تعديل أم تغيير؟... غموض يكتنف مصير حكومة مدبولي في مصر

مصدر مسؤول أكد لـ«الشرق الأوسط»: لا إقالة أو استقالة بالوقت الحالي

اجتماع لمجلس الوزارء المصري في نهاية يناير الماضي (مجلس الوزراء)
اجتماع لمجلس الوزارء المصري في نهاية يناير الماضي (مجلس الوزراء)
TT

تعديل أم تغيير؟... غموض يكتنف مصير حكومة مدبولي في مصر

اجتماع لمجلس الوزارء المصري في نهاية يناير الماضي (مجلس الوزراء)
اجتماع لمجلس الوزارء المصري في نهاية يناير الماضي (مجلس الوزراء)

بعد انتخاب مجلس النواب المصري الجديد وبدء عقد جلساته، أثيرت تساؤلات حول مصير حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وما إذا كانت ستتقدم باستقالتها تمهيداً لتشكيل حكومة جديدة تنال ثقة البرلمان الجديد؛ وهل سيشمل التعديل الوزاري جميع الحقائب أم سيقتصر على تغيير بعض الوزراء؟

ووسط حالة الغموض السائدة، أكد مصدر مسؤول لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة الحالية «لن تستقيل، كما أنها لن تعرض برنامجاً جديداً على مجلس النواب لنيل ثقته».

وأضاف المصدر: «لم يتضح الموقف بشأن إجراء تعديل وزاري من عدمه في الوقت الراهن».

وقال متحدث الحكومة، محمد الحمصاني، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الأمر من اختصاص رئاسة الجمهورية»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل، ولم يتسن الحصول على تعليق من الرئاسة المصرية.

ماذا يقول الدستور؟

تنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال ستين يوماً من تاريخ صدور قرار الحل. وفى جميع الأحوال يجب ألا يزيد مجموع مدد الاختيار المنصوص عليها في هذه المادة على ستين يوماً».

وحسب المادة ذاتها، فإنه «في حالة حل مجلس النواب، يعرض رئيس مجلس الوزراء تشكيل حكومته وبرنامجها على مجلس النواب الجديد في أول اجتماع له. وفي حال اختيار الحكومة من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، يكون لرئيس الجمهورية، بالتشاور مع رئيس مجلس الوزراء، اختيار وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل».

عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، قال إن هذه المادة من الدستور لا تلزم الحكومة بتقديم استقالتها، كما لا تلزم الرئيس بتغيير الحكومة، «لكن جرى العرف على أنه يتم تغيير الحكومة أو تعديلها بعد انتخاب مجلس نواب جديد؛ ويبدو أن الأمور تمضي باتجاه التعديل لا التغيير».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في كل الأحوال، إذا جرى أي تعديل على الحكومة فسنصبح أمام حكومة جديدة، ومن ثم فالحكومة ستكون ملزمة بعرض برنامجها على مجلس النواب لنيل ثقة النواب على البرنامج من عدمه».

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

واتفق معه وكيل «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب، ياسر الهضيبي، وقال: «حال استمرار الحكومة الحالية كما هي دون تعديل، فهي ليست ملزمة بعرض برنامجها على مجلس النواب الجديد، لأنها مستمرة ببرنامجها الذي نالت به ثقة المجلس السابق عند تشكيلها، وإن غيرت برنامجها، فهي تقرر متى تعرضه على مجلس النواب؛ لكن الدستور لا يلزم الرئيس بإقالة الحكومة أو تغييرها مع كل انتخاب لبرلمان جديد».

ثقة البرلمان

ومنذ الصيف الماضي تتردد أنباء عن تغيير حكومة مدبولي، الذي أسهم بنفسه في تعميق الشعور لدى كثيرين بقرب تعديل أو تغيير حكومته بكتابته مقالاً صحافياً في الآونة الأخيرة، موجهاً فيه الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي.

وكان وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي بمصر، المستشار محمود فوزي، قد قال لصحيفة «اليوم السابع» اليومية الخاصة إنه «لا يوجد في الدستور ما يلزم الحكومة بتقديم استقالتها عند انتخاب مجلس نواب جديد»، مؤكداً أن «تحديد توقيت تغيير الحكومة أو إجراء أي تعديل وزاري هو حق دستوري أصيل لرئيس الجمهورية لا ينازعه فيه أحد».

وشدّد الوزير على أن الحكومة الحالية «سبق وقدمت برنامجها وحظيت بموجبه على ثقة مجلس النواب، والبرنامج الجديد لا يُقدَّم إلا مع حكومة جديدة».

ودلل على ذلك بأن حكومة مدبولي كُلفت في عام 2018؛ وفي عام 2021 انتُخب مجلس نواب جديد برئاسة المستشار حنفي جبالي، دون أن تقدم الحكومة حينها استقالتها أو برنامجاً جديداً، «وبالتالي فإن الممارسة المستقرة تؤكد عدم وجود إلزام بذلك»، وفق ما قاله.


مقالات ذات صلة

«النواب» المصري يستهل أعماله بدعوة الأعضاء للانضباط والوقار

شمال افريقيا وزير الشباب والرياضة المصري أشرف صبحي خلال حديثه بمجلس النواب الثلاثاء (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

«النواب» المصري يستهل أعماله بدعوة الأعضاء للانضباط والوقار

استهل مجلس النواب المصري (البرلمان)، أعماله، بدعوة أعضائه إلى الانضباط، والالتزام بالوقار البرلماني داخل القاعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من انتخابات حزب «الوفد» التي فاز فيها السيد البدوي (صفحة الحزب)

حديث رئيس حزب «الوفد» المصري عن الانتقال من «الموالاة للمعارضة» يثير انتقادات

أثار حديث رئيس حزب «الوفد» المصري السيد البدوي عن تحول حزبه في السنوات الأخيرة، واعتزامه العودة إلى صفوف المعارضة.

عصام فضل (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب إردوغان بالقاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)

القاهرة وأنقرة لتعزيز التنسيق بشأن غزة وتبادل الرؤى حول استقرار المنطقة

تترقب أوساط مصرية وتركية الزيارة التي يقوم بها الرئيس رجب طيب إردوغان إلى القاهرة، الأربعاء، وما سوف تترتب عليه بشأن تعزيز تنسيق المواقف المشتركة بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

تشديد سعودي - مصري على أهمية احتواء التوتر في المنطقة

شدَّدت السعودية ومصر على «أهمية احتواء التوتر ومنع اتساع دائرة التصعيد في المنطقة»، عبر تكثيف الجهود الرامية إلى تحقيق التهدئة، وتغليب المسارات السياسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري جانب من توقيع مذكرات تفاهم بين الغرف المصرية والتركية الثلاثاء (الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية)

تحليل إخباري مصر وتركيا تعززان تعاونهما الاقتصادي عشية زيارة إردوغان إلى القاهرة

عشية زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مصر، عززت القاهرة وأنقرة «تعاونهما الاقتصادي».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

سيف القذافي... «ولماذا لا أثق بهم؟!»

سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)
سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)
TT

سيف القذافي... «ولماذا لا أثق بهم؟!»

سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)
سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)

«ولماذا لا أثق بهم؟!». بهذا السؤال الموجز، ردّ سيف الإسلام القذافي على سؤالي له عن سبب «ثقته بالإسلاميين» المعتقلين في سجون والده في ليبيا، الذين كان يتفاوض معهم من أجل الإفراج عنهم. ثم استرسل مطولاً في شرح ما يسعى إليه. قال إن «الإسلاميين» أقروا بأنهم ارتكبوا خطأ بحمل السلاح ضد الحكم الليبي، وبأن بناء «ليبيا الغد» يحتاج إلى سواعد كل أبنائها. أضاف أن «الإسلاميين» الذين تفاوض معهم وخرجوا من السجون أثبتوا أنهم جديرون بالثقة، وأنهم لن يعودوا إلى حمل السلاح.

كان سيف يتحدث في لقاء جمعني به خلال إحدى زياراته للندن في نهايات الألفية الماضية أو بدايات الألفية الجديدة، وكان وقتها مشغولاً بإفراغ سجون والده من أعضاء في جماعات إسلامية، بما في ذلك قادة «الجماعة الإسلامية المقاتلة». كانت تلك الجماعة قد شنّت حرب عصابات في منتصف تسعينات القرن الماضي لقلب نظام الحكم، وكادت تنجح في اغتيال القذافي الأب، لكن الأمن الليبي نجح في هزيمتها في أواخر التسعينات. بعض قادة «المقاتلة» كانوا مسجونين في ليبيا منذ سنوات طويلة، لكن بعضهم سلمته الولايات المتحدة للقذافي خلال «الحرب ضد الإرهاب» التي طالت الجماعات التي كانت تتخذ من أفغانستان مقراً لها، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

لقطة من مقابلة تلفزيونية مع سيف القذافي في 16 مارس 2011 (أ.ف.ب)

كان سؤالي لسيف القذافي عن «الثقة» بهؤلاء الإسلاميين منطلقاً من خلفية معرفتي بأن هناك تياراً في نظام والده، يضم واحداً من إخوته على الأقل، يقود حملة معاكسة تماماً لما يسعى إليه هو. كان أصحاب الرأي المعاكس يجادلون بأن سيف يرتكب خطأ عندما يثق بأن الذين يعمل على الإفراج عنهم لن يثوروا مجدداً ضد الحكم في ليبيا، عندما تسنح لهم الفرصة. وقتها، قال أحد كبار مسؤولي أجهزة الأمن، وكان مسؤولاً عن سجن قادة «المقاتلة»: «لن يخرجوا إلا على جثتي»، في تحدٍّ مباشر لسيف، معتقداً أن القذافي الأب يتبنى رأيه هو وليس رأي نجله، في من كان يسميهم النظام الليبي «زنادقة».

في أي حال، لم يتمكن المعارضون من وقف مسعى سيف. فقد وافق قادة «المقاتلة» على إصدار ما عُرف بـ«المراجعات» التي حرّموا فيها حمل السلاح ضد أنظمة الحكم في الدول الإسلامية وأدانوا كثيراً من الممارسات التي تُنسب إلى تنظيم «القاعدة» وجماعات أخرى متأثرة بفكره. في النهاية، كان القذافي الأب هو من حسم الأمر، ونزل عند ما يريده سيف، الذي كان يُطرح اسمه كخليفة لوالده.

عندما اندلعت «ثورة فبراير» 2011 في ليبيا، كان سيف أحد أكثر من تم انتقاده من المحيطين بوالده بسبب «ثقته بالإسلاميين». فقد كان بعض الذين أفرج عنهم من أوائل الذين حملوا السلاح وانضموا إلى الثوار، وهو الأمر الذي دفع بسيف، كما قيل وقتها، إلى إعلان موقفه المتشدد ضد معارضي والده، خلال كلمته الشهيرة في باب العزيزية بطرابلس في بدايات الثورة.

في الواقع، كانت علاقة سيف بإخوته محور إشاعات تتردد وهمس يدور في الكواليس قبل سنوات من سقوط نظام القذافي الأب. فقد كان الحديث يدور عن خلافات شديدة تدور بين سيف وبين شقيقه المعتصم (الذي قُتل مع والده في سرت عام 2011). وعندما سألت سيف عن هذا الموضوع، كان ردّه يوحي بنوع من الشعور بالغرور. فقد كان فرحاً وهو يشرح أن الأميركيين يحاولون جاهدين، لكنهم لا يعرفون بحقيقة ما يدور بينه وبين أشقائه. لم ينفِ وجود اختلافات، لكن جوابه أوحى بأن العائلة موحدة في النهاية تحت سقف الأب.

سيف الإسلام القذافي في باب العزيزية بطرابلس في 23 أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

كان سيف دائم الزيارات للندن آنذاك. فقد كان «يقطف» النتائج التي يجهد من أجلها المفاوضون الليبيون الذين يسعون إلى تسوية ملفات، تورط فيها نظام والده، على غرار قضية لوكربي (تفجير طائرة «بان أميركان» عام 1988)، وقضية طائرة «يوتا» الفرنسية (عام 1989)، وقضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني (المتهمين في قضية نشر الأيدز بين أطفال مستشفى بنغازي).

نجحت جهود القذافي الابن في تسوية معظم تلك القضايا، التي تضمنت دفع تعويضات بملايين الدولارات. لكن جهوده كان لا بد أن تصطدم في نهاية المطاف بحقيقة أنه يحاول تقديم صورة مختلفة لليبيا عن صورتها الحقيقية تحت حكم والده. كان هذا محور سؤالي له، في لقاء عام أمام حشد من الطلبة في إحدى كليات لندن. ردّ قائلاً: «لا أحب هذا السؤال!».


الجزائر تعزز شراكتها مع إيطاليا في ظل علاقة متوترة مع فرنسا

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر  (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر تعزز شراكتها مع إيطاليا في ظل علاقة متوترة مع فرنسا

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر  (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر (الرئاسة الجزائرية)

تعكس الزيارة المقررة لرئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى الجزائر، خلال الأسابيع المقبلة، استمرار المسار الإيجابي الذي تشهده العلاقات الجزائرية - الإيطالية على مدى السنوات الأخيرة. وفي المقابل، يشهد التعاون الجزائري - الفرنسي فتوراً ملحوظاً في الفترات الأخيرة، نتيجة تباينات سياسية ودبلوماسية مستمرة؛ ما يعكس توجُّه الجزائر نحو تعزيز شراكاتها مع أطراف أوروبية تعتمد مقاربة قائمة على المصالح المتبادلة والتعاون العملي، وفق مراقبين.

الرئيس الجزائري مع رئيسة الوزراء الإيطالية في عام 2023 (الرئاسة الجزائرية)

أفادت الرئاسة الجزائرية، أمس (الثلاثاء)، في بيان، بأن الرئيس عبد المجيد تبون، تحادث هاتفياً في اليوم ذاته مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي تعتزم القيام بزيارة إلى الجزائر بعد شهر رمضان.

وفي مؤشر على «متانة العلاقات الحالية بين البلدين»، وفق البيان ذاته، ستقوم ميلوني بزيارة جديدة إلى الجزائر بعد الزيارة الأولى مطلع 2023.

وجاء في بيان الرئاسة أن تبون وميلوني «بحثا التعاون الثنائي بين الجزائر وإيطاليا، البلد الصديق، إضافة إلى القمة الأوروبية - الأفريقية المقبلة»، المقررة نهاية العام الحالي، مشيراً إلى أن الزيارة المنتظرة للمسؤولة الإيطالية «ستشهد إطلاق الغرفة التجارية الجزائرية - الإيطالية، التي اقترحتها السيدة جورجيا ميلوني».

من لقاء سابق بين وزيري خارجية الجزائر وإيطاليا (الخارجية الجزائرية)

يُذكر أن ميلوني زارت الجزائر في يناير (كانون الثاني) 2023 على رأس وفد حكومي مهم، في أول تنقل لها خارج إيطاليا منذ توليها منصب رئاسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. وقد أثمرت الزيارة تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الجزائر وإيطاليا؛ حيث تم التأكيد على الإرادة المشتركة لتطوير التعاون الثنائي على مختلف المستويات.

تعزيز مكانة الجزائر كمورد أساسي للغاز إلى إيطاليا

خلال هذه الزيارة، تم توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجانبين، أبرزها في قطاع الطاقة، شملت التعاون بين شركة «سوناطراك» الجزائرية وعملاق الطاقة الإيطالي «إيني»، في مجالات الإمداد بالطاقة والانتقال الطاقوي، وتقنيات تقليل الانبعاثات. وقد عززت هذه الاتفاقات دور الجزائر بوصفها مورداً أساسياً للغاز الطبيعي لإيطاليا عبر خط أنابيب «ترانسميد»، الذي يمتد إلى سلوفينيا، بما يدعم أمن الطاقة الأوروبي ويعكس التوجه نحو شراكة عملية ومستدامة، في ظل التحولات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا.

الرئيس الجزائري مع رئيسة وزراء إيطاليا في روما في مايو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

إضافة إلى ذلك، شملت الاتفاقات مجالات تعاون اقتصادية وتجارية أوسع، تهدف إلى توسيع وجود الشركات الإيطالية في الجزائر، واستكشاف فرص جديدة للشراكات، في ظل تزايد الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري ومكونات السوق المحلية.

ويرى مراقبون في زيارة ميلوني الثانية محطة مهمة في مسار العلاقات الجزائرية - الإيطالية؛ حيث يُنتظر أن تسهم، بحسبهم، في تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية، وتأكيد المكانة المتميزة للجزائر بوصفها شريكاً موثوقاً لإيطاليا في المنطقة.

وفي السنوات الأخيرة الماضية، عزَّز العملاق الطاقوي «إيني» وجوده في قطاع المحروقات بالجزائر، فيما شرعت مجموعة «بي إف» الإيطالية، المتخصصة في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية، في تنفيذ مشروع واسع لإنتاج القمح والبقوليات في تيميمون جنوب البلاد. كما يتم منذ نهاية 2023 تركيب سيارات علامة «فيات» في طفراوي قرب وهران.

الرئيسان الجزائري والايطالي (الرئاسة الجزائرية)

ورغم الجذور التاريخية المتينة التي تربط الجزائر وروما، فإن التنسيق الحالي بين الرئيس تبون وميلوني أعطى دفعة قوية لهذه العلاقات، جاعلاً منها نقطة ارتكاز أساسية في حوض المتوسط، تتسم بالانسجام في المواقف والواقعية في المصالح.

وفي مايو من العام ذاته (2023)، زار تبون إيطاليا بدعوة من نظيره الرئيس سيريجيو ماتاريلا، وأجرى زيارة ثانية عام 2025؛ حيث تم إطلاق أشكال تعاون جديدة من خلال التوقيع على بروتوكولات لبناء السفن، شملت الجوانب التجارية والهيكلية العسكرية.

* تراجع الاستثمار الفرنسي

على عكس إيطاليا، التي اعتمدت الجزائر معها مقاربة «رابح - رابح» في مجالات الطاقة والصناعة، غالباً ما تواجه الاستثمارات الفرنسية في الجزائر ضغوطاً سياسية تجعلها عرضة للتراجع مع أي توتر في العلاقات الدبلوماسية، وهذا ما حدث منذ صيف 2024، حينما تفجر ما بات يُعرف بـ«أزمة اعتراف باريس بمغربية الصحراء»؛ حيث دخلت علاقة فرنسا مع الجزائر مرحلة مظلمة تداخلت فيها مشكلات التاريخ والاستعمار مع قضايا الهجرة النظامية والسرية.

وفي تأكيد على أن علاقات الجزائر مع فرنسا تختلف عن علاقاتها مع باقي الشركاء الأوروبيين في حوض المتوسط، صرّحت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، الوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين روايال، بنبرة استغراب في سياق دورها كوسيط بين البلدين خلال زيارتها للجزائر، الأسبوع الماضي، بأن «جميع الدول تتفاهم مع الجزائر: إيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا (...) إلا فرنسا، رغم أننا نملك التاريخ المشترك الأكثر إيلاماً، لكنه أيضاً الأعمق حضوراً في وجدان شعبينا».

الرئيس الجزائري مستقبلاً السياسية الاشتراكية الفرنسية سيغولين روايال (الرئاسة الجزائرية)

وبرأيها، فإن البلدين «يجمعهما تاريخ مؤلم، ولا سيما العواقب المأسوية للاستعمار التي لم يعترف بها أبداً». وحثت الوزير الفرنسي لوران نوييز على «التخلي» عن شروطه المتعلقة بالزيارة المقررة للجزائر منذ نهاية 2025، التي تتعلق باستعادة العشرات من المهاجرين الجزائريين، الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية بالطرد من فرنسا، وهو ملف شكَّل «أزمة داخل أزمة»، في سياق التصعيد الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأخيرة.


اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية

TT

اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية

سيف الإسلام القذافي خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في سبها جنوب ليبيا عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في سبها جنوب ليبيا عام 2021 (مفوضية الانتخابات)

جدد اغتيال سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، مساء الثلاثاء في الزنتان (غرب)، النقاش حول الانتخابات الرئاسية المؤجلة والمتعثرة منذ سنوات، وقد كان تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية التي ألغيت قبل انطلاقها عام 2021 أحد أبرز محاور الخلاف، إذ اعتبر البعض ظهوره المفاجئ حينها أبرز عوامل هذا الإلغاء.

وتحت تأثير الصدمة التي عاشتها ليبيا عقب الإعلان عن نبأ مقتله، لا يزال الجدل مستمراً حول دوره السياسي، علماً بأن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وصفه بـ«المرشح الرئاسي»، واعتبر الواقعة اغتيالاً، في بيان صادر الأربعاء.

رئيس المجلس الرئاسي وصف سيف الإسلام بـ«المرشح الرئاسي» واعتبر الواقعة اغتيالاً (إ.ب.أ)

وعكست صفحات ليبية على منصات التواصل الاجتماعي انقساماً عميقاً في رؤية النخب الليبية لمسار الانتخابات الرئاسية تحديداً؛ بين مَن يرى أن الشخصيات الجدلية، مثل سيف الإسلام، تشكل عقبات إجرائية يمكن لإزالتها تخفيف حدة الخلافات، ومَن يعتبر أن الأزمة الليبية جوهرية وبنيوية، ولا تتأثر بشكل جذري بغياب أو حضور أي فرد.

وكان هذا الجدل واضحاً من خلال رأي مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة سابقاً إبراهيم الدباشي، الذي رأى أن مقتل نجل القذافي قد «يقلل العوائق أمام الانتخابات الرئاسية»، بينما وصف الباحث في «المجلس الأطلسي» عماد الدين بادي، غيابه بأنه سيؤدي إلى «تغيير الديناميكيات الانتخابية من خلال إزالة عقبة رئيسية».

* مخاوف وشكوك

في المعسكر السياسي الآخر، شكك الكاتب المقرب من النظام السابق مصطفى الفيتوري في الاعتقاد بأن هذا «الاغتيال سيعيد طريق الديمقراطية ويمهّد الطريق للانتخابات الرئاسية»، مستنداً إلى ما شهدته ليبيا من عدم استقرار بعد سقوط والده العقيد معمر القذافي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011. وهي نفس وجهة نظر الإعلامي خليل الحاسي، الذي أعرب عن تخوفه من «فتح فصل جديد في الحرب الأهلية» في البلاد.

اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية (مفوضية الانتخابات)

وكان سيف الإسلام قد تقدّم بأوراق ترشحه رسمياً إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في مدينة سبها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قبل أن تعلن المفوضية لاحقاً حالة «القوة القاهرة»، وتعليق العملية الانتخابية.

ووقتها ذهب مراقبون إلى اعتبار أن ترشحه كان عائقاً أمام إتمام هذا الاستحقاق، وذلك بالنظر إلى تحفظات محلية ودولية عليه وعلى نظام والده، في بلد يعاني من انقسام حكومي بين حكومتين في الشرق والغرب، وتضارب المصالح الدولية.

سيف الإسلام القذافي محاطاً بعدد من مؤيديه ومؤيدي نظام والده في طرابلس في أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

غير أن الباحث المتخصص في الشأن الليبي والمشارك في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي يرى أن اسم سيف الإسلام استُخدم خلال السنوات الماضية كإحدى أبرز ذرائع تعطيل المسار الانتخابي، تحت لافتة «القوة القاهرة»، سواء بسبب ترشحه أو بفعل الخلافات المحلية والدولية حول أهليته القانونية والسياسيةً.

واعتبر حرشاوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب نجل القذافي قد يجعل النقاش حول الانتخابات «أقل حساسية وخطورة» مما كان عليه سابقاً، «دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب موعد تنظيمها فعلياً».

من جهته، يرى المحلل السياسي عبد الحكيم فنوش أن «تغييب أي شخصية، مهما كان حضورها الرمزي، لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير حقيقي»، مبرزاً أن القوى الفاعلة والميليشيات والإرادات الخارجية «تواصل التحكم في المشهد بمعزل عن الأفراد».

ويقر فنوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن ترشح سيف الإسلام أربك المشهد الانتخابي قبل سنوات، لكنه أوضح أن هذا الارتباك «لم يكن مرتبطاً بسيف الإسلام وحده»، مشيراً إلى أن أطرافاً عدة أسهمت في تعطيل الانتخابات، من بينها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وميليشيات في المنطقة الغربية، إلى جانب مجموعات مؤدلجة وتدخلات خارجية. ويستنتج أن «الانتخابات لم يتم التوافق عليها من قبل الأطراف الأخرى المتحكمة في المشهد، ولا أرى أن الإرادة الخارجية تتجه في هذا الاتجاه في الفترة القريبة المقبلة».

* «نهاية حقبة القذافي»

رغم أن سيف الإسلام (53 عاماً)، الذي كان يقيم بمعزل في الزنتان، لم ينخرط في المشهد العام بشكل عملي، فإنه اعتُبر في مرحلة ما رقماً صعباً في المعادلة السياسية الليبية بعد سقوط حكم والده، الذي استمر أكثر من أربعة عقود، خاصة في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المتردية في البلاد.

صورة أرشيفية لسيف الإسلام مع والده معمر القذافي التقطت في 3 سبتمبر من عام 1989 (أ.ف.ب)

وتجدر الإشارة إلى أنه أُفرج عن سيف الإسلام عام 2017 بموجب عفو عام صادر عن مجلس النواب، بعد أن كان محكوماً عليه بالإعدام قبل هذا العفو بعامين.

ومن منظور بعض السياسيين الليبيين، فإن ترشح سيف الإسلام القذافي ومستقبل العملية السياسية بعد غيابه ينطويان على أبعاد دولية واضحة، برزت في مناكفات بإحدى جلسات مجلس الأمن الدولي قبل أقل من عامين، حين طالب المندوب الأميركي بتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية «لتحقيق العدالة»، مقابل دفاع روسي اعتبر أن ملاحقته سبقت صدور العفو عنه من مجلس النواب.

وتشير عضو المؤتمر الوطني العام الليبي السابق نادية الراشد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن سيف الإسلام وتياره كانا يحظيان بقدر من القبول الروسي ضمن حسابات النفوذ في ليبياً، وهو ما لم يكن متوفراً لدى الولايات المتحدة.

صورة لسيف الإسلام تعود إلى فبراير 2008 خلال حضوره مهرجاناً سينمائياً في برلين (د.ب.أ)

وتذهب نادية الراشد إلى الاعتقاد بأن «مقتل سيف الإسلام يعني عملياً نهاية الحقبة السياسية المرتبطة بعائلة القذافي»، لكنها تشدّد أيضاً على أن «إجراء الانتخابات يظل مستحيلاً في المدى المنظور، سواء بوجوده أو غيابه، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية».