الحشد الأميركي بين ردع إيران وحسابات اليوم التالي

ترمب يفضل «ألا يحدث شيء عسكرياً»... لكن بشرطين

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحشد الأميركي بين ردع إيران وحسابات اليوم التالي

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع توقع وصول مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومدمرات مرافقة ومقاتلات إلى الشرق الأوسط في الأيام المقبلة، يعود السؤال القديم - الجديد إلى الواجهة: هل هو تمهيدٌ لضربة أخرى ضد إيران، أم «تهويل» محسوب لرفع الكلفة النفسية والسياسية على طهران من دون الانزلاق إلى حرب؟

الإجابة ليست واحدة؛ لأن الحشد العسكري نفسه يمكن أن يؤدي وظيفتين في وقت واحد: ردعٌ دفاعي لحماية القواعد والحلفاء، ورافعة ضغط تُبقي خيار الهجوم قائماً من دون إعلانٍ مسبق.

وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا لوسائل إعلام، فإن تحريك تلك القوة مع بحث إرسال أنظمة دفاع جوي إضافية، يأتي في لحظة حساسة أعقبت حملة قمع واسعة للاحتجاجات داخل إيران. في المقابل، يصرّ الرئيس دونالد ترمب علناً على أنه «يفضّل ألا يحدث شيء» عسكرياً، لكنه يربط ذلك بشرطين: ألا تستأنف طهران أي مسار نووي يقترب من العتبة العسكرية، وألا تمضي في إعدامات تطول متظاهرين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل في «حشد واحد»

أولى الرسائل موجهة إلى إيران نفسها: واشنطن تريد أن تقول إن لديها القدرة على إعادة التموضع بسرعة، وأن ما تعتبره «نافذة ردع» مفتوحة. قبل أشهر، كانت الولايات المتحدة قد استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) 2025، وترمب يعيد اليوم تذكير الإيرانيين بأن «الأمر سيتكرر» إذا عادوا إلى النشاط نفسه.

الرسالة الثانية للحلفاء والخصوم الإقليميين: الحشد ليس مجرد تهديد لطهران، بل أيضاً «مظلّة» لحماية المصالح والقواعد الأميركية من ردّ إيراني محتمل، خصوصاً أن القيادة العسكرية الإيرانية تُحذّر علناً من أن أي هجوم سيجعل القواعد والمصالح الأميركية «أهدافاً مشروعة».

وهذا النوع من التهديدات ليس جديداً، لكنه يرفع حساسية أي قرار أميركي؛ لأن تعزيزات اليوم قد تكون دفاعاً استباقياً لتقليل الخسائر إذا انفجرت الأمور.

أما الرسالة الثالثة فهي داخلية سياسية: ترمب يلوّح أيضاً بأدوات غير عسكرية كـ«الرسوم الجمركية الثانوية» على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، في محاولة لتجميع أدوات الضغط بين العقوبات والردع العسكري. وفي يناير (كانون الثاني) أعلن بالفعل آلية تعريفة عقابية على الدول التي تتعامل مع طهران.

«النووي» عامل غموض

الملف النووي يضيف طبقة أخرى من الإرباك، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتحقق منذ أشهر من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، فيما تتداول تقديرات عن كمية كبيرة مخصبة حتى 60 في المائة، وهي نسبة قريبة تقنياً من مستوى 90 في المائة لصنع السلاح. هذا الفراغ الرقابي يخلق معضلتين متناقضتين: مؤيدو التشدد يرون أن الغموض يعني احتمال إعادة البناء سراً، وبالتالي ضرورة ضغط أقسى. مؤيدو التهدئة يرون أن الغموض نفسه يجعل أي ضربة «رهاناً أعمى» قد يخطئ الأهداف أو يوسع الحرب من دون ضمان وقف البرنامج.

من هنا، قد يصبح الحشد العسكري «لغة تفاوض»: زيادة الكلفة على طهران كي تقبل بترتيبات تحقق أكثر صرامة، أو كي تبلع تراجعاً في الداخل من دون أن تظهر بمظهر المنهزم.

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

الشارع الإيراني

لكن في حال نفذت أي ضربة، فما الذي سيستفيد منه الشارع الإيراني اليوم، بعدما تمكن النظام بالفعل من قمع الاحتجاجات؟ هنا تبدو التوقعات المحدودة أكثر واقعية من الوعود الكبيرة. فحتى في واشنطن، ثمة نقاش واضح: أي تدخل عسكري، خصوصاً «ضربة محدودة» ضد أدوات القمع مثل «الحرس الثوري»، قد لا يغيّر نتيجة مواجهة داخلية إذا كانت المعارضة مشتتة وغير مسلحة وغير منظمة. هذا ما خلصت إليه تحليلات في الصحافة الأميركية، محذّرة من أن القصف وحده لا «يصنع ثورة»، وقد يوقف القمع مؤقتاً لكنه لا يفكك المنظومة الأمنية إلا بحملة طويلة ومكلفة.

بل إن الضربة قد تنتج أثراً معاكساً، تعبئة وطنية لصالح النظام عبر سردية «العدوان الخارجي»، وتغليظ القمع تحت عنوان «محاربة العملاء والإرهاب»، بما في ذلك توسيع الاعتقالات أو فرض أحكام قاسية، وانزلاق غير مضبوط نحو صدام أهلي إذا تكسرت بعض مفاصل الدولة وبقيت أخرى.

ومع تراجع زخم الاحتجاجات بعد القمع، ومع استمرار القيود على الإنترنت والاتصالات، يبدو أن «مفعول الشارع» ليس في ذروته بما يسمح لترمب، إن أراد، أن يربط أي ضربة بنتيجة سياسية داخلية سريعة. وفي الأيام الأخيرة ظهرت مؤشرات على نقاش داخل إيران بشأن تخفيف الحظر، لكن البيئة المعلوماتية ما زالت مضطربة، حتى إن التلفزيون الرسمي تعرّض لاختراق وبُثت رسائل تحريضية.

«اليوم التالي»

أما السؤال الذي يدفع بعض دوائر واشنطن إلى التحذير، فهو: ماذا لو كانت الضربة «قاصمة» وأضعفت رأس النظام أو شلت مركزه، لكن الدولة لم تسقط بطريقة منظمة؟ هنا يدخل هاجس «اليوم التالي» بكل ثقله.

يحذّر مايكل دوران الباحث في معهد هدسون، من أن إيران، بوصفها دولة متعددة القوميات ذات أطراف حدودية حساسة، قد تواجه سيناريوهات تفكك أو صراع داخلي إذا انهار مركز السلطة فجأة، على غرار تجارب تاريخية حيث تنهار «هوية الدولة» سريعاً بعد سقوط النظام.

ويشير دوران إلى أن الأقليات (الأذريون، الأكراد، العرب، البلوش، التركمان) تتمركز على الأطراف ولها امتدادات عبر الحدود، ما يجعل الجوار لاعباً مهتماً مباشرة بمصير الداخل الإيراني.

الأخطر، وفق هذا المنطق، ليس فقط احتمال التفكك، بل احتمال استمرار النظام بصيغة أخرى؛ أن تبقى مفاصل «الحرس الثوري» وأجهزة الأمن، فتخلع الغطاء الآيديولوجي الديني وتلبس قناعاً قومياً/ عسكرياً، أي «تبديل الرأس» أكثر منه تغيير نظام. ويدعو إلى تجنّب «تعيين وريث» لإيران من الخارج أو افتراض شكل الدولة مسبقاً؛ لأن ذلك قد يفجّر حساسيات قومية ويزرع بذور نزاعات مبكرة.

لكن ما تغيّر اليوم عن «سوابق الحشود» هو أن واشنطن لا تواجه فقط سؤال «هل نضرب؟»، بل سؤال «ماذا بعد الضربة؟» داخل إيران قبل الإقليم. وهذه معادلة تجعل القرار أصعب: ضربة قد تُرضي منطق الردع، لكنها قد تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها إذا لم تُصمَّم السياسة على أساس عدم اليقين، لا على وهم الاستقرار السريع.


مقالات ذات صلة

فريدريكسن تصل إلى غرينلاند بعد اتفاق مع «الناتو» على تعزيز أمن الدائرة القطبية الشمالية

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) play-circle

فريدريكسن تصل إلى غرينلاند بعد اتفاق مع «الناتو» على تعزيز أمن الدائرة القطبية الشمالية

وصلت فريدريكسن، الجمعة، إلى نوك، عاصمة الجزيرة القطبية، للقاء رئيس السلطة المحلية في غرينلاند، ذات الحكم الذاتي بعد أسبوع من التوتر والتقلبات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في روما (أ.ف.ب) play-circle

ميرتس: ألمانيا لا يمكنها قبول مبادرة «مجلس السلام» بصيغته الحالية

​قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إنه سيكون مستعداً للانضمام إلى مبادرة «مجلس السلام» التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب من أجل ‌غزة.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)

ستارمر يندد بتصريحات ترمب «المهينة» بشأن دور الحلفاء في أفغانستان

ندد رئيس وزراء بريطانيا بالتصريحات «المهينة» للرئيس الأميركي بشأن تجنّب قوات «الناتو» في أفغانستان خطوط المواجهة، عادّاً أن ما قاله ترمب يستوجب اعتذاراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يرفع ساقه في رمزية كرنفالية تقليدية في مدينة كيبيك (أ.ب)

«مجلس السلام» بلا كندا... وكارني لمقاومة «أميركا أولاً»

احتدم الخلاف مجدداً بين الولايات المتحدة، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب الدعوة لمشاركة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في «مجلس السلام» الخاص بغزة.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس (رويترز)

ترمب يضغط على إيران بحاملة طائرات... ودعوة تفاوض

عاد شبح التصعيد العسكري يخيم على المنطقة، الجمعة، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن قوة بحرية أميركية تضم حاملة طائرات تتحرك باتجاه الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مجلس حقوق الإنسان يمدّد مهمة بعثة تقصي الحقائق ويحض إيران على وقف القمع

إيرانيون يمشون في أحد شوارع طهران مع تساقط الثلج (رويترز)
إيرانيون يمشون في أحد شوارع طهران مع تساقط الثلج (رويترز)
TT

مجلس حقوق الإنسان يمدّد مهمة بعثة تقصي الحقائق ويحض إيران على وقف القمع

إيرانيون يمشون في أحد شوارع طهران مع تساقط الثلج (رويترز)
إيرانيون يمشون في أحد شوارع طهران مع تساقط الثلج (رويترز)

وافق مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، الجمعة، على تمديد وتوسيع صلاحيات بعثة تقصي الحقائق حول إيران، وسط مخاوف بشأن حملة قمع للاحتجاجات نفّذتها طهران، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وصوّت 25 عضواً، وعارض 7 القرار في الهيئة المكونة من 47 عضواً، في حين امتنع الباقون عن التصويت.

وينص القرار على تمديد وتوسيع نطاق ولاية بعثة تقصي الحقائق المستقلة التي تجمع المعلومات لضمان المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي كلمة ألقاها في جلسة استثنائية للمجلس بشأن الوضع في إيران، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه إزاء قمع السلطات للمظاهرات، قائلاً إن قوات الأمن استعملت «الذخيرة الحية» ضد المحتجين.

وأعرب عن أسفه لمقتل «آلاف» الإيرانيين، متحدثاً عن «تقارير عن مقتل متظاهرين سلميين في الشوارع وفي مناطق سكنية، بما في ذلك جامعات ومرافق طبية»، وعن «مئات الجثث في مشرحة، مصابة بجروح قاتلة في الرأس والصدر».

مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (د.ب.أ)

وقال: «أدعو السلطات الإيرانية إلى إعادة النظر في موقفها والتراجع ووقف قمعها الوحشي، لا سيّما بواسطة محاكمات موجزة الإجراءات وعقوبات غير متناسبة... أطالب السلطات الإيرانية بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وأطالب بوقف كامل لعقوبة الإعدام».

وقد لاقت تعليقاته صدى واسعاً خلال الجلسة الخاصة للمجلس التي عقدت بطلب من بريطانيا وألمانيا وآيسلندا ومولدافيا ومقدونيا الشمالية، وبدعم دول أخرى.

وقالت وزيرة الخارجية الآيسلندية ثورغيردور كاترين غونارسدوتير في الاجتماع: «عندما تصبح الحكومة نفسها مرتكبة للانتهاكات، فإن مسؤوليتنا الجماعية هي التحرك». وأضافت: «لا يمكن لهذا المجلس والعالم إشاحة النظر. يجب أن يتوقف العنف ضد المتظاهرين السلميين وعمليات القتل الجماعي».

يُذكر أن القرار يمدد ولاية بعثة تقصي الحقائق المستقلة بشأن الوضع في إيران لمدة عامين، علماً بأنه تم تشكيلها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بعد حملة قمع موجة من الاحتجاجات على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني.

كما يلحظ النص تمكين البعثة من النظر في «اتهامات ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة الأخيرة والمستمرة، والجرائم المرتكبة فيما يتعلق بالاحتجاجات».

وأعلنت السلطات الإيرانية، الأربعاء، عن مقتل 3117 شخصاً، في أول حصيلة رسمية للاحتجاجات، فيما وثّقت منظمات مقتل أكثر من خمسة آلاف شخص، محذّرة من أن الحصيلة الفعلية قد تبلغ 25 ألفاً.


ترمب يضغط على إيران بحاملة طائرات... ودعوة تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس (رويترز)
TT

ترمب يضغط على إيران بحاملة طائرات... ودعوة تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس (رويترز)

عاد شبح التصعيد العسكري يخيم على المنطقة، الجمعة، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن قوة بحرية أميركية تضم حاملة طائرات وقطعاً قتالية مرافقة تتحرك باتجاه الشرق الأوسط، مشدداً في الوقت نفسه على أنه يفضّل عدم اللجوء إلى استخدام القوة مع إيران، لكنه أبقى الخيار العسكري مطروحاً في حال اتخذت طهران خطوات يعدّها تهديداً مباشراً، سواء فيما يتعلق ببرنامجها النووي أو بطريقة تعاملها مع الاحتجاجات الداخلية.

«لينكولن» في الطريق

التحرك البحري، الذي قال مسؤولون أميركيون إنه يشمل حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومدمرات مزودة بصواريخ موجهة، يندرج وفق القراءة الأميركية ضمن إجراءات ردع واحتياط عسكري في بيئة إقليمية متوترة. إلا أن توقيته، بالتوازي مع تصاعد الانتقادات الغربية لأداء السلطات الإيرانية في الداخل، يمنحه أبعاداً سياسية تتجاوز الإطار العسكري.

وقدم ترمب، في تصريحاته على متن الطائرة الرئاسية، مزيجاً من التحذير والتهدئة؛ فمن جهة، تحدث عن «أسطول حربي» يتحرك نحو المنطقة، ومن جهة أخرى شدد على أنه لا يسعى إلى مواجهة، بل إلى منع تدهور الأوضاع.

ومن وجهة نظر مراقبين، يعيد هذا الخطاب إنتاج معادلة «الضغط الأقصى»، ولكن بصيغة محدثة، حيث لا يقتصر الضغط على العقوبات الاقتصادية، بل يترافق مع إظهار الجاهزية العسكرية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمشي في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض بعد نزوله من المروحية الرئاسية (مارين وان) في واشنطن. (إ.ب.أ)

وفي الوقت ذاته، تحرص واشنطن على الإيحاء بأن هذه التحركات دفاعية الطابع، هدفها حماية القوات والمصالح الأميركية في المنطقة، وليس التمهيد لعملية هجومية وشيكة.

بالتوازي مع التحركات الأميركية، أعلنت بريطانيا إرسال سرب من مقاتلات «تايفون» إلى قطر، في خطوة وصفت بأنها تأتي ضمن اتفاقيات دفاعية قائمة ومع مراعاة التوترات الإقليمية، وفق وزارة الدفاع البريطانية.

وقالت الوزارة إن السرب «انتشر في منطقة الخليج لأغراض دفاعية، في ظل التوترات الإقليمية، وذلك في إطار اتفاقية الضمان الدفاعي بين المملكة المتحدة وقطر».

ويوحي المشهد العام بأن جميع الأطراف تمشي على حافة تصعيد محسوب؛ إذ ترفع الولايات المتحدة مستوى الضغط العسكري والسياسي، لكنها تحرص على ترك نافذة للتهدئة. وترفض إيران التهديدات وتتمسك بسيادتها، لكنها تدرك أن أي خطوة نووية مثيرة للجدل أو تصعيد إقليمي كبير قد يمنح واشنطن مبرراً لتحرك أشد.

طهران ترفض «الإملاءات»

في المقابل، جاء الرد الإيراني سياسياً وقضائياً في آن؛ فقد قال نائب قائد القوة البحرية في «الحرس الثوري»، الجمعة، إن أي هجوم على إيران غير وارد، مؤكداً أن «العدو لا يجرؤ على مهاجمة البلاد».

وأضاف أن حديث الأميركي دونالد ترمب عن إمكانية تنفيذ «هجوم خاطف» على إيران، «محض وهم»، حسبما نقلت وكالة «إسنا» الإيرانية.

وتابع أن بعض الأطراف في الولايات المتحدة يتحدثون عن مهاجمة إيران عبر السفن الحربية أو الطائرات، قائلاً: «فليأتوا، نحن جاهزون لهم». وأكد في الوقت نفسه أن إيران تمتلك «سيطرة ذكية وكاملة» على مضيق هرمز.

بدوره، نفى المدعي العام الإيراني بشكل قاطع تصريحات ترمب التي تحدث فيها عن تدخل أميركي حال دون تنفيذ إعدامات بحق مئات المعتقلين على خلفية الاحتجاجات، مؤكداً أن السلطة القضائية الإيرانية «مستقلة ولا تتلقى أوامر من الخارج».

كما أعلنت الأجهزة الأمنية الإيرانية توقيف عدد من الأشخاص على خلفية الاضطرابات، ووصفت بعض التحركات بأنها أعمال «شغب» وتخريب. وتؤكد الرواية الرسمية في طهران أن ما جرى لا يندرج ضمن احتجاجات سلمية فقط، بل شمل بحسبها أعمال عنف استهدفت منشآت عامة ومقار أمنية.

إيرانية تمر بجانب مبنى بنك تضرر جراء حريق خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة الأخيرة في طهران (إ.ب.أ)

مخاوف من عودة التصعيد

وسرعان ما اتسعت الاحتجاجات التي انطلقت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفيات اقتصادية ومعيشية، لتشمل شعارات سياسية في بعض المناطق، ما دفع السلطات إلى فرض قيود واسعة على الاتصالات والإنترنت.

وتحدثت منظمات حقوقية دولية عن أعداد كبيرة من القتلى والمعتقلين، في حين لم تصدر أرقام رسمية إيرانية مفصلة، واكتفت السلطات بالتأكيد على سقوط ضحايا في صفوف المدنيين وقوات الأمن.

ودخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة؛ إذ عقدت جلسة خاصة في مجلس حقوق الإنسان لمناقشة التطورات في إيران، في مؤشر على اتساع دائرة القلق الدولي. ودعا مسؤولون أمميون إلى تمكين آليات الرصد المستقلة من الوصول إلى معلومات ميدانية، في وقت لا تزال فيه القيود على الاتصالات تعيق التحقق الكامل من الوقائع.

ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان السلطات الإيرانية، الجمعة، إلى «وقف قمعها الوحشي» لحركة الاحتجاجات في البلد. وقال فولكر تورك في افتتاح الجلسة الاستثنائية لمجلس حقوق الإنسان: «أدعو السلطات الإيرانية إلى إعادة النظر في موقفها والتراجع ووقف قمعها الوحشي، لا سيما بواسطة محاكمات موجزة الإجراءات وعقوبات غير متناسبة».

ورغم تراجع وتيرة الاحتجاجات في بعض المناطق، فإن تقديرات دبلوماسية غربية ترى أن أسبابها العميقة، من ضغوط اقتصادية وتضخم وعقوبات، لا تزال قائمة، ما يعني أن احتمال تجددها يبقى وارداً، خصوصاً إذا ترافقت مع أزمات معيشية إضافية.

وقال ممثل إيران في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن طهران لن تعترف «بمشروعية» الجلسة الطارئة المقرر أن يعقدها المجلس، الجمعة، ولا بما ينتج عنها من قرارات.

ونقل التلفزيون الرسمي عن الممثل الإيراني قوله إن المظاهرات التي تشهدها البلاد منذ أواخر الشهر الماضي «تحولت إلى هجمات إرهابية وتخريب للمنشآت والعمل المسلح ضد المدنيين وقوات إنفاذ القانون».

وأضاف: «لا نعترف بمصداقية أو مشروعية هذه الجلسة الاستثنائية والقرار الذي قد ينتج عنها، ولدينا آليات مستقلة للتحقيق والمساءلة»، مشيراً إلى أن بلاده «أقرت حق الإيرانيين في التظاهر السلمي، لكن الاحتجاجات تحولت إلى موجة من العنف المنظم».

من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن أكثر من ثلاثة آلاف شخص «لقوا حتفهم نتيجة للاضطرابات التي شهدتها البلاد»، حسبما ذكرت القناة.

وكانت السلطات الإيرانية قد صرحت، الأربعاء الماضي، بأن 3117 شخصاً قُتلوا.

وسعت مؤسسة «الشهداء والمحاربين القدامى» الإيرانية، في بيان، إلى التمييز بين «الشهداء» - قالت إنهم من عناصر قوات الأمن أو مدنيين أبرياء - وما وصفتهم بـ«المشاغبين» المدعومين من الولايات المتحدة.

ومن أصل 3117 قتيلاً، قالت المؤسسة إن 2427 شخصاً هم من «الشهداء». وصنّفت السلطات 690 شخصاً ضمن «الإرهابيين ومثيري الشغب وأولئك الذين هاجموا مواقع عسكرية».

لكن منظمات حقوقية تؤكد أن الحصيلة المرتفعة نتجت عن إطلاق قوات الأمن النار مباشرة على المتظاهرين، مشيرة إلى أن العدد الفعلي للقتلى قد يكون أكثر من المعلن، وربما يتجاوز 20 ألفاً.


مراهنات إلكترونية تثير شبهة تسريب أمني في إسرائيل بعد توقع ضربات ضد إيران

أشخاص يمرون أمام متجر مراهنات في بريطانيا (رويترز)
أشخاص يمرون أمام متجر مراهنات في بريطانيا (رويترز)
TT

مراهنات إلكترونية تثير شبهة تسريب أمني في إسرائيل بعد توقع ضربات ضد إيران

أشخاص يمرون أمام متجر مراهنات في بريطانيا (رويترز)
أشخاص يمرون أمام متجر مراهنات في بريطانيا (رويترز)

أثار مستخدم مجهول على منصة المراهنات الإلكترونية العالمية «بلوي ماركت» تساؤلات واسعة داخل الأوساط الإعلامية والأمنية في إسرائيل، بعدما نجح في التنبؤ، بدقة، بسلسلة تطورات عسكرية إسرائيلية خلال عملية «الأسد الصاعد»؛ ما دفع إلى الاشتباه بإمكانية اعتماده على معلومات أمنية داخلية. وفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست».

وذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة «كان» أن المستخدم المجهول راهن على أحداث سياسية وعسكرية مستقبلية، وتمكّن من توقع 4 تطورات رئيسية سبقت التحرك العسكري الإسرائيلي ضد إيران في يونيو (حزيران) 2025، جميعها تحقَّقت لاحقاً بدقة لافتة.

وبحسب التقرير، شملت هذه التوقعات تنفيذ إسرائيل ضربة عسكرية ضد إيران قبل نهاية يونيو 2025، وإعلان انتهاء العملية قبل حلول شهر يوليو (تموز)، إضافة إلى تنفيذ الهجوم قبل بداية الشهر ذاته، وأن يتم ذلك في يوم جمعة.

ووضع المستخدم عشرات الآلاف من الدولارات على هذه الرهانات، محققاً أرباحاً تجاوزت 100 ألف دولار، ما عزَّز الشكوك حول احتمالية امتلاكه معلومات غير متاحة للعامة، وربما صلته بمنظومة الأمن الإسرائيلية.

عودة إلى الرهان... وتحقيق أرباح جديدة

وبعد توقف استمر أشهراً عدة، عاد المستخدم نفسه مؤخراً إلى منصة «بلوي ماركت»، واضعاً رهانات جديدة على احتمال توجيه إسرائيل ضربات عسكرية أخرى ضد إيران، من بينها رهانات بعنوان: «إسرائيل تضرب إيران قبل 31 يناير (كانون الثاني) 2026»، و«إسرائيل تضرب إيران قبل 31 مارس (آذار) 2026».

وأنفق المقامر نحو 8.198 دولار على هذه الرهانات، مستفيداً من طبيعة عمل المنصة التي تشبه تداول الأسهم، حيث ترتفع قيمة التوقعات مع ازدياد الإقبال عليها. وقد مكّنه ذلك من بيع حصصه لاحقاً، محققاً أرباحاً إضافية فاقت 3000 دولار.

وفي تعليق رسمي، أكد كل من الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) علمهما بالقضية، دون الإعلان حتى الآن عن فتح تحقيق رسمي بشأن احتمال تسريب معلومات أمنية.

سوابق مشابهة في الولايات المتحدة

وتعيد هذه القضية إلى الأذهان جدلاً مشابهاً شهدته الولايات المتحدة مؤخراً، حين راهن أحد المستخدمين بمبلغ 32.500 دولار على تحركات أميركية محتملة في فنزويلا، وتوقع إزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل نهاية يناير، وذلك قبل ساعات فقط من تنفيذ تحركات عسكرية أميركية في العاصمة كاراكاس. وقد حقَّق هذا الرهان أرباحاً قُدّرت بنحو 436 ألف دولار.