«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

عقل العويط يتخفف من كل قيدٍ إلا الرغبة في البوح

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات
TT

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

ليس معنياً الشاعر عقل العويط في «كتاب الغرفة» الذي صدر له حديثاً عن «دار نوفل» في بيروت، لا بالتسميات ولا بالأنواع الأدبية. هو يكتب نصاً يشبهه. «سرد مفتوح»، تتداخل فيه الأزمنة والشخصيات والذكريات التي يستدعي واحدها الآخر، ويبقى المحور هو الغرفة التي قد تصبح البيت برمته، أو الرحم الدافئ لشاعر اختار أن يتعاطى مع العالم على طريقته: «لا أبحث عن المال، ولا الشهرة، ولا العلاقات الاجتماعية، ولا المجاملات، ولا مآدب الأكل، ولا الشراب، ولا الترف، ولا الجاه، ولا المقامات الزائلة... أنا هنا مَلك غنيٌّ، فمن مثلي؟!». ذلك لأن كاتبنا في غرفته التي اختارها مقاماً، يعيش حالة من الانخطاف، أو استبدال بكل ما هو خارجي كونه الذاتي الذي يستكمل حضوره بالقراءة والكتابة والتفكّر. «بمقدوري أن أُمضي أياماً متتالية بلياليها في هذه الغرفة، دون أن أشعر بالرغبة في مغادرتها إلا لسدّ جوع وعطش». خيار العزلة وجوديٌّ، من فضائله حماية الذات، وإشعال جذوة النبش في حناياها، حيث صحبة الكتب والحبر والورق وأصدقاء القلب، تحمي من مصادقة الانتهازيين والمرائين وماسحي الجوخ ومقبّلي الأحذية، والمرتشين وبائعي الضمير. «أنظر إلى هذا العالم الخارجي المقيت وأبصق».

السرير الأيقونة

من محطة شراء السرير الحديدي القديم الذي سيتحول إلى أيقونة الغرفة ومحورها تبدأ الرحلة، التي ظنها الكاتب، بضع صفحات، فإذا بها تتناسل، في انسكاب للتذكارات، يجعلك تشعر بأن الحواجز هُدمت، والموانع انكسرت، وحان وقت الحقيقة، لأن تتجلى كما هي.

نثر شعري، أو شعري نثري لا فرق، يمر بك في طرابلس حين كان في المدرسة الثانوية، ثم الانتقال إلى بيروت للالتحاق بكلية التربية حيث كانت فورة استثنائية وحركة تشكل الوعي المجتمعي والسياسي. ثم بدء التفتح على الحياة في منزل الشقيقة الكبرى بعد زواجها، ومشاركة وليدها غرفته وتربيته، والمغامرات الشبابية الأولى في اكتشاف الجسد، وإطلاق العنان للهوى، قبل أن تصاب الشقيقة بمرض عضال وتفارق الحياة، ويغيب السند.

يخبرنا الكاتب بأن ديوان «مقام السروة»، كان مرافقة شعرية لموت شقيقته يوماً بيوم ولحظة بلحظة، «معرّياً الموت نفسه من رائحته العفنة، مضيفاً عليه ما يجعل الحياة باللغة بديلاً عن الحياة».

الانتقال إلى غرفة في شارع الحمرا عند جدة أحد الأصدقاء هي المحطة الوسطية التي سننتقل بعدها إلى الشقة المشتراة أو الغرفة الأساس، وموطن كل الكتابات اللاحقة لكاتبنا في صحيفة «النهار» من مقالات ونصوص وأبحاث، بعد إقامة خمس سنوات في قبرص مع وكالة الصحافة الفرنسية.

في هذا البيت الجديد سيكتب العويط كلّ نتاجه: «افتحي الأيام لأختفي وراءها»، و«سراح القتيل»، و«إنجيل شخصي»، و«وثيقة ولادة»، و«سكايبينغ»، وما لم ينشره بعد، وكذلك «كتاب الغرفة الأخير» الذي بين أيدينا؛ هذا المؤلّف الذي به يتوِّج الشاعر آخر كتاباته في هذا المكان الذي سكنه سنوات طوال مطلّاً على البحر، في يسوع الملك شمال بيروت. فترة خصبة يزيدها أهمية كتابه البوحيّ هذا، كأنما هو عصارة تلك الإقامة التأملية، وماهيتها، وشجونها، وجنوحها. فأنت تقرأ خلاصة مرحلة، وماؤها الزلال، ورحيقها.

القبض على الزمن

لهذا فإن «كتاب الغرفة» بالنسبة إلى مؤلفه يشبه سجلاً توثيقياً وجدانياً، لمرحلة يريد أن يقبض عليها، قبل أن تتسرب من بين أصابعه، وتتلاشى. وهو أيضاً فسحة للتعبير عن السخط، كما للاعتراف بالشغف والتعبير عن الامتنان، للغة العربية التي هي أداة القول والجمال، والتجلي في الكتابة عن صوت فيروز الـ«بركة» والـ«منارة»، حيث خصص له صفحات من العشق وردّ للجميل. وثمة عودة إلى العائلة الحاضنة الدافئة التي تتحول إلى حصن، والكتب بما تمثله من امتداد لفلسفات أصحابها ورؤاهم، ثم الموسيقى ومفعولها السحري. مكونات الغرفة الجمالية من كتب ولوحات وأسطوانات ووثائق، تجعلها عالماً متكاملاً، يحقق المتعة والاستغناء، إذ بهما يكتمل العيش؛ «فمَن تسكنه الأشياء لا يحتاج في الضرورة إلى البقاء الملموس في الأشياء، لكي تظل تسكنه الأشياء».

جدران الغرفة مرايا الذات وانعكاساتها، حيث يأتي السرد كفيض متلاحق، كأنما سُكب مرة واحدة: بوح، واعترافات، وجرأة، وذهاب إلى الأقصى، وفي الغضب والفرح، وتشريح الذات، ونقد الآخر، والغرق في الحب واكتشاف الأبوّة.

غرف الأدباء

فالغرفة ليست منقطعة عن العالم، بل هي الحبل السُّرِّي الذي يسهّل فهم هذا الغائب، وهي أيضاً تحيل إلى غرف أدباء مشاهير، مثل: فرجينيا وولف، وكوليت، وإرنست همنغواي، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، وآخرين. لكنها غرفة عقل العويط الخاصة التي لا تشبه غرفاً أخرى، فهو جمعها قطعة بعد أخرى، لتأتي على مذاقه، إذ إن أهم ما فيها خصوصيتها وذاتيتها، وفرادتها، حيث تصلح لأن تتحول إلى نص، له عمق وجودي، ولغة متحررة من قيودها، وعربية تليق بها.

فالعويط في تعاطيه مع العربية، يعبّر عن حب يرتفع إلى مستوى الشراكة، لا؛ بل الذوبان. «عشت وحيداً، هذا صحيح للغاية. لكنني أقيم في اللغة العربية. هي بالأحرى تقيم فيّ؛ فكيف أكون وحيداً؟!». فهي لغته التي يكتب بها ويفكر ويقرأ ويتبتل، مما يتيح له وهو يذوب في حناياها أن يضع نفسه «في مصافِّ العشاق الزاهدين المتواضعين» الذين لا يحبون الاستعراض.

عشق نحت الكلمات

حب اللغة جاءه من خاله الشاعر، الذي كان يصطحبه مراهقاً إلى السينما، يجول به في صالات الشمال اللبناني الجبلية؛ من حدث الجبة إلى حصرون وبشري. الخال هو قارئ تجاربه الكتابية الأولى، وهو الذي علَّمه العَروض والأوزان، وتقطيع الشعر. وهو أيضاً حلقة في سلسلة عائلية كان لها فضل التكوين المتوازن، الحامي من العواصف التالية.

ينتهي الكتاب بتحضيرات الانتقال إلى غرفة أو بيت جديد في بيروت، بعد أن كتب النص الوداعي في الغرفة الأساس التي هي محور النص ومداره. وتتحول الإقامة في العاصمة، إلى اختبار جديد به ينتهي السرد، لكنه يفتح أفقاً على تساؤلات شتى. فالكاتب لم يغادر بيروت يوماً، لأنه كان يأتيها ويعيشها ويلازمها بشكل شبه يومي، لكنه الآن سيصبح مقيماً فيها ومتورطاً في تفاصيلها. فالغرفة انتقلت إلى هنا. و«في المكان الغريب هذا، أسأل ذاتي: هل سأتمكن أنا هو، هذا الشخص المائل الآن وراء الزجاج، الراغب بقوة هائلة في تأسيس علاقات شعرية وروائية وفلسفية مع عالمي الجديد... هل سأتمكن من كتابة ذاتي المنقولة إلى مكاني الغريب الذي هنا؟».

مونولوج شعري

النص يشبه مونولوجاً شعرياً، ومراجعة ذاتية لعمر انقضى، ومحاولة استكشاف ملامح مرحلة مقبلة، اختار لها الكاتب شروطها وجغرافيتها، بعد أن امتلك شجاعة نقل مملكته الخاصة بكتبها ودفاترها وذكرياتها إلى مكان جديد، يحتاج إلى بناء ألفة ومودة. هكذا تغلَق الصفحات على تساؤلات حول ما ستكونه الحياة البيروتية، في مدينة «ما بقي منها هو مقبرة ذكريات... محفوظة في الطبقات الجريحة والخلاقة» من حياته السابقة.

أما الوحدة التي هي خيار الكاتب، في مختلف الأمكنة التي انتقل إليها، وجعلته غنياً بذاته، فهي خيار وجودي بحيث يبقى الآخر «زائراً غير مقيم». هذا لا يتعارض مع الصلات العشقية، والصداقات الحميمة، والعلاقات المخلصة. فالوحدة هي التي تجعل الفرادة ممكنة، والتجربة مختلفة. والمُقام في الغرفة أو البيت ليس عزلة بالمعنى المؤلم بل هو متعة ما دام بصحبة أشياء المتحف الخاص الذي جمع فيه صاحبه ما كان يحلم بالإقامة معه من أعمال فنية، تضخ في صاحبها دفق الحياة. «صرت أنا نفسي امتداداً لهذه المكتبة التي تمدني بالشغف والأمل، وتجعلني من سكان المطلق».

مصالحة ما لا يُصالَح

المتناقضات جزء أساسي من السيرة، لا؛ بل ثمة سعي دائمٍ إلى مصالحة المتباينات، بحيث تصبح جزءاً من طبيعة السيرة نفسها. «يجتمع في ما لا يجتمع اليأس والأمل، الجدار والحلم، الهشاشة والقوة، الهزيمة والفوز».

سيرة عقل العويط، تبدو للوهلة الأولى حكاية شعرية لشخصية هشة سريعة العطب، فيها خروج على التقليديّ والمعتاد، لكن الميزان الشخصي يعود ويجد بوصلته بفضل الحصانة الروحية المتأتية من بيت العائلة والوالدين اللذين صنعا معاً بالخبز والزيتون والرضا والأنفة، عالماً لا يشبه في معاييره الأخلاقية والقيمية الزمن الراهن.

سيرة شعرية تأملية، تمزج بين التوثيق الذاتي والتفسير الفلسفي مما يجعلها نصاً حراً متخففاً من كل قيد إلا الرغبة في البوح.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».