، يبقى الذكاء الاصطناعي سطحياً.

أما أحد أكبر التحديات عالمياً فهو فجوة المهارات. وقد التزمت السعودية بتأهيل ثلاثة ملايين شخص بحلول 2030. التركيز لا يقتصر على الوعي، بل على التطبيق. إذ لا يمكن أن ينجح التحول دون رأس مال بشري قادر على دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل. وقد لفت باضريس إلى أهمية تطوير المهارات ضمن منظومة الجاهزية الشاملة. يقول إن التنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس فقط بقدرات النماذج، بل بقدرة القوى العاملة على توظيفها.

التحول القطاعي كاستراتيجية اقتصادية

لم تقتصر جولة الذكاء الاصطناعي في الرياض على العروض التقنية، بل سلطت الضوء على حالات استخدام قطاعية في الطاقة، والمشاريع الكبرى، والخدمات الحكومية. هذه ليست تطبيقات هامشية، بل ركائز لـ«رؤية 2030». إن دور الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة الطاقة يعزز الاستدامة، وفي إدارة المشروعات الكبرى يرفع كفاءة التنفيذ، وفي الخدمات الحكومية يحسن تجربة المواطن. والذكاء الاصطناعي هنا ليس صناعة مستقلة، بل محركاً أفقياً للإنتاجية.

التموضع في المشهد العالمي

تُقاس ريادة الذكاء الاصطناعي عالمياً بأربعة عناصر هي الحوسبة والحوكمة وتكامل المنظومة وجاهزية المهارات. وتعمل السعودية على مواءمة هذه العناصر في وقت واحد. منطقة «أزور» الجديدة توفر الحوسبة كما تعزز الأطر التنظيمية الثقة والشراكات تدعم التكامل، أما برامج التدريب فترفع الجاهزية.

تدخل السعودية الآن مرحلة حاسمة في مسار الذكاء الاصطناعي. فالبنية التحتية مؤكدة والاستخدامات المؤسسية تتوسع والحوكمة مدمجة والمهارات تتطور.

ويعد باضريس بأن الإعلان يمنح المؤسسات «وضوحاً وثقة» لتخطيط رحلتها. هذا الوضوح قد يكون الفارق بين الطموح والتنفيذ. وهنا تكمن دلالة جولة «مايكروسوفت» في الرياض، حيث إن البنية التحتية لم تعد هي الهدف، بل المنصة التي يُبنى عليها التحول.


مقالات ذات صلة

السعودية وباكستان تبحثان سبل وقف الاعتداءات الإيرانية

الخليج السعودية وباكستان تبحثان سبل وقف الاعتداءات الإيرانية

السعودية وباكستان تبحثان سبل وقف الاعتداءات الإيرانية

التقيت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، اليوم، قائد قوات الدفاع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (واس)

السعودية: تدمير 21 «مسيّرة» و3 صواريخ باليستية في الربع الخالي والخرج والرياض

أعلنت وزارة الدفاع السعودية، فجر السبت، اعتراض وتدمير 17 طائرة مسيّرة في الربع الخالي، وصاروخ باليستي أُطلق باتجاه قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

محمد بن سلمان يبحث مع إردوغان وستارمر تداعيات التصعيد بالمنطقة

أجرى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، اتصالًا هاتفيًا اليوم، بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج جانب من الاجتماع الذي عقدته منظمة التعاون الإسلامي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك (بنا)

اجتماع لـ«التعاون الإسلامي» في نيويورك يناقش العدوان الإيراني على الخليج

ناقش اجتماع عقدته منظمة التعاون الإسلامي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، الهجمات العدائية الإيرانية المتواصلة على دول مجلس التعاون الخليجي منذ السبت.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج إحدى طائرات «الخطوط السعودية» (موقع الشركة)

«الخطوط السعودية» تستأنف رحلاتها إلى دبي جزئياً

أعلنت «الخطوط السعودية»، الجمعة، استئناف عملياتها التشغيلية جزئياً من وإلى دبي بدءاً من السبت 7 مارس (آذار) الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

هل يصبح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» محرك الإنتاجية الجديد في الشركات السعودية؟

يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
TT

هل يصبح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» محرك الإنتاجية الجديد في الشركات السعودية؟

يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)

يؤدي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتقالها من مرحلة التجارب التقنية إلى الاستخدامات التشغيلية الفعلية إلى بروز «وكلاء الذكاء الاصطناعي» كمفهوم جديد داخل المؤسسات الكبرى. وعلى خلاف موجات الأتمتة السابقة التي ركزت على تنفيذ مهام محددة مسبقاً، فإن هذه الأنظمة مصممة للعمل داخل سير العمل المؤسسي واتخاذ قرارات بشكل مستمر والتفاعل مع الأنظمة الرقمية في الزمن الحقيقي.

في السعودية، حيث تسارعت وتيرة التحول الرقمي في إطار «رؤية 2030»، بدأت المؤسسات تتجاوز مرحلة التجارب الأولية. لكن الانتقال من المشاريع التجريبية إلى تحقيق قيمة تشغيلية قابلة للقياس لا يزال متفاوتاً بين القطاعات المختلفة.

يقول يوسف برقاوي، الشريك في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لدى «ديلويت الشرق الأوسط»، إن تبني المؤسسات لهذه الأنظمة يتقدم بسرعة، لكن مستوى النضج لا يزال غير متساوٍ. ويشرح خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن تبني وكلاء الذكاء الاصطناعي في المؤسسات يتقدم داخل السعودية بسرعة، لكن مستوى النضج لا يزال متفاوتاً. ورغم انتشار المبادرات، فإن عدداً محدوداً منها يرتبط حالياً بمؤشرات أداء واضحة. ويضيف برقاوي: «تشير خبرتنا في السوق، المتسقة مع نتائج استطلاع (ديلويت) حول حالة الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، إلى أن أقلية فقط من عمليات النشر اليوم وأن نحو ربع إلى ثلث المشاريع يرتبطان مباشرة بمؤشرات إنتاجية أو مؤشرات مالية واضحة».

يوسف برقاوي الشريك في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لدى «ديلويت الشرق الأوسط»

الانتقال إلى مرحلة القيمة التشغيلية

بدأ التحول الفعلي يتشكل داخل المؤسسات الرائدة في المملكة العربية السعودية. فبدلاً من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة استكشافية أو عرض تقني، بدأت المؤسسات تربط هذه الأنظمة بنتائج تشغيلية ملموسة.

ويفيد برقاوي بأن «المؤسسات المتقدمة تتحرك اليوم إلى ما بعد مرحلة التجارب، وتربط وكلاء الذكاء الاصطناعي بنتائج إنتاجية قابلة للقياس مثل تقليص زمن العمليات، وتجنب التكاليف، وتحسين جودة الخدمات، وزيادة القدرة الإنتاجية للقوى العاملة». ويعكس ذلك تحولاً في طريقة التفكير المؤسسي تجاه الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من اعتباره مبادرة ابتكار منفصلة، بدأت المؤسسات تتعامل معه كأداة لتحسين الأداء التشغيلي. ويرى برقاوي أن «التحول الحقيقي الجاري حالياً هو الانتقال من التجريب مع وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى التعامل معهم باعتبارهم مساهمين قابلين للقياس في الأداء التشغيلي، وليس مجرد عروض للابتكار».

شكل جديد من الأتمتة

يختلف دور وكلاء الذكاء الاصطناعي أيضاً عن الموجات السابقة من الأتمتة. ففي حين كانت أنظمة الأتمتة التقليدية تنفذ خطوات محددة وفق قواعد ثابتة، فإن الوكلاء الذكيين يعملون داخل العمليات التشغيلية ويتخذون قرارات بشكل مستمر استناداً إلى البيانات المتاحة. ويشرح برقاوي أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يُدخلون مفهوم اتخاذ القرار المستمر داخل سير العمل الحي. وهذا التطور يفتح المجال لتحسينات كبيرة في الكفاءة، لكنه يفرض أيضاً متطلبات تنظيمية جديدة. فهذه الأنظمة تحتاج إلى حوكمة قوية، ومراقبة آنية، وتكامل وثيق مع الأنظمة المؤسسية. ويتابع أنه على خلاف الأتمتة السابقة، تتطلب هذه الأنظمة حوكمة قوية ومراقبة في الوقت الحقيقي وتكاملاً مع الأنظمة المؤسسية، إضافة إلى وضوح في المساءلة. ويعني ذلك أن المؤسسات تحتاج إلى إعادة التفكير في نماذجها التشغيلية؛ إذ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها بقدر ما يكمن في قدرة المؤسسات على تكييف عملياتها معها.

يختلف وكلاء الذكاء الاصطناعي عن الأتمتة التقليدية لعملهم داخل سير العمل المؤسسي واتخاذ قرارات مستمرة اعتماداً على البيانات (غيتي)

أين تظهر القيمة الأكبر؟

رغم اختلاف مستويات النضج بين المؤسسات، فإن بعض المجالات بدأت بالفعل في تحقيق فوائد تشغيلية واضحة من استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويلفت برقاوي إلى أن أكبر قيمة ظهرت حتى الآن في العمليات التي تتسم بحجم كبير من المعاملات وقواعد واضحة. ويقول إن «أكبر قيمة جاءت من عمليات خدمة العملاء والموظفين، وإدارة خدمات تقنية المعلومات، والعمليات المالية، والعمليات المرتبطة بالامتثال». تتميز هذه المجالات بكونها كثيفة المعاملات وتعتمد على قواعد محددة وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأنظمة المؤسسية، وهو ما يجعلها بيئة مناسبة لاستخدام الأتمتة المتقدمة.

التوقف عند مرحلة التجارب

رغم التقدم في بعض المجالات، فإن كثيراً من مبادرات الذكاء الاصطناعي تتوقف عند مرحلة التجارب الأولية. وغالباً ما يعود السبب إلى أن هذه المشاريع تثبت الإمكانات التقنية لكنها لا تثبت القيمة التشغيلية الكاملة.

ويعزو برقاوي ذلك التوقف إلى أن معظم المشاريع «تثبت المفهوم التقني، لكنها لا تثبت القيمة التجارية الشاملة». ومن بين أبرز العوائق ضعف التكامل مع الأنظمة الأساسية داخل المؤسسات، إضافة إلى مشكلات جودة البيانات. كما تمثل مسألة الصلاحيات واتخاذ القرار تحدياً مهماً.

الحوكمة شرط أساسي للنجاح

يلعب نمط القيادة والحوكمة المؤسسية دوراً حاسماً في نجاح هذه المبادرات. فالمؤسسات التي تتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي كمشاريع جانبية غالباً ما تواجه صعوبة في توسيع نطاق استخدامها.

ويؤكد برقاوي أن «النجاح يعتمد على التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي باعتبارهم قدرة مؤسسية أساسية وليس مشروعاً جانبياً». وينوه بأن نجاح التوسع يتطلب تعاوناً بين مختلف وحدات المؤسسة، بما في ذلك الأعمال وتقنية المعلومات والأمن السيبراني وإدارة المخاطر والشؤون القانونية.

تشكل جودة البيانات والتكامل بين الأنظمة والحوكمة المؤسسية أبرز التحديات التي تحد من توسيع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي (أدوبي)

البنية التحتية الرقمية في المملكة

شهدت السعودية خلال السنوات الماضية استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الحوسبة السحابية ومراكز البيانات. ويرى برقاوي أن هذه البنية أصبحت قادرة بشكل متزايد على دعم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. لكنه يضيف أن تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي بدرجات عالية من الاستقلالية يتطلب ضوابط مؤسسية إضافية.

ويشرح أن «البنية التحتية السحابية والرقمية في المملكة أصبحت أكثر جاهزية، لكن مستويات الاستقلالية الأعلى تتطلب ضوابط مؤسسية مثل إدارة الهوية، وواجهات البرمجة، وأدوات المراقبة، وحوكمة التكاليف».

ويختصر برقاوي التحدي بقوله إن «البنية التحتية لم تعد هي العائق الرئيسي؛ بل الجاهزية التشغيلية».

البيانات... التحدي الأكبر

رغم تطور البنية التحتية، لا تزال جودة البيانات وتكاملها تشكلان تحدياً رئيسياً أمام توسع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

ويفيد برقاوي بأن «جودة البيانات وقابلية التشغيل البيني والحوكمة غالباً ما تكون العوامل الرئيسية التي تحد من تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي». وبينما تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات دقيقة ومحدثة لكي تقدم نتائج ذات قيمة، تحد الأنظمة المؤسسية المجزأة وضعف التكامل بين الأنظمة من قدرتها على العمل بكفاءة. في المقابل، يمكن أن تصبح مشاريع الذكاء الاصطناعي نفسها محفزاً لتحسين إدارة البيانات. ويضيف برقاوي أن مبادرات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تعمل كمحفز لتحسين حوكمة البيانات وكسر الجزر المعلوماتية داخل المؤسسات.

من المتوقع أن يسهم انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية وتسريع التحول الرقمي في السعودية خلال السنوات المقبلة (شاترستوك)

إعادة تشكيل طبيعة العمل

إلى جانب التحولات التقنية، تؤثر هذه الأنظمة أيضاً في طبيعة العمل داخل المؤسسات. فمع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، ينتقل دور الموظفين من تنفيذ المهام إلى الإشراف على النتائج ومعالجة الحالات الاستثنائية.

ويقول برقاوي إن «وكلاء الذكاء الاصطناعي يغيرون طريقة إنجاز العمل». ويشير إلى أن المؤسسات الناجحة تستثمر في إدارة التغيير، بما يشمل إعادة تصميم الأدوار وبناء الثقة في الأنظمة الجديدة وتدريب الموظفين على العمل معها. ويتابع: «يجب التعامل مع نشر وكيل ذكاء اصطناعي جديد كما لو كان توظيف موظف جديد، حيث يجب تدريبه على معايير المؤسسة وعملياتها وفهم سياق العمل قبل إطلاقه لتحقيق أقصى قيمة».

أهمية بناء الكفاءات المحلية

يُعد تطوير الكفاءات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الأساسية لضمان استدامة التحول الرقمي في المملكة. ويؤكد برقاوي أن وجود خبرات محلية أصبح ضرورة حتمية وأن التوسع المستدام يتطلب وجود كوادر محلية تفهم التنظيمات السعودية والسياق اللغوي العربي وخصوصيات القطاعات المختلفة. ومع استمرار تسارع التحول الرقمي في المملكة، يتوقع أن يلعب وكلاء الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في تحقيق أهداف «رؤية 2030». ويرى برقاوي أن يكون لوكلاء الذكاء الاصطناعي دور مهم في تسريع تحقيق «رؤية السعودية 2030» من خلال تحسين جودة الخدمات وزيادة الإنتاجية وتسريع العمليات التشغيلية. ومن المرجح أن يظهر التأثير الأكبر خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مع دمج هذه الأنظمة بشكل أعمق داخل العمليات المؤسسية في القطاعين الحكومي والخاص.


لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
TT

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

أظهرت تجربة حديثة أجراها باحثون أوروبيون أنَّ الاتصالات المعتمدة على الليزر قد تفتح آفاقاً جديدة لتوسيع نطاق الاتصال عالي السرعة بين الطائرات وشبكات الأقمار الاصطناعية، ما قد يغيِّر طريقة اتصال المنصات المتحركة بالإنترنت في المستقبل.

وخلال التجربة، نجح الباحثون في إنشاء رابط بصري عالي السعة بين طائرة تحلق في الجو وقمر اصطناعي في مدار ثابت بالنسبة للأرض. وقد أُجري الاختبار بالتعاون بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) وشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» وعدد من الشركاء البحثيين. وفي أثناء رحلة تجريبية في جنوب فرنسا، زُوّدت الطائرة بمحطة اتصال ليزرية من طراز «UltraAir» طوَّرتها «إيرباص»، وتمكَّنت من الاتصال بقمر «Alphasat TDP-1» الموجود على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض.

خطوة مهمة في الاتصالات البصرية الفضائية

تمكَّن الرابط من نقل البيانات بسرعة وصلت إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية، مع الحفاظ على اتصال خالٍ من الأخطاء لدقائق عدة في أثناء تحرك الطائرة. وبمثل هذه السرعات يمكن نقل ملفات بيانات كبيرة أو فيديو عالي الدقة خلال ثوانٍ. وتعتمد هذه التقنية على إرسال البيانات عبر شعاع ليزر ضيق بدلاً من استخدام موجات الراديو التقليدية التي تعتمد عليها غالبية أنظمة الاتصالات الفضائية الحالية. وتتيح الاتصالات البصرية نقل كميات أكبر من البيانات، كما يصعب اعتراضها أو التشويش عليها؛ بسبب تركيز الشعاع بشكل أكبر مقارنة بالإشارات الراديوية. ويرى الباحثون أن هذه التجربة تمثل خطوةً مهمةً نحو تطوير شبكات اتصالات فضائية ذات سعة أكبر ومستويات أمان أعلى، في وقت يزداد فيه الطلب العالمي على عرض النطاق الترددي، بينما تصبح الموارد المتاحة من الطيف الراديوي أكثر ازدحاماً.

تحديات الربط بين منصات متحركة

إن إنشاء اتصال ليزري بين محطات ثابتة على الأرض يمثل تحدياً بحد ذاته، لكن ربط طائرة متحركة بقمر اصطناعي يبعد آلاف الكيلومترات يضيف مستوى آخر من التعقيد التقني. فالطائرات تتعرَّض باستمرار للاهتزازات والاضطرابات الجوية وتغيرات الاتجاه، وهي عوامل قد تؤثر في دقة توجيه الشعاع الليزري. كما يمكن أن تؤثر الظروف الجوية مثل الغيوم أو التغيرات الحرارية في الغلاف الجوي على جودة الإشارة. وللحفاظ على الاتصال، يتعيَّن على محطة الاتصال المثبتة على الطائرة تعقب القمر الاصطناعي باستمرار وتعديل اتجاه الشعاع الليزري بدقة عالية جداً لتعويض حركة الطائرة وتأثيرات البيئة المحيطة.

تعتمد التقنية على أشعة الليزر بدلاً من موجات الراديو ما يتيح نقل بيانات أكبر ويزيد من صعوبة اعتراض الإشارة (إيرباص للدفاع والفضاء)

استخدامات محتملة تتجاوز الطيران

ورغم أن التجربة ركزت على اتصال الطائرات بالأقمار الاصطناعية، فإنَّ هذه التقنية قد تجد تطبيقات أوسع في المستقبل. إذ يمكن أن توفر اتصالات إنترنت عالية السرعة للطائرات والسفن والمركبات العاملة في مناطق نائية لا تصلها شبكات الاتصالات الأرضية. كما يمكن أن تلعب دوراً في بنى الاتصالات الفضائية المستقبلية التي تربط بين الأقمار الاصطناعية والمنصات الجوية والأنظمة الأرضية ضمن شبكات مترابطة. وقد تتيح هذه الروابط اتصالات أسرع وأقل زمناً للتأخير مقارنة ببعض الأنظمة الفضائية الحالية. ومن مزايا الاتصالات الليزرية أيضاً أن حزمها الضوئية الضيقة تجعلها أكثر أماناً نسبياً من الإشارات الراديوية التقليدية، وهو ما قد يجعلها مناسبة لبعض التطبيقات التي تتطلب مستويات عالية من الحماية.

جزء من تحول أوسع في شبكات الفضاء

يأتي هذا التطور ضمن توجه أوسع نحو استخدام الاتصالات البصرية في شبكات الأقمار الاصطناعية المستقبلية. فعدد من وكالات الفضاء والشركات التجارية يدرس بالفعل استخدام الروابط الليزرية لزيادة قدرة نقل البيانات بين الأقمار الاصطناعية أو بينها وبين المحطات الأرضية. وقد جرى اختبار هذه التقنية في روابط بين الأقمار الاصطناعية وفي بعض المهمات الفضائية التجريبية، حيث تسمح أشعة الليزر بنقل بيانات بكميات أكبر بكثير مقارنة بالأنظمة الراديوية التقليدية. وتُظهر التجربة الجديدة أن مثل هذه الروابط يمكن أن تعمل أيضاً عندما يكون أحد طرفَي الاتصال منصة متحركة بسرعة في الغلاف الجوي.

نحو اتصال دائم للمنصات المتحركة

يرى الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوةً أولى نحو دمج الطائرات والمنصات المتحركة الأخرى في شبكات اتصالات فضائية عالية السعة. وإذا تمَّ تطوير هذه التقنية إلى أنظمة تشغيلية، فقد تتيح توفير اتصال إنترنت سريع وموثوق في أماكن يصعب فيها الاعتماد على البنية التحتية الأرضية. وسيتركز العمل في المراحل المقبلة على تطوير التقنية ودمجها ضمن معماريات اتصالات أوسع تربط الأقمار الاصطناعية والطائرات والمنصات المرتفعة في شبكات متكاملة قادرة على نقل البيانات بسرعة وأمان عبر مسافات كبيرة.

ورغم أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها التجريبية، فإن التجربة تشير إلى أن الاتصالات البصرية قد تصبح عنصراً مهماً في الجيل المقبل من شبكات الاتصال العالمية، حيث يمكن للمنصات المتحركة الاتصال مباشرة بالبنية التحتية الفضائية عالية السعة.


تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
TT

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث متفرقة، بل أصبح منظومة صناعية متكاملة، تتسارع، وتيرتها بدعم من الذكاء الاصطناعي. يكشف تقرير «الحالة العالمية للاحتيال، والهوية 2026» الصادر عن «LexisNexis Risk Solutions » أن التحول الرقمي الذي سرّع التجارة الرقمية، سرّع في المقابل جرائم الاحتيال المالي، وعلى نطاق واسع.

استند التقرير إلى تحليل أكثر من 103 مليارات معاملة و104 مليارات هجوم نفذه أشخاص فعلياً حول العالم، إضافة إلى استطلاع شمل 1082 من مسؤولي مكافحة الاحتيال. هذا الحجم من البيانات يعكس مدى تغلغل المخاطر الاحتيالية في البنية الرقمية الحديثة.

التهديد الأسرع نمواً

من أبرز نتائج التقرير هو الارتفاع الحاد فيما يُعرف بـ«احتيال الطرف الأول»، أي الاحتيال الذي يرتكبه عملاء حقيقيون ضد المؤسسات التي يتعاملون معها. بات هذا النوع يشكّل 36 في المائة من إجمالي حالات الاحتيال هذا العام، مقارنة بـ15 في المائة فقط في العام السابق. أي إن نسبته تضاعفت أكثر من مرتين خلال 12 شهراً فقط. من حيث الخسائر المالية، يُتوقع أن تصل خسائر احتيال الطرف الأول إلى 3.9 مليار دولار في 2025، لترتفع إلى 4.8 مليار دولار بحلول 2028.

في قطاع التجزئة تحديداً، يُقدّر التقرير أن 15 في المائة من عمليات إرجاع السلع كانت احتيالية العام الماضي، ما كبّد الشركات خسائر بلغت نحو 103 مليارات دولار. وتكشف البيانات أن الظاهرة لا تقتصر على فئة عمرية واحدة. إذ أقرّ 18 في المائة من كبار جيل الألفية و16 في المائة من صغار جيل الألفية و13 في المائة من الجيل «زد» (Z) بممارسات احتيالية من هذا النوع. وتنخفض النسبة إلى 10 في المائة لدى صغار جيل طفرة المواليد، و7 في المائة لدى كبارهم وكبار السن. ويربط التقرير هذا السلوك جزئياً بارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط الاقتصادية.

استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح جزءاً من نحو 74في المائة من عمليات احتيال الهوية ما يدفع المؤسسات لتطوير أساليب تحقق أكثر تعقيداً (رويترز)

اقتصاد الإنترنت المظلم

إذا كان احتيال الطرف الأول يعكس ضغوطاً داخلية، فإن أسواق الإنترنت المظلم تعكس احترافية تنظيمية خارجية. يشير التقرير إلى رصد 31 سوقاً رئيسة على الإنترنت المظلم منذ 2011، أُغلق العديد منها عبر جهود إنفاذ القانون. لكن كل إغلاق غالباً ما يعقبه ظهور منصات جديدة. تعمل هذه الأسواق بأسلوب يشبه شركات البرمجيات السحابية المشروعة. تُباع حزم الاحتيال الجاهزة بأسعار تتراوح بين 400 و700 دولار، بينما تُعرض خدمات تجاوز «اعرف عميلك» (KYC) بنحو 1000 دولار للحساب الواحد. كما تتوفر حزم هويات اصطناعية، وحسابات مصرفية موثّقة، وبرامج إرشاد وتدريب تساعد المبتدئين على الانخراط في النشاط الاحتيالي بسرعة. وقد سجّلت إحدى هذه الأسواق حجم مبيعات بلغ 12 مليون دولار شهرياً قبل إغلاقها. كما يُقدّر أن أحد أشهر متصفحات الإنترنت المظلم يستقطب 4.6 مليون مستخدم يومياً. بهذا المعنى، أصبح الاحتيال بنية تحتية رقمية قائمة بذاتها، تعمل بنموذج اشتراك عالمي مرن.

انفجار المدفوعات الرقمية

يتسارع التحول نحو المدفوعات الرقمية عالمياً. ويتوقع التقرير أن تمثل المحافظ الرقمية 50 في المائة من معاملات التجارة الإلكترونية بحلول 2026، بينما يُتوقع أن تصل أصول البنوك الرقمية إلى تريليون دولار بحلول 2028.

كما تعيد أنظمة الدفع الفوري مثل «UPI «في الهند و«PIX «في البرازيل تعريف سرعة المعاملات. لكن السرعة تقلّص وقت الاستجابة.

ويقدّر التقرير أن 74 في المائة من حالات احتيال الهوية باتت تتضمن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، سواء في إنشاء هويات اصطناعية، أو صور «سيلفي» مزيفة، أو مستندات مزورة لتجاوز إجراءات التحقق.

بالتالي، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة بيد الطرفين: المدافعين والمهاجمين على حد سواء.

تعمل أسواق الإنترنت المظلم كنظم تجارية منظمة تبيع أدوات الاحتيال الجاهزة وحزم الهويات الاصطناعية وخدمات تجاوز التحقق (رويترز)

سطح مخاطرة جديد

لم تعد عملية التحقق من الهوية تقتصر على الوثائق الرسمية. فالنماذج الحديثة تعتمد على تحليل الأجهزة، والموقع الجغرافي، والسلوك الرقمي، وسجل المعاملات، والمؤشرات البيومترية. كما يشير التقرير إلى أن إجراءات «KYC» التقليدية لم تعد كافية في عصر التزييف العميق. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصوت، أو الصورة دليلاً قاطعاً على الهوية. وتتجه المؤسسات نحو نماذج تحقق قائمة على الاستخبارات الشبكية، والتحليل السياقي بدل الاعتماد على نقطة تحقق واحدة.

قوة الاستخبارات التعاونية

أحد أهم استنتاجات التقرير يتعلق بأهمية مشاركة البيانات. إذ يُظهر أن دمج استخبارات المخاطر التشاركية يمكن أن يحسن معدلات كشف الاحتيال بأكثر من 30 في المائة مقارنة بالنهج المعزول. كما أظهر أحد الأمثلة أن دمج البيانات الشبكية أدى إلى تحسن بنسبة 63 في المائة في أداء نموذج كشف الاحتيال، وتحقيق وفر مالي يُقدّر بـ1.6 مليون دولار. تعني هذه النتائج أن الذكاء الجماعي ضمن أطر تنظيمية مناسبة يعزز فعالية الدفاعات الرقمية.

نقطة التحول

يكشف تقرير 2026 حقيقة أن الاحتيال يتوسع بوتيرة التحول الرقمي نفسها. تضاعفت نسبة احتيال الطرف الأول وتورط الذكاء الاصطناعي في ثلاثة أرباع حالات احتيال الهوية تقريباً. وتعمل أسواق الإنترنت المظلم باحترافية الشركات التقنية. وتتوسع المدفوعات الرقمية بتريليونات الدولارات.

السؤال لم يعد: هل المخاطر تتزايد؟ الأرقام تؤكد ذلك. إلا أن السؤال الحقيقي هو: هل تتوسع أنظمة الحماية بالسرعة نفسها؟ وحتى الآن، يبدو أن السباق لا يزال مفتوحاً.