يدٌ من فجر الإنسان... أقدم أثر فنّي يُعيد كتابة تاريخ البشر

مخطط مطبوع على جدار كهف إندونيسي يسبق أقدم الرسوم المعروفة

هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)
هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)
TT

يدٌ من فجر الإنسان... أقدم أثر فنّي يُعيد كتابة تاريخ البشر

هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)
هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)

قال علماء إنّ مخططاً أحمر ليد بشرية، عُثر عليه مطبوعاً على جدار أحد الكهوف في إندونيسيا، يُعدّ أقدم عمل فني صخري معروف حتى الآن، في اكتشاف يُضيء على المراحل الأولى لهجرة البشر إلى أستراليا.

ووفق دراسة نقلتها «سي بي إس نيوز» عن دورية «نيتشر» العلمية، فإنّ فن الكهوف هذا يعود إلى ما لا يقل عن 67 ألفاً و800 عام، وذلك استناداً إلى بحوث أجراها فريق من علماء الآثار الإندونيسيين والأستراليين.

وقال الأستاذ في جامعة غريفيث الأسترالية وأحد المشاركين في الدراسة، ماكسيم أوبير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعمل في إندونيسيا منذ وقت طويل»، موضحاً أن الفريق اتجه هذه المرة إلى كهوف تقع في جزيرة مونا التابعة لمقاطعة سولاويسي، بناءً على نصيحة عالم الآثار الإندونيسي أدي أغوس أوكتافيانا، الباحث الرئيسي في الدراسة.

وأضاف أوبير أنّ الفريق عثر هناك على «طبعات أيدٍ سلبية، مرسومة بطريقة القالب المفرّغ (الستنسيل)، ويُرجَّح أنها استُخدمت فيها صبغة المغرة الحمراء». وأشار عالم الآثار الكندي إلى أنّ أصابع إحدى اليدين قد «أُعيد تشكيلها لتبدو مدببة مثل المخالب، وهو أسلوب فني لا يُعرف إلا في منطقة سولاويسي».

من جانبه، قال أحد المشاركين في الدراسة، آدم بروم، لوكالة «رويترز»، إن التصميم الذي يُشبه المخالب «يحمل دلالات ثقافية أعمق، لكننا لا نعرف على وجه التحديد ماهيتها». وأضاف: «أرجّح أن يكون له ارتباط بالعلاقة الرمزية المعقّدة التي كانت تربط هذه الشعوب القديمة بعالم الحيوانات».

ولتحديد عمر هذا الفنّ الصخري، أخذ الباحثون عيّنات دقيقة لا تتجاوز سماكتها 5 مليمترات من تكوينات تُعرف باسم «فشار الكهوف»، وهي تجمّعات صغيرة من الكالسيت تتكوَّن على جدران كهوف الحجر الجيري. واستخدم الفريق بعد ذلك أشعة الليزر لتحليل طبقات الصخور وقياس تحلّل اليورانيوم بمرور الزمن، مقارنة بعنصر مشعّ أكثر استقراراً يُعرف بالثوريوم.

حضور إنساني بقي معلّقاً على الصخر عشرات آلاف السنوات (رويترز)

وأوضح أوبير أنّ هذه التقنية «الدقيقة جداً» مكّنت العلماء من تحديد حد أدنى واضح لعمر اللوحة. وبهذا العمر، يتجاوز مخطط اليد الإندونيسي بأكثر من ألف عام مخططات أيدٍ أخرى عُثر عليها في أحد كهوف إسبانيا، ونُسبت إلى إنسان النياندرتال، مع الإشارة إلى أنّ تأريخ تلك الرسوم «لا يزال محلّ جدل»، وفق ما حذَّرت منه الدراسة.

كذلك يُعد هذا الاكتشاف أقدم بأكثر من 15 ألف عام من أعمال فنية أخرى عثر عليها الفريق نفسه سابقاً في منطقة سولاويسي. وأثبت العلماء أيضاً أنّ كهوف مونا استُخدمت مراراً لإنتاج الفنّ الصخري على مدى مراحل زمنية طويلة؛ إذ قال أوبير إنّ بعض الرسوم القديمة رُسِم فوقها خلال مراحل زمنية تصل إلى 35 ألف عام.

مفترق طرق تاريخي

وإلى جانب تسجيل رقم قياسي جديد، يُقدّم هذا الاكتشاف أدلة مهمّة تسهم في حل لغز تاريخي طويل الأمد يتعلّق بكيفية وصول الإنسان العاقل الأول (هومو سابينس) من آسيا إلى أستراليا.

وينقسم العلماء حول المسارات التي سلكها الإنسان الحديث في تلك الرحلة الأولى؛ فهناك مَن يرى أنهم اتّبعوا الطريق الشمالي، متنقلين بالقوارب عبر جزر إندونيسيا، بما فيها سولاويسي، وصولاً إلى بابوا غينيا الجديدة. وفي ذلك الزمن، كانت بابوا غينيا الجديدة وأستراليا جزءاً من قارة عظمى واحدة تُعرف باسم «ساهول»، ممّا أتاح لهم إكمال الرحلة سيراً.

في المقابل، يرجّح آخرون أن المهاجرين قد سلكوا الطريق الجنوبي، مروراً بجزر سومطرة وجاوا وبالي، قبل التوجه إلى تيمور، ثم استخدموا القوارب لاجتياز المسافة الأخيرة نحو أستراليا.

وقال أوبير إنّ «هذه الرسوم توفّر أول دليل على وجود الإنسان الحديث في هذه الجزر الإندونيسية في ذلك الوقت»، مضيفاً أن الاكتشاف «يعزّز فكرة أنّ البشر قد وصلوا إلى أستراليا عبر بابوا، ربما قبل نحو 65 ألف عام». مع ذلك، أشار في الوقت عينه إلى أنه لا يمكن استبعاد احتمال أن مجموعات أخرى كانت تشق طريقها إلى أستراليا عبر المسار الجنوبي في المدّة نفسها.

وذكر الباحثون أيضاً أنه من المرجّح إنتاج هذه الرسوم على أيدي أناس تربطهم صلة وثيقة بأسلاف السكان الأصليين لأستراليا.

ويُذكر أنه في عام 2018، قاد أوبير فريقاً علمياً اكتشف أقدم رسم معروف لحيوان، يتمثّل في صورة ظلية حمراء لكائن يشبه الثور على جدار كهف آخر في إندونيسيا، وقد قُدّر عمرها آنذاك بما لا يقل عن 40 ألف عام؛ أي أقدم بقليل من رسوم أخرى مماثلة لحيوانات في كهوف شهيرة بفرنسا وإسبانيا.

كذلك عُثر في قاع البحر الأبيض المتوسط، قبالة سواحل جنوب فرنسا، على رسوم كهوف تمثّل كائنات بحرية من عصور ما قبل التاريخ، يعود تاريخها إلى أكثر من 30 ألف عام.


مقالات ذات صلة

قطع شجرة بلوط تاريخية يُهدّد بإخلاء مطعم في لندن

يوميات الشرق ذاكرة مكان اصطدمت بقرار (غيتي)

قطع شجرة بلوط تاريخية يُهدّد بإخلاء مطعم في لندن

يواجه مالكو سلسلة مطاعم «توبي كارفري» خطر الإخلاء من موقعهم في شمال لندن، بعد القطع الجزئي لشجرة بلوط تاريخية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)

أحفورة تكشف عن شكل مجهول من الحياة

من المقرَّر عرض أحفورة «البروتوتاكسيتس»، وهو شكل من أشكال الحياة الضخمة التي كانت تهيمن ذات يوم فوق المناظر الطبيعية القديمة، في المتحف الوطني في اسكوتلندا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)

رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

أعلن متنزه بومبي الأثري هذا الأسبوع اكتشاف نقوش قديمة على أحد الجدران، تضمَّنت رسالة حب يعود تاريخها إلى ألفي عام ومشهداً مصوراً لقتال المصارعين.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)

أسنان من العصر الحديدي تُعلن سرّ المائدة الإيطالية قبل 2500 عام

كشفت دراسة علمية جديدة، استناداً إلى تحليل أحافير أسنان بشرية تعود إلى العصر الحديدي، عن تنوّع لافت في النظام الغذائي للإيطاليين القدماء...

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)

«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

أضاء باحثون على القرون الأخيرة من حياة وحيد القرن الصوفي، بعد دراستهم كتلة لحم مكسوّة بالشعر عُثر عليها في معدة جرو ذئب...

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».