مساء الأحد الماضي في جدة، كان تشابي ألونسو يتحدث عن المستقبل. كان ريال مدريد قد خسر للتو أمام الغريم التقليدي برشلونة في نهائي السوبر الإسباني، ليخسر أول لقب له هذا الموسم، وكان المدير الفني للنادي الملكي حريصاً على طي هذه الصفحة والمضي قدماً.
وقال ألونسو للتلفزيون الإسباني: «يتعين علينا المضي قدماً في أسرع وقت ممكن.
إنها أقل البطولات أهمية التي نخوضها، والآن يتعين علينا التطلع إلى الأمام، واستعادة اللاعبين المصابين ورفع معنوياتنا، ومواصلة المسيرة».
تستمر المسيرة، لكن من دون ألونسو! فبعد أقل من يوم على تلك الخسارة بثلاثة أهداف مقابل هدفين أمام برشلونة، أعلن النادي رحيله في بيان مقتضب صدر بعد الساعة السادسة مساءً بقليل يوم الاثنين بتوقيت إسبانيا، قال فيه النادي: «بالاتفاق المتبادل بين النادي وتشابي ألونسو، تقرر إنهاء فترة توليه منصب المدير الفني للفريق الأول».
وبعد 233 يوماً فقط من تعيينه، رحل ألونسو، أسطورة ريال مدريد، وأحد أبرز المديرين الفنيين الشباب الواعدين في عالم كرة القدم. في الواقع، كان توقيت رحيل ألونسو مفاجئاً، إذ أكدت مصادر مقربة منه أن ما حدث كان إقالةً وليس «بالاتفاق المتبادل» كما صرّح النادي.
لكن داخل النادي، كانت الشكوك تزداد حول المدير الفني الإسباني الشاب منذ أشهر. وأكدت مصادر مقربة من ألونسو وغرفة الملابس أن هذه الشكوك - حسب أليكس كيركلاند على موقع «إي إس بي إن» - بدأت من أعلى الهرم الإداري بالنادي، أي من الرئيس فلورنتينو بيريز نفسه.
لم تكن الهزيمة أمام برشلونة في السوبر الإسباني هي السبب الوحيد، ولا الخسارة أمام مانشستر سيتي وليفربول في دوري أبطال أوروبا، ولا الهزيمة المذلة بهدفين دون رد على ملعب «سانتياغو برنابيو» أمام سيلتا فيغو في الدوري الإسباني الممتاز، ولا الهزيمة القاسية أمام أتلتيكو مدريد بخمسة أهداف مقابل هدفين. ولم يكن رد فعل فينيسيوس جونيور الغاضب على استبداله في مباراة الكلاسيكو في أكتوبر (تشرين الأول) هو السبب الوحيد، مع أن هذه اللحظة تبدو الآن بمثابة نقطة تحول.
فمنذ البداية، وبالتحديد منذ الصيف الماضي، كانت هناك تساؤلات داخل النادي - على مستوى الإدارة واللاعبين - حول بعض الأمور المتعلقة بطريقة عمل ألونسو.
ازدادت هذه التساؤلات مع تراجع النتائج والأداء، وتدهور علاقات ألونسو مع اللاعبين الأساسيين.
وشعر المدير الفني الشاب بالتهميش بسبب نقص الدعم من قِبل ما وصفته مصادر مقربة منه بأنه أقلية من اللاعبين في غرفة خلع الملابس. وقالت هذه المصادر إن ألونسو حاول التكيف وبناء جسور التواصل، وكانت هناك بعض المؤشرات المحدودة على التحسن، لكن في نظر النادي لم يكن ذلك كافياً. رأى النادي أن الأمور لا يمكن أن تستمر بهذه الطريقة، وتم الاتفاق على رحيل ألونسو. والآن تبدأ عملية تقييم لفترة توليه المسؤولية.
بداية غير مؤكدة
أفادت مصادر في النادي بأن موقف ألونسو بصفته مديراً فنياً لريال مدريد انطوى على عيب كبير منذ البداية، نظراً لأن وصوله لم يكن بمبادرة من بيريز، بل من خوسيه أنخيل سانشيز، المدير العام المحبوب للنادي، الذي كان الداعم الرئيسي لألونسو. تحدث سانشيز مع ألونسو عندما وصل فريقه باير ليفركوزن إلى مدريد في يناير (كانون الثاني) 2025 لمواجهة أتلتيكو مدريد في دوري أبطال أوروبا. شعر سانشيز وآخرون بأنه بالنظر إلى تاريخ ألونسو مع ريال مدريد وإنجازاته التاريخية مع باير ليفركوزن - ( الفوز بثنائية الدوري والكأس دون خسارة أي مباراة ) - كان المدير الفني الإسباني هو المرشح الأنسب لخلافة كارلو أنشيلوتي. لكن بيريز كان يشعر بالقلق بشأن قلة خبرة ألونسو النسبية، وعدّ تعيينه بمثابة مجازفة، لكنه قبل التوصية بتعيينه.

وقالت مصادر داخل النادي مقربة من ألونسو، إنه لم تكن هناك أبداً درجة التفاهم نفسها بين بيريز وألونسو التي كانت موجودة، في بعض الأحيان، مع أنشيلوتي أو زين الدين زيدان.
شعر ألونسو نفسه بأن بيريز لم يقتنع تماماً بأساليبه، بينما شعر بعض اللاعبين بأن قدرة ألونسو على اتخاذ القرارات كانت محدودة بسبب نقص الدعم من الرئيس. كان هذا عائقاً كبيراً، بل كان قاتلاً في نهاية المطاف، لحقبة ألونسو. تم تأكيد تعيين ألونسو على رأس القيادة الفنية للنادي الملكي في 25 مايو (أيار) 2025، مع تقديم رسمي في اليوم التالي.
لم يكن المدير الفني الإسباني يرغب في تولي المسؤولية قبل كأس العالم للأندية، معتقداً أنه سيكون من الأفضل بدء مشروع جديد بفترة إعداد تقليدية قبل الموسم. لكن كان للنادي رأي آخر. كافح ألونسو لإخفاء مشاعره. وقال خلال تقديمه، مُبدياً حماساً ضئيلاً للبطولة الصيفية: «هذه هي الظروف وبما أنها كذلك فأنا أعدّها فرصة».
وخلال فترة وجود الفريق في الولايات المتحدة، بدأت تظهر أولى بوادر الخلاف بين ألونسو وكبار لاعبي الفريق.
وأفادت مصادر مُقرّبة من غرفة خلع الملابس بأن تعامل ألونسو مع فينيسيوس جونيور أزعج اللاعب البرازيلي. فكّر ألونسو في البداية في تجربة فينيسيوس في مركز الجناح الأيمن، ثم خطّط لاستبعاده من مباراة ريال مدريد في نصف النهائي أمام باريس سان جيرمان.
ولم يُغيّر خططه إلا تعديلٌ طارئٌ في اللحظات الأخيرة، بسبب إصابة أحد اللاعبين. وقد أدى هذا الأمر إلى حدوث ضرر بالغ في العلاقة بينهما.
كانت هناك خلافات مع النادي أيضاً حول خطط الفريق. تم التعاقد مع ترينت ألكسندر أرنولد، ودين هويسن، وألفارو كاريراس، وفرنكو ماستانتونو الصيف الماضي، لكن النادي لم يلب طلبات ألونسو بالتعاقد مع لاعب خط وسط قادر على التحكم في إيقاع ورتم المباريات.
كان مارتن زوبيميندي، الذي انضم إلى آرسنال، على علاقة وثيقة بألونسو، حيث سبق له العمل معه في ريال سوسيداد. لم يرَ النادي ضرورة لمثل هذا التعاقد، مشيراً إلى أن هناك كثيراً من الخيارات الجيدة في خط الوسط. وصرّحت مصادر مقرّبة من المدير الفني الإسباني بأن ألونسو شعر بأن هذا القرار قد أعاق بشكل كبير فرص الفريق في تحقيق النجاح هذا الموسم.

وكان من سوء حظ ألونسو أن يخلف أنشيلوتي، ذلك المدير الفني العبقري في إدارة الفرق، وربما المدير الفني الأنسب للتعامل مع تشكيلة ريال مدريد المدججة بالنجوم. وعلى الرغم من نجاح ألونسو في باير ليفركوزن، وماضيه بصفته لاعباً رائعاً، فإن هذا كان تحدياً لم يواجهه ألونسو من قبل. وأفادت مصادر من داخل غرفة خلع الملابس بأن ألونسو، صاحب الأفكار الواضحة والمصمم على تطبيقها، لم يمنح اللاعبين سوى هامش ضيق من الحرية في بداية الموسم.
لقد أراد تغيير جوانب كثيرة من الروتين اليومي للاعبين وعاداتهم، وسعى إلى تحسين التزامهم بالمواعيد، وتقليل عدد الأشخاص المقربين من اللاعبين، ممن ليسوا ضمن الفريق أو الجهاز الفني في ملعب التدريب. لكن هذا التغيير لم يلقَ استحسان البعض في غرفة خلع الملابس.
نقطة تحول في الكلاسيكو
لا يمكن إغفال أبرز إنجازات ألونسو خلال فترة توليه القصيرة. فقد ظهرت بوادر التغيير والتحسن في أداء الفريق في كأس العالم للأندية. ومع انطلاق موسم 2025 - 2026، فاز ريال مدريد في 13 من أول 14 مباراة.
وبلغ الموسم ذروته بفوزه على برشلونة بهدفين مقابل هدف في الكلاسيكو على ملعب «سانتياغو برنابيو» في الدوري الإسباني الممتاز في 26 أكتوبر (تشرين الأول).
وقبل ذلك بعام، كان ريال مدريد بقيادة أنشيلوتي قد خسر المباراة نفسها برباعية نظيفة. بدا الأمر وكأنه تقدم، لكن النتيجة التي كان من المفترض أن تكون بمثابة تأكيد على أن ريال مدريد بقيادة ألونسو يسير في الاتجاه الصحيح قد تم إفسادها بلحظة واحدة تصدرت عناوين الصحف: رد فعل فينيسيوس جونيور الغاضب عند استبداله في الدقيقة 72 من عمر اللقاء. وأظهرت لقطات تلفزيونية فينيسيوس وهو يغادر الملعب متجهاً إلى النفق ويقول: «سأرحل، أليس كذلك؟ من الأفضل أن أرحل».
كان ألونسو قد استبعد المهاجم البرازيلي من التشكيلة الأساسية في مباراتي ريال أوفيدو ومرسيليا. وأثارت طريقة تعامله مع اللاعب، بدءاً من كأس العالم للأندية، استياءً داخل النادي، حيث شكك كبار المسؤولين في حكمة الطريقة التي يعمل بها ألونسو، في ظلّ ترقب مصير تجديد عقد فينيسيوس الذي ينتهي في عام 2027. والآن، كشف رد فعل فينيسيوس في ملعب «سانتياغو برنابيو» المكتظ بالجماهير، وفي أهم مباراة في الموسم، عن مدى التوتر بينه وبين مديره الفني. وكان رد الفعل في الأيام التالية ضاراً أيضاً لألونسو، حيث اعتذر فينيسيوس للجميع باستثناء مدربه. وقالت مصادر مقربة من غرفة خلع الملابس إن لاعبين آخرين، كانوا غير راضين بالفعل، أصبحوا الآن يشعرون بضعف موقف ألونسو ونقص الدعم الذي يحظى به من النادي. ففي أول أزمة حقيقية يواجهها ألونسو لم يحصل على الدعم اللازم، بل على العكس قوبل قراره باستبدال فينيسيوس بالانتقاد.

تراجع حاد
ثم جاءت سلسلة من النتائج السيئة للغاية، وهي سلسلة من النتائج التي قلّما يتعافى منها مدربو ريال مدريد بنجاح. خسر الفريق بهدف دون رد أمام ليفربول، وتعادل سلبياً مع رايو فاليكانو، وتعادل مع إلتشي بهدفين لمثلهما. وأعقب ذلك فوز غير مقنع على أولمبياكوس بأربعة أهداف مقابل ثلاثة، ثم التعادل مع جيرونا بهدف لكل فريق. وكان الفوز بثلاثية نظيفة على أتلتيك بلباو استثناءً، لكن النتائج التالية تركت ألونسو في موقف حرج: الهزيمة بهدفين دون رد على ملعب سانتياغو برنابيو أمام سيلتا فيغو، والخسارة بهدفين مقابل هدف وحيد أمام مانشستر سيتي بعد ذلك بثلاثة أيام.
وازداد الأمر سوءاً بتعرض كثير من اللاعبين الأساسيين للإصابة، وهو الأمر الذي أجبره على الاعتماد بشكل مفرط على لاعبين آخرين. وغاب ثمانية لاعبين من الفريق الأول عن مباراة مانشستر سيتي، من بينهم النجم الفرنسي كيليان مبابي. وقد أعرب كبار المسؤولين بالنادي عن قلقهم إزاء كثرة الإصابات، وأثير جدل واسع حول قرار ألونسو بإبعاد أنطونيو بينتوس، المسؤول سابقاً عن الإعداد البدني للفريق الأول، والذي عمل مع زيدان وأنشيلوتي. وبعد يوم واحد من إقالة ألونسو، عاد بينتوس للعمل إلى جانب أربيلوا. وفي ظل ازدياد المشاكل والضغوط، حاول ألونسو التكيف وتحسين علاقته مع اللاعبين. وأفادت مصادر من داخل غرفة خلع الملابس بأنه خفف بعض قواعده السابقة، ومنح اللاعبين أيام راحة إضافية، وحاول تعزيز شعور فينيسيوس بأهميته، وهو نهج أقرب إلى أسلوب أنشيلوتي.


