ليبيا لاستضافة مناورة أميركية وسط آمال بـ«توحيد الجيش»

«فلينتلوك 2026» تُقام الربيع المقبل بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها

حفتر في لقاء مع قائد القيادة الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
حفتر في لقاء مع قائد القيادة الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيا لاستضافة مناورة أميركية وسط آمال بـ«توحيد الجيش»

حفتر في لقاء مع قائد القيادة الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
حفتر في لقاء مع قائد القيادة الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

يهيمن الترقب على الأوساط العسكرية والسياسية في ليبيا قبل استضافة مدينة سرت جزءاً من مناورات «فلينتلوك 2026» السنوية، التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) سنوياً خلال الربيع المقبل، ومن المقرر أن تشارك فيها وحدات عسكرية من شرق وغرب البلاد.

وتثير هذه المناورة السنوية، التي ستستضيفها أيضاً كوت ديفوار في توقيت متزامن، اهتماماً ليبياً ملحوظاً، خصوصاً مع استمرار الانقسام في المؤسسة العسكرية الليبية، المتوارث لسنوات منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وسط آمال أن تسهم «فلينتلوك» في مسار إعادة توحيد الجيش.

واستحوذت «فلينتلوك» على اهتمام ملحوظ في المشهد الليبي خلال الأسبوع الماضي من خلال تحركين بارزين، هما لقاء رئيس الأركان العامة في غرب ليبيا، الفريق صلاح الدين النمروش، بالملحق العسكري الأميركي في طرابلس لمناقشة متطلبات التمرين، وقبله كان إعلان دبلوماسي من جانب وزارة الخارجية الأميركية بدعمها استضافة ليبيا جزءاً من المناورة.

النمروش في لقاء مع الملحق العسكري الأميركي لدى ليبيا بالعاصمة طرابلس الخميس (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

ولطالما ركز الخطاب الأميركي الرسمي على مساهمة المناورة في جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، كما أشار نائب قائد «أفريكوم»، جون برينان، خلال زيارته إلى ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما تكرر في محادثات قائد «أفريكوم»، داغفين أندرسون، مع القادة الليبيين في طرابلس وبنغازي الشهر الماضي.

ويعوّل سياسيون ليبيون على أن يتمثل الهدف النهائي لهذه المناورة في إعادة بناء جيش وطني موحد محترف، قادر على حماية البلاد وصون استقرارها، وهي نفس الرؤية التي عبّرت عنها عضوة مجلس النواب، ربيعة بوراص.

وترى بوراص في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المناورة «خطوة عملية نحو ترسيخ الثقة وتوحيد الصف العسكري بين مختلف المناطق، بما يتماشى مع خريطة الطريق السياسية لحل الأزمة الليبية، التي أقرتها الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار الشامل». لكن محللين بدوا أقل تفاؤلاً؛ فالباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، يرى أن المناورة قد تكون «أداة لإدارة الصراع لا حله»، من خلال خفض احتمالات التصعيد بين الفاعلين العسكريين في شرق وغرب البلاد، واختبار قابلية التشغيل المشترك، وفهم أنماط القيادة في شرق ليبيا وغربها.

عسكريون نرويجيون ومغاربة خلال مناورة «فلينتلوك» بغانا عام 2024 (الحساب الرسمي لقيادة العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا)

ويتوافق هذا الطرح مع تقدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، الذي يشير إلى أن توحيد الجيش «هدف غير واقعي راهناً» في ظل انقسامه بين قوتين بتراتيب قيادية مختلفة.

تاريخياً، تُعد مناورة «فلينتلوك» أحد أعمدة الشراكة العسكرية الأميركية - الأفريقية في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء، حيث انطلقت عام 2005 كتدريبات مشتركة أميركية - أوروبية، قبل أن ينتقل الإشراف إلى القيادة الأميركية في أفريقيا بعد تأسيسها عام 2008. وقد شاركت ليبيا بشكل رمزي في نسخة 2024 التي أُقيمت في غانا وكوت ديفوار، إلا أن «فلينتلوك» تُقرأ بشكل مختلف لدى بعض السياسيين الليبيين؛ إذ يرى عضو مجلس النواب، جاب الله الشيباني، أن الحماس الأميركي لاستضافة ليبيا يعكس «انزعاج واشنطن من تنامي النفوذ الروسي وأدوار أطراف إقليمية أخرى»، أخذاً في الاعتبار أن «ردع الجماعات الإرهابية في الساحل والصحراء هو الهدف المحوري لهذه المناورة منذ إطلاقها قبل عقدين».

ويشير الشيباني في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الموقع الجيوسياسي لليبيا المطل على البحر المتوسط وعمق الصحراء، يجعل أي تحرك عسكري دولي فيها ذا أبعاد تتجاوز الطابع التدريبي».

أفراد من القوات الخاصة التشادية في تدريب خلال مناورة «فلينتلوك» بغانا عام 2024 (الحساب الرسمي لقيادة العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا على «إكس»)

ويبرز الوجود الروسي في ليبيا كأحد ملفات النفوذ الأجنبي؛ إذ ارتبط بدعم موسكو لقوات «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، عبر عناصر «فاغنر» أولاً، ثم ما أصبح يُعرف بـ«الفيلق الأفريقي»، مقابل دعم تركي لمعسكر الغرب المرتبط بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وتذهب ورقة بحثية أميركية صادرة عن «المجلس الأطلسي» إلى أن استضافة «فلينتلوك» في سرت تحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة لدمج ليبيا ضمن منظومة أمنية غربية، واحتواء النفوذ الروسي والقوى المنافسة.

وفي هذا السياق، يعتقد الشيباني أن «المناورة ليست تدريباً عسكرياً تقنياً بحتاً، بل جزء من خطة أميركية لدمج المؤسسة العسكرية المنقسمة داخل شبكة أمنية غربية، وفرض عقيدة أميركية»، بحسب تعبيره. واستند في وجهة نظره إلى القول إن «واشنطن لو كانت جادة لدعمت العملية السياسية مباشرة، عبر دعم انتخابات برلمانية ورئاسية تؤدي إلى توحيد مؤسسات الدولة».

وهنا يلحظ محللون «تجاوباً من الطرفين العسكريين الرئيسيين مع المناورة»، وهو ما رآه الباحث فيصل أبو الرايقة «إشارة محتملة إلى تحول تدريجي في التوجهات العسكرية والأمنية، بعيداً عن العقيدة الأمنية والعسكرية الشرقية لعهد الرئيس السابق معمر القذافي».

في المقابل، تؤكد النائبة ربيعة بوراص أن مشاركة الوحدات العسكرية الليبية «قرار سيادي يخدم المصالح الوطنية العليا»، ويهدف إلى تعزيز جهود مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وتبادل الخبرات، مع احترام السيادة الوطنية ودعم وحدة البلاد واستقرارها.

ورغم كل هذا الاهتمام الليبي بالمناورة، يرى بعض المراقبين الأميركيين أن استضافة ليبيا للمناورات لا تعكس تحولاً نوعياً في مستوى الاهتمام الأميركي بالبلاد.

ويعتبر عضو مجلس الأمن القومي الأميركي السابق، بين فيشمان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلينتلوك» مجرد مناورات سنوية تجمع جيوش المنطقة، شارك فيها نحو 30 دولة، وتشكل رمزاً لالتزام أميركي عام تجاه أفريقيا أكثر من كونها سياسة خاصة بليبيا.


مقالات ذات صلة

«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

شمال افريقيا «مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)

«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

عادت أزمة «المرتزقة» والمقاتلين الأجانب في ليبيا إلى واجهة الأحداث مجدداً، وسط مطالب سياسيين بضرورة إخراجهم من البلاد، وتحذيرات من «استهدافهم».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)

«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

لم يكن حضور «المربوعة» في الشأن العام الليبي وليد مرحلة ما بعد 2011 وإن ظل دورها السياسي قبل ذلك محدوداً مقارنة بما آلت إليه وظائفها لاحقاً

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)

«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

تمسك محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى في ليبيا، برفض طلب الاعتذار والإعفاء الذي تقدم به ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي وطالبه بالاستمرار في أداء مهامه.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا «مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي.

علاء حموده (القاهرة )

لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة غزة

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة غزة

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)

كشفت مصادر مصرية مطلعة وكذلك مصادر من حركة «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، أن وفد الحركة برئاسة خليل الحية التقى، أمس، في مدينة العلمين المصرية، مع جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بحضور ممثلي الوسطاء من مصر وقطر وتركيا.

وبحسب المصادر، فقد شمل اللقاء مجموعة مطالب من «حماس»؛ مفادها أن تمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقبل بتنفيذ المرحلة الثانية من خريطة الطريق، والبدء بإدخال 600 شاحنة مساعدات لغزة، والوقف الفوري لعمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل لقيادات «حماس» ولأبناء القطاع.

وأضافت المصادر أن كوشنر أكد التزام الإدارة الأميركية «خطة السلام»، بشرط أن تلتزم «حماس» جدولاً زمنياً محدداً لنزع السلاح وحل الجناح العسكري للحركة، وأنه سيعمل للحصول على التزام إسرائيلي بالسير في تنفيذ الخطة بالتوازي مع تسليم «حماس» سلاحها للجنة إدارة قطاع غزة وقوة الاستقرار الدولية المتفق عليها ضمن بنود خطة السلام، وأنه سيعمل على التفاهم مع نتنياهو خلال زيارته لإسرائيل، اليوم.

في الأثناء، أدانت السعودية ومصر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا وقطر والإمارات، أمس، الرفض الإسرائيلي المعلن لخريطة الطريق التي أيدها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803.


«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
TT

«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)

دفعت احتجاجات مفاجئة لعناصر من «المرتزقة» في شوارع العاصمة طرابلس، ليبيين إلى مطالبة ساستهم بضرورة إنهاء الوجود الأجنبي، وإخراج هذه المجموعات من البلاد، وسط تحذيرات من أن هذه المجموعات «ستصبح أهدافاً مشروعة للشعب».

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من «المرتزقة» السوريين الموالين لتركيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت مسمى «الفيلق الأفريقي».

واحتشد عدد من «المرتزقة» السوريين، مساء الثلاثاء، قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وبات خطاب الليبيين، خاصة في غرب البلاد، يتمثل في مطالبة ساسة البلاد بإخراج «هذه العناصر من البلاد».

ويرى خالد الغويل، مستشار «اتحاد القبائل للشؤون الخارجية»، أن ليبيا «تعج بالمرتزقة، وخروج أعداد منهم إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم المالية فضح الساسة الذين ينكرون وجودهم»، متهماً من جلبهم إلى البلاد بـ«التآمر عليها».

ويحذر الغويل من أن المرتزقة في ليبيا «سيصبحون أهدافاً مشروعة للشعب»، مضيفاً: «الأمر أصبح في غاية الخطورة؛ الشارع سينفجر حتماً، وغضبه المرة المقبلة لن يقف أمامه أحد».

وذهب الغويل إلى أن «خروج المرتزقة إلى الشارع يحرج المجتمع الدولي بالنظر إلى عدم إيفائه بالتزاماته في مؤتمري (برلين1) و(برلين2)... لقد تعهدوا بإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، لكنه يؤشر على أنه لا يزال يمارس سياسة الكيل بمكيالين».

وسبق أن صعَّد ليبيون، من بينهم قبائل موالية لنظام الزعيم الراحل معمر القذافي، ضد وجود «المرتزقة» والقوات الأجنبية في البلاد، وطالبوا بإخراج هذه العناصر.

وتحدثت الدكتورة رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«التجمع السياسي الوطني فزان»، عن معضلة «المرتزقة» في ليبيا، وأسباب جلبهم، ولماذا يتم الإبقاء عليهم حتى الآن، على الرغم من إبرام طرفي الحرب في جنيف اتفاق وقف إطلاق النار في جميع أنحاء ليبيا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020.

وقالت: «تم جلب أعداد من المرتزقة تحت لافتة الحماية، وقد دخلوا ليبيا من جنوب الصحراء وغرب المتوسط، وذلك لأن سياسة بلادنا بعد الانهيار عجزت عن إنتاج جيش وطني واحد». وأضافت: «كل طرف بحث عن قوة جاهزة. وأُعطي المال والسلاح مقابل الولاء الفوري. وهكذا، صار الخارج شريكاً في المعادلة، لا وسيطاً فيها».

واستعرضت رانيا الصيد، في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، انقسام الخطاب الشعبي الليبي حيال «المرتزقة»، الذين قالت إنهم «حملوا بنادقهم بأجرة شهرية»، إلى 3 تيارات لا تلتقي إلا في نقطة واحدة، وهي أن «الوجود الأجنبي المسلح يمسّ السيادة».

واستعانت سلطات غرب ليبيا وشرقها بعناصر من سوريا وروسيا، بالإضافة إلى بعض الدول الأفريقية، في أعقاب الحرب التي شنّها «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس في أبريل (نيسان) 2019. وظلّت هذه العناصر على حالها منذ توقف الحرب في منتصف يونيو (حزيران) 2020.

وتشير الصيد إلى أن التيار الأول يرى أن «استدعاء المرتزقة خيانة، قدّم مفتاح الباب لغير الليبيين، وأن بقاءهم إهانة يومية للدولة». أما التيار الثاني «فيتعامل مع الملف ببراغماتية باردة. يقرّ بأن جلبهم كان خطأ تكتيكياً في لحظة ضعف، لكنه يعتقد أن إخراجهم الآن أصعب من إدخالهم».

أما التيار الثالث، بحسب الصيد، فهو «صامت في العلن، وضاجّ في الداخل. وتمثله الأجهزة الأمنية والميليشيات التي استفادت عملياً من وجود المرتزقة، سواء من خبرتهم القتالية، أو من كونهم لا يملكون قاعدة اجتماعية في ليبيا فيسهل التضحية بهم».

وظلّ ملف «المرتزقة» محل نقاش دائم أمام الوفود الأجنبية التي تزور ليبيا، وأيضاً لدى البعثات الدبلوماسية، ولا سيما الأميركية والأوروبية، فيما يخص ضرورة العمل على إخراجهم من البلاد.

وترى رانيا الصيد أن ليبيا «دخلت في حلقة مفرغة. فجلب المرتزقة كان لتعويض غياب الدولة، وصار بقاؤهم سبباً إضافياً في غيابها. كل مبادرة دولية تطالب بالخروج تتصادم مع حقيقة ميدانية: لا أحد يريد أن يكون أول من ينزع سلاحه».

وانتهت إلى أن «الخروج من هذه الحلقة يبدأ باعتراف داخلي بأن السيادة لا تستعاد بتغيير الوجوه، بل ببناء قوة وطنية واحدة لا تحتاج إلى أجير، وتبدأ بإرادة إقليمية تتفق على أن ليبيا ليست ساحة مناورة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى المرتزق شاهداً على أن الحرب في البلاد لم تعد حرب الليبيين وحدهم».

وهذه ليست المرة الأولى التي يحتج فيها مرتزقة سوريون من الموالين لتركيا في العاصمة، في وقت تنضوي قوات روسية في مناطق تقع تحت سيطرة «الجيش الوطني» في شرق وجنوب ليبيا.

وفي ظل انقسام سياسي في ليبيا، لا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن أعداد المرتزقة أو المقاتلين الأجانب في البلاد، ولا ما يتعلق برواتبهم.

ويتصاعد في ليبيا تيار يتمسك بضرورة إخراج «المرتزقة» من البلاد، من بينهم السياسي محمد المزوغي، الذي يرى أن «وجود المرتزقة والقوات الأجنبية في البلاد مرفوض، والسيادة الليبية لا تقبل المساومة».


تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
TT

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

وجاء التحذير ردّاً على تصريحات أخيرة منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، بشأن بناء سدود إضافية على نهر النيل، والسيطرة على تدفقات المياه إلى دولتي المصبّ مصر والسودان.

وحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في مصر، أكّد مصدر مصري مسؤول أن «القاهرة لديها أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل، وأن مصر لن تقبل، ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ».

واعتبر دبلوماسيون ومراقبون مصريون، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أحاديث إثيوبيا تبرهن على أن سد النهضة هدفه سياسي للضغط على القاهرة، «وليس مشروعاً تنموياً كما تروج»؛ لافتين إلى أن دولتي المصب «تعرضتا لمخاطر بسبب التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي»، وأن القاهرة تتخذ مسارات دبلوماسية عدة لحماية حقوقها المائية.

والخلاف بين القاهرة وأديس أبابا ممتد لنحو 15 عاماً بسبب النزاع حول مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وأعلنت افتتاحه قبل عام تقريباً، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

وفي الأيام الأخيرة، تداولت وسائل إعلام عربية ومحلية تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصبّ سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أنها «تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة».

غير أن المصدر المصري المسؤول قال إن تصريحات المسؤول الإثيوبي «تمثل إمعاناً في نهج أديس أبابا الأحادي في انتهاك القانون الدولي، وتعكس استمرار أوهام إثيوبيا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة».

وقال المصدر، في تصريحات نقلتها الوكالة الرسمية بمصر، إن «هذه التصريحات تُسقط مجدداً الادعاءات الإثيوبية المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية دون الإضرار بالآخرين».

مخاوف في مصر من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

وأضاف أن الإعلان صراحة عن السعي إلى السيطرة على تدفقات نهر دولي يعبِّر عن «توجه بالغ الخطورة لفرض الأمر الواقع واحتكار مورد مائي دولي مشترك». وقال إن إثيوبيا «تسعى لاستخدام الموقع الجغرافي لتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب، بالمخالفة للقانون الدولي، ولن تسمح مصر بفرضه كأمر واقع».

وحسب المصدر المصري، فإن القاهرة سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن أنها «ستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل».

«خيارات عديدة»

ولدى مصر «خيارات عديدة»، وفقاً للقانون الدولي، لحماية مصالحها وحقوقها المائية، حسبما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، من بينها - على الصعيد الدبلوماسي - اللجوء مرة أخرى لمجلس الأمن «لتوثيق النوايا الإثيوبية للإضرار بدولتي المصب»، مشيراً إلى أنها يمكن أن «تطالب بإجراءات لفضّ المنازعات الدولية وفق الفصل السادس».

وتابع قائلاً: «في حالة عدم التجاوب، يمكن اللجوء للفصل السابع، على اعتبار أن السد الإثيوبي يمثل عدواناً ويهدد الحياة والوجود لدولتي المصب، ما يستوجب حق الدفاع عن النفس».

ويتعلق «الفصل السادس» بـ«التسوية السلمية للمنازعات»، ويُلزم الدول بالبحث عن «حلول سلمية مثل التفاوض والوساطة»، ويسمح بـ«توصيات فقط دون إكراه». وفي المقابل، يمنح «الفصل السابع» مجلس الأمن سلطة اتخاذ «إجراءات قسرية، عسكرية وغير عسكرية، لحفظ السلم والأمن الدوليين».

وأصدر مجلس الأمن الدولي بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (كانون الأول) 2021، عقب مناقشة قضية «سد النهضة»، حثّ فيه مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بـ«هدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، ضمن إطار زمني معقول».

وقال حليمة لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأثيوبية الأخيرة تؤكد الرواية المصرية التي ترى أن سد النهضة هدفه سياسي، وليس تنموياً، على عكس ما تشيع أديس أبابا»، مضيفاً أن هناك أضراراً تتعرض لها بالفعل دولتا المصب، وأن هناك «اعتداء على حقوقهما المائية، كان من بينها انحسار المياه مؤخراً في السودان».

وتابع: «النهج الإثيوبي العدائي في قضية المياه يستوجب مجابهته لتفعيل مبادئ القانون الدولي بشأن إدارة الأنهار الدولية».

القانون الدولي

وأكد المصدر المصري على أن «نهر النيل ليس ملكاً لدولة بعينها، وأن أوهام السيطرة عليه أو التحكم المنفرد في تدفقاته تتعارض بصورة صارخة مع القواعد المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة، وفي مقدمتها عدم الإضرار، والتشاور والتوافق والتعاون بحسن نية، واحترام حقوق ومصالح باقي دول الحوض».

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الإثيوبية الأخيرة تأتي بعد تأكيدات مسؤولين مصريين بعدم السماح لأديس أبابا ببناء سدود جديدة»، مضيفاً أن القاهرة ترى في التشغيل الأحادي للسد من جانب إثيوبيا «تهديداً دائماً لدولتي المصب».

ويرى شراقي أن الجانب الإثيوبي «يُريد أن يُبقى وضع السد دون تفاوض أو أي اتفاق قانوني ملزم»، وأن «الخطورة تكمن في محاولة أديس أبابا استغلال الوضع لبناء سدود أخرى»، عاداً ذلك «يهدد الأمن والسلم بالمنطقة».

وكان وزير الري المصري هاني سويلم قد أكد، الأسبوع الماضي، أن «بلاده لن تسمح ببناء سدود جديدة في إثيوبيا».