«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

تنظمه هيئة الفنون البصرية بالمتحف الوطني في الرياض

توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

فترة تأسيسية في تاريخ السعودية تمتدّ من ستينات وحتى ثمانينات القرن العشرين، شهدت تشكيل معالم التوجهات الفنية الحديثة للسعودية، في أثناء فترة من التحولات الواسعة النطاق في البلاد، مثّلت نقطة انعطاف، وأتاحت فرصاً جديدة للتعبير والابتكار الإبداعي، وفتحت المجال أمام ظهور جيل من فنانين سعوديين كانوا روّاداً في آفاقهم الفكرية الرائدة، وتبنّوا مقارَبة تقوم على التجريب وروح الفضول والاضطلاع بزمام المبادرة.

ويقوم معرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض، وتنظمه هيئة الفنون البصرية، تحت اسم «بدايات» بتوثيق مرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية، ويحتفي بشخصيات محورية في عالم الحداثة السعودية، وبمساهماتهم في التيار الفني للمملكة، وبما كرّسوه من جهود متفانية في سبيل إرساء أسس أول مشهد فني ينطلق في رؤاه من عمق المجتمع المحلي، وأظهرت أعمالهم عناصر من تيارات الواقعية الاجتماعية والرمزية والانطباعية والتجريدية من خلال أساليب متنوعة مبنية على قراءات شخصية بحسب الموقع الجغرافي.

ورغم الأسلوب المتميز لكل فنان، فإن اللغة التشكيلية لهذا الجيل من الفنانين تحمل قاسماً مشتركاً يتمثل في احترام القيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي، وتعكس في الوقت نفسه رؤى مجتمع متغيّر.

المعرض تنظمه هيئة الفنون البصرية تحت إسم بدايات (الشرق الأوسط)

أسس حركة الفن الحديث في السعودية

تبلور مشهد الفن الحديث في بداياته بفضل استثمارات حكومية في سبيل التنمية الثقافية إلى جانب مبادرات ذاتية للفنانين مدفوعة برغبة فردية وجماعية لسبر التحولات المجتمعية الحاصلة، بينما سارت الجهود العامة والخاصة بدءاً من الخمسينات وصولاً إلى الثمانينات، بالتوازي، وخلقت في مجموعها ظروفاً ملائمة لنهضة حركة تشكيلية.

وعلى صعيد التعليم الفني، فقد تأسس من خلال سلسلة إصلاحات للمناهج الدراسية تزامناً مع توسيع نطاق المؤسسات الحكومية في أرجاء المملكة، إذ شهد عام 1945 إدراج الرسم مادةً في المدارس الثانوية من قبل مديرية المعارف، وفي أواخر الخمسينات، ومع تحوّل المديرية إلى وزارة التربية والتعليم، تم إدخال التربية الفنية في المناهج الدراسية وتعميمها رسمياً في كل مراحل التعليم، وخلال هذه الفترة، نُظّمت معارض ومسابقات مدرسية، عُقد أولها في المعهد العلمي السعودي في مكة عام 1952، ثم في الرياض عام 1959، كما نَظّمت وزارة المعارف سلسلة ورشات عمل بين أواسط الخمسينات وأواسط الستينات لإعداد دفعة جديدة من مدرسي الفنون، وأشرفت على تلك الجهود كوكبة من الفنانين السعوديين الرواد الذين كانوا قد أتمّوا دراستهم خارج البلاد، ويأتي في طليعتهم عبد الحليم رضوي.

المعرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض (الشرق الأوسط)

ورغبة منها في مضاعفة أثر هذه الجهود في المدارس بمختلف مراحلها، تم توفير الرعاية عبر منح دراسية خارج البلاد، سواء في جامعات بارزة في عواصم فنية في المنطقة كالقاهرة، أو في العالم، مثل إيطاليا.

وسرعان ما افتتحت مؤسسات حكومية تستكمل الدور الذي تقوم به هذه المبادرات، فشهد عام 1965 تأسيس معهد التربية الفنية، الذي أوكلت إلى الملتحقين به من فنانين سعوديين، وبالتعاون مع فنانين ومدرّسين عرب، مهمة توحيد المناهج الفنية وصياغة السياسة الوطنية لتدريس الفنون.

وبحلول سبعينات القرن العشرين، توسّع نطاق ممارسة الفن ليشمل النسيج الحضري نفسه حيث شهد عام 1972 إطلاق أمانة جدة مشروعاً للفنون العامة يمتد على مستوى المدينة، بمشاركة الفنانين الروّاد، لتحويل جدة إلى متحف مفتوح.

أما معارض الرئاسة العامة لرعاية الشباب، التي انطلقت عام 1976، فقد وسَّعت نمط المعارض الشبابية في أرجاء المملكة، ونسقت المشاركة السعودية في معرض الشباب العربي في ليبيا، وفي حقبة سبقت ظهور الصالات الفنية التجارية وتأسيس المتاحف، افتُتحت في الرياض عام 1973 الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، التي شكّلت منصة مؤسسية للفنانين كي يعرضوا أعمالهم للعامة.

احتفاء بشخصيات محورية في عالم الحداثة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

ومنذ أربعينات القرن العشرين عندما أقام محمد أحمد راسم أول معرض عام معروف في المملكة، في بهو البنك السعودي الهولندي بجدة، بدأ الفنانون بعدها في ابتكار بيئات مختلفة للعرض ضمن سياقات غير رسمية، ورغم أن مكانة وجهود المؤسسات الحكومية لم تكن قد ترسَّخت بعد، لكن الفنانين كانوا توّاقين للتشارُك بنتاجهم الإبداعي، وبادروا بتنظيم فعاليات استضافتها أندية وفنادق ومدارس وشركات خاصة.

واستضافت هذه الفضاءات العديد من المعارض الأولى البارزة بتاريخ المملكة، بدءاً من أول معرض احترافي في السعودية (للفنان عبد الحليم رضوي في نادي البحر الأحمر بجدّة عام 1965) وصولاً إلى أول معرض عام لسيدتين سعوديتين (للفنانتين صفية بن زقر ومنيرة موصلي في مدرسة دار التربية بجدّة عام 1968). والانطلاقة الفعلية لمسيرة محمد السليم في معرض استضافه نادي النصر لكرة القدم في الرياض عام 1967.

رغم الأسلوب المتمايز لكل فنان إلا أن اللغة التشكيلية لهذا الجيل من الفنانين تحمل قاسماً مشتركاً (الشرق الأوسط)

وشكل حجم ووتيرة التنمية الحضرية خلال هذه العقود المتتالية عاملاً محفّزاً، بحيث تركَّزت المواهب والموارد في هذه المدن الحديثة التي تحوَّلت إلى وجهات لاحتكاك الفنانين، بعضهم مع بعض، وللتفاعل مع شريحة أوسع من الجمهور، وبفضل هذا التقارب المكاني، استهلت الشخصيات الرائدة في الحركة التشكيلية السعودية بنسج أواصر شبكاتها غير الرسمية، وبدأت التجمعات الفنية والفضاءات التي يديرها الفنانون أنفسهم بالظهور والتبلور.

وفي هذا الإطار، كان عبدالحليم رضوي مشرفاً على مركز جدة للفنون الجميلة منذ تأسيسه عام 1967، حيث كان المركز ينظّم ورشات ومعارض فنية، وفي هذه الأثناء، أسس السليم دار الفنون السعودية في الرياض عام 1979، التي تحوّلت إلى فضاء متعدد الاستخدامات يستضيف معارض، ووجهة يلتقي فيها الفنانون وتتيح لهم المعدات والخامات التي لم تكن متوافرة على نطاق واسع آنذاك.

عكست أعمال الفنانين احترام القيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي ورؤى مجتمع متغيّر (الشرق الأوسط)

مسارات تلخص التجربة الإبداعية السعودية

ينقسم المعرض إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تجمع بين التوثيق وأعمال مختارة، حيث يتناول القسم الافتتاحي أسس حركة الفن الحديث في المملكة، وجذور الحركة الفنية الحديثة، مستعرضاً إسهامات الفنانين في بناء الأطر المؤسسية والمبادرات المستقلة منذ أربعينات القرن العشرين وحتى الثمانينات، ويتتبع هذا القسم تاريخ إدخال تعليم الفنون في المدارس كما يسلّط الضوء على ممارسين أوائل أسهموا في رسم ملامح الممارسة الحديثة.

ويتمحور القسم الثاني للمعرض حول تيارات الحداثة والقضايا الموضوعية والتأويلية التي شكلت الإنتاج الفني وينظّم عبر أربعة محاور مترابطة تعكس واقع تلك المرحلة: الطبيعة والمشهد، الحياة الاجتماعية، وجوه وملامح، وأحلام ورموز، وقد شكلت هذه الموضوعات فضاءات عبّر من خلالها الفنانون عن الاستمرارية والتحول، جامِعين بين الإرث الثقافي المتوارث وواقع متغيّر.

ويركز القسم الأخير من المعرض على رواد الحداثة، وعلى شخصيات محورية أسهمت بدورها في تطور المشهد الفني المبكر، من ضمنهم أربعة فنانين شكلت إسهاماتهم ولغاتهم البصرية عناصر محورية في تطور المشهد الفني المبكر: صفية بن زقر، عبد الحليم رضوي، محمد السليم، منيرة موصلي، ومنطلقات ممارساتهم الفنية التي بدأت من سياقات محلية متنّوعة في مختلف مناطق المملكة، وطوروا مقاربات متباينة في الشكل والخامة والموضوع، مع التزام مشترك بالتجريب والخصوصية الثقافية، وقد أسهمت تجاربهم في ترسيخ حركة فنية حديثة ما زال أثرها حاضراً في الإنتاج الفني المعاصر.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)

معرض أثري يوثق وصول معتقدات المصريين القدماء إلى سواحل البحر الأسود

يثبت معرض «العقائد المصرية على ساحل البحر الأسود» بالصور الأثرية انتشار العقائد المصرية القديمة في مدن ساحل البحر الأسود

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)

مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

وسط حضور فني وثقافي واسع احتفت «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون» مساء الاثنين بإبداعات الشباب المشاركين في الدورة السابعة من مسابقتها السنوية

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

معرض يقدّم لك الطبيعة مطرَّزة على الأقمشة الفاخرة، ويكرِّم الحرفيين الذين يقفون وراء هذا الفن رغم غياب أسمائهم خلف المصمّمين الكبار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك.

منى أبو النصر (القاهرة)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.