عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

وزير خارجية إيران قدم نفسه للبنانيين بـ«وجـه جديد»... والسلاح غاب عن لقاءاته الرئاسية

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)

الخلاصة التي توصلت إليها مصادر رئاسية لبنانية في تقييمها للأجواء الإيجابية التي سادت لقاءات وزير خارجية إيران عباس عراقجي برؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام، تكمن في أنه أبدى رغبة بطي صفحة السجال الذي دار سابقاً بينه ونظيره اللبناني الوزير يوسف رجّي.

لكنه تجنّب، في الوقت نفسه، كما تقول مصادر وزارية بارزة لـ«الشرق الأوسط»، الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة، ومن خلالها سلاح «حزب الله»، لعدم توفير الذرائع لإسرائيل لتوسيع حربها ضد لبنان، خصوصاً أن زيارته هذه المرة تلازمت مع إغفال كتلة «الوفاء للمقاومة» في اجتماعها الأسبوعي أي ذكر لاحتفاظ الحزب بسلاحه بخلاف بياناتها السابقة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)

ومع أن عراقجي أصر على أن يطل على اللبنانيين من خلال لقاءاته بالرؤساء الثلاثة بـ«وجه جديد»، أي بـ«نيو لوك» بالمفهوم السياسي للكلمة، بخلاف زياراته السابقة التي تخللها تبادل وجهات النظر من موقع الاختلاف، فإن اتباعه الدبلوماسية الناعمة في حديثه عن رغبة بلاده بتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع لبنان، لم يحجب الأنظار عن اضطراره إلى إعادة 4 حقائب يد، كانت بحوزته والفريق المرافق له، إلى الطائرة الخاصة التي أقلته من طهران إلى بيروت، على خلفية رفضه إخضاعها للتفتيش لتبيان ما بداخلها.

تفتيش أربع حقائب

وكشفت المصادر الوزارية التي فضّلت عدم ذكر اسمها، أن السلطات الأمنية والجمركية المولجة بتفتيش الحقائب في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، طلبت إخضاع هذه الحقائب للتفتيش كونها تفتقد إلى التصريح المسبق من قبل حامليها عن محتوياتها، ولا تتمتع بأي شكل من أشكال الحصانة لعدم شموليتها بالحقائب الدبلوماسية.

وأكدت أن الوفد الأمني المرافق لعراقجي، لم يستجب لطلب السلطات المختصة بإخضاعها للتفتيش للتدقيق في محتوياتها للسماح بإدخالها، متذرعاً بأنها تخص السفارة الإيرانية في لبنان وتحوي أوراقاً وبطاقات بيضاء، وهذا ما تأكد بعد الكشف عليها إشعاعياً، من دون أن يفصح ما المقصود بكلامه هذا، لجهة طبيعة محتوياتها، خصوصاً وأنه أصر على عدم فتحها للكشف عليها.

وسألت المصادر، ولو من باب تقديرها الأولي، لماذا أصرّ الوفد المرافق على عدم تفتيشها؟ وهل أن محتوياتها تستدعي التكتُّم ما لم تُستعمل لأغراض مالية لجهة استخدامها لسحب الأموال أو للتحويلات المالية؟ مع أن تفتيش الحقائب لا يُستثنى منه جميع الوافدين إلى لبنان عبر المطار، وينسحب على كبار الشخصيات والوفود الرسمية اللبنانية، كما على الموفدين العرب والأجانب لدرء الأخطار عن حركة الملاحة الجوية في ضوء الحملات التي استهدفت المطار، بذريعة أنه يُستخدم لتبييض الأموال وتهريبها وأن بعضها يُستعمل لتمويل العمليات الإرهابية؟

إجراءات غير مسبوقة

ولفتت إلى أن السلطات المولجة بأمن المطار، وبناء على طلب مجلس الوزراء، وبإشراف مباشر من وزيري الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، والأشغال العامة والنقل فايز رسامني، اتخذت إجراءات وتدابير مشددة غير مسبوقة قوبلت بتأييد دولي، كونه يخضع لرقابة مشددة كانت وراء تعهّد الولايات المتحدة الأميركية وتدخّلها لدى إسرائيل لتحييده وعدم استهدافه بتوسعتها للحرب التي طاولت أكثر من مرة الضاحية الجنوبية لبيروت والتي يقع المطار على تخومها.

وقالت إن قرار الحكومة في حينها بمنع هبوط الطائرات الإيرانية في المطار، وامتناع شركة «طيران الشرق الأوسط» (الناقلة الجوية اللبنانية) عن تسيير رحلاتها إلى طهران، جاء في سياق توفير الحماية لحركة الملاحة الجوية بعد سلسلة إنذارات تلقاها لبنان من إسرائيل بواسطة الولايات المتحدة باستهدافه في حال السماح لها بالهبوط.

حصرية السلاح

وبالعودة لمحادثات عراقجي في بيروت، فإنه اختار التوقيت بالتزامن مع استعداد لبنان للانتقال لتنفيذ المرحلة الثانية من تطبيقه لحصرية السلاح التي تمتد من شمال نهر الليطاني حتى الأوّلي، وإن كان تجنّب التطرق إليها في لقاءاته الرئاسية على نحو يفتح الباب، كما تقول المصادر، عن فحوى اجتماعه بأمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم. وهل كان مشمولاً بجدول أعمال لقاءاته الرئاسية التي غاب عنها كل ما يمت بصلة إلى حصريته، ومن خلالها لسلاح الحزب على الأقل من جانب عراقجي، بينما شدد الرؤساء على التزام الحكومة بتطبيق الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء وأنه لا تراجع عنها؟

وجه جديد

ولفتت إلى أن عراقجي حضر هذه المرة إلى لبنان تحت عنوان تطوير العلاقات الاقتصادية وإنما بـ«وجه جديد»، بخلاف المرات السابقة التي تخللتها سجالات، اضطرت مصادر رئاسية إلى الرد تحت سقف عدم التدخل في الشأن الداخلي واحترام الخصوصية التي يتمتع بها لبنان. وسألت لماذا أدرج تطوير العلاقات الاقتصادية كبند أساسي على جدول أعمال لقاءاته واختارها عنواناً لتبرير زيارته بصحبة وفد اقتصادي؟

مصافحة بين وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ونظيره الإيراني عباس عراقجي في بيروت (وزارة الخارجية)

وأكدت أن عراقجي أراد تمرير رسالة للولايات المتحدة بتأكيد حضور بلاده في الملف اللبناني الذي يدخل الآن في مرحلة دقيقة يُراد منها الانتقال بالبلد إلى بر الأمان في حال التزم بتطبيق حصرية السلاح ووافق الحزب على تسليم سلاحه. وهذا ما قيل له رئاسياً في معرض الدفاع عن موقف الحكومة وضرورة انخراط الحزب في مشروع الدولة، ليس بموافقته على البيان الوزاري الذي نص على احتكار الدولة للسلاح، وإنما لمشاركته في الحكومة ومنحها ثقته.

وقالت المصادر إنه لم يقفل الباب، ولو مواربةً، أمام رهانه على معاودة المفاوضات مع واشنطن واستعداد بلاده في المقابل لمواجهة كل الاحتمالات أكانت سلماً أو حرباً، مع استمرار موجة الاحتجاجات التي عزى أسبابها إلى تدهور العملة الإيرانية.

توسيع مروحة اللقاءات

ورأت المصادر أن عراقجي توخى من توسيع مروحة اتصالاته التي شملت للمرة الأولى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الإيحاء بأن بلاده ليست معزولة لبنانياً، وأن لقاءاته لم تقتصر على «أهل البيت» أو ما تبقى من محور الممانعة.

وقالت إن الموقف اللبناني الرسمي لم يتبدّل في توصيفه لطبيعة العلاقات اللبنانية- الإيرانية، وأن السؤال يكمن في احتمال تبدّل التعاطي الإيراني مع لبنان من زاوية استعدادها لإعادة النظر في مقاربتها للواقع السياسي المستجد في ضوء التحولات التي شهدتها المنطقة وارتدت على الداخل اللبناني، مع فارق يعود إلى الكوارث التي حلت بالبلد بتفرّد «حزب الله» بإسناده لغزة من دون أن يتحسّب لرد فعل إسرائيل؟

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رئاسة البرلمان)

ويبقى السؤال، هل أن عراقجي بحضوره إلى بيروت بـ«وجه جديد» كان وراء إضفائه جواً من الهدوء والليونة على طرحه لمواقف بلاده وأراد منه الاكتفاء بطي صفحة سجاله مع رجّي؟ أم أنه يتوخى التحضير للدخول في فك اشتباك، بالمفهوم السياسي للكلمة، مع خصومه الذين هم خصوم للحزب الذي وافق على اتفاق وقف الأعمال العدائية من دون تسليمه لسلاحه ما لم يحصل على ثمن سياسي، هو من وجهة نظر الآخرين بمثابة خط دفاعه الأول في محاكاته لحاضنته لدفعها للتكيف مع استعداده للانعطاف إيجابياً مع التحولات التي شهدها لبنان، وهو يقف حالياً على مشارف الدخول في مرحلة جديدة لا مكان فيها لاستخدام السلاح كفائض قوة للإمساك بزمام المبادرة أكانت حرباً أم سلماً؟


مقالات ذات صلة

لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المشرق العربي المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

توسّعت دائرة الملاحقات القضائية في ملف شحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، مع صدور مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق شخصين تواريا عن الأنظار بعد استدعائهما للتحقيق.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

أبقى مجلس الوزراء اللبناني طلب إحالة ملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر إلى المجلس العدلي قيد البحث، في انتظار تقدم التحقيقات القضائية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر غارة إسرائيلية استهدفت البلدة في جنوب لبنان (رويترز)

700 كيلومتر من الاحتلال الإسرائيلي في لبنان... ماذا يعني «الحزام الأمني»؟

تطرح العمليات الإسرائيلية المتواصلة في جنوب لبنان واتساع نطاقها في بعض المناطق إلى مسافات أبعد من الشريط الحدودي.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)

الاتصالات السياسية تنزع فتيل التوتر حول شحنة متفجرات «حزب الله»

نجحت الاتصالات السياسية التي تكثفت في الساعات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، الخميس، في تخفيف حدة التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري برّي ونصر الله خلال جلسة الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

تحليل إخباري تباينات متراكمة بين برّي و«حزب الله»... بداية افتراق أم توزيع أدوار؟

أتت تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأخيرة عن علاقته بـ«حزب الله» لتخرج إلى العلن التباينات المتراكمة بين «الحليفين» في السنوات الأخيرة.

كارولين عاكوم (بيروت)

انتخابات إسرائيل: كيف حوّل نتنياهو حزب «الليكود» من التكتل إلى «مقهى قمار»؟

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول: «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول: «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
TT

انتخابات إسرائيل: كيف حوّل نتنياهو حزب «الليكود» من التكتل إلى «مقهى قمار»؟

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول: «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول: «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)

عندما سُئل أحد رجالات حزب الليكود، «وتعني بالعربية التكتل»، الحاكم في إسرائيل، عن سبب مغادرته رغم كونه من سلالة تاريخية لقادته، لم يجد ما يلخص به مآل الحزب تحت قيادة بنيامين نتنياهو سوى القول: «إن الليكود اليوم مثل مخبز، بقيت لافتة تحمل الاسم، لكنه في الواقع أصبح مقهى للعب القمار».

والقائل ليس شخصية عابرة، إنه الدكتور بيني بيغن (83 عاماً)، نجل المؤسس والزعيم التاريخي للحزب الراحل مناحيم بيغن (1913 - 1992). يحمل بيغن الابن شهادة دكتوراه في العلوم الأرضية والمعدنية، وتحت وطأة معارضته لـ«ليكود نتنياهو» يقول جهاراً: «لن أصوّت لحزب الليكود».

ومثل بيني بيغن يوجد عدد كبير من الشخصيات البارزة، من أبناء قادة كبار سابقين لـ«الليكود»، الذي كانت بذوره الأولى ضمن ما اصطلح عليه بـ«الصهيونية التصحيحية»، ثم تحول حزباً سياسياً، كان ملهمه زئيف غابوتنسكي، الذي اختلف وزايد وتطرف على أفكار مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل.

و«الليكود» يمكن تصنيفه كحزب ليبرالي بالمفهوم المناوئ لليسار والأفكار الاشتراكية؛ غير أنه يدين صهيونياً لليمين، بل يؤمن أن «تقوم الدولة اليهودية على أراضي فلسطين والأردن وجنوب سوريا وسيناء»، آمن بأن على اليهود أن يحاربوا العرب ويهزموهم، وعندما يعترف العرب بالهزيمة، تقام دولة يعيش فيها الجميع، «فإذا انتخب لها رئيس حكومة عربي يكون نائبه يهودياً، وإن كان رئيس حكومتها المنتخب يهودياً يكون نائبه عربياً».

وعندما كان يقول حرباً، إنما يقصد الحرب بكل وحشيتها وجنونها. مارسوا العنف والإرهاب. وعندما أقيمت إسرائيل تحولوا إلى حزب سياسي. مناحيم بيغن، الذي قاد الحزب في تلكم الفترة، حرص على أن يكون «ابن دولة». يختلف مع القيادة إلى أبعد الحدود، ولكن يمتثل إلى رأي الأكثرية. كان يؤمن بالديمقراطية ويعتبر حكم دافيد بن غوريون يسارياً متطرفاً. عارض فرض حكم عسكري على المواطنين العرب. وعارض المساس بجهاز القضاء والقوانين. وعندما حضر الرئيس المصري، أنور السادات، إلى إسرائيل كان بيغن قد انتخب رئيساً للحكومة. واستقبله وخاض معه مفاوضات قاسية، لكنه وقع على اتفاق سلام أعاد فيها لمصر كل الأراضي المحتلة حتى آخر شبر. وأمام إصرار السادات على فتح باب لتسوية القضية الفلسطينية، وقّع على ملحق يعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

مسيرة تأييد لنتنياهو من قبل أنصار «الليكود» في القدس الجمعة (أ.ب)

وشنّ بعدها حرب لبنان، في عام 1982. وعندما أدرك أن أرئيل شارون ورّطه في هذه الحرب، وأنه بدوره ورّط إسرائيل، عاقب نفسه ودخل في حالة اعتزال واعتكاف وتنحى عن الحكم.

العهد الجديد

الليكود هو الحزب الحاكم في إسرائيل منذ سنة 1977، بشكل متواصل تقريباً، باستثناء بعض السنوات التي فقد فيها الحكم (لصالح إسحاق رابين من سنة 1992 حتى اغتياله سنة 1995)، الذي يقوده بنيامين نتنياهو منذ سنة 1966، باستثناء بضع سنوات قاده آخرون. هو حزب قومي ليبرالي، في الأصل. لكنه في زمن نتنياهو، الذي نشأ في بيت ليبرالي وترعرع في الولايات المتحدة «أم كل الديمقراطيات»، كما يحلو له أن يسميها، أصبح يتشدد في المواقف اليمينية لدرجة التعصب. وصار حزب الرجل الواحد، الذي يقود عمله بسطوة بالغة. ويقود انقلاباً على منظومة الحكم الإسرائيلية وعلى جهاز القضاء. وصار حزباً متطرفاً سياسياً. ونجح، مع بعض «المساعدات الخارجية»، في سحب الجمهور الإسرائيلي معه إلى أقصى اليمين. ومنذ هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أصبح يقود اتجاهاً خطيراً في التطرف لدرجة تحويل إسرائيل إلى تهديد للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

كحزب فقد كثيراً من مؤديه. وبعد أن وصل ذات مرة تحت قيادة مؤسسه مناحيم بيغن، إلى 48 مقعداً من مجموع 120 عضواً في الكنيست (كان ذلك في سنة 1981 بعد قصف المفاعل النووي العراقي)، قاده نتنياهو إلى الهبوط؛ إلى 22 مقعداً في سنة 1996، وإلى 12 مقعداً في سنة 2006. ومع ذلك، بقي رئيساً له وهزم كل منافسيه داخل الحزب. وارتفع إلى 35 مقعداً في 2019، وإلى 36 في 2020، ثم عاد لينحدر، إلى 29 مقعداً في سنة 2021. لكنه في الانتخابات الأخيرة تمكن من رفع نسبة التصويت بين جمهور اليمين، فارتفع إلى 32 مقعداً، وخلال الدورة ضمّ حزب جدعون ساعر وزير الخارجية، مع 4 مقاعد، فبات ممثلاً في الكنيست اليوم بـ36 مقعداً. لكن الاستطلاعات تنذر له بالهبوط إلى 18 – 22 مقعداً.

حتى نتنياهو كان في بدايته يحمل أفكاراً ليبرالية ودافع عن القضاء، ورغم أنه عارض اتفاقيات أوسلو، عندما انتخب التزم بها وراح يطبقها فأكمل الانسحاب من 13 في المائة من الضفة الغربية ومن الخليل، وأعلن تأييده لحلّ الدولتين وأدار مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

لوحة إعلانية انتخابية لوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير بجانب لوحة لـ«الليكود» كُتب عليها: «يريدون خسارة نتنياهو... لا تتركوهم يربحون» قرب مستوطنة بالضفة الغربية الخميس (إ.ب.أ)

الانعطاف عنده، حصل عندما بدأت تتجلى لديه نزعة فساد شخصي، ونهم للمال، فأبعد عنه الشخصيات السياسية الوازنة أمثال بيغن، وراح يحيط نفسه بسياسيين صغار ومستشارين سيئين، كان همهم إرضاؤه. وقد اكتشفوا نقطة ضعفه فاستغلوها، وراحوا يمتدحونه ويبجلونه ويقنعونه بأنه عبقري وينظمون له هتافات «بيبي ملك إسرائيل». والمقربون منه يقرّون بأنهم سمعوه يقول إن الله حبا الشعب اليهودي به حتى يحفظه ويرعاه سيداً للأمم والشعوب. وبعد أن استحكم في مواقع القيادة السياسية، راح يخطط لاستحكام الأجهزة الأمنية، واصطدم مع قادة الجيش، الذين هم أيضاً يعميهم الغرور، ولا يسمحون بأحد يقترب من مملكتهم.

ثم اتجه نتنياهو للسيطرة على مؤسسات الدولة العميقة، خصوصاً بعد أن تجرأ محققو الشرطة والنيابة والجهاز القضائي عليه، وأعدّوا لائحة اتهام وحاكموه بتهم الفساد الخطيرة.

لقد وصل نتنياهو إلى قناعة بأنهم يريدون رميه في السجن عدة سنوات، كما فعلوا مع سابقه أيهود أولمرت. فأصبحت معركته معهم معركة حياة أو موت. وتغلبت على كل حساباته الوطنية والاستراتيجية. وتحت قيادته لم يعد الليكود ليكوداً (تعني بالعربية تلاحماً)، بل حزب رجل واحد، ولم تعد إسرائيل دولة عادية. وأصبحت محكومة بمصلحة رجل واحد. وبلغ حد إدارة حرب طيلة 3 سنوات، لأن الحرب تنفعه للبقاء في الحكم.

وفي بعض الأحيان لا يصدق الإسرائيليون أنهم وصلوا إلى مرحلة كهذه، ويتساءلون: هل يعقل أن أولادنا ماتوا في حرب لخدمة شخص واحد، ولا مصلحة لإسرائيل فيها؟!


نتنياهو يغلق الضفة متوعداً بعملية «غير مسبوقة»... والجيش يبدأ هدم أحياء كاملة

أحد المسلحين الفلسطينيين خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية عند الحاجز الشمالي لمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
أحد المسلحين الفلسطينيين خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية عند الحاجز الشمالي لمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يغلق الضفة متوعداً بعملية «غير مسبوقة»... والجيش يبدأ هدم أحياء كاملة

أحد المسلحين الفلسطينيين خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية عند الحاجز الشمالي لمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
أحد المسلحين الفلسطينيين خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية عند الحاجز الشمالي لمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

لم ينتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفاؤه من اليمين طويلاً لتوظيف العملية المسلحة، التي نفذها فلسطينيان على أحد مداخل مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، لخدمة أجندات شخصية وأمنية وسياسية وانتخابية، قبل 4 أيام على الانتخابات. فأعلن نتنياهو شخصياً أنه أمر بحرب غير مسبوقة في الضفة الغربية، التي أعلن إغلاقها بالكامل، متعهداً بمطاردة كل قادة «حماس» في كل مكان وزمان، قبل أن ينطلق سيل من التصريحات نحو تصعيد الهجوم في الضفة، بما يشمل هدم المنازل الفلسطينية في محيط العملية، وهدم الحي الذي خرج منه المنفذان بالكامل، وتنفيذ اعتقالات واسعة، وتدمير بنى تحتية، وصولاً إلى المطالبة بضرورة تفكيك السلطة الفلسطينية والفلسطينيين وأسلحتهم ومنعهم من التحرك في شوارع الضفة الخارجية.

وقال نتنياهو إن جنوده منعوا هجوماً كبيراً في الضفة الغربية، مؤكداً أنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي وقوات الأمن بفرض حصار فوري على مدينة الخليل والاستعداد لإغلاق كامل لكل الضفة الغربية.

وجاءت تصريحات نتنياهو بعد أن عقد اجتماعاً أمنياً حضره وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس أركان الجيش أيال زامير، وقادة آخرون.

وكتب نتنياهو على «إكس» مستعرضاً ومهدداً: «قواتنا تعمل بقوات معززة لإحباط الإرهاب، وتنفذ موجات اعتقالات واسعة النطاق. سنطارد إرهابيي (حماس) ومرسليهم ومؤيديهم في كل مكان وفي كل وقت. ليس لديكم مكان للاختباء».

وكان فلسطينيان وصلا إلى حاجز إسرائيلي على مشارف مدينة الخليل في منطقة «فرش الهوا» وترجّلا على بعد مسافة قريية، ثم اقتربا من الحاجز وشنا هجوماً على الجنود الإسرائيليين هناك، سرعان ما تحول إلى اشتباك دامٍ استمر 20 دقيقة.

وأظهرت صور وفيديوهات المسلحين وهما يبدآن هجوماً مزدوجاً انتهى بقتل جنديين إسرائيليين وجرح 3 آخرين، ومقتل المنفذين.

وأعلن ناطق باسم الجيش الإسرائيلي مقتل قائد فرقة ورقيب في كتيبة «آري»، وإصابة ثلاثة جنود من الكتيبة بجروح طفيفة في الهجوم.

وقالت «القناة 12» إن لقطات من موقع الحادث أظهرت لحظات الرعب عندما سُمع الجنود ومسعفون وهم يطلبون المساعدة، ويقولون إن المهاجم يطلق النار منذ 20 دقيقة.

هجوم أوسع؟

وعلى الرغم من ذلك تقول الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إن الهجوم كان أوسع من ذلك. وقالت مصادر أمنية إسرائيلية إن التحقيق الأولي يظهر أن المنفذين كانا يريدان الوصول إلى الشوارع الخارجية، لكن بعد وصولهما إلى موقع الهجوم، وبعد أن اكتشفا أن ذلك غير ممكن بسبب الحاجز الذي أقيم هناك، غيّرا هدف الهجوم الأصلي، ونزلا من السيارة وبدآ إطلاق النار.

وأضافت المصادر أن المنفذين خططا لتنفيذ هجوم كبير ضد المستوطنين، وأن هدفهما كان الوصول إلى الطرق الرئيسية ومواصلة التقدم منها نحو المناطق الإسرائيلية (المستوطنات)، وقد عُثر في مركبتهما على كمية ذخيرة كبيرة.

وأكد زامير نتائج التحقيق الأولي، وقال إن المنفذين كانا «يخططان لهجوم كبير ضد المدنيين».

وبحسب مصادر الجيش الإسرائيلي، لم يكن هناك أي إنذار محدد حول العملية، لكن الاستعدادات في الضفة الغربية كانت واسعة النطاق.

والأسبوع الماضي فقط دفع زامير بقوات مظليين إلى الضفة الغربية، معلناً أن الجيش دخل حالة تأهب قصوى.

وجاء ذلك بعد أن صرح نتنياهو بأن إيران و«حماس» وجهات أخرى تعمل على تنفيذ هجمات قبل الانتخابات الإسرائيلية.

وتحقق إسرائيل في ما إذا كان المنفذان تحركا كخلية مستقلة أو تلقيا تعليمات من جهات داخلية أو خارجية، وأقحمت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مصوراً لوكالة أجنبية في التحقيق، بعدما وثّق المهاجمين أثناء تبادل إطلاق النار.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الجيش الإسرائيلي فحص رواية المصور لمعرفة ما إذا كان قد صادف وجوده هناك أم تلقى معلومات مسبقة عن الهجوم.

حرب على الضفة

وبينما نعت حركة «حماس» كلاً من حمودة الجعبة (27 عاماً) وفراس الجعبة (27 عاماً) وباركت العملية، وقالت إنها رد طبيعي على جرائم إسرائيل، وصل نتنياهو وكاتس وبن غفير وآخرون إلى موقع العملية معلنين ما يشبه حرباً على الضفة الغربية.

وقال نتنياهو من موقع العملية: «سنعمل أولاً على تدمير هذا المكان، وتغييره جذرياً. وسنفعل شيئاً لم يسبق له مثيل، وهو تطبيق النموذج الناجح والحازم الذي اتبعناه في مخيمات اللاجئين، التي تُعدّ معاقل للإرهابيين. هذا بالضبط ما سنفعله هنا في أحد أحياء الخليل الذي انطلق منه الإرهابيون. سنُخلي السكان، وسندخل كل منزل على حدة، وسنزيل الأسلحة، وسنتعامل مع جميع البنى التحتية الإرهابية وندمرها. في الوقت نفسه، سنُحكم قبضتنا على مدينتَي الخليل وحلحول. وسندرس توسيع نطاق هذا النموذج ليشمل مدناً أخرى أيضاً. سنُزيل المنازل غير القانونية على طول الطرق بوتيرة متسارعة، فهذا يُهدد قواتنا».

وأضاف نتنياهو: «سأضمن لكم شيئاً آخر؛ عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق في الضفة الغربية، لم نشهد مثيلاً لها منذ حرب الأيام الستة. الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد لتنفيذها، وسنحدد توقيتها، لكنها قادمة لا محالة».

واتهم كاتس إيران و«حماس» بمحاولة التأثير على الانتخابات، مؤكداً أن قواته ستهدم الحي الذي خرج منه المنفذان، ومنازل الفلسطينيين في منطقة العملية، على غرار ما حدث في مخيم جنين للاجئين.

ويختصر كلام نتنياهو وكاتس أقصى قدر من توظيف العملية لخدمة أجندات شخصية انتخابية وأمنية وسياسية على المدى القصير والبعيد، ويتجاوب أيضاً مع مطالب حلفائهما من قادة اليمين الإسرائيلي.

اليمين المتطرف

وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش دعا إلى بدء حملة عسكرية واسعة في الضفة تبدأ بتفكيك السلطة، وتشمل جمع الأسلحة، وملاحقة المسلحين، تماماً كما في غزة ولبنان. وقال إنه أصدر أوامر بهدم مبانٍ فلسطينية قريبة من موقع العملية فوراً.

وأضاف سموتريتش: «لا يمكن قبول استمرار التمسّك بمفهوم سيؤدي بنا، لا قدر الله، إلى (7 أكتوبر/ تشرين الأول) التالي. في الحكومة القادمة، سيكون هذا أحد الإجراءات الأولى التي سنحتاج إلى المطالبة بها والتنفيذ». وبمثل ذلك طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي وصل سريعاً إلى موقع العملية، وقال من هناك: «إنه يجب تفكيك هذا الشيء الذي يُدعى السلطة الفلسطينية. يجب تفكيكهم. يجب إيقاف الحركة على الطرق المشتركة لسكان السلطة. حرية تنقل سكان السلطة أقل أهمية من حقنا في الحياة».

ولاحقاً خرج جميع قادة الأحزاب الإسرائيلية وأشادوا ببطولة الجيش الذي منع هجوماً كبيراً، وتعهدوا بدعم وتعزيز الأمن في كل مكان.

ولم يتضح فوراً إلى أي حد يمكن أن تذهب إسرائيل في حرب بالضفة الغربية، لكن الجيش أغلق الخليل وأحكم قبضته على المدينة فوراً، وشن سلسلة مداهمات واسعة هناك، بما في ذلك في الحي الذي خرج منه المنفذان، وبدأ فعلاً في هدم واسع لمنازل فلسطينية قريبة من موقع الهجوم، كما أغلق حواجز رئيسية في الضفة وحول المدن في شمال ووسط الضفة، وشلّ الحركة تماماً.


بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها، بما يهدد مساعي بغداد لإبعاد البلاد عن صراع إقليمي.

تأتي هذه المخاوف في وقت تتحدث فيه تقارير أميركية وإسرائيلية عن إعداد خطط لاستئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.

ويضع هذا الاحتمال حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام معادلة معقدة؛ منع استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة جديدة، والحفاظ على العلاقات مع واشنطن، في وقت لا تزال فيه فصائل تحتفظ بقدرات عسكرية وقرار عملياتي مستقل عن الحكومة، وفق مراقبين.

كان الزيدي قد عرض، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» خلال زيارته نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، خطة مرحلية لحصر السلاح بيد الدولة، تنتهي في 30 يونيو (حزيران) 2027، بعدما كان الموعد السابق المحدد لذلك هو 30 سبتمبر 2026.

وتقوم الخطة، وفق ما أعلنه الزيدي، على مرحلة أولى تمتد 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن مهاجمة المصالح الأميركية أو دول الجوار، مقابل امتناع القوات الأميركية عن استهدافها، قبل الانتقال إلى تسليم الأسلحة تدريجياً خلال الأشهر الستة التالية.

لكن الإعلان عن الجدول الزمني لم ينهِ الخلافات بشأن آليات التنفيذ، خصوصاً مع استمرار رفض فصائل نافذة التخلي عن سلاحها، وربط بعضها ذلك بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي. كما أن المواقف المعلنة بشأن حصر السلاح لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم على تسليم الأسلحة الثقيلة أو الصواريخ والطائرات المسيّرة.

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

احتمالات التصعيد

يقول طالب محمد كريم، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن طبيعة الضربة الأميركية ومدى مشاركة إسرائيل فيها سيكونان عاملين حاسمين في تحديد مستوى انخراط الفصائل العراقية.

ويضيف أن اتساع الحرب ليشمل ضربات إسرائيلية مباشرة ضد إيران سيجعل انتقال بعض الفصائل من استهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة إلى استهداف العمق الإسرائيلي «أكثر جدية»، بما قد يفتح الباب أمام عمليات متبادلة وتوسع جغرافي للمواجهة.

ويرى كريم أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على ضبط الفصائل، بل تشمل منع استخدام الأراضي العراقية في الحرب وحماية السيادة والمصالح الوطنية وفقاً للدستور.

فصائل مرتبطة بالمرشد

من جهته، يرجح غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية، أن يكون تدخل الفصائل، إذا تجددت الحرب، غير مباشر في البداية، عبر استهداف المصالح الأميركية.

ويقول الدعمي لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل أعلنت استعدادها للمشاركة إلى جانب إيران إذا اندلعت الحرب مجدداً، لكنها قد تجد نفسها في «ورطة» إذا اختارت المشاركة الصريحة والمعلنة.

أما عبد الرحمن الجبوري، المتخصص في الشأن الأميركي، فيرى أن حسابات الفصائل لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الحكومة العراقية، مشيراً إلى أن «كتائب حزب الله» تعمل وفق عقيدتها المرتبطة بشكل مباشر بالمرشد الإيراني.

ويعتبر الجبوري أن «موقف الزيدي لا يلزم هذه الجماعات، وأن بعضها يؤكد التزامه بالهدنة، لكنه لم يغير نظرته إلى الولايات المتحدة بوصفها عدواً».

الفصائل العراقية تضع شروطاً لحصر السلاح (إكس)

تباين داخل الفصائل

لا يتوقع باسل حسين، رئيس مركز «كلواذا» للدراسات السياسية، أن تتعامل الفصائل العراقية مع أي تجدد للحرب بين واشنطن وطهران بموقف موحد.

ويقول حسين لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل الأوثق صلة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء»، قد تربط قرارها بحسابات طهران، وتوسع عملياتها لتشمل المصالح الأميركية ومنشآت الطاقة في المنطقة.

ويرجح حسين أن تنأى بنفسها الفصائل التي أعلنت التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، ومنها «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، وإن كان ذلك لا يحسم وحده طبيعة موقفها إذا اتسعت الحرب.

ويضيف أن الاختبار الأصعب سيواجه حكومة الزيدي؛ لأن تجدد المواجهة قد يمنح الفصائل الرافضة للتخلي عن سلاحها ذريعة إضافية للتمسك به، فضلاً عن تعريض العراق لردود أميركية وإقليمية.

من جانبه، يطرح عباس عبود، الباحث والأكاديمي، مسارين محتملين أمام الفصائل: الالتزام بالاتفاق مع الحكومة، الذي يقوم على حصر السلاح أولاً بيد القائد العام للقوات المسلحة، ثم تسليمه على مراحل، أو الانخراط في عمليات تستهدف المصالح الأميركية داخل العراق أو خارجه.

ويحذر عبود من أن المسار الثاني قد ينسف برنامج الحكومة الأساسي، قائلاً إن دخول الفصائل الحرب إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة سيضع بغداد أمام تداعيات أمنية وسياسية كبيرة، وقد يجر البلاد إلى المواجهة «رغماً عنها وعن قرارها السياسي».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

ضغوط اقتصادية وسيادية

وفي المقابل، يرى هاني عاشور، الباحث السياسي، أن «تأكيد الزيدي حصر السلاح بيد الدولة وإسناد قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية يعكس الموقف الرسمي العراقي الرامي إلى تجنب الدخول في أي مواجهة إقليمية جديدة».

ويقول عاشور لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب الأميركية - الإيرانية تهدد بخلط الأوراق في المنطقة، بينما يحاول العراق النأي بنفسه عنها قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.

ويضيف أن الحكومة لن تسمح، وفق تقديره، بانخراط الفصائل في الحرب تحت أي ذريعة، مشيراً إلى أن عدداً منها أعلن بالفعل حصر سلاحه بيد الدولة.

لكن هذا التقدير يبقى رهناً بقدرة الحكومة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات فعلية، في ظل تفاوت مواقف الفصائل بشأن تسليم السلاح، واستمرار الخلاف على توقيت التنفيذ وشروطه.

وفي هذا السياق، يرى فلاح المشعل، الباحث في الشأن السياسي، أن إنذارات الحكومة الموجهة إلى من يروجون للسلاح خارج نطاق الدولة تنسجم مع المنهاج الوزاري للزيدي، مشيراً إلى أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحريض أو الأفعال الإرهابية قد تصل عقوباتها إلى الإعدام، وفقاً للقوانين النافذة.