ساعة بمليون ونصف المليون دولار... أنانت أمباني يتحوَّل تمثالاً داخل الزمن

تصميم فاخر مستوحى من مركز «فانتارا» يضع نجل أغنى رجل بآسيا في قلب المينا

الرغبة في تثبيت الذات داخل عقارب لا تتوقّف (جاكوب أند كو)
الرغبة في تثبيت الذات داخل عقارب لا تتوقّف (جاكوب أند كو)
TT

ساعة بمليون ونصف المليون دولار... أنانت أمباني يتحوَّل تمثالاً داخل الزمن

الرغبة في تثبيت الذات داخل عقارب لا تتوقّف (جاكوب أند كو)
الرغبة في تثبيت الذات داخل عقارب لا تتوقّف (جاكوب أند كو)

كُشف اللثام في الهند عن تصميم ساعة فاخرة جديدة مستوحاة من حديقة حيوانات خاصة تُديرها عائلة أغنى رجل في آسيا، الملياردير موكيش أمباني، وتتميَّز بوجود تمثال صغير ملوَّن يدوياً لابنه الأصغر أنانت أمباني في قلب تصميمها.

وذكرت «بي بي سي» أنّ الساعة، التي صمّمتها دار الساعات الفاخرة «جاكوب أند كو»، مرصَّعة بالأحجار الكريمة، ويتوسَّطها مجسّمان دقيقان لأسد ونمر بنغالي يحيطان بتمثال أنانت أمباني جالساً على كرسي.

ورغم عدم إفصاح الشركة المُصنّعة رسمياً عن سعر الساعة، فإنّ تجمّع صناعة الساعات «واتشوبيا» يقدّر قيمتها بنحو 1.5 مليون دولار (ما يعادل 1.1 مليون جنيه إسترليني أو 137 مليون روبية هندية).

وتستند فكرة الساعة إلى مركز «فانتارا»، وهو مركز خاص لإنقاذ الحيوانات البرّية وإعادة تأهيلها، ويضم أكثر من ألفي نوع من الكائنات، بينها أسود وفيلة ونمور، ويمتد على مساحة تبلغ نحو 3500 فدان.

وقد تصدَّرت حديقة الحيوان، المملوكة لأنانت وغير المفتوحة أمام الجمهور، عناوين الأخبار العام الماضي بعد توجيه اتهامات لها بالحصول على حيوانات بطرق غير قانونية وإساءة معاملتها. مع ذلك، خلص فريق عيّنته المحكمة العليا الهندية لاحقاً إلى عدم وجود أي أدلة على ارتكاب مخالفات. ويقع المركز في مدينة جامناغار بولاية غوجارات غرب الهند، على مسافة من مصفاة النفط التابعة لموكيش أمباني، والتي تُعد الأكبر من نوعها في العالم.

وافتتح نارندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، المركز في مارس (آذار) من العام الماضي. كذلك كان أحد المواقع التي استضافت فعاليات ما قبل زفاف أنانت أمباني عام 2024، والتي حظيت بتغطية إعلامية عالمية واسعة.

وقد شهد حفل الزفاف، إلى جانب فعاليات أخرى، حضور أبرز نجوم بوليوود (السينما الهندية)، إلى جانب مشاهير عالميين مثل كيم كارداشيان وريهانا، فضلاً عن قادة أعمال بارزين، من بينهم بيل غيتس ومارك زوكربيرغ، ورئيسا الوزراء البريطانيان السابقان توني بلير وبوريس جونسون، وكذلك إيفانكا ترمب، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وزوجها جاريد كوشنر.

وفي منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان عن الساعة، ذكرت شركة «جاكوب أند كو» أن تحفتها الجديدة «تُمثّل تحية إلى فانتارا»، مشيرة إلى أنّ تمثال أنانت في وسط المينا «يرمز إلى الإدارة والمسؤولية». وأضافت أنّ الساعة تتكوّن من 397 حجراً كريماً، من بينها الألماس، والياقوت الأخضر، والعقيق، وأحجار نفيسة أخرى.

وأكد مسؤول تنفيذي مرتبط بشريك التجزئة الهندي للعلامة التجارية، «إيثوس ووتشز»، أنّ الشركة لم تُعلن بعد السعر الرسمي للساعة، كما أوضح أنها غير متوافرة حالياً في المتاجر.


مقالات ذات صلة

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

لمسات الموضة تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

مع حلول رأس السنة الصينية، تعود العلامات الفاخرة إلى الأبراج الصينية، لإصدار مجموعات محدودة؛ احتفاءً وتبركاً بالعام الجديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحات منوَّعة شهدها المعرض (الشرق الأوسط)

الدرعية تحتفي بالفنّ... «مسند» يفتح نافذة جديدة على الإبداع

خلال المعرض، عُرِض عدد من القطع الفنّية النادرة، والأعمال الفنّية المقتناة، إضافة إلى مخطوطات محلّية

بدر الخريف (الرياض)
يوميات الشرق تم ضبط الساعة عند 85 ثانية فقط قبل منتصف الليل (أ.ب)

85 ثانية تفصلنا عن الكارثة... تقديم «ساعة يوم القيامة» لأقرب وقت من منتصف الليل

ضبط علماء ذرَّة عقارب «ساعة يوم القيامة» أمس (الثلاثاء) عند أقرب وقت على الإطلاق من منتصف الليل، مشيرين إلى السلوك العدواني للقوى النووية (روسيا والصين…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أحدث طراز أحذية رياضية من توقيع ترمب (متجر ترمب الإلكتروني)

منتَجات «ترمب»... أحذية وعطور وشموع وأكواب وهواتف للبيع

دونالد ترمب لا يهدي العطور فحسب، إنما يبيعها. وفي متجره الإلكتروني أكثر من مجرّد عطور، فالسلع كثيرة وأسعارها تناسب الجميع.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة صُمّمت الساعة وقطعة المجوهرات لتلائم تماماً التركيب على السوار أو العقد الطويل (ڤاشرون كونستنتان)

«ڤاشرون كونستنتان» تتودد للمرأة بالألماس والياقوت والزمرد

للوهلة الأولى تعتقد أنها قطع مجوهرات، وتتساءل ما علاقة ڤاشرون كونستنتان بالمجوهرات؟ ومتى تحوّلت إلى هذا المجال، وهي المتخصصة في صناعة الساعات الفخمة منذ 1755؟…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيت أميرة ويلز تزور إيطاليا في أول رحلة خارجية منذ مرضها

كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)
كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)
TT

كيت أميرة ويلز تزور إيطاليا في أول رحلة خارجية منذ مرضها

كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)
كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)

أعلن قصر كنسينغتون اليوم (الأربعاء) أن كيت أميرة ويلز ستتوجه إلى إيطاليا الأسبوع المقبل في أول زيارة رسمية تقوم بها للخارج منذ خضوعها للعلاج من مرض السرطان.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، ستقوم كيت، زوجة ولي العهد الأمير ويليام، بزيارة تستغرق يومين إلى ريجو إميليا بشمال إيطاليا في إطار عملها الذي يركز على تنمية الطفولة في المراحل المبكرة، وهي المحور الرئيسي لعملها العام.

وستركز الزيارة على «نموذج ريجو إميليا» الذي يمنح أولوية قصوى للعلاقات والبيئة والمجتمع في تنمية الطفل وتأثرت به مدارس في جميع أنحاء العالم.

وقال متحدث باسم قصر كنسينغتون: «تتطلع الأميرة بشدة لزيارة إيطاليا الأسبوع المقبل ورؤية كيف يوجد نموذج ريجو إميليا بيئات تجمع بين الطبيعة والعلاقات الإنسانية المحبة لدعم نمو الأطفال».

وكشفت كيت في 2024 عن خضوعها للعلاج الكيماوي من نوع لم تحدده من السرطان، وقالت العام الماضي إنها في مرحلة التعافي.

زيادة ظهورها العلني

خفضت كيت منذ إصابتها بالمرض عبء عملها الرسمي بشدة، قائلة إنها «تعيش كل يوم بيومه».

ورغم زيادة ظهورها العلني تدريجياً، فإنها لم ترافق ويليام في أي رحلات خارجية في الفترة الأخيرة.

وأصبح تحسين الرفاه الاجتماعي والعاطفي للأطفال في سنواتهم الأولى شغلها الشاغل. فهي وزوجها ويليام لديهما ثلاثة أطفال هم الأمير جورج (12 عاماً) والأميرة شارلوت (11 عاماً) والأمير لويس (8 أعوام).

وأطلقت كيت «مركز المؤسسة الملكية للطفولة المبكرة» في عام 2021 بهدف جمع الخبراء والبحوث حول هذه القضية. وسينشر المركز مرجعاً جديداً اليوم (الأربعاء) وهو دليل «أسس الحياة».

وكتبت كيت في مقدمته: «في عالم يزداد تشتتاً وتمزقاً ورقمنة على ما يبدو... أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى الاستثمار فيما يساعدنا حقاً على النجاح ألا وهو التواصل الإنساني».


ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
TT

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

تستعيد ليال الغصين في مسرحية «البائسة» (مسرح «المونو» في بيروت) شخصية فانتين من رواية فيكتور هوغو «البؤساء»، وتجعل منها مركز الألم كلّه. فانتين، المرأة التي أحبَّت شاباً ثم تُرِكت تواجه مصيرها وحيدةً مع ابنتها كوزيت، هي الصورة المكثَّفة عن القسوة الاجتماعية التي تُحاصر الفقراء والنساء في أدب هوغو. ومع تدهور حياتها من عاملة بسيطة إلى امرأة تُسحَق تحت الحاجة والإهانة، يُتابع العرض رحلة سقوط طويلة تتناوب عليها وجوه الرجال والسلطة والفقر، فيما تبقى الشخصية عالقة داخل جرحها وعاجزة عن الإفلات من المصير الذي يُطبِق عليها تدريجياً.

أدَّت غصين شخصية فانتين، وتولَّى جوليان شعيا التنقُّل بين الشخصيات الذكورية التي تُحاصرها. يبدأ حضوره بالرجل الذي أحبَّته. ذلك الحبّ الذي يفتح للمرأة نافذة على سماء أوسع من يومها ويجعلها ترى العالم أصغر من فرحها. في لحظة الحبّ الأولى، تبدو فانتين مثل مَن خرجت من ضيق الواقع إلى اتّساع الوهم الجميل، تُحلِّق لأنها تُصدِّق، وتحلم لأنها تظنّ أنّ القلب حين يمتلئ يستطيع أن يحمي صاحبه. وإنما هوغو يكشف قسوة الفارق بين الحبّ حين يكون وعداً عند المرأة ولعبة مؤقتة عند الرجل.

كلّ وجه يؤدّيه جوليان شعيا يدفع فانتين خطوة نحو الحافة (صور المخرجة)

من تلك البداية المُضيئة، يأخذ العرض مساره نحو العتمة. يتقلَّب شعيا بين رجال المصنع، وآل تيناردييه الذين تُترك كوزيت عندهم، والرجل الذي يُهين فانتين في الشارع، والمُحقّق جافيير، وسواهم من الوجوه الذكورية التي تجعل سقوطها فعلاً جماعياً، وليس قَدَراً فردياً. وفي كلّ انتقال، كان الممثل يتخلَّى عن قطعة من لباسه أو هيئته، كأنّ الشخصية السابقة تُنزَع عنه وتُعلَّق في ذاكرة الخشبة، قبل أن يدخل جسداً جديداً ونبرة أخرى. هذه اللعبة منحت الأداء حيوية وحمت العرض من رتابة كان يمكن أن تقع لو بقي الرجل واحداً في الشكل والإيقاع والظلّ.

يتبدّل جوليان شعيا بين الوجوه فيما يبقى القهر واحداً (صور المخرجة)

استندت «البائسة» إلى ثقة كبيرة بقدرة النصّ على الإمساك بالمُشاهد. العرض غنائي، بموسيقى شاركت في تأليفها جويس خوري، وجاد عبيد، وأنطوني يوسف، وشارل قرقماز، مع حضور أنطوني يوسف على البيانو، ودراماتورجيا أنطوان خوري، وكوريغرافيا روماريو عقيقي. وإنما مركز الثقل بقي في الكلمة والحكاية، وفي قدرة شخصية فانتين على جَرّ المُتفرّج إلى منطقة التعاطُف. كان المسرح شبه خالٍ من الديكور والأدوات البصرية، وهذه المحدودية حاولت الغصين أن تمنحها معنى إخراجياً، مُحوِّلة الفراغ إلى مساحة نفسية، واللاشيء إلى حالة شعورية. نجح ذلك في مواضع كثيرة، لكنه كشف أيضاً حاجة العرض إلى اشتغال أوسع على العين والصورة المسرحية، وعلى الحركة الجماعية أو التشكيل البصري الذي كان يمكن أن يمنح الحكاية جسداً أكثر امتلاءً.

عند هذا الحدّ، تكمُن الملاحظة الأساسية. فالعمل مؤثّر، وإنما اتّكاله الكبير على قوة النصّ جعل بعض المساحات تبدو فقيرة بصرياً. فالمُشاهد يجد نفسه طويلاً أمام حركة ممثلَيْن اثنَيْن في فضاء مفتوح على فراغه، في حين تحتمل رواية «البؤساء» عالماً كثيفاً من الأزقّة والمصانع والغرف الباردة والشوارع والسجون المعنوية. كان الاشتغال الأعمق على الديكور والكوريغرافيا سيُضيف طبقة أخرى إلى العرض، من دون أن يُزاحم النصّ، وإنما ليمنحه لغة أكثر قدرة على مخاطبة العين كما تُخاطب الوجدان.

على «المونو»... يعود وجع هوغو إلى المسرح (صور المخرجة)

في أدائها، قدَّمت ليال الغصين فانتين برهافة انعكست في خامة صوتها وغنائها، فبدت الأغنيات كأنها تخرج من التصدّعات الداخلية للشخصية، حاملةً انكساراتها وتحوّلاتها العاطفية على امتداد العرض. وإنما الشخصية حضرت بنبرة ناعمة ووجه هادئ وانكسار داخلي أقرب إلى النقاء منه إلى الخشونة. حتى في بعض اللحظات القاسية، ظلَّت فانتين لديها مُضاءة من الداخل، كأنها تحتفظ بملامح ملاك جُرِح من دون أن يتلوَّث. هذا الخيار منحها صفاءً عاطفياً مؤثّراً، خصوصاً في مَشاهد السقوط البطيء. لكنّ فانتين في عمقها تحتمل طبقات أكثر اضطراباً. تحتمل الغضب والخوف والمرارة والقرف من العالم، والتمزُّق بين الأمومة والعار والجسد المقهور. اقتربت ليال الغصين من بعض هذه المناطق، وإنما أمكن الأداء أن يذهب أبعد في التناقضات ويسمح للشخصية بأن تتشظّى بأكثر من نبرة، وألا تستقرّ طويلاً ضمن مساحة الرقّة والهدوء الداخلي.

فانتين... امرأة طحنها العالم ببطء (صور المخرجة)

أما جوليان شعيا فكان أكثر قدرةً على اللعب بالتبدُّلات. قوته لم تأتِ من شخصية واحدة، إنما من انتقاله بينها من غير أن يفقد الخيط الناظم. في كلّ ظهور، كان يضيف زاوية جديدة إلى عالم فانتين. الحبيب الخادع والعامل القاسي والمُستغِلّ والمُهين ورجل السلطة... هذا التعدُّد جعله أقرب إلى جدار اجتماعي كامل ينهض في وجه امرأة معزولة، ومنح العرض بُعداً رمزياً مهمّاً. ففانتين لا تسقط بسبب رجل واحد، إنما بسبب منظومة رجال ومؤسّسات ونظرات.

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه. «البائسة» عرض مؤثّر ومحمول على جهد ملموس. يحتاج إلى عين مسرحية أكثر امتلاءً في الصورة، وطبقات أداء أكثر حدّة في لحظات الانطفاء، لكنه ينجح في إعادة فانتين إلى صدارة الحكاية، حيث تستحقّ أن تكون. امرأة لم يهزمها ضعفها. هزمها عالمٌ أتقن خنقها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)
أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)
TT

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)
أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)

في فيلمها الوثائقي القصير «سيجيء يوم آخر»، ترفع المخرجة الفلسطينية عايدة قعدان الصوت عالياً، مُستكشفة حياة الفلسطينيين في الداخل، عبر تجربة سينمائية تنبش في الذاكرة وتوثّق واقعاً ممتدّاً من النكبة الفلسطينية حتى اليوم.

ومن خلال رسائل صوتية مجهولة المصدر، تأخذ قعدان المُشاهد في رحلة تأمّلية حول الهوية والصمود والانتماء. تصوغ من هذه الرسائل فضاءً بصرياً متخيّلاً، وتدمجها مع صور ومقاطع فيديو وأرشيف بصري، مثل مَن يعيد تركيب أحجار «البازل» لرسم صورة أوضح عن واقع يجهله كثيرون، ويعيش تحت وطأته الفلسطينيون الذين تمسّكوا بأرضهم. فهم لم يغادروا وطنهم الأم لتشبّثهم بترابهم، ولأنهم يخجلون من فكرة الهجرة التي قد تضعهم في خانة ناكري الجميل.

بحر فلسطين فسحة أمل وتأمّل (صور المخرجة)

يتألّف الفيلم، كما تقول قعدان، من جزأين أساسيَّين: «أحدهما مصنوع من الأصوات في الرسائل، وثانٍ ينبع من الأحداث الآنية. هدف هذه الخلطة التعبير عن المشهدية العامة لفلسطينيي الداخل».

تحمل قعدان كاميرتها وتجول بين مناطق مختلفة، من الجليل حيث تستريح تحت أشجار السرو، إلى قرية الزيب، مروراً بحيفا وتل أبيب وجبل الكرمل. تنقل المخرجة بعدسة دافئة تعباً متراكماً خنق أصوات الناس، وهو ما دفعهم إلى التمسّك بأحلام يقظة تمنحهم القدرة على الاستمرار.

وتتوقّف عند مشاعر الوحدة القاتلة التي تحكي عنها غالبية هذه الرسائل الصوتية. تُعبِّر عنها إحداهن بالقول: «أشعر كأني أعيش وحيدة في هذا المكان، فلا أجد مَن أتحدث معه عن هواجسي ولا أحلامي. نحن الموجودين هنا منذ النكبة نعدّ البصمة الحقيقية التي بقيت في فلسطين منذ تلك المرحلة».

ويشارك الفيلم حالياً في مهرجان «هوت دوكس» الكندي للأفلام الوثائقية. تؤكد قعدان لـ«الشرق الأوسط» أنَّ العمل وُلد مع اندلاع حرب غزة عام 2023. وتقول: «كانت الشوارع خالية وصامتة، فأمسكت الكاميرا بشكل لا شعوري، وبدأت أصوّر في أماكن مختلفة. ولـ8 أيام متتالية تلقيت رسائل صوتية من أشخاص مجهولي الهوية. كانوا يتحدَّثون عن مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم. جمعت بين الصوت والصورة والأرشيف، وتركت مخيّلتي تقودني إلى المكان والزمان».

نبض الحياة في المدن تنقله في فيلمها «سيجيء يوم آخر» (صور المخرجة)

توضح أنها لمست في تلك الرسائل مزيجاً من الإرهاق والتشبّث بالحياة وحب الوطن، مشيرة إلى أنها لجأت مراراً إلى الطبيعة هرباً من ضجيج الحرب وأصداء الانفجارات البعيدة. وتتابع: «دخلت مناطق مهدَّمة، وأخرى لا تزال تحتفظ بمعالمها منذ النكبة، ولاحظت الفارق الكبير بين البلدات الفلسطينية والمناطق المختلطة، لجهتَي العمران ومستوى الخدمات. حتى إن بعض القرى المهجَّرة تحوَّلت إلى محميات طبيعية، كما حدث في قرية الزيب».

ويمرُّ الفيلم على مشاهد البحر والشاطئ وأشجار السرو، بينما تتردّد في الخلفية رسالة صوتية تقول إنّ ملامح فلسطين الحقيقية، ورائحة الزعتر والمريمية، طُمست تحت طبقات الإسفلت.

وتشير قعدان إلى أنّ الفيلم شكّل مساحة للتواصل مع مجتمعها، مضيفة: «بعد عرضه في كندا، لمست تفاعلاً واسعاً، خصوصاً من الفلسطينيين المغتربين الذين شعروا بأنّ الفيلم يشبههم ويعبّر عن تطلعاتهم».

وتضيف أنّ علاقتها بمدينة حيفا تبدّلت بعد الحرب: «كنت أمشي في شوارعها وكأنني أودّع المكان. ما بدأ مثل مراقبة بسيطة تحوَّل إلى فعل توثيق، لأنَّ الشوارع بدت كأنها خالية من حضورنا».

كانت تهرب إلى الطبيعة عند اشتداد أصوات الانفجارات في الحرب (صور المخرجة)

وعن مشاعر الانتماء، تقول: «في كثير من اللحظات، شعرت بأنني لم أعد أرى نفسي في هذا المكان. الشوارع، والعمارات، واللغة البصرية المحيطة بي، كانت تذكّرني باستمرار بأنني لا أنتمي. هنا تحديداً، بدأت أفهم العلاقة بين الصوت والصورة في الفيلم. فالأصوات تمثّل عالمنا الداخلي؛ مخاوفنا وأفكارنا وذكرياتنا، بينما تجسّد الصور الواقع الخارجي الذي نعيشه».

أما استخدام الأرشيف في نهاية الفيلم، فتوضح أنه يعود إلى السبعينات والثمانينات والتسعينات وحتى عام 2016، حين كان الحضور الفلسطيني في الفضاء العام أكثر وضوحاً. وتختم: «أتمسّك بالأمل الذي يحمله عنوان الفيلم، بأنه سيأتي يومٌ آخر نستعيد فيه قدرتنا على الكلام والاختلاف، وأن نكون معاً في الشوارع من جديد».