«الوحدة» الليبية تقيّد دراسة الطب على الجامعات الحكومية... وسط تباينات

اختصاصيون يَعدُّون قرارها «إهداراً للتعليم الخاص المتميز»

محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)
محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)
TT

«الوحدة» الليبية تقيّد دراسة الطب على الجامعات الحكومية... وسط تباينات

محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)
محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)

أثار قرار اتخذته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، مؤخراً، بتقييد دراسة الطب البشري والصيدلة على الجامعات الحكومية، تباينات في أوساط الليبيين، وسط تفاعلات تجاوزت قضية التعليم إلى إدارة الدولة للملف الصحي.

القرار، الذي قُدّم ودُعّم من قطاع معتبر في المجتمع باعتباره إجراء لضبط جودة التعليم الطبي وحماية مهنة تتعلق بحياة البشر، واجه في الوقت نفسه انتقادات رأت فيه «معالجة سطحية»؛ لكونه لم يفرّق بين الجامعات الخاصة الجيدة والضعيفة، مما قد يؤدي إلى زيادة أعباء الجامعات الحكومية وتضييق مسارات تخريج الأطباء لدعم نظام صحي يعاني نقص الخبرات.

امتحان لعدد من الطلاب بجامعة طرابلس (المكتب الإعلامي للجامعة)

ووصف وزير الصحة السابق، الدكتور رضا العوكلي، القرار بأنه «غير مدروس»، وقال العوكلي لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل نظام تعليم خاص فاشلاً، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون التعليم الحكومي ناجحاً. الوزارة لم تميز بين الكليات بالجامعات الخاصة المتميزة، وبين الضعيفة التي يمكن وصفها بـ(دكاكين بيع الشهادات)».

وينص قرار عمران القيب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، على قصر تدريس تخصصَي الطب البشري والصيدلة على الجامعات العامة خلال العام الدراسي 2025-2026، إلى حين صدور تشريعات تنظم العملية بما يضمن جودة التعليم ومخرجاته، مع إيقاف قبول الطلاب الجدد في مؤسسات التعليم الخاص.

ويرى العوكلي أن «الحكمة تكمن في دعم الجامعات المتميزة، سواء كانت عامة أو خاصة، وتشجيع من تحاول الارتقاء بمستواها، مع توجيه التحذيرات القوية للجامعات الضعيفة»، مشيراً إلى أن «6 فقط من أصل 24 كلية بجامعة ليبية عامة وخاصة تدرس الطب البشري حصلت على اعتماد الاتحاد العالمي للتعليم الطبي»، منتقداً «إغلاق كليات خاصة حاصلة على هذا الاعتماد الدولي وتحويل طلابها إلى الجامعات الحكومية التي لم تستطع التحصل عليه».

وتتزايد تعقيدات المشهدين الصحي والتعليمي في ليبيا بتضارب القرارات واختلاف السياسات المتبعة لكل من الحكومتين المتنازعتين على السلطة.

وحول أسباب اتخاذ وزير التعليم العالي لهذا القرار، قال العوكلي: «بالطبع هناك شكاوى وصلت إليه بشأن وجود كليات طب ضعيفة المستوى ببعض الجامعات الخاصة، تفتقر إلى البنية التحتية والإمكانات التعليمية والتدريب السريري التي تتطلبها التخصصات الطبية».

وأضاف العوكلي أن القرار ليس مرفوضاً بالكامل، لكنه يجب تعديله «ليقتصر على الكيانات الضعيفة فقط»، منتقداً «عدم ذكر مصير الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بتلك الكليات في الجامعات الخاصة وتركهم للمجهول، خاصة في المنطقة الغربية؛ كون جامعات الشرق لا تلتزم إلا بقرارات وزارة التعليم العالي بحكومة أسامة حماد».

وتوقع العوكلي أن «يبادر أصحاب الجامعات الخاصة بعقد لقاء قريب مع الوزير أو مع الدبيبة لإيقاف هذا القرار أو تعديله، أو ربما إقامة دعوى قضائية حال فشل هذا المسار».

وعرفت ليبيا نظام الجامعات الخاصة منذ أوائل التسعينات، قبل أن تنشأ جامعة أفريقيا الأهلية عام 2000، والجامعة الليبية الدولية عام 2007، التي اعتُبرت أول جامعة خاصة تدرس الطب البشري والصيدلة.

وأثار القرار نقاشاً واسعاً بين مؤيد ومعارض عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فبينما يرى البعض أن الجامعات الخاصة توفر إمكانات أفضل من العامة، اتهمها آخرون بـ«استنزاف أموال الأسر»، في ظل رسوم تتراوح بين 3000 و4000 دولار سنوياً، مع تزايد إقبال البعض على التخصصات الطبية لأسباب تتعلق بالوجاهة الاجتماعية.

واسترجع بعض المعلقين تصريحات القيب عام 2021، حين وصف الجامعات الخاصة بأنها «دكاكين شهادات»، معتبرين أن خطوة اليوم إيجابية لكنها متأخرة، ويجب تعميمها بعد مراجعة أوضاع كافة الكليات المهمة.

ورغم إقراره بمحدودية عدد طلبة الطب في الجامعات الخاصة المتميزة، يرى العوكلي أن ضمهم إلى الجامعات الحكومية «سيتسبب في زيادة أعباء الأخيرة، التي تعاني بالفعل من التكدس وقلة الإمكانات». وانتهى إلى أن «تراجع قدرات المنظومة الصحية يعود أساساً إلى نقص بعض التخصصات الطبية، وعدم وجود نظام تمويلي حديث للرعاية الصحية، وليس إلى نقص عدد الأطباء».

وفي قلب الجدل حول تقييد التعليم الطبي على الجامعات الحكومية، أشار بعض المعلقين إلى شكاوى مرضى الأمراض المزمنة، مثل الأورام وضمور العضلات، من حين إلى آخر، جراء نقص الأدوية الأساسية واضطرارهم للانتظار الطويل طلباً للسفر خارج البلاد.

في حين يرى كثيرون من المراقبين أن محاولات النهوض بالقطاع الصحي، سواء بإرسال المرضى للخارج أو شراء الأدوية أو اجتذاب خبرات أجنبية، لم تحقق الهدف المرجو رغم الميزانيات الكبيرة المخصصة له.

في المقابل، عبّر الدكتور ضياء إبراهيم عن تأييده للقرار «كونه سيسهم في تقليص عدد الأطباء، الذين بات عددهم حالياً يفوق احتياجات سوق العمل بدرجة كبيرة»، مشيراً إلى أن «ضعف القطاع الطبي يعود إلى ضعف البنية التحتية للمستشفيات ونقص المعدات والمستلزمات الأساسية، بالإضافة إلى سوء الإدارة وقلة التمويل».

وأوضح إبراهيم، الذي يعمل بمستشفى الرازي للصحة النفسية بالعاصمة، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحديث عن نقص الأطباء في بعض مدن الجنوب يعود إلى أسباب أمنية وصعوبة التنقل، وقلة مقومات الحياة هناك».

وشدد إبراهيم على ضرورة اقتران القرار بـ«زيادة الاهتمام بكليات الطب الحكومية، وتحسين جودة التعليم والتدريب، ورفع كفاءة الأطباء الليبيين عبر استقدام الخبرات الأجنبية والتعاقد لبقائهم لفترات طويلة لتعظيم الاستفادة».

وتتنازع حكومتان في ليبيا؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.


مقالات ذات صلة

الصلابي يمد الجسور نحو شرق ليبيا... وحفتر يلتزم الصمت

شمال افريقيا المنفي لحظة توقيع ميثاق «المصالحة الوطنية» 14 يناير (مكتب المنفي)

الصلابي يمد الجسور نحو شرق ليبيا... وحفتر يلتزم الصمت

قلل مسؤول في «الجيش الوطني» من أهمية تصريحات الصلابي بخصوص تواصله للمصالحة مع حفتر.

خالد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي (أ.ف.ب)

مستشار ترمب للشؤون العربية والأفريقية: ندعم الجهود الليبية لتحقيق الوحدة

أكد مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، الأحد، أن الولايات المتحدة تدعم الجهود الليبية لتحقيق الوحدة والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا أعضاء بمجلس النواب الليبي في اجتماع لجنة برلمانية لمناقشة أزمة السيولة (المكتب الإعلامي للمجلس)

الأمم المتحدة تعد بـ«خطوات ملموسة» لمنع تعطيل الانتخابات الليبية

سعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى إرساء قاعدة لعملية استقرار شاملة، عبر إعلان جملة من التوافقات الجوهرية في ختام الجولة الأولى من «الحوار المهيكل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

مستشار الرئيس الأميركي يحث قادة ليبيا على نبذ خلافاتهم

حثّ مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا دونالد ترمب، الذي يزور طرابلس، السبت، القادة الليبيين على نبذ خلافاتهم جانباً

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري حفتر في لقاء مع قائد القيادة الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

تحليل إخباري ليبيا لاستضافة مناورة أميركية وسط آمال بـ«توحيد الجيش»

يهيمن الترقب على الأوساط العسكرية والسياسية في ليبيا قبل استضافة مدينة سرت جزءاً من مناورات «فلينتلوك 2026» السنوية التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا.

علاء حموده (القاهرة )

«سد النهضة»: محادثات مصرية - أميركية بالقاهرة بعد عرض ترمب الوساطة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يوم الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يوم الأحد (الخارجية المصرية)
TT

«سد النهضة»: محادثات مصرية - أميركية بالقاهرة بعد عرض ترمب الوساطة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يوم الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

في وقت ثمَّنت فيه وزارة الخارجية المصرية الدور الأميركي الساعي إلى حل نزاع «سد النهضة» الإثيوبي المقام على الرافد الرئيسي لنهر النيل، تعمل القاهرة على تنسيق موقفها مع الخرطوم بشأن هذه القضية، وذلك غداة زيارة رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد إلى السودان.

وقالت الخارجية المصرية في بيان، الأحد، إنها «تثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدّرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار إقليمياً ودولياً فيما يتعلق بقضية الأمن المائي، وما تضمنته من تقدير للدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم أمن واستقرار المنطقة».

وأكدت عقب استقبال الوزير بدر عبد العاطي لنائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو، بالقاهرة، أن نهر النيل «شريان الحياة للشعب المصري الذي يعيش في ندرة مائية حادة، وأن مصر تلتزم بثوابت واضحة تقوم على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل، وفق مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، مع الرفض التام للإجراءات الأحادية».

وزير الخارجية المصري مستقبلاً نائب وزير الخارجية الأميركي يوم الأحد (الخارجية المصرية)

تناول اللقاء، وفق البيان المصري، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة وتطوير العلاقات الثنائية في المجالات السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في غزة، والسودان والقرن الأفريقي، والأمن المائي المصري.

يأتي ذلك بعد يوم من اجتماع رئيس المخابرات العامة المصرية مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، حيث تناولا «العلاقات المتميزة بين البلدين وسبل دعمها وتطويرها»، حسب بيان صادر عن مجلس السيادة السوداني.

تنسيق المواقف

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رخا أحمد حسن، أن زيارة نائب وزير الخارجية الأميركي لمصر وعقده مباحثات مع وزير الخارجية المصري «تأتي استكمالاً لما بحثه الرئيس السيسي مع الرئيس ترمب على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، بخصوص قضية سد النهضة».

مدير المخابرات المصرية حسن رشاد مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في الخرطوم يوم السبت (مجلس السيادة السوداني)

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم كذلك أن تنسق مصر مواقفها مع السودان في مختلف القضايا، خصوصاً قضية الأمن المائي وسد النهضة، لأن هناك ارتباطاً استراتيجياً بين البلدين»؛ مشيراً إلى أن المحادثات المصرية - السودانية تناولت ما تراه الإدارة المصرية من مطالب ومبادئ تحكم أي تحرك بشأن سد النهضة، نظراً لأهمية ضمان وحدة الموقف السوداني مع القاهرة.

وتابع: «الرؤية المصرية تقوم على أن نهر النيل يمثل حياة لمصر والسودان، وأنه لا تفريط في حصصهما التاريخية به، وأن أي وساطة يجب أن تنطلق من الحفاظ على تلك الثوابت».

وكان ترمب قد التقى السيسي على هامش منتدى دافوس، حيث أكد أنه سيسعى إلى جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لحل أزمة سد النهضة. سبق ذلك نشره، قبل نحو 10 أيام، على منصته «تروث سوشيال» رسالة قال إنه وجهها إلى السيسي، وأعرب فيها عن أمله في ألا يؤدي الخلاف القائم حول سد النهضة إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا، مؤكداً أن ⁠الولايات المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل؛ وهو ما قوبل بترحيب مصري رسمي.

«أمر تجاوزه الواقع»

مدير الشؤون المعنوية بالجيش المصري سابقاً، اللواء سمير فرج، قال لـ«الشرق الأوسط» إن مصر بحثت في دافوس، وكذلك في القاهرة خلال زيارة نائب وزير الخارجية الأميركي قضية سد النهضة والملفات المرتبطة بها في أفريقيا، «ومن ثم من المهم وضع الشريك الأساسي - وهو السودان - في الصورة وإطلاعه على كل ما نوقش في هذا الشأن».

وتابع: «زيارة رئيس المخابرات العامة المصري إلى السودان تبني على ما تم بحثه في دافوس بين السيسي وترمب؛ فهو ينقل الرؤية المصرية والأميركية لكيفية التسوية السياسية في السودان، كما أنه تنسيق للمواقف حول ملف سد النهضة، وملفات أخرى».

وفي رأي المحلل السياسي السوداني عثمان ميرغني، فإن قضية سد النهضة عبرت مرحلتين، الأولى أساسية والثانية حاسمة. أما الأولى فهي توقيع الاتفاق الإطاري بين رؤساء إثيوبيا ومصر والسودان في الخرطوم عام 2015، «وبموجب ذلك حصلت إثيوبيا على الضوء الأخضر لمشروع السد، والثانية في سبتمبر (أيلول) 2025 مع إعلان اكتمال تنفيذ السد وملء بحيرة السد بسعتها الكاملة، وبذلك فالتفاوض حول تصميم وسعة السد أمر تجاوزه الواقع».

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «بحكم الأمر الواقع حالياً، ليس لدى أميركا ما يمكن أن تقدمه للسودان ومصر في هذا الصدد سوى الضغط على الجانب الإثيوبي في إبداء درجة من التعاون بتبادل المعلومات التشغيلية مع الدولتين. والسودان من مصلحته توحيد موقفه مع مصر في هذا الأمر، لأنه الأسرع تضرراً من السد».


الصلابي يمد الجسور نحو شرق ليبيا... وحفتر يلتزم الصمت

المنفي لحظة توقيع ميثاق «المصالحة الوطنية» 14 يناير (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق «المصالحة الوطنية» 14 يناير (مكتب المنفي)
TT

الصلابي يمد الجسور نحو شرق ليبيا... وحفتر يلتزم الصمت

المنفي لحظة توقيع ميثاق «المصالحة الوطنية» 14 يناير (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق «المصالحة الوطنية» 14 يناير (مكتب المنفي)

شهد المشهد السياسي الليبي تحولات لافتة مع إعلان علي الصلابي، المستشار المعين حديثاً للمجلس الرئاسي لشؤون «المصالحة الوطنية»، عن فتح قنوات اتصال مباشرة مع قيادة «الجيش الوطني» في شرق البلاد.

وتحدث الصلابي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في تصريحات تلفزيونية أدلى بها مساء السبت لقناة «ليبيا الأحرار»، عن وجود قنوات تواصل قائمة مع قائد «الجيش الوطني» المتمركز في شرق البلاد المشير خليفة حفتر ونجله بلقاسم، مؤكداً «حدوث انفراجات ملموسة في ملفات عالقة نتيجة هذا التنسيق».

وقال الصلابي إن لقاءات جمعته بمبعوث لحفتر، لإنجاح «المصالحة الوطنية»، مشيراً إلى تلقيه اتصالاً من بلقاسم مسؤول «صندوق إعادة الإعمار والتنمية»، واصفاً النتائج بـ«الإيجابية»، حيث أسهمت في تقريب وجهات النظر، وأدت إلى إطلاق سراح عدد من السجناء في المنطقة الشرقية.

وأبدى الصلابي استعداده للتوجه إلى مدينة بنغازي شرق ليبيا للقاء حفتر إذا ما توفرت الظروف الملائمة، مشدداً على أن «لغة الحرب قد انتهت»، وأن المرحلة الحالية تتطلب «الاحتكام إلى القسط والعدل وشرع الله لمعالجة ملفات المهجرين وأولياء الدم في الشرق والغرب على حد سواء».

ولم يصدر على الفور أي رد فعل من المشير حفتر أو نجله بلقاسم يؤكد أو ينفي استعدادهما للجلوس مع الصلابي مجدداً تحت مظلة المجلس الرئاسي، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول مدى قبول الأطراف المتصارعة لهذا الوسيط المثير للجدل.

لكنّ مسؤولاً في «الجيش الوطني» رفض ذكر اسمه، قلل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أهمية تصريحات الصلابي، لافتاً إلى أنه «ولسنوات طويلة، كان الصلابي وحفتر يمثلان طرفي نقيض في الصراع السياسي والعسكري في البلاد»، مشيراً إلى أنه «بينما كان الصلابي محسوباً على تيار (ثورة 17 فبراير) والداعمين لعملية (فجر ليبيا)، كان حفتر يقود عملية (الكرامة) ضد تلك التيارات».

وفي مواجهة انتقادات بخصوص خلفيته السياسية وارتباطاته السابقة، نفى الصلابي سعيه من أجل المكاسب المادية، وقال: «لم أتقاض مليماً واحداً عن جهود المصالحة سابقاً أو حالياً، وهدفي هو لم شمل الليبيين وإنهاء حالة التشرد في الخارج».

وأعاد تعيين الصلابي في هذا التوقيت الحساس إلى الواجهة الجدل حول تاريخه السياسي وارتباطاته بجماعة الإخوان المسلمين وقطر، وهو ما أثار حفيظة تيارات سياسية ومدنية ترى في شخصه طرفاً غير محايد في الصراع الليبي.

ويرى مراقبون أن محاولة الصلابي أيضاً استعادة خطاب «المراجعات» والتقرب من القاعدة الشعبية لسيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي «قد تكون مناورة سياسية لكسر الجمود في ملف المصالحة الوطنية».

وكان الصلابي تحدث في حواره عن لقاء قديم جمعه بسيف الإسلام في بريطانيا قبل اندلاع «ثورة 17 فبراير»، وقال: «قلت له إن الثورة في ليبيا حتمية، ويجب حل اللجان الثورية، وتعديل الدستور».


البرهان: أولويتي الأولى «وحدة السودان» واستمرارية الدولة

رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

البرهان: أولويتي الأولى «وحدة السودان» واستمرارية الدولة

رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

قال رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في مقال نشرته مجلة تركية، الأحد، إن أولويته الأولى «هي صون وحدة السودان وضمان استمرارية الدولة»، وإن إرادة الشعب يجب أن تعلو على أي منطق «ميليشياوي»، على حد وصفه.

وفي المقال الذي نشرته مجلة «ألمانك دبلوماتيك»، وحمل عنوان «إطار عمل حول أزمة السودان... السيادة والشرعية وإعادة الإعمار»، وجَّه البرهان رسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن ما يواجهه السودان ليس صراعاً داخلياً مسلحاً، «بل اختبار أوسع يمس جوهر سيادة الدولة، وتماسك المجتمع، ومستقبل النظام الإقليمي المحيط به».

وأشار إلى أن الأزمة في السودان ليست مجرد مواجهة بين «تشكيلين مسلحين»، بل تحوّلت إلى ما يمكن وصفه بـ«لحظة تأسيسية» ستترك أثراً حاسماً في تشكيل مستقبل البلاد السياسي.

وشدد البرهان على أن أي تسوية سياسية مستدامة لا يمكن بناؤها في ظل استمرار واقع ما وصفه بـ«التمرد المسلح» الذي قال إنه أفضى إلى اندلاع الحرب من الأساس. وأضاف أن الجيش تقع على عاتقه «مسؤولية تاريخية ودستورية في منع فرض وقائع قسرية» قد تدفع البلاد نحو التفكك.

تسوية «مشروطة»

وبشأن الدعوات إلى وقف إطلاق النار والتفاوض، قال البرهان: «منذ الأيام الأولى للحرب، أبدينا انفتاحاً وحسن نية على المبادرات التفاوضية، وشاركنا في محادثات جدة... إلا أن نجاح أي جهد تفاوضي يظل مشروطاً بتخلي التشكيلات المسلحة عن أي ادعاء بسيادة موازية لسلطة الدولة الشرعية».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وتابع: «جوهر شروطنا ثابت حتى اليوم، وهو الانسحاب من المناطق المحتلة، وإخراج الأسلحة الثقيلة من معادلة الصراع، وإنهاء أي مركز قوى منفصل يعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة»؛ مشدداً على أنه من دون هذه الشروط لن يكون وقف إطلاق النار أكثر من هدنة مؤقتة تُجمّد الصراع ولا تعالجه.

وقال: «هدفنا ليس إدارة الأزمة، بل إعادة السودان إلى مسار دولة المؤسسات».

«الدبلوماسية الإنسانية»

وأكد البرهان في مقاله أن موقف السودان والسودانيين يقوم على رفض صياغة أي تسوية على «أساس معادلات مفروضة من الخارج، مشددًا على ضرورة أن تتم عبر حوار سوداني-سوداني ينطلق من الأولويات الوطنية».

واتهم أطرافاً خارجية -لم يسمها- بالتورط في دعم «قوات الدعم السريع»، وقال: «إن استمرار هذا الدعم الخارجي يُعقّد فرص إنهاء الحرب»، مشدداً على أنه لا يجوز تحويل الأمن القومي السوداني إلى ساحة أو «خط عبور» لتصفية التنافسات الإقليمية.

وأردف: «يظل التعاون مع الدول الصديقة عنصراً مهماً في هذا المسار، غير أن بوصلة الحل ستبقى دائماً سيادة السودان ومستقبل شعبه المشترك. وهدفنا إعادة ترسيخ سلطة الدولة الشرعية، والانطلاق نحو عملية سياسية جامعة على أساس أمني راسخ».

نازحة سودانية تتسلم «بطانية» في مخيم للنازحين بولاية القضارف التي تبعد 420 كيلومتراً شرقي الخرطوم يوم 30 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وتطرّق رئيس «مجلس السيادة» للأزمة الإنسانية، مشيراً إلى أن الحرب تسببت في تشريد ونزوح عشرات الملايين، وتدمير مدن، وانهيار البنية التحتية، وتوقف الخدمات الأساسية، عادّاً أن «الدبلوماسية الإنسانية» ضرورة ملحّة لضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين.

وحذّر البرهان في مقاله من اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال»، وقال: «هذه الخطوات تمس مبدأ السيادة ووحدة الأراضي في منطقتنا، وقد تتحول إلى سوابق تشجع النزعات الانفصالية، بما يُهدد التوازن الإقليمي ككل».