سلاح «التحقيق الجنائي» ضد باول يثير مخاطر مؤسسية وقلق المستثمرين

وسط مخاوف من تقويض استقلالية «الفيدرالي».... وتداعيات كارثية تلاحق الدولار والسندات

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في ديسمبر الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في ديسمبر الماضي (رويترز)
TT

سلاح «التحقيق الجنائي» ضد باول يثير مخاطر مؤسسية وقلق المستثمرين

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في ديسمبر الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في ديسمبر الماضي (رويترز)

دخلت المواجهة المفتوحة بين البيت الأبيض ومجلس «الاحتياطي الفيدرالي» منعطفاً تاريخياً وشديد الخطورة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع بلوغ التوترات بين السلطتين التنفيذية والنقدية ذروة غير مسبوقة؛ إذ فجَّر رئيس البنك المركزي، جيروم باول، قنبلة مدوية بالكشف عن تلقيه تهديدات من الإدارة بملاحقة جنائية على خلفية مشروع تجديد مقر «الفيدرالي»، في خطوة وصفها بأنها محض «ذريعة» سياسية وقانونية تهدف بالأساس إلى كسر استقلالية البنك، وإرغامه على الانصياع لضغوط خفض أسعار الفائدة.

هذا الزلزال السياسي سرعان ما ارتدت أصداؤه في ردهات الأسواق العالمية؛ حيث سادت حالة من الارتباك دفعت بالدولار الأميركي نحو تراجع جماعي، وأدت إلى هبوط العقود الآجلة للأسهم، في حين اندفع المستثمرون نحو العقود الآجلة لسندات الخزانة بحثاً عن ملاذ آمن وسط ضبابية المشهد الدستوري والاقتصادي في الولايات المتحدة.

تصعيد دراماتيكي

وفي قراءة لتبعات هذا الصدام غير المسبوق، تباينت رؤى صنَّاع القرار الاستثماري ومحللي الأسواق حول تداعيات تقويض استقلالية البنك المركزي؛ إذ قال كارل شاموتا، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة «كورباي» في تورونتو: «تكشف هذه التطورات عن تصعيد دراماتيكي في جهود الإدارة لتقويض (الاحتياطي الفيدرالي)، وقد تطلق سلسلة من العواقب غير المقصودة التي تتعارض مباشرة مع الأهداف المعلنة للرئيس ترمب»، وفق «رويترز». وأضاف: «من خلال محاولة التأثير على البنك المركزي عبر تهديدات قانونية عدوانية تستهدف مسؤولين أفراداً، قد تدفع الإدارة توقعات التضخم إلى الارتفاع، وتُضعف دور الدولار كملاذ آمن، وتُحدث قفزة حادة في عوائد السندات طويلة الأجل، ما يرفع تكاليف الاقتراض في مختلف أنحاء الاقتصاد الأميركي. سكب الوقود في كل مكان ثم اللعب بأعواد الثقاب لا ينتهي عادة بشكل جيد».

من جهته، قال براشانت نيواها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «تي دي سيكيوريتيز» في سنغافورة: «من المرجح أن تتعامل الأسواق مع هذا الخبر على أنه فصل جديد في السردية الطويلة حول تآكل استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي). التطورات سلبية للدولار ولأسعار الفائدة، ولكنها إيجابية للمعادن النفيسة. التأثيرات قصيرة الأجل قد تكون محدودة. وفي النهاية، (الاحتياطي الفيدرالي) خاضع للمساءلة أمام الكونغرس، وليس أمام الرئيس».

من جانبه، قال جاك أبلين، كبير مسؤولي الاستثمار في «كريست كابيتال» في شيكاغو: «تنتهي ولاية باول رئيساً لـ(الاحتياطي الفيدرالي) في مايو (أيار)، وقد يكون هذا تحركاً لإبعاده عن اللجنة بالكامل. سيشعر المستثمرون بالقلق إزاء استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي) مستقبلاً؛ خصوصاً أن جزءاً مما نتوقعه هذا العام ليس فقط خفضاً أكبر لأسعار الفائدة مما تشير إليه التوقعات الرسمية؛ بل أيضاً عودة التيسير الكمي». وأضاف: «أي شيء يقوِّض استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي) ليس أمراً جيداً لسندات الخزانة».

ترمب والسيناتور تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

باول اختار المواجهة

أما داميان بوي -وهو مدير محفظة في «ويلسون» لإدارة الأصول في سيدني- فقال: «انحرف رئيس (الاحتياطي الفيدرالي) عن نهجه السابق في التعامل مع تهديدات ترمب، واختار هذه المرة مواجهة الأمر مباشرة، والإشارة إلى أن البنك المركزي لا يتحرك بأسعار الفائدة بالطريقة التي يريدها الرئيس». ورداً على الإعلان عن تحقيق جنائي، ارتفع الذهب، وتذبذبت الأسهم، وانحنى منحنى العائد قليلاً نحو الانحدار، وهي تحركات تتماشى عموماً مع السيناريو المعتاد عند استهداف استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي). وأضاف: «اللافت أن منحنى العائد شهد في البداية انحداراً إيجابياً، وليس سلبياً؛ لأن مستثمري السندات يرون أن (الاحتياطي الفيدرالي) يتحرك بالفعل في اتجاه يتماشى مع رغبات الرئيس عبر خفض الفائدة، وأن مشتريات إدارة (الاحتياطي) من السندات تساعد في كبح تقلبات العوائد. يبقى أن نرى إلى متى ستستمر حالة ضعف الأسهم مقابل قوة السندات؛ إذ إن البيئة الاقتصادية الحالية تدعم ارتباطاً إيجابياً بين السندات والأسهم. ومع ذلك، من المنطقي زيادة التعرض للسلع في حال استمرار الهجوم على استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)».

سبائك ذهبية معروضة في شركة «أغوسي إيه جي» في بفورتسهايم (د.ب.أ)

باول يمكنه الطعن

واعتبر أليكس موريس، الرئيس التنفيذي لشركة «إف إم للاستثمارات» في واشنطن، أن ترمب يوضح بجلاء أنه يريد إخراج باول من المشهد تماماً في مايو. وقال: «من الناحية القانونية، ليس على باول أن يغادر مجلس المحافظين عند انتهاء ولايته رئيساً، ويمكنه الطعن في الاتهامات وربح القضية. بيانه جاء بنبرة تحدٍّ واضحة. هذا جهد متعمَّد لتقويض المؤسسات التي يرى الرئيس أنها تعيق سياساته. وهو أيضاً يحمل طابعاً استعراضياً، في الرسالة التي يبعث بها إلى بقية محافظي (الاحتياطي الفيدرالي) وإلى من قد يرشحه ترمب ليخلف باول: مهمتكم هي تنفيذ ما أريده».

من جانبه، قال براين جاكوبسن، كبير الاقتصاديين في «آنكس» لإدارة الثروات في ويسكونسن: «قد يحتج باول بالبقاء في منصبه. تنتهي ولايته رئيساً في مايو، ولكن ولايته عضواً في مجلس المحافظين تمتد حتى يناير (كانون الثاني) 2028. ومع الضغط السياسي على (الاحتياطي الفيدرالي)، قد يختار البقاء عضواً بدافع التحدي، ما يحرم ترمب من تعيين بديل إضافي». وتابع: «كما تنتهي ولاية ستيفن ميران في يناير 2026، وقد يكون هذا الشاغر الوحيد الذي سيتمكن ترمب من شغله. بقاء باول سيكون خطوة غير تقليدية، ولكن في ظل الظروف الحالية، كل شيء أصبح غير تقليدي».

وقال راي أتريل، رئيس استراتيجية العملات في «بنك أستراليا الوطني» في سيدني: «هذا يخلق مستوى هائلاً من عدم اليقين بشأن ما إذا كان باول سيستقيل من مقعده في مجلس المحافظين عند انتهاء ولايته. هو غير ملزم بذلك، رغم عدم وجود سابقة. يبدو أن باول سئم من الانتقادات الجانبية وبدأ في الهجوم المضاد. هذه الحرب المفتوحة بين (الاحتياطي الفيدرالي) والإدارة الأميركية، إذا أخذنا تصريحات باول على محمل الجد، ليست صورة جيدة للدولار الأميركي».

كما قال جو كابورسو، رئيس قسم العملات الأجنبية والشؤون الجيوسياسية في «بنك الكومنولث الأسترالي» في سيدني: «شهدنا تراجع الدولار الأميركي أمام جميع العملات، حتى تلك التي عادة ما تتراجع، بما في ذلك الدولاران الأسترالي والنيوزيلندي. ولكن الجميع يعلم أن الرئيس ترمب لا يحب باول، وبصرف النظر عن الأثر الشخصي عليه، لا أعتقد أن ذلك سيغيِّر سياسة (الاحتياطي الفيدرالي) في المدى القريب».

وأخيراً، قال فيشنو فاراثان، رئيس بحوث الاقتصاد الكلي لآسيا باستثناء اليابان في «بنك ميزوهو» في سنغافورة: «مسألة استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي) أصبحت الآن مطروحة بقوة، وقد تخضع لإعادة تقييم كل بضعة اجتماعات. ما زلت غير متأكد من مدى استدامة أو عدائية هذا الهجوم. قد يكون هناك سيناريو يعيِّن فيه ترمب شخصية ذات مصداقية ويترك لها إدارة الأمور، وربما لهذا السبب لا تزال الأسواق متماسكة حتى الآن».


مقالات ذات صلة

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

الاقتصاد رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد اصطفاف المتقدمين للحصول على إعانات البطالة خارج مركز التوظيف في كنتاكي (رويترز)

ارتفاع غير متوقع في طلبات إعانات البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

شهد عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي ارتفاعاً أكبر من المتوقع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد من اليمين: باول وترمب وسكوت خلال زيارة تفقدية للرئيس الأميركي إلى الاحتياطي الفيدرالي أثناء عمليات تجديد المبنى (رويترز)

قيادي جمهوري بارز في مجلس الشيوخ: باول لم يرتكب جريمة

أعلن سيناتور جمهوري بارز أنه لا يعتقد أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول قد ارتكب جريمة خلال شهادته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

استقرار حذر للدولار الأميركي... والمستثمرون يترقّبون ما بعد «الإغلاق السريع»

استقر الدولار الأميركي، يوم الأربعاء، وسط حالة من الحذر بين المستثمرين بعد إنهاء الإغلاق الجزئي للحكومة الأميركية سريعاً.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ستيفن ميران يتحدث خلال فعالية بالنادي الاقتصادي في نيويورك 22 سبتمبر 2025 (رويترز)

ميران يجدد دعوته لـ«خفض ملحوظ» في أسعار الفائدة خلال عام 2026

أكّد ستيفن ميران، محافظ الاحتياطي الفيدرالي، مجدداً ضرورة أن يتجه البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ خلال العام الجاري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.