احتجاجات إيران إلى أسبوعها الثالث... وحملة الاحتواء تتوسع

سجال واشنطن - طهران يشتد... «الحرس الثوري» لوّح بـ«الخط الأحمر»

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

احتجاجات إيران إلى أسبوعها الثالث... وحملة الاحتواء تتوسع

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

عشية بدء الأسبوع الثالث على أحدث موجة احتجاجات شعبية، رفعت السلطات الإيرانية سقف تحذيراتها الأمنية والقضائية، بالتوازي مع استمرار المظاهرات في طهران ومدن أخرى، فيما اتسعت ردود الفعل الدولية بين تحذيرات أميركية وإدانات أوروبية.

وحذر «الحرس الثوري» الإيراني، السبت، من أن الحفاظ على الأمن يمثل «خطاً أحمر»، فيما تعهد الجيش بحماية الممتلكات العامة، في وقت تكثف فيه السلطات جهودها لاحتواء أوسع مظاهرات تشهدها البلاد منذ سنوات.

وجاءت هذه التصريحات بعد أن وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحذيراً جديداً إلى قادة إيران، الجمعة، من أن الولايات المتحدة قد تتدخل، وأعقبه إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو، السبت، أن «الولايات المتحدة تدعم الشعب الإيراني الشجاع».

واستمرت الاضطرابات خلال الليل؛ إذ أفادت وسائل إعلام حكومية بإضرام النار في مبنى بلدي بمدينة كرج غرب طهران، محمّلة «المشاغبين» المسؤولية. كما بث التلفزيون الحكومي مشاهد لجنازات عناصر من القوات الأمنية قال إنهم قُتلوا في احتجاجات شهدتها مدن شيراز وقم وهمدان، حسب وكالة «رويترز».

وانتشرت الاحتجاجات في معظم أنحاء إيران خلال الأسبوعين الماضيين؛ إذ اندلعت بدايةً على خلفية ارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تتطور سريعاً إلى مطالب ذات طابع سياسي تدعو إلى إنهاء نظام الحكم. وفي المقابل، تتهم السلطات الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء ما تصفه بـ«أعمال الشغب»، فيما وثقت جماعات حقوقية مقتل عشرات المتظاهرين.

وفق المقاطع والتقارير المتداولة مساء الجمعة، تركزت التحركات داخل العاصمة على محاور الشمال والشمال الشرقي (شريعتي، سهروردي، دولت، باسداران)، والشمال الغربي والغرب (سعادت‌آباد وميدان كاج، پونك، جنت‌آباد، بلوار فردوس غرب، ستارخان، أشرفي اصفهاني قرب تقاطع همت، چيتكر). وفي محيط طهران برزت كرج غرب العاصمة، مع مشاهد عن حريق في مبنى بلدي بمدينة كرج.

في المحافظات، رصدت مقاطع من ثاني وثالث كبريات المدن الإيرانية؛ مشهد شمال شرقي البلاد، وتبريز شمال غرب، وشيراز في الجنوب، ويزد وسط البلاد.

الدخان والنيران يتصاعدان وسط مسيرة احتجاجية في ميدان ولي عصر وسط طهران الجمعة (تلغرام)

وترافقت المواد المنشورة مع إشارات متكررة إلى استخدام وسائل اتصال بديلة، بينها خدمة ستارلينك، لإرسال المقاطع في ظل قيود الإنترنت. وعلى مستوى الشعارات، ظهرت هتافات مناهضة للسلطة وأخرى مؤيدة لرضا بهلوي، بينها «جاويد شاه» ونداءات لعودته، إلى جانب شعارات تركز على السيطرة على مراكز المدن. كما تضمنت مقاطع وإفادات حديثاً عن مواجهات وأعمال عنف متفرقة، بينها زجاجات حارقة وحوادث حرق مبانٍ عامة، في وقت ظلت فيه تفاصيل ما جرى وحجم الخسائر محل روايات متباينة، بفعل تعتيم الاتصالات وصعوبة التحقق المستقل.

وبدأت المظاهرات في 28 ديسمبر (كانون الأول) بسبب انهيار العملة الإيرانية الريال، التي يتم تداولها بأكثر من 1.4 مليون مقابل دولار واحد، حيث يتعرض اقتصاد البلاد لضغوط بسبب العقوبات الدولية المفروضة جزئياً بسبب برنامجها النووي.

وتمثل هذه الاحتجاجات أكبر تحدٍّ داخلي يواجهه حكام إيران منذ ثلاث سنوات على الأقل، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وبعد حرب العام الماضي.

نيران تلتهم سيارات في شارع بميدان كاج بمنطقة سعادت آباد شمال طهران الجمعة (تلغرام)

الجيش يحذّر من تقويض الأمن

وواصلت السلطات الإيرانية فرض قطع شامل للإنترنت، مع تقارير عن استمرار الانقطاع لساعات طويلة. وقال شاهد من غرب إيران، جرى التواصل معه هاتفياً، إن قوات «الحرس الثوري» انتشرت في المنطقة وفتحت النار، رافضاً الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وفي بيان بثه التلفزيون الرسمي، اتهم «الحرس الثوري» «جماعات إرهابية» باستهداف قواعد عسكرية ومراكز لإنفاذ القانون خلال الليلتين الماضيتين، ما أسفر – وفق الرواية الرسمية – عن مقتل عدد من المواطنين وعناصر الأمن، إضافة إلى إحراق ممتلكات عامة.

وأضاف البيان أن حماية منجزات ثورة عام 1979 والحفاظ على الأمن يمثلان «خطاً أحمر»، مؤكداً أن استمرار الوضع الراهن «غير مقبول».

من جهته، أعلن الجيش الإيراني، الذي يعمل بشكل منفصل عن «الحرس الثوري» لكنه يخضع أيضاً لقيادة المرشد علي خامنئي، أنه سيعمل على «حماية وصون المصالح الوطنية، والبنى التحتية الاستراتيجية للبلاد، والممتلكات العامة».

وفي بلد تتسم فيه المعارضة لمؤسسة الحكم بالتشرذم، برز نجل آخر شاه لإيران، الذي أطيح به في ثورة عام 1979، كأحد أبرز الأصوات في الخارج الداعية إلى مواصلة الاحتجاجات.

تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

«هدوء نسبي»

في المقابل، قدمت وسائل الإعلام الرسمية، وفي مقدمها وكالة «مهر»، رواية مغايرة للأحداث، مؤكدة أن الأوضاع في غالبية المدن الإيرانية اتسمت بـ«الهدوء النسبي» بعد ما وصفته بـ«أعمال شغب نفذتها مجموعات إرهابية». ونقلت الوكالة عن متحدث باسم الشرطة قوله إن المشاهدات الميدانية تشير إلى استقرار عام في معظم المناطق، وإن التجمعات كانت محدودة ومحصورة في نقاط بعينها.

صورة نشرتها وكالة «مهر» الحكومية مما وصفته بتخريب ممتلكات عامة في طهران الجمعة

ووصفت «مهر» التحركات الاحتجاجية بأنها «أعمال شغب» شهدت إحراق ممتلكات عامة وخاصة، من بينها مبانٍ بلدية، واعتداءات على قوات الأمن والمواطنين. وأشارت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الشرطة و«الباسيج»، وبثت مقاطع قالت إنها توثق إطلاق نار وطعن عناصر أمن وإحراق مركبات ومنشآت عامة، بينها مبنى بلدية في كرج.

وأكدت الوكالة أن «شريحة واسعة من المحتجين على الأوضاع الاقتصادية فصلت نفسها عن مثيري الشغب»، مشيرة إلى تراجع «ملحوظ» في حجم الاضطرابات، لا سيما في طهران، رغم دعوات معارضة للتصعيد. ولفتت إلى تنظيم تجمعات بعد صلاة الجمعة في طهران ومدن أخرى، طالبت بـ«التعامل الحازم» مع من وصفتهم بـ«المخربين».

وفي السياق القضائي، أفادت «مهر» بأن المدعي العام أصدر تعليمات بالتعامل السريع مع قضايا الموقوفين، وتخصيص شعب قضائية خاصة للنظر فيها خارج الدور، مؤكداً – وفق ما نقلته الوكالة – أن «مثيري الشغب» يعدون «أدوات للكيان الإسرائيلي»، وأن ملاحقتهم ستتم «من دون أي تساهل».

كما ربطت الوكالة الاضطرابات بما وصفته بـ«تدخلات خارجية»، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل وجماعات معارضة في الخارج بالتحريض والدعم، وهاجمت دعوات رضا بهلوي معتبرة إياها «استنجاداً بالخارج». ونشرت تقارير عن «تفكيك خلايا إرهابية» ومحاولات تسلل مجموعات مسلحة عبر الحدود، قالت إنها مدعومة استخبارياً من واشنطن وتل أبيب.

المحتجون أشعلوا النيران بحاويات وسط شارع في طهران الجمعة (تلغرام)

وبالتوازي، أبرزت «مهر» تغطية لتحركات مضادة للاحتجاجات، شملت مسيرات وبيانات دينية وشعبية تُدين «الإساءة للمقدسات» و«تخريب الممتلكات العامة»، مع إبراز خطابات رسمية وإقليمية تشدد على استقرار النظام.

بهلوي: الاستعداد «للسيطرة على مراكز المدن»

وقال رضا بهلوي نجل الشاه السابق، المقيم في الولايات المتحدة، في أحدث نداء له عبر منصة «إكس»: «لم يعد هدفنا مجرد النزول إلى الشوارع، بل الاستعداد للسيطرة على مراكز المدن والاحتفاظ بها».

ودعا في رسالة جديدة، المتظاهرين إلى النزول إلى الشوارع يومي السبت والأحد. وحث المتظاهرين على حمل علم إيران القديم الذي يحمل صورة الأسد والشمس ورموز وطنية أخرى كانت تستخدم في عهد الشاه «للمطالبة بالمساحات العامة كحق لهم». كما دعا العاملين والموظفين في «القطاعات الاقتصادية الحيوية، ولا سيما النقل والنفط والغاز والطاقة»، إلى الشروع في إضراب عام على مستوى البلاد.

وفي واشنطن، قال ترمب، الخميس، إنه لا يميل إلى لقاء بهلوي، في إشارة إلى ترقبه لمسار الأزمة قبل دعم أي زعيم معارض. وكان ترمب قد قصف إيران الصيف الماضي، وحذّر طهران الأسبوع الماضي من أن الولايات المتحدة قد تتدخل لمساندة المحتجين.

متظاهر يرفع صورة رضا بهلوي خلال مسيرة في طهران (أ.ب)

وأضاف، الجمعة: «إياكم أن تبدأوا بإطلاق النار؛ لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً»، معرباً عن أمله في أن «يبقى المحتجون في إيران آمنين»، ووصف الوضع هناك بأنه «خطير للغاية».

وردد بعض المحتجين شعارات مؤيدة لبهلوي، من بينها «يحيا الشاه»، غير أن غالبية الهتافات ركزت على الدعوة إلى إنهاء نظام الحكم، أو طالبت باتخاذ إجراءات لمعالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بفعل سنوات من العقوبات الدولية، إضافة إلى تداعيات الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران)، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية على إيران.

أرقام متضاربة للضحايا

وقال طبيب في شمال غربي إيران إن المستشفيات استقبلت، منذ الجمعة، أعداداً كبيرة من المصابين. وأشار إلى أن بعضهم تعرّض للضرب المبرح، فيما أُصيب آخرون بكسور وجروح خطيرة. وأضاف أن ما لا يقل عن 20 شخصاً في مستشفى واحد أُصيبوا بالرصاص الحي، توفي خمسة منهم لاحقاً.

من جانبها، نقلت مجلة «التايم» الأميركية شهادة لطبيب في طهران – طلب عدم كشف هويته – قال فيها إن ستة مستشفيات فقط في العاصمة سجلت «ما لا يقل عن 217 وفاة بين المتظاهرين»، وإن «معظمها بالذخيرة الحية».

وأضاف الطبيب، وفق «التايم»، أن السلطات نقلت الجثث من المستشفى يوم الجمعة، وأن معظم القتلى من الشباب، بينهم عدد قتل خارج مركز شرطة في شمال طهران بعد إطلاق نار من أسلحة رشاشة، مشيراً إلى أن بعضهم مات «على الفور».

وفي ظل الانقطاع الواسع للاتصالات وصعوبة التحقق، تبرز فجوة واضحة بين تقديرات وتوثيقات متعددة. فقد قالت منظمة «هرانا» الحقوقية الإيرانية إنها وثقت، حتى 9 يناير (كانون الثاني)، مقتل 65 شخصاً، بينهم 50 متظاهراً و15 من عناصر الأمن. كما وردت معطيات إضافية من «وكالة نشطاء حقوق الإنسان» تفيد بأن الاحتجاجات حتى مساء الجمعة، شملت امتداداً إلى 180 مدينة و512 نقطة في أنحاء البلاد، مع شمولها المحافظات الإيرانية الـ31، وتأكيد اعتقال 2311 شخصاً، إلى جانب تقدير «65 قتيلاً على الأقل خلال 13 يوماً».

وأفادت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتخذ من أوسلو مقراً، بأن 51 شخصاً على الأقل قتلوا حتى الآن خلال حملة القمع، لكنها حذرت من أن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى.

احتجاجات في شارع بمنطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

تشدد قضائي

وكان المرشد الإيراني علي خامنئي قد اتهم، الجمعة، المحتجين بالتحرك نيابة عن الرئيس الأميركي، قائلاً إن «المشاغبين» يهاجمون الممتلكات العامة، ومحذراً من أن طهران لن تتسامح مع من وصفهم بـ«مرتزقة الأجانب».

وتوازى ذلك مع مؤشرات إلى تشدد قضائي. فقد بُثت تصريحات للمدعي العام محمد موحدي آزاد تحذر من أن أي شخص يشارك في الاحتجاجات قد يعتبر «عدواً لله»، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى الإعدام بموجب القانون الإيراني، مع حديث عن تسريع الإجراءات عبر شعب خاصة وملفات تنظر «خارج الدور».

وفي السياق الأمني، وردت تقارير حكومية وشبه رسمية عن اعتقالات واسعة. وأشارت روايات إلى اعتقال نحو 200 من «قادة الإرهابيين» وبحوزتهم أسلحة وقنابل يدوية. كما تحدثت تقارير أخرى عن اعتقال 100 شخص في بلدة قرب طهران.

وذهب جانب من هذه الروايات إلى الحديث عن توقيف «معارضين أكراد مسلحين» خلال محاولة دخول إيران من العراق، إضافة إلى إعلان «إحباط» محاولات تسلل مجموعات مسلحة عبر الحدود.

قتلى في صفوف الأمن

وفي سياق متصل، أعلن مكتب العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري» مقتل ثلاثة من عناصر قوات «الباسيج» وإصابة خمسة آخرين خلال اشتباكات مع ما وصفهم بـ«مشاغبين مسلحين» في مدينة كجساران جنوب غربي البلاد.

وأفاد التلفزيون الإيراني، السبت، بمقتل 8 من عناصر «الحرس الثوري» في محافظة كرمانشاه غرب البلاد، خلال مواجهات مع ما وصفهم بـ«تنظيمات انفصالية»، في إشارة إلى أحزاب معارضة كردية.

كما أفاد بمقتل ضابط أمن طعناً في همدان غرب إيران، بالإضافة إلى مقتل نجل الجنرال السابق في «الحرس الثوري» العميد نورعلي شوشتري، الذي قتل في تفجير انتحاري بمحافظة بلوشستان عام 2009. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن نجله فرج الله شوشتري قیادي لقوات «الباسيج» وقتل في منطقة أحمد آباد بمدينة مشهد شمال شرقي البلاد، فضلاً عن مقتل عنصرين أمنيين آخرين في تستر بمحافظة الأحواز جنوب غربي البلاد خلال الليلتَين الماضيتَين.

وإلى جانب ذلك، أضيفت واقعة مقتل شرطيين في قم إلى حصيلة قتلى عناصر الأمن؛ إذ قال رئيس محكمة استئناف قم إن الشرطيين (أسدي وقاسمي) قُتلا بعد تلقيهما «أكثر من 40 طعنة»، بينما كانا – وفق الرواية الرسمية – «يشرحان للجمهور الفرق بين الاحتجاج والفوضى» قبل تعرضهما لهجوم.

إدانات أوروبية

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن شوارع طهران ومدناً حول العالم «تصدح بخطوات الإيرانيات والإيرانيين المطالبين بالحرية»، مؤكدةً أن أوروبا «تقف بالكامل إلى جانبهم». وأدانت «بشكل لا لبس فيه» القمع العنيف للاحتجاجات المشروعة، مطالِبةً بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، وإعادة خدمة الإنترنت كاملة، واحترام الحقوق الأساسية، محذرةً من أن المسؤولين عن القمع «سيُذكَرون في الجانب الخطأ من التاريخ».

وفي وقت تصاعدت المواقف الغربية المنددة لحملة السلطات الأمنية، قدمت طهران عبر ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني رواية تتهم الولايات المتحدة بالمسؤولية عن «الشغب والأعمال العنيفة»، متحدثاً عن «تحريض» و«تهديد» و«تنسيق» مع إسرائيل للتدخل في الشؤون الداخلية.

أوروبياً، أصدر قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بياناً مشتركاً، الجمعة، أدانوا فيه مقتل المتظاهرين ودعوا السلطات الإيرانية إلى ضبط النفس، مع التأكيد على ضرورة احترام الحقوق الأساسية للمواطنين. كما صدرت مواقف منفصلة، بينها إدانة المستشار الألماني فريدريش ميرتس لما تردد عن قتل متظاهرين، ودعوات لعدم استخدام العنف.

وفي كندا، قال رئيس الوزراء مارك كارني إن بلاده تدين «قتل المحتجين واستخدام العنف والاعتقالات التعسفية»، مؤكداً التضامن مع الشعب الإيراني «الذي يطالب بالحرية والكرامة».

مخاوف من تعتيم

شكل قطع الإنترنت أحد أبرز سمات هذه المرحلة من الاحتجاجات؛ إذ أدى إلى تعقيد مهمة تقييم حجم المظاهرات ومحصلة الضحايا والاعتقالات من خارج البلاد، فيما أشار ناشطون وكيانات حقوقية إلى أن حجب الاتصالات قد يفتح الباب أمام قمع بعيداً عن الأعين.

وأفادت منظمة «نت بلوكس» غير الحكومية، التي تراقب حركة الإنترنت، السبت، بأن حجب الإنترنت الذي فرضته السلطات الإيرانية منذ الخميس لا يزال مستمراً.

في هذا السياق، حذر «الاتحاد الدولي للصحافيين» من أن قطع الإنترنت «يمنع الصحافيين من أداء عملهم ويحرم المواطنين من المعلومات الحيوية»، واصفاً الإجراء بأنه «هجوم متعمد على حرية الصحافة». كما قالت منظمة العفو الدولية إنها تحقق في تقارير تشير إلى تصعيد استخدام القوة المميتة بعد قطع الإنترنت، معتبرة أن الإجراء يهدف إلى «إخفاء الحجم الحقيقي لانتهاكات حقوق الإنسان».

وأعلن المخرجان الإيرانيان جعفر بناهي ومحمد رسولوف، السبت، أنّ السلطات الإيرانية تستخدم «أشد أدوات القمع قسوة»، معتبرين أن حجب الإنترنت هدفه التستر على «العنف».


مقالات ذات صلة

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يزور مركز إنتاج فورد في ميشيغان 13 يناير الماضي (رويترز)

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

يتصاعد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران حيث يتبادل الجانبان التهديدات والإشارات الدبلوماسية فيما يشبه «حرباً كلامية نفسية»

هبة القدسي ( واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات في جنوب إسرائيل (رويترز) play-circle

تقرير: أميركا بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية في المنطقة قبل أي هجوم ضد إيران

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأحد، أن أي ضربة أميركية محتملة ضد إيران لن تكون وشيكةً قبل أن تعزِّز الولايات المتحدة منظومات الدفاع الجوي في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي أجرى محادثات في أميركا وسط التوترات مع إيران

أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً محادثات مكثفة مع مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى خلال زيارة للولايات المتحدة، حيث نوقشت إمكانية توجيه ضربة لإيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية - إكس)

هل أنهيت مهمة مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق؟

نفى مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق الأنباء التي تتحدث عن عزله من منصبه وتكليف المبعوث الأميركي الى سوريا ولبنان توم براك بديلا عنه.

فاضل النشمي (بغداد)

خامنئي يهدد بكسر قواعد الاشتباك

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)
TT

خامنئي يهدد بكسر قواعد الاشتباك

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)

حذر المرشد الإيراني علي خامنئي، أمس، من أن أي هجوم أميركي على إيران سيؤدي إلى «حرب إقليمية»؛ وذلك في تهديد واضح بكسر قواعد الاشتباك في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن.

وقال خامنئي إن الولايات المتحدة «إذا أشعلت الحرب، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية»، مضيفاً أن طهران لا تسعى إلى الهجوم، لكنها «ستوجّه ضربة قوية وحاسمة» لأي جهة تعتدي عليها.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قلل من تحذيرات خامنئي، معبّراً عن أمله في التوصل إلى اتفاق مع طهران، ومحذراً من أن بلاده تمتلك «أقوى الأساطيل في العالم» في المنطقة. وأضاف: «نأمل أن نتوصل إلى اتفاق، وإذا لم يحدث ذلك فسنرى ما إذا كان محقاً أم لا».

بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن «الدبلوماسية لا تزال ممكنة»، مشيراً إلى اتصالات عبر دول صديقة. وأفادت مصادر «أكسيوس» بأن تركيا ومصر وقطر تعمل على ترتيب اجتماع محتمل في أنقرة بين المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، ومسؤولين إيرانيين.

وعقد كبار الجنرالات الأميركيين والإسرائيليين اجتماعات مغلقة الجمعة في واشنطن لبحث السيناريوهات المحتملة، بالتوازي مع تعزيز الجيش الأميركي منظومات الدفاع الجوي في المنطقة.

وفي الرياض، أكد مسؤول سعودي رفيع لـ«الشرق الأوسط» ثبات موقف المملكة الداعم للحلول السلمية للخلافات بين الولايات المتحدة وإيران عبر الحوار، نافياً أي تغيير في سياسة الرياض، وأكد حرص المملكة على تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد.


ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
TT

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، وذلك عقب تحذير المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي هجوم على الجمهورية الإسلامية قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية.

وقلّل ترمب من تحذير خامنئي، وقال للصحافيين من منتجعه بمارلارغو في ولاية فلوريدا: «بالطبع سيقول ذلك»، مضيفاً: «نأمل أن نتوصل إلى اتفاق، وإذا لم يحدث ذلك، فسنكتشف حينها ما إذا كان محقاً أم لا».

في أجواء مشحونة بالتوتر الجيوسياسي، يتصاعد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتبادل الجانبان التهديدات والإشارات الدبلوماسية، فيما يشبه «حرباً كلامية نفسية» معقدة، قد تفضي إما إلى حرب إقليمية وإما إلى مسار تفاوضي تاريخي.

وجاء تحذير خامنئي، من أن أي ضربة أميركية على الأراضي الإيرانية ستشعل حرباً إقليمية، في توقيت بالغ الدقة، تزامناً مع تحوّل في لهجة ترمب نحو الحديث عن حوار «جاد» مع طهران، وإعرابه عن أمله في أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق يمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

وفي الوقت نفسه، تبرز وساطة تركية محتملة، يقودها الرئيس رجب طيب إردوغان، في محاولة لتجنب التصعيد، حيث تقدم أنقرة نفسها وسيطاً محتملاً مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع إيران، ومن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وأفاد موقع «أكيسوس»، الأحد، بأن إدارة ترمب أبلغت إيران، عبر قنوات متعددة، بأنها منفتحة على عقد لقاء للتفاوض على اتفاق، في وقت يتواصل فيه الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، ما يرفع منسوب الرهانات على إمكان تفادي ضربة عسكرية وحرب إقليمية أوسع.

وقالت مصادر مطلعة إن تركيا ومصر وقطر تعمل على ترتيب اجتماع محتمل في أنقرة بين مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار خلال الأيام المقبلة، في إطار مساعٍ دبلوماسية تهدف إلى منع التصعيد.

وأكد مسؤولون في البيت الأبيض أن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن توجيه ضربة إلى إيران، ولا يزال منفتحاً على المسار الدبلوماسي، مشددين على أن حديثه عن التفاوض «ليس مناورة».

وبينما تسعى تركيا وقوى إقليمية أخرى إلى التحذير من مخاطر ضربة أميركية على استقرار المنطقة، تبرز في المشهد محادثات أجراها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، شملت تقديم معلومات استخباراتية حساسة عن أهداف محتملة داخل إيران، ومناقشة السيناريوهات العملياتية وآليات الدفاع المشتركة. وتأتي هذه المحادثات استكمالاً لاجتماعات عقدها قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر في تل أبيب الأسبوع الماضي، في مؤشر على دفع إسرائيلي قوي نحو توجيه ضربة أميركية حاسمة ضد إيران.

وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، لقناة «12» الإسرائيلية، التي قال فيها إن ترمب «رئيس يفي بوعوده ولا يطلق تهديدات فارغة»، مشيراً إلى أن قرار توجيه ضربة لم يُحسم بعد، ومؤكداً أن الرئيس الأميركي «يأمل دائماً بأفضل نتيجة»، وأنه مؤلف كتاب «فن الصفقات»، وإذا استطاع تحقيق ذلك، أي التوصل إلى صفقة، «فسوف يكون هذا أمراً مثالياً».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يزور مركز إنتاج فورد في ميشيغان 13 يناير الماضي (رويترز)

ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، تكثف إدارة ترمب تحركاتها لتعزيز الدفاعات الجوية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تحسباً لفشل المحادثات والوساطات، وما قد يترتب على أي ضربة أميركية من ردّ فعل إيراني انتقامي واسع ونزاع إقليمي أكبر. وفي هذا الإطار، يعمل البنتاغون على تعزيز منظومات الدفاع عبر نشر أنظمة صواريخ «باتريوت» و«ثاد» إضافية ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب وجود 8 مدمرات بحرية أميركية في المنطقة قادرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويعكس هذا الانتشار العسكري المكثف، وفقاً للخبراء، استراتيجية ردع محسوبة من دون اندفاع مباشر نحو الصراع.

النهج الأميركي المزدوج

في ظل هذا النهج ذي المسارين، الذي يجمع بين مواصلة الضغط العسكري وتعزيز منظومات الدفاع، وفتح باب الدبلوماسية والتفاوض في آنٍ واحد، بدأت الأوساط الأميركية تتحدث عن احتمالات تراجع الرئيس دونالد ترمب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، على الأقل في المدى القريب.

طائرة «بوينغ إي إيه 18 جي غرولير» للحرب الإلكترونية تهبط على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» من فئة «نيميتز» في المحيط الهندي 23 يناير 2026 (أ.ب)

ونقل تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن أي ضربة أميركية لن تكون وشيكة قبل أن تستكمل الولايات المتحدة تعزيز منظومات الدفاع الجوي بشكل واسع، وهو ما يعيد تسليط الضوء على المهلة التي يسعى ترمب إلى منحها لإيران، وعلى جهود الوساطة الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

وفي هذا السياق، اقترح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استضافة محادثات نووية في تركيا خلال هذا الأسبوع، مع التركيز على مقاربات تدريجية لمعالجة النزاعات. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن إيران «مستعدة للتفاوض على الملف النووي»، محذراً في الوقت نفسه من أن أي هجوم أميركي سيكون «خاطئاً ويجب تجنبه».

غير أن الشروط الأميركية التي تطرحها واشنطن تفرض تحديات كبيرة، إذ تشترط تسليم إيران المواد النووية الحساسة، وإنهاء تخصيب اليورانيوم محلياً، وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، إلى جانب وقف دعم الوكلاء في المنطقة.

ومن منظور طهران، تُعد هذه المطالب مساساً بجوهر عقيدتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي، في ظل تقارير تشير إلى رفض المرشد الأعلى علي خامنئي لأي تنازلات، مقابل تفضيل بعض كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية نهجاً تفاوضياً أكثر مرونة.

وتتباين التقديرات بشأن فرص نجاح أو فشل الوساطة التركية، إذ تشير تقارير إلى إمكانية بلورة حلول تدريجية للنزاع، خصوصاً مع محاولات وساطة إقليمية أخرى لتجنب الضربة الأميركية. في المقابل، تذهب تحليلات أخرى إلى ترجيح فشل هذه الوساطات بسبب رفض إيران تقديم تنازلات جوهرية قبل انتهاء المهلة التي لم يحدد ترمب مدتها. ويقلل مسؤولون أميركيون من فرص التوصل إلى حل دبلوماسي، عادّين أن إيران لم تُظهر حتى الآن استعداداً حقيقياً لقبول الشروط المطروحة.

هل يمكن أن يتراجع ترمب؟

تشير تصريحات الرئيس دونالد ترمب إلى أنه يفضّل التوصل إلى صفقة، وهو ما يجعل احتمال تراجعه عن توجيه ضربة عسكرية مرتفعاً في حال نجحت الجهود الدبلوماسية، خصوصاً في ظل التكلفة الباهظة لأي حرب على أسعار النفط العالمية. وفي حال تراجع ترمب عن الخيار العسكري، قد تترتب على ذلك تداعيات إيجابية وسلبية في آنٍ واحد.

مروحية من طراز «إس إتش 60 سي هوك» تحلق إلى جانب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال عمليات روتينية للأسطول السابع في المحيطين الهندي والهادئ 8 يناير (الجيش الأميركي)

فعلى الجانب الإيجابي، يتيح هذا الخيار مواصلة سياسة «الضغط الأقصى» من دون الانزلاق إلى صراع مباشر. ويشير تقرير لمجلة «أتلانتيك» إلى أن الوجود البحري الأميركي الحالي يمكن أن يتيح إحكام السيطرة على مضيق هرمز، ومصادرة ناقلات النفط، ودفع إيران نحو مزيد من الضغوط الداخلية، خصوصاً مع إمكانية إعادة إشعال الاحتجاجات. كما أن تعزيز منظومات الدفاع الجوي يسهم في حماية الحلفاء وردع إيران من دون تصعيد عسكري مباشر.

في المقابل، تشمل السلبيات المحتملة تعزيز موقف طهران التفاوضي، إذ قد يرى الإيرانيون أن عامل الوقت يعمل لمصلحتهم. وقد يؤدي الامتناع عن توجيه ضربة أميركية إلى تصعيد إيراني غير مباشر، عبر هجمات تنفذها جماعات حليفة في العراق أو سوريا، أو من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع أسعار النفط ويؤثر في الاقتصاد العالمي. كما حذرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن هذا المسار قد يؤدي أيضاً إلى إنهاك الموارد الأميركية، في ظل محدودية أنظمة «ثاد» الدفاعية (7 بطاريات فقط)، واستنزاف الذخائر في مواجهات سابقة. كذلك تحذّر إسرائيل من أن أي تراجع أميركي عن توجيه ضربة قد يُفسَّر على أنه ضعف، ما قد يشجّع إيران على التشدد والإصرار على شروطها التفاوضية.


طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

في وقت تتقاطع فيه مؤشرات الانفتاح الدبلوماسي مع تصاعد الضغوط الغربية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن البرنامج النووي، مشيراً إلى أن تبادل الرسائل عبر دول صديقة أسهم في تيسير محادثات وصفها بـ«المثمرة»، في وقت حض فيه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، طهران، على «القبول بتنازلات كبرى».

وقال عراقجي، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن طهران فقدت ثقتها بالولايات المتحدة بوصفها شريكاً تفاوضياً، لكنها لا تزال ترى أن الوصول إلى اتفاق «عادل ومنصف» يضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية «يبقى ممكناً حتى خلال فترة زمنية قصيرة».

ولفت عراقجي إلى أن بلاده لا ترفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، لكنها ترفض توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي، مشدداً على أن أي مفاوضات يجب أن تقتصر حصراً على الملف النووي، قائلاً: «دعونا لا نتحدث عن أمور مستحيلة، ولا نضيّع فرصة التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف».

وأوضح أن طهران تتوقع، في المقابل، رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ سنوات، واحترام حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، معتبراً أن تلك العقوبات شكلت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الإيراني.

وحذر عراقجي من أن تعثر المسار التفاوضي سيضع إيران أمام خيارات أخرى، مؤكداً أن بلاده «جاهزة لجميع السيناريوهات»، رغم أن أي صراع عسكري «سيكون كارثياً على الجميع»، وقد يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانية ليطال المنطقة بأسرها.

وأشار عراقجي إلى أن القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، ستكون أهدافاً محتملة في حال اندلاع مواجهة، لافتاً إلى أن التجارب السابقة، بما فيها حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل العام الماضي، أظهرت في آنٍ واحد قدرات إيران وحدود ترسانتها الصاروخية.

وعلى الصعيد الداخلي، نفى وزير الخارجية الإيراني وجود أي خطط لإعدام، أو شنق المتظاهرين المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، مؤكداً أن «حقوق جميع الموقوفين ستحترم وتضمن»، متهماً «عناصر إرهابية مرتبطة بالخارج» بالوقوف وراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد.

وأدت حملة القمع الإيرانية إلى إخماد الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، بسبب المتاعب الاقتصادية، لكنها شكلت التحدي السياسي الأكبر للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في عام 1979.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد القتلى الذين سقطوا جراء الاضطرابات بلغ 3117، لكن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، قالت اليوم (الأحد)، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 6713 شخصاً. ولا تزال 17091 حالة وفاة قيد التحقيق، بحسب المنظمة التي تعتمد على شبكة واسعة من الناشطين في داخل البلاد.

«القبول بتنازلات كبرى»

في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن على إيران «القبول بتنازلات كبرى» في إطار مسار دبلوماسي يهدف إلى تفادي ضربات أميركية محتملة على أراضيها، وذلك في مقابلة مع صحيفة «ليبراسيون» نشرت الأحد.

وقال بارو إن الولايات المتحدة «وضعت نفسها في موقع يمكّنها من إطلاق عملية عسكرية ضد إيران»، لكنها عرضت في الوقت نفسه، مساراً تفاوضياً «يتعين على النظام اغتنامه عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في النهج».

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كالاس تتحدَّث إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في بروكسل الخميس الماضي (إ.ب.أ)

وأضاف بارو أن «على إيران أن تتوقف عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته»، مطالباً السلطات الإيرانية بـ«وضع حد للقمع، وإطلاق سراح السجناء، ووقف الإعدامات، وإعادة خدمة الإنترنت» وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كما طالب وزير الخارجية الفرنسي، طهران، بالسماح بعودة الفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس إلى بلادهما، مؤكداً أنهما «في أمان داخل السفارة الفرنسية بطهران».

وكانت السلطات الإيرانية قد أوقفت كولر وشريكها باريس في مايو (أيار) 2022، وحُكم عليهما بالسجن 20 و17 عاماً على التوالي، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، قبل الإفراج عنهما مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع منعهما من مغادرة البلاد.

وأشار بارو إلى أن حكماً قضائياً في فرنسا يتعلق بمواطنة إيرانية يُحتمل أن تكون موضع تبادل مع الفرنسيين، سيصدر أواخر فبراير (شباط)، لافتاً إلى أن السلطات الإيرانية أبدت رغبة في إجراء عملية تبادل عقب انتهاء الإجراءات القضائية بحق الإيرانية مهدية إسفندياري، التي طلب الادعاء العام الحكم عليها بالسجن عاماً نافذاً بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وأكد بارو أن «جهودنا للإفراج عن الرعايا الفرنسيين المحتجزين في إيران، لم تمنعنا يوماً من اتخاذ إجراءات حازمة جداً بحق النظام»، في إشارة إلى قرار الاتحاد الأوروبي، الخميس، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على قائمة «المنظمات الإرهابية»، على خلفية اتهامه بتنفيذ حملة قمع دموية خلال الاحتجاجات الأخيرة. وردّت إيران، الأحد، على هذا القرار بإعلان الجيوش الأوروبية «منظمات إرهابية».