هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


مقالات ذات صلة

ترمب يؤكد أنه سيلقي خطابه بمناسبة ذكرى الاستقلال رغم سوء الأحوال الجوية

الولايات المتحدة​ ترمب لحظة وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ولاية ماريلاند (أ.ب)

ترمب يؤكد أنه سيلقي خطابه بمناسبة ذكرى الاستقلال رغم سوء الأحوال الجوية

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيلقي خطابه بمناسبة الذكرى ال250 لاستقلال الولايات المتحدة في واشنطن «مهما كانت الظروف».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرلمان الإسرائيلي يوم 13 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ب)

ترمب: قد أجتمع مع نتنياهو بعد أيام

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة ‌مع ‌موقع «​أكسيوس»، ⁠السبت، ​إن رئيس ⁠الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ⁠طلب ‌منه عقد ‌اجتماع ​في ‌البيت ‌الأبيض.

«الشرق الأوسط»
الولايات المتحدة​ أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

أميركا في عيدها الـ250: احتفال بالاستقلال أم صراع على الهوية؟

بعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات أميركية عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها ومستقبلها.

إيلي يوسف (واشنطن)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو رئيس «فيفا» يواجه اعتراضات بسبب علاقته بالرئيس ترمب (أ.ب)

موجة اعتراض من أوروبا تظهر في مواجهة تسييس «فيفا»

بصوت خافت قادم من أوروبا، تستمر موجة الاعتراض ضد تسييس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والمُتجسّد في ولاء جياني إنفانتينو للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الولايات المتحدة​ ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة».

«الشرق الأوسط» (لندن)

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)

معروف أنَّ دبلوماسية الفاتيكان هي الأعرق في العالم، وليس من باب الصدف، أنَّ البابا ليو الرابع عشر، اختار الرابع من يوليو (تموز)، يوم العيد الوطني الأميركي والاحتفالات الضخمة التي ينظِّمها دونالد ترمب بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، ليمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا؛ ليحيي قداساً بين المهاجرين، ويضع إكليلاً من الزهور على ضريح طفل أفريقي قضى في الثانية من عمره مع أسرته التي كانت تحاول عبور البحر إلى أوروبا.

صورة مركَّبة لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وقبل أن يغادر روما صباح السبت، كان البابا قد وجَّه رسالةً بالفيديو إلى «المركز الوطني الدستوري» في فيلادلفيا، الذي منحه ميدالية الحرية، جاء فيها: «المجد لأولئك الرجال والنساء الشجعان الذين كانوا يحلمون بالحرية وبحياة أفضل لهم ولأبنائهم».

وتأتي هذه التصريحات لأول بابا أميركي في التاريخ، بعد أيام على صدور قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يكبح محاولة ترمب إلغاء حق الحصول على الجنسية لكل الذين يشهدون النور على الأراضي الأميركية، والذي يُشكِّل إحدى الدعائم الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة.

وذكّر روبرت فرنسيس بريفوست (اسم البابا عند الولادة في 14 سبتمبر/ أيلول 1955)، بفقرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة جاء فيها: «كل الرجال والنساء يولدون متساوين بنعمة الخالق الذي يمنحهم حقوقاً ثابتة، منها الحق في الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». ثم أضاف: «تلك الرؤية السامية جعلت من الولايات المتحدة مرادفاً للحرية، إذ فتحت الأبواب أمام موجات متتالية من المهاجرين، وسمحت لهم ولأولادهم بأن يلعبوا دوراً أساسياً في بناء مستقبل الأمة».

بارك البابا لوحةً تذكاريةً تكريماً لسلفه البابا فرنسيس بنقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط (إ.ب.أ)

وكان ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو من أبوين مهاجرَين، قد نأى بنفسه بعيداً عن دونالد ترمب، عندما رفض دعوة البيت الأبيض لزيارة الولايات المتحدة هذه السنة بمناسبة احتفالات مرور 250 سنة على الاستقلال الأميركي، وقرَّر تمضية هذا اليوم في الجزيرة التي أصبحت رمزاً لمأساة المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

وفي لامبيدوسا، قال البابا: «إن العظمة الأخلاقية للأمم تُقاس، قبل أي شيء، بقدرتها على مساندة وحماية وتقدير حياة كل أبنائها، خصوصاً منهم الضعفاء، والذين تدور شكوك حول قيمتهم بوصفهم بشراً».

وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية وزار «بوابة أوروبا» وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا (رويترز)

وأضاف: «الحرية الحقيقية أعمق بكثير من التَّصرُّف وفقاً لمشيئتنا، فهي تقوم على قدرتنا على معرفة الحقيقة، والتزام الخير مهما كان الثمن باهظاً».

ومن غير أن يسمّي الرئيس الأميركي قال: «يعرف الأميركيون جيداً أنَّ الطريق إلى بناء مجتمع يجسِّد قيم الحرية والعدالة السامية للجميع، لم يكن سهلاً أبداً، وهذه معركة تنتقل من جيل إلى آخر، على أمل أن تبقى الولايات المتحدة دائماً وفيّة للحلم الذي منحها لقب أرض الأحرار وموئل الشجعان». وذكّر البابا ليو الرابع عشر أيضاً بالحرية الدينية التي كانت دائماً من السمات المُميِّزة للمجتمع الأميركي. وأعرب عن أمله بأن يبقى هذا التقليد حياً ومثمراً للأجيال المقبلة.

يلقي موعظته خلال زيارته الجزيرة الإيطالية (إ.ب.أ)

وخلال زيارته إلى الجزيرة الإيطالية في البحر المتوسط، بارك البابا لوحةً تذكاريةً، تكريماً لسلفه البابا فرنسيس، الذي سيُطلَق اسمه فصاعداً على نقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط. وسيُطلَق على هذه النقطة، التي كانت تُعرَف سابقاً باسم «مولو فافالورو»، الآن «مولو بابا فرنسيسكو». وتهدف تلك الخطوة إلى إحياء ذكرى التزام البابا الراحل تجاه اللاجئين.

وندَّد البابا بالإجراءات الرامية إلى قمع الهجرة غير القانونية. ووصف معاملة الإدارة الأميركية للمهاجرين بأنَّها «غير إنسانية». وحضَّ المهاجرين على الاندماج من خلال تعلم لغة البلد المستضيف، واحترام قوانينه، والتَّعرُّف إلى عاداته وتقاليده.

وحثَّ البابا أوروبا على معالجة مشكلة ⁠الهجرة «بشكل شامل من خلال دمج ‌جهود الإغاثة الفورية ‌في خطة استراتيجية طويلة الأمد قادرة ​على استقبال المهاجرين وحمايتهم ‌ودعمهم وإدماجهم». وناشد أيضاً القادة الأوروبيين المساعدة في ‌تحسين الأوضاع في بلدان المهاجرين الأصلية حتى يقل عدد الذين يشعرون بأنَّهم مضطرون إلى المغادرة.

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ويحيي قداساً فيها (إ.ب.أ)

ورأى الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو أونغارو، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «وجود البابا ليو الرابع عشر يُشكِّل رسالةً واضحةً في زمن يتركَّز فيه النقاش السياسي العالمي حول الهجرة أكثر فأكثر على الحدود وسياسات المنع، بدلاً من الحماية وتقاسم المسؤولية».

وجزيرة لامبيدوسا هي ثاني وجهة أوروبية للهجرة. ويُعدُّ عبور وسط البحر الأبيض المتوسط من شمال أفريقيا أخطر مسار للهجرة في العالم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وتقع لامبيدوسا بين صقلية وتونس على بعد 145 كيلومتراً من السواحل التونسية، وتعدُّ الجزيرة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 6000 نسمة، منذ زمن طويل من المراكز الرئيسية للمهاجرين الذين يسافرون من أفريقيا إلى أوروبا. وقد تحوَّلت إلى أحد أبرز رموز أزمة الهجرة في أوروبا.

‌وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والبابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان (الفاتيكان)

وفي عام 2025، لقي نحو 1330 شخصاً حتفهم أو فُقدوا خلال محاولتهم عبور هذا المسار، بحسب تقارير للمنظمة. يُراقب هذا المسار عدد قليل من السفن التابعة لمنظمات إنسانية تتّهم الاتحاد الأوروبي بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات لمنع تسجيل حوادث غرق سفن.

وقال البابا في عظته في الجزيرة: «إن أوروبا قادرة (...) على معالجة الأزمة بشكل متكامل، عبر إدراج عمليات الإغاثة الأولية ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد، وقادرة على الترحيب بالمهاجرين وحمايتهم ودمجهم، مع العمل في الوقت نفسه على التنمية، حتى لا يضطر أحد للهجرة».

وندَّد بـ«اللامبالاة تجاه الصالح العام، والفساد في البلدان الأصلية للمهاجرين، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة والازدراء (...) والحسابات الإجرامية لمَن يستفيدون من مأساة الآخرين».

البابا ليو الرابع عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية (رويترز)

وقبل عظته، وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية، وزار «بوابة أوروبا»، وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا، حيث وقف وحيداً على صخرة تواجه البحر، وعباءته ترفرف بفعل الرياح.

وجعل البابا من الدفاع عن المهاجرين موضوعاً أساسياً في حبريته، يركّز عليه تكراراً على غرار ما فعل خلال زيارته أرخبيل جزر الكناري الإسباني الشهر الماضي، شاكراً مَن يمدّون يد العون للمعوزين الذين يتركون بلدانهم، ومندداً بعمليات الترحيل الجماعي في بلده، الولايات المتحدة.


«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.


وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
TT

وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)

أعرب وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر عن شكوكه في استمرار الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال فيشر (78 عاماً) في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «في الواقع، الأميركيون في طريقهم إلى الخروج»، داعياً إلى أن يواصل الحلفاء المتبقون عمل التحالف من دون أميركا في حال حدوث ذلك، وأن يقيموا مظلة ردع نووي بالاعتماد على الأسلحة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا.

ومن المقرر أن يعقد قادة «الناتو» قمة في العاصمة التركية أنقرة اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل.

وقبل القمة، جدَّد ترمب انتقاداته لألمانيا وحلفاء آخرين بسبب مساهماتهم في «الناتو»، رغم أنهم زادوا في الفترة الأخيرة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

وقال فيشر: «قادة الدول والحكومات الأوروبية والأمين العام للناتو يتقربون إلى دونالد ترمب بقدر كبير من التملق للإبقاء عليه داخل الحلف»، مضيفاً أنه لا ينتقد هذا السلوك، وقال: «يتعين عليهم فعل ذلك، ولا أرى بديلاً. لكنني لا أعتقد أن الناتو سيستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة».

وأكد فيشر أنه يعول على تعزيز الطابع الأوروبي داخل الحلف، قائلاً: «يجب أن يبقى الجزء الأوروبي من الناتو متماسكاً، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة كندا»، وأضاف: «لدينا إجراءات وآليات مجربة، ويجب الحفاظ عليها ونقلها إلى هيكل جديد».

وفي معرض رده على سؤال بشأن استمرار المظلة النووية الأميركية، قال فيشر: «لم أعد أعول عليها»، مضيفاً أنه من الصواب «إغداق كثير من المديح على ترمب»، لكنه أشار إلى شكوكه في أن يكون ذلك كافياً «إذا وصلت الأمور إلى لحظة الحسم».

وأفاد وزير الخارجية الأسبق أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة فإنها ستسحب معها مظلتها النووية، وأضاف: «عندها سيتعين علينا أن نحاول بناء مظلة حماية خاصة بنا انطلاقاً من القدرات الموجودة في بريطانيا وفرنسا، ومن القدرات غير النووية للجزء الأوروبي من الناتو»، موضحاً أن ذلك سيعني أن تكون الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار للرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء البريطاني، كما هو الحال حالياً بالنسبة للرئيس الأميركي.

وأضاف: «سيتعين التفاوض بشأن مسائل التمويل».

وشغل فيشر منصب وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني خلال الفترة من 1998 إلى 2005 في حكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر بقيادة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر.