هل يقترب الذكاء الاصطناعي من «ممارسة العلم» بدلاً من دعمه فقط؟

يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي قد يشارك خلال سنوات قليلة في صياغة الفرضيات العلمية وليس تنفيذ الحسابات فقط (أدوبي)
يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي قد يشارك خلال سنوات قليلة في صياغة الفرضيات العلمية وليس تنفيذ الحسابات فقط (أدوبي)
TT

هل يقترب الذكاء الاصطناعي من «ممارسة العلم» بدلاً من دعمه فقط؟

يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي قد يشارك خلال سنوات قليلة في صياغة الفرضيات العلمية وليس تنفيذ الحسابات فقط (أدوبي)
يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي قد يشارك خلال سنوات قليلة في صياغة الفرضيات العلمية وليس تنفيذ الحسابات فقط (أدوبي)

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي على البحث العلمي إلى جوهر العملية العلمية نفسها متجاوزاً تسريع التحليل أو تحسين الكتابة الأكاديمية. فحسب مقابلة حديثة أجرتها «المدرسة الاتحادية السويسرية للتكنولوجيا في لوزان» (EPFL)، يتوقع باحثون أن نشهد خلال السنوات الخمس المقبلة أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اقتراح فرضيات علمية والمشاركة في توجيه مسار البحث، لا الاكتفاء بدور المساعد التقني.

جاء ذلك في حوار بين روبرت ويست، رئيس مختبر علوم البيانات في «EPFL» وأغنيس هورفات الأستاذة المشاركة في علوم الاتصال وعلوم الحاسوب في جامعة نورث وسترن الأميركية، حيث ناقش الطرفان التحولات المتسارعة في طريقة إنتاج المعرفة العلمية ونشرها، والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في هذا السياق.

الذكاء الاصطناعي وتحوّل التواصل العلمي

اليوم، تُنشر معظم الأبحاث العلمية عبر المنصات الرقمية، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً لاطلاع العلماء والصحافيين وصناع القرار والجمهور العام على الاكتشافات العلمية. غير أن هذا التحول، كما تشير هورفات، جعل المعرفة العلمية عرضة لمشكلات شبيهة بتلك التي تواجهها المعلومات العامة، مثل التبسيط المفرط، والعناوين المثيرة، وسوء الفهم، وأحياناً التضليل.

وتوضح هورفات أن نشاط العلماء على وسائل التواصل الاجتماعي حقق في السابق مكاسب ملموسة من حيث زيادة الاستشهادات الأكاديمية، إلا أن هذا الأثر تراجع بمرور الوقت، مع تسارع دورة المحتوى وتحوله إلى صيغ مختصرة تفقد كثيراً من السياق والدقة العلمية.

يتجه دور الذكاء الاصطناعي من أداة تحليل إلى شريك بحثي قادر على اقتراح تجارب ومسارات علمية جديدة (أدوبي)

كتابة علمية بصياغة آلية

أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في رأي الباحثين يتمثل في الاستخدام المتزايد لنماذج اللغة الكبيرة في صياغة النصوص العلمية. فقد أظهرت تحليلات أجراها ويست وهورفات أن نحو 13 في المائة من الملخصات في بعض الأبحاث الطبية الحيوية تحمل أنماطاً لغوية تشير إلى تدخل أدوات ذكاء اصطناعي في كتابتها أو تحريرها. كما رُصدت مؤشرات مشابهة في مراجعات أوراق علمية ضمن مؤتمرات متخصصة في تعلم الآلة، ما يخلق وضعاً دائرياً تصبح فيه الخوارزميات كاتبة ومُقيمة للبحث في آن واحد.

ويحذّر ويست من أن هذه النماذج تميل إلى إنتاج لغة واثقة ومباشرة، وهو ما قد يعطي انطباعاً زائفاً باليقين في مجالات علمية يفترض أن تُبرز الشكوك والحدود المنهجية. كما يخشى الباحثان من أن يؤدي الاعتماد الواسع على هذه الأدوات إلى توحيد الأسلوب العلمي وتقليص تنوع طرق التفكير والتعبير.

من المساعدة إلى توليد الفرضيات

التحول الأعمق، حسب المقابلة، قد يكون في انتقال الذكاء الاصطناعي من دعم البحث إلى المشاركة في صياغته. ترى هورفات أن التطور السريع في قدرات النماذج الذكية يجعل من الممكن، خلال سنوات قليلة، أن تقترح هذه الأنظمة فرضيات علمية وتحدد أسئلة بحثية جديدة. لكن هذا الاحتمال يفتح تساؤلات جوهرية: هل ستطرح هذه الأنظمة «الأسئلة الصحيحة»؟ ومَن يحدد معايير الأهمية والأولوية في البحث العلمي؟

يشير ويست إلى أن الخطر لا يكمن فقط في قدرة الذكاء الاصطناعي على اقتراح أفكار، بل في توافق هذه الأفكار مع القيم الإنسانية والاحتياجات المجتمعية.

وفي حال أصبحت الخوارزميات قادرة على توجيه مسار البحث، فقد يتحول دور العلماء من مبتكرين للأسئلة إلى مقيّمين ومنقحين لمخرجات أنظمة ذكية، ما يطرح تحديات جديدة تتعلق بالشفافية، والمسؤولية، وفهم البشر للمعرفة التي تنتجها الآلات.

لا يزال الذكاء الاصطناعي يعتمد على الإشراف البشري إذ يفتقر إلى الفهم المفاهيمي الكامل والسياق العلمي العميق (شاترستوك)

الثقة والمعرفة في عصر الخوارزميات

يتقاطع هذا التحول مع أزمة أوسع تتعلق بالثقة في المعرفة العلمية. فمع الانتشار الواسع للمحتوى العلمي عبر منصات غير منظمة بشكل كافٍ، قد تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي بقدرتها على إنتاج محتوى مقنع على نطاق واسع في تضخيم المعلومات المضللة أو غير الدقيقة.

كما يفيد الباحثان بأن الذكاء الاصطناعي لا يتعامل مع عدم اليقين بالطريقة التي يفعلها العلماء، إذ تميل الأنظمة الحالية إلى تقديم إجابات حاسمة، حتى عندما تكون الأدلة غير مكتملة، ما قد يضر بفهم الجمهور لطبيعة العلم بوصفه عملية تراكمية قائمة على الاحتمال والمراجعة المستمرة.

تعاون لا استبدال

ورغم هذه المخاوف، لا يتبنى باحثو «EPFL» رؤية تشاؤمية مطلقة. فحسب ويست، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين جودة التواصل العلمي، خصوصاً في الحالات التي يعاني فيها الباحثون من ضعف في الصياغة أو إيصال الأفكار. وقد يعمل الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، بوصفه أداة داعمة تُحسّن الوضوح دون أن تلغي الدور البشري.

وتخلص المقابلة إلى أن مستقبل العلم لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل اختباراً لقدرتنا على بناء نموذج «ذكاء تعاوني» يوازن بين قوة الخوارزميات وحدس البشر وقيمهم. وفي هذا الإطار، تؤدي مؤسسات بحثية مثل «EPFL» دوراً محورياً في دراسة هذه التحولات ليس من زاوية تقنية فقط، بل من منظور اجتماعي وأخلاقي أوسع.


مقالات ذات صلة

خاص يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مخاطر الخصوصية حيث أصبحت حماية البيانات مرتبطة بالسلوك البشري والثقافة المؤسسية بقدر ارتباطها بالتقنيات (شاترستوك)

خاص في اليوم العالمي لـ«خصوصية البيانات»، كيف تعيد السعودية تعريف الثقة الرقمية؟

تتحول خصوصية البيانات في السعودية والمنطقة إلى أساس للثقة الرقمية مع دمجها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والحوكمة المؤسسية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شكّل إعلان فبراير معاينة أولية فقط في حين تخطط «أبل» لإطلاق نسخة أكثر تكاملاً من «سيري» لاحقاً هذا العام (شاترستوك)

«أبل» تستعد في فبراير لكشف نسخة جديدة من «سيري»

تستعد «أبل» في فبراير (شباط) لكشف تحول جذري في «سيري» عبر دمج ذكاء توليدي متقدم في محاولة للحاق بمنافسة المساعدات الحوارية مع الحفاظ على الخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أوضحت شركة «مايكروسوفت» أن الشريحة «مايا 200» الجديدة ستبدأ العمل هذا الأسبوع بمركز بيانات بولاية أيوا الأميركية مع خطط لموقع ثان في أريزونا (د.ب.أ)

«مايكروسوفت» تكشف عن «مايا 200»... الجيل الثاني من شرائحها للذكاء الاصطناعي

كشفت «مايكروسوفت» الاثنين عن الجيل الثاني من شريحة الذكاء الاصطناعي التي تنتجها داخل الشركة «مايا 200».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا تصميم أنيق ودعم لتقنيات الذكاء الاصطناعي بسعر معتدل

هاتف «أوبو رينو 15 5جي» يجمع بين الذكاء الاصطناعي وقوة التحمل وعمر البطارية

الشاشة تضمن سلاسة فائقة في التصفح واللعب بالألعاب الإلكترونية

خلدون غسان سعيد (جدة)

«غوغل» تطلق أداة ذكاء اصطناعي لفهم الطفرات الجينية المسببة للأمراض

غالبية الأمراض الوراثية الشائعة مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ترتبط بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات (بيكسلز)
غالبية الأمراض الوراثية الشائعة مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ترتبط بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات (بيكسلز)
TT

«غوغل» تطلق أداة ذكاء اصطناعي لفهم الطفرات الجينية المسببة للأمراض

غالبية الأمراض الوراثية الشائعة مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ترتبط بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات (بيكسلز)
غالبية الأمراض الوراثية الشائعة مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ترتبط بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات (بيكسلز)

كشف باحثون في شركة «غوغل ديب مايند» عن أحدث أدواتهم في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أنها ستُسهم في مساعدة العلماء على تحديد العوامل الوراثية المسببة للأمراض، وهو ما قد يمهد في نهاية المطاف لتطوير علاجات جديدة، حسب ما نقلته صحيفة «الغارديان».

وتعمل الأداة الجديدة، المسماة «ألفا جينوم»، على التنبؤ بكيفية تأثير الطفرات الجينية على آلية تنظيم الجينات، بما في ذلك توقيت تفعيلها، وأنواع الخلايا التي تنشط فيها داخل الجسم، وكذلك ما إذا كانت مستويات التحكم البيولوجي مرتفعة أم منخفضة.

وترتبط غالبية الأمراض الوراثية الشائعة، مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ومشكلات الصحة النفسية، بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات، كما هو الحال في العديد من أنواع السرطان. إلا أن تحديد الخلل الجيني المسؤول عن هذه الحالات لا يزال يشكل تحدياً علمياً كبيراً.

وفي مؤتمر صحافي حول هذا العمل، قالت ناتاشا لاتيشيفا، الباحثة في «ديب مايند»: «نرى في ألفا جينوم أداةً لفهم وظائف العناصر المختلفة داخل الجينوم، ونأمل أن يُسرّع ذلك من تعميق فهمنا الأساسي لما يُعرف بشفرة الحياة».

ويتكون الجينوم البشري من نحو 3 مليارات زوج من الأحرف الوراثية -الجوانين، والثايمين، والسيتوزين، والأدينين- التي تُشكل شفرة الحمض النووي. ولا يُحدد سوى نحو 2 في المائة من الجينوم كيفية تصنيع البروتينات، وهي اللبنات الأساسية للحياة، في حين يتولى الجزء المتبقي تنسيق نشاط الجينات، من خلال حمل تعليمات دقيقة تُحدد مكان وزمان ودرجة تفعيل كل جين على حدة.

ودرّب الباحثون برنامج «ألفا جينوم» على قواعد بيانات عامة لعلم الوراثة لدى البشر والفئران، مما مكّنه من فهم الروابط بين الطفرات في أنسجة محددة وتأثيرها على تنظيم الجينات. ويستطيع هذا الذكاء الاصطناعي تحليل ما يصل إلى مليون حرف من شفرة الحمض النووي في الوقت نفسه، والتنبؤ بكيفية تأثير الطفرات على مختلف العمليات البيولوجية.

ويعتقد فريق «ديب مايند» أن هذه الأداة ستساعد العلماء على تحديد أي أجزاء الشفرة الوراثية تُعد الأكثر أهمية لتطور أنسجة بعينها، مثل الخلايا العصبية وخلايا الكبد، فضلاً عن تحديد الطفرات الأكثر تأثيراً في نشوء السرطان وأمراض أخرى. كما يمكن أن تُشكّل أساساً لتطوير علاجات جينية جديدة، عبر تمكين الباحثين من تصميم تسلسلات حمض نووي مبتكرة - على سبيل المثال، لتفعيل جين معين في الخلايا العصبية دون الخلايا العضلية.

وفي هذا السياق، قال كارل دي بوير، الباحث في جامعة كولومبيا البريطانية في كندا، والذي لم يشارك في هذا العمل: «يستطيع برنامج ألفا جينوم تحديد ما إذا كانت الطفرات تؤثر على تنظيم الجينوم، وأي الجينات تتأثر، وكيف يحدث ذلك، وفي أي أنواع من الخلايا. ومن ثم يمكن تطوير أدوية تستهدف هذه التأثيرات».

وأضاف: «الهدف النهائي هو امتلاك نماذج دقيقة للغاية إلى درجة لا نحتاج معها إلى إجراء تجارب إضافية لتأكيد تنبؤاتها. ورغم أن ألفا جينوم يمثل ابتكاراً مهماً، فإن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب جهوداً مستمرة من المجتمع العلمي».

وقد بدأ بعض العلماء بالفعل في استخدام أداة «ألفا جينوم». وقال مارك منصور، الأستاذ السريري لأمراض الدم والأورام لدى الأطفال في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس، إنها تمثل «نقلة نوعية» في أبحاثه المتعلقة باكتشاف المحفزات الجينية للسرطان.

من جانبه، قال غاريث هوكس، عالم الوراثة الإحصائية في جامعة إكستر: «يشكل الجينوم غير المشفر 98 في المائة من جينوم الإنسان، الذي يتكون من 3 مليارات زوج قاعدي. نحن نفهم نسبة الـ 2 في المائة المشفرة بشكل جيد نسبياً، لكن امتلاك أداة مثل ألفا جينوم القادرة على التنبؤ بوظائف الجزء المتبقي، البالغ 2.94 مليار زوج قاعدي، يُعد خطوة هائلة إلى الأمام بالنسبة لنا».


الرياض... المحطة الأولى في جولة «أوراكل العالمية» نحو عالم الذكاء الاصطناعي

انطلاق جولة «أوراكل للذكاء الاصطناعي» العالمية من الرياض
انطلاق جولة «أوراكل للذكاء الاصطناعي» العالمية من الرياض
TT

الرياض... المحطة الأولى في جولة «أوراكل العالمية» نحو عالم الذكاء الاصطناعي

انطلاق جولة «أوراكل للذكاء الاصطناعي» العالمية من الرياض
انطلاق جولة «أوراكل للذكاء الاصطناعي» العالمية من الرياض

انطلقت يوم أمس الثلاثاء فعاليات «جولة (أوراكل العالمية) للذكاء الاصطناعي» Oracle AI World Tour العالمية من مدينة الرياض، التي حضرتها «الشرق الأوسط».

قصص نجاح مشتركة لتطوير المشاريع الضخمة وجودة حياة المستخدمين في المملكة

البيانات تتحول الى «عقل فاعل»

وركزت الجولة على واقع ملموس يتعلق بثورة الابتكار، وحين تصبح البيانات «عقلاً» فاعلاً. وشهد الحاضرون كيف تتحول قواعد البيانات التقليدية إلى كائن ذكي عبر تقنية «أوراكل إيه آي داتابايس 26 إيه آي» Oracle AI Database 26ai، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتخزين المعلومات، بل بقدرة النظام على فهم البيانات، وتوجيه المؤسسات نحو قرارات لم تكن تخطر على بال البشر قبل سنوات قليلة.

وأكدت الشركة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو المحرك الذي سيصوغ كفاءة الكوادر السعودية، ويضعها على خريطة التنافسية العالمية، تماشياً مع طموحات رؤية السعودية 2030.

قصة «البحر الأحمر الدولية»

وبينما كان الخبراء يناقشون التقنيات، كانت هناك قصة نجاح تُروى على بُعد مئات الكيلومترات، وتحديداً في مشاريع «البحر الأحمر الدولية»، حيث تُبنى وجهات سياحية جديدة في العالم. وكان التحدي يكمن في كيفية إدارة جيش من المهندسين، والمقاولين يتجاوز عددهم 23 ألف مستخدم. وقدمت «أوراكل» منصة «أكونيكس السحابية» Aconex Cloud و«بريامفيرا بي6» Primavera P6.

ولا يكمن الابتكار في البرمجيات فحسب، بل يكمن بإنهاء زمن «الجزر المنعزلة» من البيانات: أصبح المدير التنفيذي في مكتبه في الرياض يرى ما يراه المهندس الميداني على شواطئ البحر الأحمر في اللحظة نفسها. هذا الترابط الرقمي هو ما يضمن أن تفتح هذه الوجهات الساحرة أبوابها للعالم في مواعيدها المحددة، وبأقل قدر من المخاطر التشغيلية.

الذكاء في خدمة الإنسانية: «الراجحي الطبية» ترسم معياراً جديداً

وفي زاوية أخرى من المشهد التنموي، كانت الرعاية الصحية تخوض ثورتها الخاصة: مجموعة «الراجحي الطبية» قررت أن تقود التحول بجرأة، لتصبح أول مجموعة رعاية صحية خاصة في السعودية تعتمد نظام السجل الصحي الإلكتروني Oracle Health Foundation بشكل متكامل مع تطبيقات السحابة Oracle Fusion Cloud.

ولدى دخول مريض إلى المستشفى، وبدلاً من تكرار الفحوصات، أو فقدان السجلات الطبية، سيجد الطبيب أمامه لوحة تحكم ذكية توفر له رؤى فورية مدعمة بالذكاء الاصطناعي. ولا يهدف هذا التحول فقط إلى الرقمنة، بل إلى إنقاذ الأرواح، وتحسين جودة الحياة، وهو جوهر التعاون بين الشركة والمؤسسات الوطنية السعودية.

الوكلاء الأذكياء وما بعد 2026

ولا تتوقف القصة عند الحاضر، بل تم استشراف المستقبل القريب: بحلول منتصف العام 2026، سيبدأ الموظفون في المؤسسات السعودية بالتعامل مع «وكلاء ذكاء اصطناعي» AI Agents لديهم استقلالية عالية، وقادرون على تنفيذ مهام معقدة في سلاسل الإمداد، والموارد البشرية، والتمويل، ما يحرر العقل البشري للابتكار، والإبداع بدلاً من الانشغال بالعمليات الروتينية.


في اليوم العالمي لـ«خصوصية البيانات»، كيف تعيد السعودية تعريف الثقة الرقمية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مخاطر الخصوصية حيث أصبحت حماية البيانات مرتبطة بالسلوك البشري والثقافة المؤسسية بقدر ارتباطها بالتقنيات (شاترستوك)
يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مخاطر الخصوصية حيث أصبحت حماية البيانات مرتبطة بالسلوك البشري والثقافة المؤسسية بقدر ارتباطها بالتقنيات (شاترستوك)
TT

في اليوم العالمي لـ«خصوصية البيانات»، كيف تعيد السعودية تعريف الثقة الرقمية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مخاطر الخصوصية حيث أصبحت حماية البيانات مرتبطة بالسلوك البشري والثقافة المؤسسية بقدر ارتباطها بالتقنيات (شاترستوك)
يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مخاطر الخصوصية حيث أصبحت حماية البيانات مرتبطة بالسلوك البشري والثقافة المؤسسية بقدر ارتباطها بالتقنيات (شاترستوك)

مع إحياء يوم «خصوصية البيانات» عالمياً في 28 يناير (كانون الثاني)، لم يعد النقاش حول الخصوصية يدور حول السياسات والالتزام القانوني فحسب، بل بات يتمحور حول جوهر التحول الرقمي ذاته.

ففي السعودية ومنطقة الشرق الأوسط عموماً، تشهد خصوصية البيانات إعادة تعريف عميقة، لتتحول من مطلب تنظيمي إلى عنصر حاسم في استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وبناء الثقة العامة.

الرسالة التي تتبلور اليوم واضحة: الخصوصية لم تعد مسألة تُدار على هامش الأنظمة، بل أصبحت مقياساً للحوكمة الرشيدة والمرونة المؤسسية والمصداقية في بيئة رقمية تتسم بتدفقات بيانات مستمرة.

غابرييل أوبينو نائب الرئيس لمنطقة جنوب أوروبا والشرق الأوسط في شركة «دينودو»

الخصوصية على طاولة الإدارة

في المملكة العربية السعودية، تسارع هذا التحول مع التنفيذ الكامل لنظام حماية البيانات الشخصية (PDPL) في سبتمبر (أيلول) 2024. ويشير غابرييل أوبينو، نائب الرئيس لمنطقة جنوب أوروبا والشرق الأوسط في شركة «دينودو»، إلى أن الحوار حول الخصوصية شهد نقلة نوعية.

ويقول خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إن المملكة شهدت تحولاً كبيراً في مقاربة خصوصية البيانات، انتقلت فيه من الامتثال الإجرائي إلى دمج الحوكمة الاستراتيجية، حيث لم تعد الخصوصية شأناً تقنياً، بل أولوية مطروحة على طاولة مجالس الإدارات».

ويربط أوبينو هذا التحول بـ«رؤية السعودية 2030» واستراتيجية الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، موضحاً أن الخصوصية بات يُنظر إليها بوصفها رأس مال تنافسياً، لا عبئاً تنظيمياً.

ويوضح أن «المؤسسات لم تعد تراجع نوع البيانات التي تجمعها فقط، بل باتت تُسائل نفسها حول كيفية حمايتها، وتنظيم الوصول إليها، وإثبات إدارتها المسؤولة بشكل مستدام».

مارتن كريمر استشاري أمن المعلومات لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط في شركة «نو بي فور»

الذكاء الاصطناعي ومعادلة الخصوصية

مع التوسع السريع في استخدام التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي التوليدي، تغيرت طبيعة المخاطر جذرياً. فالأنظمة الذكية لا تكتفي بتخزين البيانات، بل تقوم بدمجها وتحليلها واستنتاج أنماط منها عبر منصات متعددة.

يحذّر مارتن كريمر، استشاري أمن المعلومات لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط في شركة «نو بي فور»، من أن المخاطر الجديدة تتجاوز الثغرات التقنية التقليدية.

ويشرح خلال مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي يتطلب كميات ضخمة من البيانات، ومن دون حدود واضحة لما يجوز مشاركته، ترتفع احتمالات تعرّض بيانات شخصية أو خاضعة للتنظيم للاستخدام غير المقصود أو التسريب».

ويضيف أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يكشف معلومات حساسة بطرق غير متوقعة إذا لم يُحكم ضبطه، في وقت يستخدم فيه المهاجمون هذه التقنيات لتطوير حملات تصيد وهندسة اجتماعية أكثر إقناعاً.

ويتابع: «الأمن لم يعد مسألة بنية تحتية محصّنة فقط، بل بات مرتبطاً بسلوك الإنسان وبُعد النظر لديه».

الخصوصية كثقافة مؤسسية

خلال أسبوع «خصوصية البيانات»، يرى كريمر أن التحدي الأكبر يكمن في تغيير الذهنية المؤسسية. ويعد أنه «على المؤسسات الانتقال من التعامل مع الخصوصية كمهمة امتثال لمرة واحدة، إلى اعتبارها مسؤولية ثقافية مشتركة ومستمرة».

ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، وأن تمكين جميع الموظفين، وليس فرق تقنية المعلومات فقط، هو الأساس لبناء خصوصية مستدامة. ويزيد: «الخصوصية هنا لا تعني الإخفاء، بل الوعي والنية أن تعرف وأن تسأل وأن تختار بحكمة».

بدر رياض بهيان المدير في المملكة العربية السعودية لدى «فاست داتا»

إعادة تعريف سيادة البيانات

من أبرز المفاهيم التي تعيد تشكيل النقاش في المنطقة مفهوم سيادة البيانات. إلا أن السيادة اليوم لا تقتصر على مكان تخزين البيانات.

يوضح أوبينو أن «السيادة لم تعد تعني إبقاء البيانات داخل الحدود الوطنية فقط، بل الحفاظ على رقابة مستمرة على من يمكنه الوصول إليها، وتحت أي شروط ولأي غرض قانوني، حتى عندما تكون موزعة عبر سُحب متعددة».

هذا التوجه يدفع المؤسسات إلى اعتماد نماذج حوكمة قائمة على السياسات، حيث تنتقل الضوابط مع البيانات نفسها، بدل ارتباطها بأنظمة محددة.

وعندما تصبح الثقة قابلة للقياس رغم شيوع الحديث عن الثقة، فإن تحويلها إلى قيمة قابلة للتحقق لا يزال تحدياً.

ويضيف أنه «تصبح الثقة ملموسة عندما تُبنى على الأدلة، لا النوايا»، مشيراً إلى أهمية سجلات الوصول القابلة للتدقيق، وتقليل البيانات والربط الواضح بين الاستخدام والمشروعية القانونية.

من جانبه، يرى بدر رياض بهيان، المدير في المملكة العربية السعودية لدى «فاست داتا»، أن الثقة لم يعد يمكن افتراضها كما في البيئات التقليدية.

ويلفت خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أنه «في عالم الذكاء الاصطناعي، لا يمكن الاعتماد على مراجعات دورية. يجب أن تكون الأنظمة قادرة في أي لحظة على الإجابة: من دخل إلى البيانات؟ متى؟ لماذا؟ وهل طُبّقت السياسات بشكل صحيح؟».

الثقة من وعد إلى رقم

يحذر بهيان من الاعتقاد السائد بأن الخصوصية يمكن إدارتها بمعزل عن البنية التحتية، ويقول: «لفترة طويلة، تعاملت المؤسسات مع الخصوصية كما تتعامل مع برامج مكافحة الفيروسات، شيء يُضاف بعد بناء النظام. الذكاء الاصطناعي كسر هذا النموذج».

وبسبب اعتماد الذكاء الاصطناعي على تدفقات بيانات مستمرة، تظهر الفجوات فوراً إذا كانت الاستراتيجية قائمة على نسخ البيانات أو الحوكمة اليدوية.

وينوه إلى أن «كيفية تخزين البيانات والوصول إليها ومشاركتها هي التي تحدد ما إذا كانت الخصوصية ستنجح أم لا».

عماد فهمي مدير هندسة النظم الإقليمي في شركة «نتسكاوت»

ما بعد حدود الشبكة

من منظور أمني، لم تعد النماذج القائمة على محيط الشبكة كافية. ويوضح الدكتور عماد فهمي، مدير هندسة النظم الإقليمي في شركة «نتسكاوت»، أن البيئات السحابية والهجينة ألغت الحدود التقليدية.

ويؤكد خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن مبادئ «انعدام الثقة» (Zero Trust)، إلى جانب التحليل المستمر لحركة البيانات والذكاء الاستخباراتي، باتت ضرورية لحماية البيانات أينما وُجدت، دون تعطيل الابتكار أو الامتثال التنظيمي.

ويضيف الدكتور عماد فهمي أن حماية الخصوصية في البيئات الحديثة لم تعد ممكنة من دون رؤية آنية لحركة البيانات نفسها، مشيراً إلى أن فقدان هذه الرؤية في البيئات السحابية والهجينة يحوّل سياسات الخصوصية إلى افتراضات غير قابلة للتحقق.

كما يوضح أن الأمن لم يعد يقتصر على منع الهجمات، بل على اكتشاف السلوك غير الطبيعي والاستجابة له قبل تحوّله إلى خرق بيانات فعلي.

ويخلص إلى أن اعتماد مبادئ «انعدام الثقة» والتحليل المستمر يتيح للمؤسسات تحقيق توازن حقيقي بين حماية البيانات والقدرة على الابتكار بسرعة.

تتقاطع آراء الخبراء الذين تحدث إليهم «الشرق الأوسط» حول حقيقة واحدة، وهي أن الخصوصية يجب أن تكون تشغيلية ومستمرة وقابلة للقياس. فعندما تُدمج في بنية البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، فإنها تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة لا بحذر.