إيران تحذّر الأسطول الأميركي: «مَن يزرع الريح يحصد العاصفة»

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تصل المنطقة... اجتماعات أمنية رفيعة في طهران... وباريس ترفض الخيار العسكري

رجل أمام لوحة إعلانية تصور حاملة طائرات أميركية متضررة ولافتة كُتب عليها: «من يزرع الريح يحصد العاصفة» في ساحة «انقلاب» (الثورة) وسط طهران (أ.ب)
رجل أمام لوحة إعلانية تصور حاملة طائرات أميركية متضررة ولافتة كُتب عليها: «من يزرع الريح يحصد العاصفة» في ساحة «انقلاب» (الثورة) وسط طهران (أ.ب)
TT

إيران تحذّر الأسطول الأميركي: «مَن يزرع الريح يحصد العاصفة»

رجل أمام لوحة إعلانية تصور حاملة طائرات أميركية متضررة ولافتة كُتب عليها: «من يزرع الريح يحصد العاصفة» في ساحة «انقلاب» (الثورة) وسط طهران (أ.ب)
رجل أمام لوحة إعلانية تصور حاملة طائرات أميركية متضررة ولافتة كُتب عليها: «من يزرع الريح يحصد العاصفة» في ساحة «انقلاب» (الثورة) وسط طهران (أ.ب)

كشفت إيران، الأحد، عن جدارية جديدة نُصبت في ساحة مركزية بطهران، تتضمن تحذيراً مباشراً للولايات المتحدة من مغبة محاولة شن ضربة عسكرية ضد البلاد، في مشهد يحمل رسالة تهديد مباشرة بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية وتحرك القوات الأميركية في المنطقة.

وتظهر الجدارية، التي رُسمت عليها عدة طائرات متضررة على سطح حاملة طائرات، وتبرز عبارة مكتوبة بالفارسية: «من يزرع الريح يحصد العاصفة». وأعادت وسائل إعلام حكومية نشرها على نطاق واسع. وقالت وكالة «مهر» شبه الرسمية إن «جدارية وسط العاصمة طهران تحمل تحذيراً لأميركا». وجرى تدشين الجدارية في ساحة «انقلاب» (الثورة).

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، مساء الأحد، بوصول مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى منطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى أنها باتت تتمركز حالياً في محيط قريب من إيران.

وتُستخدم ساحة «انقلاب» عادةً للتجمعات التي تدعو إليها الدولة، وتقوم السلطات بتغيير الجداريات فيها تبعاً للمناسبات الوطنية والتطورات السياسية. وغالباً ما تحمل هذه الجداريات رسائل ذات طابع سياسي عابر للحدود.

وفي سياق التحذيرات، كتب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، النائب إبراهيم عزيزي، أنه «إذا ارتكبت الولايات المتحدة خطأً نتيجة حسابات خاطئة لرئيسها، فإن جنودها في المنطقة سيعودون إلى عائلاتهم في توابيت».

وأرفق عزيزي منشوره على منصة «إكس»، بصورة تُظهر صفوفاً من نعوش ملفوفة بالعلم الأميركي داخل طائرة عسكرية، فيما يقف جنود أميركيون إلى جانبها.

«في أي لحظة»

من جانبه، قال سالار ولايت‌مدار، عضو لجنة الأمن القومي البرلمانية، إن «اندلاع حرب عسكرية قد يحدث في أي لحظة»، معتبراً أن بلاده «لا تزال في قلب حرب الـ12 يوماً»، رغم غياب المواجهة العسكرية المباشرة.

وأضاف ولايت‌مدار أن ما يجري يتمثل في «حرب إعلامية وسياسية وحرب قرارات»، مضيفاً أن إيران «في حالة استعداد لأسوأ السيناريوهات».

ووصف ولايت‌مدار الاحتجاجات الأخيرة بأنها «مرتبطة بأجهزة استخبارات إسرائيلية»، مدعياً أن تأثيرها كان «محدوداً» مقارنة بموجات سابقة، وذلك في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى حصيلة قتلى غير مسبوقة.

وقال إن نسبة المعتقلين والمصابين في الاحتجاجات الأخيرة كانت «أقل من ثلاثة في المائة» مقارنة بالاحتجاجات السابقة.

تأتي تحذيرات نهار الأحد، غداة اجتماع وصفته وسائل إعلام إيرانية بـ«المهم للغاية»، بين كبار قادة جهاز «الحرس الثوري» وعلي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني ومستشار المرشد علي خامنئي.

صورة نشرها حساب لاريجاني على منصة «تلغرام» من اجتماعه مع قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور ليلة السبت

وأفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن قائد الحرس محمد باكبور ولاريجاني ناقشا، خلال اللقاء، آخر المستجدات في الداخل الإيراني والمنطقة، وتبادلا الآراء حول القضايا الكبرى للبلاد، والظروف الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية، و«الدور الفاعل لـ(الحرس الثوري) في صون الأمن القومي وحماية المصالح الاستراتيجية للدولة».

وشدد الطرفان على «أهمية تضافر القدرات وتعزيز التماسك الوطني في مواجهة التهديدات والتحديات القائمة والمقبلة».

وكان باكبور قد حذّر من أن قواته «أكثر جاهزية من أي وقت مضى، وإصبعها على الزناد».

وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب حملة أمنية عنيفة شنتها السلطات الإيرانية ضد احتجاجات واسعة، أسفرت، حسب منظمات حقوقية، عن مقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف.

تحفظ فرنسي

في باريس، قالت الوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية أليس روفو، الأحد، إن التدخل العسكري في إيران، حيث تتواصل منذ أسابيع حملة قمع دامية، «ليس الخيار المفضل» بالنسبة لفرنسا.

وصرّحت روفو في برنامج «لوغران جوري»، الذي يبث إذاعياً وتلفزيونياً وعبر صحيفة «لوفيغارو»: «أعتقد أنه يجب دعم الشعب الإيراني بكل الطرق الممكنة، بما في ذلك التحدث عما يجري كما نفعل الآن»، معربة عن أسفها لصعوبة «توثيق الجرائم الجماعية التي ارتكبها النظام الإيراني ضد شعبه» بسبب قطع الإنترنت.

وأضافت: «الأمر يعود إلى الشعب الإيراني للتخلص من هذا النظام، ونحن بطبيعة الحال نقف إلى جانبه. غير أن التدخل العسكري بالنسبة لنا ليس الخيار المفضل».

وتابعت: «إنها حركة انطلقت من البازار و(على خلفية) تكاليف المعيشة، لكنها اتسعت بشكل كبير. الشعب الإيراني يرفض نظامه، لكن مصير الشعب الإيراني بيد الإيرانيين والإيرانيات، وليس من شأننا اختيار قادتهم».

وكان ترمب قد هدّد باتخاذ إجراء عسكري إذا واصلت إيران قتل المحتجين السلميين أو نفّذت إعدامات جماعية بحق المعتقلين. ولم تُسجّل احتجاجات جديدة منذ أيام، فيما ادّعى ترمب أخيراً أن طهران أوقفت تنفيذ إعدامات بحق نحو 800 محتج معتقل، وهو ادعاء وصفه المدعي العام الإيراني بأنه «كاذب تماماً».

لكن ترمب أشار إلى أنه لا يزال يبقي كل الخيارات مفتوحة، قائلاً، يوم الخميس، إن أي تحرك عسكري جديد سيجعل الضربات الأميركية التي نُفذت ضد مواقع نووية إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي «تبدو كأنها لا شيء يُذكر».

بحّارة يستعدون لتسيير مقاتلة من طراز «بوينغ إي إيه-18 جي غرولير» على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في منطقة بين المحيطين الهندي والهادئ الأربعاء الماضي (الجيش الأميركي)

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن مقاتلات من طراز «إف-15إي سترايك إيغل» التابعة لسلاح الجو الأميركي بات لها وجود في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن هذه الطائرات «تعزز الجاهزية القتالية وتدعم الأمن والاستقرار الإقليميين».

وبالمثل، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية، الخميس، أنها نشرت مقاتلات «تايفون» في قطر «بصفة دفاعية».

وانطلقت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) على خلفية انهيار العملة المحلية (الريال)، وسرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد، قبل أن تواجهها السلطات بحملة أمنية واسعة النطاق.

«حرب شاملة»

وقال مسؤول إيراني كبير، الجمعة، لوكالة «رويترز» إن إيران ستتعامل مع أي هجوم ​على أنه «حرب شاملة ضدنا». وأضاف: «هذا الحشد العسكري - نأمل ألا يكون الهدف ‌منه مواجهة ‌حقيقية - لكن جيشنا مستعد لأسوأ ‌السيناريوهات. ⁠هذا ​هو ‌السبب في أن كل شيء في حالة تأهب قصوى في إيران».

وأضاف المسؤول الإيراني: «إذا انتهك الأميركيون سيادة إيران وسلامة ​أراضيها، فسوف نرد». وتابع: «لا خيار أمام أي ⁠بلد يتعرض لتهديد عسكري مستمر من الولايات المتحدة سوى ضمان استخدام كل ما لديه من موارد للرد، وإن أمكن، استعادة التوازن ضد أي جهة تجرؤ على مهاجمة إيران»، وامتنع عن تحديد طبيعة الرد الإيراني.

واعتاد الجيش الأميركي على إرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط في أوقات تصاعد التوترات، وهي تحركات كانت ذات طابع دفاعي في كثير من الأحيان. لكن الجيش الأميركي زاد من حشد ‌قواته العام الماضي قبل الضربات التي نفذها في يونيو ضد البرنامج النووي الإيراني.

ورأت صحيفة «خراسان» الإيرانية المحافظة، أن الولايات المتحدة تسعى إلى إبقاء التهديد العسكري ضد إيران قائماً من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم بتداعياتها. واعتبرت أن تصرفات ترمب بشأن تحريك «أرمادا» عسكرية نحو المنطقة، مقابل تأكيده عدم رغبته في استخدامها، تعكس سياسة ردع محسوبة أكثر منها تمهيداً لحرب.

وحسب الصحيفة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فإن التحذير الإيراني بـ«حرب شاملة» يهدف إلى رفع كلفة أي ضربة محدودة، وإخراج الخيار العسكري عملياً من الحسابات الأميركية.

ووصفت «خراسان» هذا المشهد بأنه «تقابل قرار» بين واشنطن التي تريد تهديداً موثوقاً بلا حرب، وطهران التي تسعى إلى توسيع نطاق الردع لمنع أي عمل عسكري.

وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة طرحت أربعة شروط مسبقة لأي اتفاق محتمل مع إيران، تشمل إنهاء البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، ووقف دعم حلفاء إقليميين، والاعتراف بإسرائيل، معتبرة الشروط أنها «تقدم كإملاءات أحادية لا كأرضية تفاوض».

وبرأي «خراسان»، يتردد ترمب في خيار الحرب بسبب مخاطر نزاع طويل ومكلف، وحسابات السياسة الداخلية الأميركية، إضافة إلى غموض طبيعة الرد الإيراني.

كما حذرت من أن فكرة «الضربة بلا كلفة» غير واقعية، وأن أي تصعيد قد يثير قلق الحلفاء من تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها، بما في ذلك مخاطر على الطاقة والاستقرار الإقليمي، وحتى انزلاق إسرائيل إلى حرب استنزاف طويلة.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تبحر في المحيط الهادئ قبل تغيير مسارها إلى الشرق الأوسط يوم 8 يناير 2026

تقديرات إسرائيلية

وتقدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الأيام القليلة المقبلة ستكون «بالغة الحساسية»، في ظل تراكم معطيات ميدانية وسياسية متسارعة في الإقليم، مع التشديد على أن الصورة لا تزال مفتوحة على أكثر من سيناريو.

وحذر رئيس هيئة الطيران المدني الإسرائيلية شركات الطيران الأجنبية من دخول «فترة حساسة» مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع المقبل، مشيراً إلى احتمال إغلاق المجال الجوي إذا تعذر ضمان مستوى أمان كافٍ، مع إعطاء أولوية لمغادرة الرحلات الأجنبية، بحسب ما نقلته «القناة 12» الإسرائيلية.

ونقلت القناة عن مصادر عسكرية، أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات قاطعة على حسم أي قرار كبير، لكن مستوى الجهوزية رُفع تحسباً لتطورات مفاجئة.

وجاءت التقديرات بعدما زار قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إسرائيل حيث عقد سلسلة لقاءات مع كبار قادة الجيش الإسرائيلي، تناولت التقديرات المشتركة للوضع الإقليمي، وآليات التنسيق العملياتي والاستخباري، في إطار ما وصفه الجيش الإسرائيلي بـ«تنسيق وثيق ومستمر» بين الجانبين.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤولين سابقين أن إيران لن تهاجم إسرائيل بعد ضربة أميركية.

وقال رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، يعكوف ناغل، إن احتمال قيام إيران بمهاجمة إسرائيل في حال تعرضها لهجوم أميركي «سيكون تصرفاً طائشاً وغير عقلاني»، قائلاً إن طهران «ستتصرف بدافع العاطفة لا العقل».

ورجح ناغل عدم انضمام إسرائيل إلى الولايات المتحدة في مهاجمة إيران، مشيراً إلى أن «واشنطن لن ترغب في إشراكها»، لكنه قال إن «الوضع سيكون مختلفاً إذا تعرضت إسرائيل لهجوم إيراني»، مضيفاً أن الجيش الإسرائيلي «على أتم الجهوزية سواء للهجوم أو الدفاع».

من جانبه، توقع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية سابقاً، عاموس يادلين، أن تمتنع إيران عن مهاجمة إسرائيل في حال تعرضها لهجوم أميركي.

وقال إن إيران «ستركز جهودها على مواجهة القوات الأميركية، ولن ترغب في مواجهة لاعبين آخرين»، محذراً من أن «مهاجمة إسرائيل في هذه الظروف لن تكون منطقية بالنسبة لطهران».


مقالات ذات صلة

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

شؤون إقليمية سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

في ظل غياب تسوية سياسية أو انتزاع «استسلام إيراني» وعدم عودة الملاحة الطبيعية إلى هرمز، نقل دونالد ترمب مركز الثقل إلى ما وصفه بـ«يوم الحسم الاقتصادي».

إيلي يوسف (واشنطن )
شؤون إقليمية وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)

سلطنة عُمان وإيران تبحثان استئناف الحوار والملاحة في مضيق «هرمز»

ذكرت وكالة ​الأنباء العمانية، اليوم (الجمعة)، أنَّ وزيرَي خارجية ‌عُمان ‌وإيران ​بحثا، ‌خلال اتصال ​هاتفي، «سبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض».

«الشرق الأوسط» (مسقط)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي في طهران 8 أغسطس 2026 (الرئاسة الإيرانية - أ.ف.ب)

إيران تدعو إلى إنهاء الحرب... وتستعد لمواجهة العقوبات

دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة «اليوم»، معتبراً أن بلاده باتت في «موقع قوة»، في وقت تستعد فيه واشنطن لتشديد العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن- طهران)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (يمين) خلال إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على دفن المرشد علي خامنئي في كربلاء وسط العراق 20 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قاليباف يحث بغداد على التحرر الاقتصادي من واشنطن

حثّ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الجمعة، بغداد على خفض الاعتماد على الدولار لرسم ما وصفها «خريطة طريق دقيقة» للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية مقاتلة أميركية تُقلع من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب) p-circle

إيران تتوعد برد «مدمر» بعد تهديد أميركا بـ«أقسى عقوبات» في التاريخ

قالت إيران، الجمعة، إن ردها على أي تهديدات أميركية جديدة سيكون «مدمراً» بعد أن توعّدت واشنطن بفرض أقسى عقوبات مالية في التاريخ، بهدف الإطاحة بالقيادة الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إيران تبحث عن مخرج من «الحرب الاقتصادية»


حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تتزوّد بالإمدادات في البحر يوم 16 أغسطس خلال دعمها الحصار الأميركي على إيران (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تتزوّد بالإمدادات في البحر يوم 16 أغسطس خلال دعمها الحصار الأميركي على إيران (رويترز)
TT

إيران تبحث عن مخرج من «الحرب الاقتصادية»


حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تتزوّد بالإمدادات في البحر يوم 16 أغسطس خلال دعمها الحصار الأميركي على إيران (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تتزوّد بالإمدادات في البحر يوم 16 أغسطس خلال دعمها الحصار الأميركي على إيران (رويترز)

لمَّحت إيران، أمس، إلى أنَّها تبحث عن مخرج من «الحرب الاقتصادية» التي أعلنتها عليها الولايات المتحدة في ظلّ توقف العمليات العسكرية وجمود المساعي الدبلوماسية.

وفي هذا الإطار دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة «اليوم»، قائلاً خلال لقاء مع أطباء في طهران، إنَّ إنهاء الحرب في الوقت الراهن سيكون أفضل لإيران، معتبراً أنَّ ذلك يمكن أن يتمَّ «بينما نحن في موقع قوة».

ودافع الرئيس الإيراني عن مذكرة التفاهم التي أُبرمت مع واشنطن في يونيو (حزيران) بعد مفاوضات شاقة، وقال إنَّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أقر الاتفاق لأنَّه لا يتضمن «بنداً واحداً يشير إلى استسلام».

كما دعا أيضاً رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إلى وضع خطط لمواجهة العقوبات الأميركية، قائلاً إنَّ على إيران أن تخطط للتغلب على ما وصفها بـ«العقوبات الجائرة... التي لجأت إليها واشنطن بعدما فشلت في تحقيق انتصار عسكري مباشر على إيران».

من جانبها، صعّدت واشنطن من الحرب الاقتصادية، متوعدة إيران بفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» عليها، والتي من المقرر إعلان تفاصيلها يوم الاثنين.

أما طهران، فقد توعدت برد «ساحق ومدمر» على أي تهديد جديد، فيما أعلنت بكين أنَّ الحرب الاقتصادية ليست هي الحل للحرب الإيرانية.


«الناتو» يناقش الخيارات المتعلقة بمضيق هرمز دون تدخله 

سفن قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«الناتو» يناقش الخيارات المتعلقة بمضيق هرمز دون تدخله 

سفن قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن قرب مضيق هرمز (رويترز)

قال المتحدث باسم الجنرال أليكسيس غرينكويتش، القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ​إن غرينكويتش عقد اجتماعاً عبر الفيديو، في وقت سابق من الأسبوع، لتسهيل المساهمات المحتملة لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، مضيفاً أن هذه ليست من مهام الحلف.

وذكر المتحدث، اليوم ‌(الجمعة): «استضافت القيادة العليا ‌لقوى الحلف في ​أوروبا ‌اجتماعاً للحلفاء ​المعنيين على مستوى قادة الدفاع يوم الأربعاء 19 أغسطس (آب) 2026 بهدف تسهيل المساهمات المحتملة لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «للتوضيح، هذه ليست من مهام الحلف، لكن بالنظر إلى نقاط القوة الفريدة التي ‌يتمتع بها ‌الحلف في قدرته ​على جمع ‌الحلفاء وفهم القدرات التي يمتلكونها، من ‌المنطقي أن يعمل على تيسير الأمور بهذه الطريقة».

وسعى أعضاء الحلف إلى تجنب التورط المباشر في الصراع مع ‌إيران، وركّزوا في المقابل على خطط لإعادة فتح المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الصراع نحو 20 في المائة من إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.

وقادت فرنسا وبريطانيا جهوداً بهدف تشكيل تحالف يضم نحو 12 بلداً لضمان المرور الآمن عبر المضيق، بمجرد أن تهدأ التوترات أو يحل الصراع، لكن أي ترتيب ​طويل الأمد ​سيتطلب في النهاية موافقة إيران.


«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
TT

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

في ظل غياب تسوية سياسية أو انتزاع «استسلام إيراني»، وعدم عودة الملاحة الطبيعية إلى مضيق هرمز بعد أشهر من العمليات العسكرية، نقل الرئيس دونالد ترمب مركز الثقل إلى ما وصفه بـ«يوم الحسم الاقتصادي». لكن اللغة القصوى التي تتحدث عن «خنق» إيران وإسقاط نظامها تخفي معضلة أكثر تعقيداً: فالضغط قادر على تقليص موارد طهران، لكنه لا يضمن تغيير سلوكها سريعاً، فيما قد يدفعها إلى التصعيد قبل أن يجبرها على التراجع.

ويجسد مضيق هرمز هذا المأزق. فهو ليس مغلقاً تماماً، لكنه بعيد جداً عن أن يكون مفتوحاً بصورة طبيعية. وأظهرت بيانات «كبلر» أن سبع سفن سلع فقط عبرته، الخميس، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب، من دون مرور ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز مسال. وفي المقابل، لم تعد الأسواق تعيش ذعر الأسابيع الأولى، وإن بقيت الأسعار مرتفعة؛ إذ دار خام برنت، الجمعة، حول 94 دولاراً، مسجلاً ثاني مكسب أسبوعي على التوالي. وبحسب «رويترز» هذا «الاستقرار» النسبي لا يعني حل الأزمة، بل إن السوق سعّرت جانباً كبيراً من مخاطرها، فيما تكيف بعض المشترين مع النقص وبحثوا عن إمدادات بديلة.

استهداف الشرايين الباقية

ينتظر أن يكشف وزير الخزانة سكوت بيسنت، الاثنين، عن تفاصيل الحزمة الجديدة، لكن إعلان ترمب رسم مسبقاً نطاقها: مشتريات النفط وعمليات التهريب، المصارف التي تحتفظ بأصول إيرانية، التحويلات النقدية وخطوط المقايضة، محال الصرافة، سجلات السفن وشركات الواجهة، إضافة إلى المؤسسات والمطارات والجهات الحكومية التي تسهّل التجارة الإيرانية. وقد تمتد الإجراءات أيضاً إلى شبكات توريد مكونات الصواريخ والمسيّرات والمواد ذات الاستخدام المزدوج.

والأداة الأهم ليست إضافة أسماء إيرانية جديدة إلى قوائم مكتظة أصلاً، بل توسيع «العقوبات الثانوية» ضد الأطراف الأجنبية التي تتعامل مع طهران. لذلك ستكون المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم «أباريق الشاي»، والمصارف وشركات الشحن والتأمين في الدول الوسيطة، في قلب الحملة.

بدأ الحصار المعاد فرضه في يوليو (تموز) يترك أثراً ملموساً. فقد تراجعت عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين، وانخفضت واردات الصين منه، بحسب «كبلر»، من متوسط بلغ 1.4 مليون برميل يومياً العام الماضي إلى نحو 534 ألفاً خلال أغسطس (آب). غير أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المنقول بحراً، ولذلك تبقى الحلقة التي يتوقف عليها نجاح الحملة أو تعثرها. ومع اقتراب لقاء ترمب والرئيس شي جينبينغ، سيكون على واشنطن أن توازن بين خنق عائدات طهران وتجنب فتح مواجهة اقتصادية جديدة مع بكين.

الألم لا يساوي الاستسلام

يرى فرزين ناديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن حظوظ نجاح «الإنزال الاقتصادي» متوسطة لكنها ترتفع. فالجمع بين الحصار وتشديد العقوبات الثانوية يمكنه تضييق القنوات المتبقية للإيرادات وزيادة كلفة استمرار إيران في المواجهة. لكنه يحذر من انتظار نتائج فورية؛ لأن طهران راكمت خبرة تمتد عقوداً في الالتفاف على العقوبات.

فإيران بنت أسطولاً مظلماً وشبكات تهريب وشركات واجهة، وخفضت اعتمادها على الدولار، ووسعت المقايضة والتجارة بالعملات المحلية، وربطت اقتصادها أكثر بالصين وروسيا. كما أن النظام أثبت قدرته على تحميل السكان كلفة التضخم والنقص وتدهور العملة، وقمع الاحتجاجات عندما تهدد استقراره.

ويذهب برايان كاتوليس، الباحث البارز في «معهد الشرق الأوسط»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى أن ترمب يبدو «في حاجة ماسة إلى إظهار نتيجة ملموسة» من حرب قال إنها لن تستمر سوى أربعة إلى ستة أسابيع. ويضيف أن الضغط سيؤلم الإيرانيين، لكن النظام القمعي مرشح للاحتفاظ بقبضته، فيما سيحاول رفع أسعار النفط والغاز وزرع عدم الاستقرار. وبرأيه، فإن «الوقت في مصلحة إيران»، لا لأنها أقوى اقتصادياً، بل لأن ترمب أكثر تعرضاً لضغط الرأي العام الداخلي والانتخابات.

من هنا تبدو عبارة بيسنت «سنسقط هذا النظام» رفعاً كبيراً للسقف، وربما خلطاً بين ثلاثة أهداف مختلفة: تقليص تمويل الجيش والوكلاء، إجبار إيران على اتفاق، وإحداث تغيير سياسي في طهران. الأول قابل للتحقيق نسبياً، والثاني مشروط بتقديم مخرج تفاوضي، أما الثالث فلا توجد أدلة على أن العقوبات وحدها تستطيع إنجازه.

هرمز... ضغط متبادل

تقول الإدارة إنها كسرت سيطرة إيران على المضيق وأمّنت مرور كميات مهمة من النفط، لكن أرقام الملاحة تظهر أن طهران ما زالت قادرة على إبقاء الحركة في مستوى شديد الانخفاض. وبذلك تحول هرمز إلى أداة ضغط متبادل: إيران تهدد السفن والمنشآت، والولايات المتحدة تحاصر الموانئ والصادرات الإيرانية.

والهدوء النسبي في الأسعار لا يلغي فاعلية هذه الورقة. فقد ارتفع برنت بأكثر من 6 في المائة هذا الأسبوع، فيما لا تزال إمدادات منتجين كبار في المنطقة مقيدة. ويعني ذلك أن طهران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل؛ يكفيها إبقاء المخاطر والتأمين وكلفة الشحن مرتفعة، مع السماح بعبور محدود يمنع استنفاراً دولياً أشمل ضدها.

في هذا السياق، يمكن قراءة قول الرئيس مسعود بزشكيان إن من الأفضل إنهاء الحرب الآن وإيران «في موقع قوة» بوصفه محاولة لترجمة الصمود إلى مكسب تفاوضي، لا دليلاً على قرب اختراق. فالقيادة الإيرانية تريد تقديم أي تسوية بوصفها اعترافاً بدورها في إدارة المضيق، وليس تراجعاً تحت الضغط.

أما تهديد رئيس الأركان علي عبد اللهي برد «ساحق ومدمر»، وقول محمد باقر قاليباف إن واشنطن أدركت عجزها عن الحسم العسكري، فيحملان بالتأكيد قدراً من الدعاية وتثبيت المعنويات. لكن تجاهلهما سيكون خطأ؛ لأن إيران أثبتت قدرتها على مهاجمة السفن والقواعد ومنشآت الطاقة، ولأن التصعيد المحدود هو إحدى الوسائل القليلة المتبقية لديها لتحسين شروط التفاوض بحسب «رويترز».

الحرب مؤجلة لا مستبعدة

وكشف بيسنت بوضوح عن الرسالة الكامنة وراء الانتقال إلى الضغط الاقتصادي، عندما قال إن اعتماد «الضغط الأقصى» يعني على الأرجح عدم استئناف العمليات العسكرية الواسعة «في الوقت الراهن». فالانتخابات النصفية تقترب، وأسعار الوقود تضغط على شعبية ترمب، فيما استنزفت الحرب الذخائر وأطالت انتشار القطع البحرية والقوات الأميركية.

ويعتقد نديمي أن تصعيداً عسكرياً أميركياً كبيراً يبدو مؤجلاً إلى ما بعد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، إلا إذا دفعت إيران واشنطن إلى الرد عبر هجوم كبير، وهو احتمال يعدّه مرتفعاً. ويتقاطع ذلك مع تقدير كاتوليس بأن العودة إلى الحرب المفتوحة لا تزال «مرجحة جداً».

غير أن العامل الأصعب في الحسابات يبقى ترمب نفسه. ويقول مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في منتدى الشرق الأوسط، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس وحده يعرف»، مضيفاً أن الشيء الوحيد شبه المؤكد هو أن ما يقرره ترمب اليوم قد يقرر عكسه غداً.

لذلك لا يعني تأكيد البنتاغون امتلاك الأدوات والأهداف والإرادة لتنفيذ أوامر الرئيس أن قرار الحرب اتُّخذ، بل إنه يحافظ على التهديد العسكري خلف العقوبات. والنتيجة الأرجح ليست استسلاماً إيرانياً قريباً ولا اختراقاً سريعاً، بل مرحلة استنزاف اقتصادي وأمني خطرة: واشنطن تراهن على أن تنفد موارد طهران أولاً، وإيران تراهن على أن تنفد مهلة ترمب السياسية قبل ذلك.