البرنامج الوطني للمعادن يسرّع استغلال تريليونات من الدولارات تحت الرمال السعودية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: القرار يمنح المستثمرين «وضوحاً استراتيجياً» ويقلّص مخاطر الاستثمار في الثروات الكامنة

مناطق استكشاف التعدين في السعودية (الشرق الأوسط)
مناطق استكشاف التعدين في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

البرنامج الوطني للمعادن يسرّع استغلال تريليونات من الدولارات تحت الرمال السعودية

مناطق استكشاف التعدين في السعودية (الشرق الأوسط)
مناطق استكشاف التعدين في السعودية (الشرق الأوسط)

أجمع مختصون اقتصاديون على أن موافقة مجلس الوزراء السعودي على مشروع قواعد وإجراءات عمل «البرنامج الوطني للمعادن»، تمثل القوة الضاربة التي ستسرع وتيرة استغلال الثروات المعدنية الهائلة للمملكة، والمقدرة بنحو 9 تريليونات ريال (2.4 تريليون دولار)، مؤكدين أن هذه الخطوة تضع التعدين ركيزة ثالثة للصناعة الوطنية ومحركاً رئيسياً للنمو غير النفطي.

وأكد نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين، خالد المديفر، أن الموافقة على البرنامج تأتي امتداداً لدعم الحكومة لقطاع التعدين والصناعات التعدينية، حيث سيعمل بوصفه ممكناً رئيسياً لضمان كفاية إمدادات المعادن الحالية والمستقبلية، وسد فجوات سلاسل القيمة.

وتتزامن هذه التطورات التنظيمية مع ترقب الأوساط الاقتصادية لانطلاق النسخة الخامسة من «مؤتمر التعدين الدولي» في الرياض (13 إلى 15 يناير «كانون الثاني» 2026)، برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والذي يُتوقع أن يشهد زخماً استثنائياً بتوقيع نحو 150 مذكرة تفاهم واتفاقية استراتيجية، بمشاركة أكثر من 200 جهة عارضة وراعية.

من التنظيم إلى التخطيط الاستراتيجي

وقال رئيس اللجنة الوطنية للتعدين في اتحاد الغرف السعودية، محمد ناصر آل دليم، لـ«الشرق الأوسط»، إن موافقة مجلس الوزراء تعكس اهتمام الحكومة ببناء قطاع تعديني قوي منظم ومستدام وقادر على مواكبة طموحات الاقتصاد السعودي في هذه المرحلة، مؤكداً أن القرار يمثل نقلة نوعية في المنظومة التي أصبحت ضمن الأنشطة الاستراتيجية المرتبطة بالصناعة وعدد من القطاعات الأخرى، وتسهم بشكل إيجابي في الأنشطة غير النفطية.

وأشار آل دليم إلى أن البرنامج جاء في توقيت مهم، والعالم يشهد تنافساً للحصول على المعادن، «كما كان في السابق التنافس على النفط»، موضحاً أن المملكة كانت سبّاقة في الانتقال من مرحلة تنظيم وحوكمة القطاع إلى التخطيط المسبق وضمان الاستدامة.

وأضاف آل دليم أن البرنامج يضمن تأمين الاحتياجات المعدنية في الوقت المناسب وبأسعار مستقرة، مما يمنح المستثمرين وضوحاً عالياً ويسهم في تقنين المخاطر، مشدداً على أن المملكة باتت اليوم «مركزاً عالمياً للمعادن» بفضل مخرجات مؤتمر التعدين الدولي والشراكة الناجحة بين القطاعين العام والخاص.

ويضمن البرنامج تأمين الاحتياجات من المعادن في الوقت المناسب مع استقرار الأسعار، كون الطلب المحلي «قوياً»، وهذا هو أساس ومحور البرنامج الجديد، وقرار مجلس الوزراء يمنح مستوى أعلى من الوضوح والثقة ويسهم في تقنين المخاطر بالنسبة إلى المستثمرين، ويؤكد أن الدولة تدير القطاع برؤية شاملة تمتد إلى التخطيط وتعظيم القيمة نحو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، حسب رئيس اللجنة الوطنية للتعدين.

وأبان أن المملكة اليوم أصبحت مركزاً عالمياً للمعادن نتيجةً للمشاريع العملاقة، وأن الحكومة نجحت في بناء الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهي وجهة دولية كبرى بفضل مخرجات مؤتمر التعدين الدولي الذي يقام سنوياً في الرياض.

توحيد الإجراءات

من جانبه، أوضح المختص في الاقتصاد، أحمد الشهري، لـ«الشرق الأوسط»، أن البرنامج الجديد يعد خطوة تنظيمية تستهدف تعزيز حوكمة القطاع وتطوير آليات إدارته، ويدعم استكشاف واستغلال الثروات المعدنية التي تتجاوز قيمتها 9 تريليونات ريال (2.4 تريليون دولار).

وشرح أن البرنامج الوطني للمعادن هو إطار حكومي ينظم القطاع في المملكة ويحدد آليات العمل بين الجهات المعنية، وهذه الموافقة من مجلس الوزراء تعني توحيد الإجراءات وتسريع إصدار التراخيص.

ولفت إلى أن البرنامج يهدف إلى تحويل التعدين إلى ركيزة اقتصادية رئيسية، وهو ما تسعى إليه الحكومة، ويساعد على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. كما يركز على تعظيم القيمة المضافة للمعادن داخل المملكة.

‏وأكد أن القرار يعكس توجهات منظمة وطويلة المدى لتطوير قطاع المعادن، وتعزيز قطاع الاستكشاف والحوكمة البيئية والاستدامة.

ختاماً، يمثل البرنامج الوطني للمعادن الحلقة التي ستعزز من كفاءة استغلال الثروات المعدنية السعودية، حيث يجمع بين الحوكمة الصارمة والتخطيط المرن، مما يضمن تدفق الاستثمارات اللازمة لتحقيق قفزات نوعية في مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

«الملك عبد الله لتطوير الحي المالي» تُنهي صفقة تمويل إسلامي بـ3.2 مليار دولار

الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي (رويترز)

«الملك عبد الله لتطوير الحي المالي» تُنهي صفقة تمويل إسلامي بـ3.2 مليار دولار

أعلنت شركة «إدارة وتطوير مركز الملك عبد الله المالي»، حصولها على تسهيل تمويلي مجمّع بقيمة 12 مليار ريال (3.2 مليار دولار)، بموجب عقد مرابحة مؤسسية لمدة 15 عاماً

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من أسبوع الرياض الدولي للصناعة في نسخته الماضية (الشرق الأوسط)

شراكة سعودية - ألمانية تعزز الحضور الصناعي للمملكة عالمياً

تتجه أنظار القطاع الصناعي إلى العاصمة الرياض مع اقتراب انطلاق فعاليات أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026، الذي يقام برعاية وزارة الصناعة والثروة المعدنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ملتقى الحكومة الرقمية في نسخته الماضية بالرياض (هيئة الحكومة الرقمية)

السعودية تنفق أكثر من 8.5 مليار دولار لتطوير الخدمات الحكومية الرقمية

أنفقت السعودية أكثر من 31.9 مليار ريال (8.5 مليار دولار) خلال العام المنصرم على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات.

خاص سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)

خاص أبعد من النفط... انفراجة «هرمز» تعيد رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي الخليجي

لا تمثل الانفراجة الأخيرة في أزمة مضيق هرمز مجرد حدث عابر لضمان تدفق شحنات الطاقة، بل تُعد تحولاً يحمل أبعاداً اقتصادية واستثمارية عميقة على دول الخليج.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد جانب من توقيع الاتفاقية بين «أسفار» و«هوساك» (أسفار)

«أسفار» تستحوذ على 40 % من «هوساك» لتعزيز جاذبية الوجهات السياحية السعودية

أعلنت الشركة السعودية للاستثمار السياحي (أسفار)، إحدى الشركات التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، استحواذها على حصة بنسبة 40 في المائة في شركة «هوساك».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

صندوق النقد يطالب كازاخستان بـ «انضباط مالي صارم» لخفض التضخم

حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز بكازاخستان (رويترز)
حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز بكازاخستان (رويترز)
TT

صندوق النقد يطالب كازاخستان بـ «انضباط مالي صارم» لخفض التضخم

حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز بكازاخستان (رويترز)
حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز بكازاخستان (رويترز)

شدد صندوق النقد الدولي على ضرورة تبني سلطات كازاخستان حزمة من إجراءات الانضباط المالي، والتشديد النقدي الصارم، بهدف كبح جماح التضخم، وإعادته بحزم نحو مستهدفه البالغ 5 في المائة. وأكد أن السيطرة على الفائض النقدي، وضبط الإنفاق الحكومي يمثلان الركيزة الأساسية لحماية مكاسب النمو الاقتصادي الذي يُتوقع أن يسجل 4.6 في المائة خلال عام 2026 مدعوماً بالطفرة الحالية لأسعار النفط العالمية، وقوة الطلب المحلي.

وأوضحت بعثة الصندوق، في بيان رسمي صدر عقب ختام زيارتها لأستانا برئاسة أمينة لاريش خلال الفترة من 3 إلى 12 يونيو (حزيران) الحالي، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي شهد تباطؤاً مؤقتاً ليسجل 3.7 في المائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، مقارنة بنحو 6.5 في المائة بنهاية عام 2025، وذلك جراء تراجع الإنتاج النفطي بفعل حادثة القوة القاهرة التي تعرضت لها خطوط أنابيب كنسورتيوم بحر قزوين (CPC)، مشيرة إلى أن الأداء القوي لقطاعات الخدمات، والنقل، والتشييد، والصناعات التحويلية نجح في امتصاص الصدمة اللوجستية لقطاع الطاقة.

تحديات التضخم والسياسة النقدية

وعلى صعيد استقرار الأسعار، شدد بيان الصندوق على ضرورة إبقاء البنك المركزي الكازاخستاني على سياسته النقدية المتشددة لضمان هبوط معدلات التضخم نحو مستهدفها البالغ 5 في المائة. وكان التضخم قد تراجع من ذروته البالغة 12.9 في المائة في سبتمبر (أيلول) 2025م إلى 10.4 في المائة في مايو (أيار) الماضي، مما دفع البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في يونيو (حزيران) الحالي.

ويتوقع الصندوق أن يراوح التضخم حول مستوى 10 في المائة خلال العام الحالي، محذراً من مخاطر صعودية تتمثل في تسارع الإنفاق الرأسمالي، والتعديلات المستمرة في أسعار الخدمات المرافقية خلال النصف الثاني من العام. وأشاد الصندوق بالتدابير المزمعة لسحب السيولة الفائضة، بما يشمل رفع متطلبات الاحتياطي الإلزامي، وزيادة إصدارات الأوراق المالية للبنك المركزي.

تحسن الموازنة وفائض الحساب الجاري

وفي الجانب المالي، توقع الصندوق تحسن المراكز المالية الخارجية للبلاد مدعومة بالإصلاحات الضريبية الجديدة؛ حيث يُنتظر أن يتراجع العجز المالي غير النفطي في عام 2026 مع تطبيق قوانين الضرائب المحدثة، وتوسيع الوعاء الضريبي، ورقمنة الإدارة التمويلية.

كما رجحت التقديرات تحول الحساب الجاري لكازاخستان من عجز بنسبة 4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى تحقيق فائض هامشي خلال العام الحالي، في وقت تقف فيه الاحتياطيات الدولية عند مستويات مريحة للغاية تغطي نحو 10 أشهر من الواردات السلعية.

سلامة القطاع المصرفي وإصلاحات «التنغي الرقمي»

وأشار التقرير إلى سلامة المؤشرات الاحترازية للقطاع المصرفي؛ إذ أسهمت المعايير المشددة، وتفعيل مصدات رأس المال لمواجهة التقلبات الدورية في كبح جماح القروض الاستهلاكية، فضلاً عن بقاء القروض غير المنتظمة عند مستويات منخفضة. ونوه البيان إلى إقرار قانون البنوك الجديد الذي حدث إطار تسوية ومعالجة الأزمات المصرفية.

وفي الختام، حث صندوق النقد الدولي السلطات في كازاخستان على المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية العميقة لتعزيز الإنتاجية، عبر تقليص البصمة السيادية للدولة في الاقتصاد، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وتعميق أسواق المال. كما أثنى الصندوق على استخدام العملة الرقمية للبلاد «التنغي الرقمي» (Digital Tenge)، والتي تتيح تتبع الإنفاق الحكومي وموارد الصندوق الوطني في الوقت الفعلي، مما يرفع كفاءة المالية العامة، ويحمي الاقتصاد من مخاطر الانكشاف للتضخم.


ألمانيا ترفض رسمياً عرض «يونيكريديت» الإيطالي للاستحواذ على «كومرتس بنك»

شعار البنك على واجهة أحد فروع «كومرتس بنك» (د.ب.أ)
شعار البنك على واجهة أحد فروع «كومرتس بنك» (د.ب.أ)
TT

ألمانيا ترفض رسمياً عرض «يونيكريديت» الإيطالي للاستحواذ على «كومرتس بنك»

شعار البنك على واجهة أحد فروع «كومرتس بنك» (د.ب.أ)
شعار البنك على واجهة أحد فروع «كومرتس بنك» (د.ب.أ)

أعلنت وكالة التمويل الألمانية، يوم الثلاثاء، رفضها الرسمي لعرض بنك «يونيكريديت» للاستحواذ على «كومرتس بنك»، مشيرة إلى انخفاض قيمة العرض، إلى جانب مخاوف تتعلّق بما وصفته بالنهج العدائي للبنك الإيطالي.

ويأتي هذا القرار بالتزامن مع اقتراب انتهاء الفترة الأولية لعرض «يونيكريديت» لشراء أسهم «كومرتس بنك»، في ظل تمسك الطرفين بمواقفهما في صراع ممتد منذ أشهر للسيطرة على أحد أبرز البنوك الألمانية. وتمتلك الحكومة الألمانية حصة تبلغ 12 في المائة في «كومرتس بنك»، كانت قد استحوذت عليها عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، وقد عارضت منذ فترة طويلة محاولات «يونيكريديت» للاستحواذ على البنك، وفق «رويترز».

وقالت الوكالة إن قبول العرض «لم يكن خياراً مقبولاً من الناحية المالية؛ إذ لا يتضمّن علاوة مناسبة على سعر سهم (كومرتس بنك) الحالي»، مؤكدة في الوقت ذاته دعمها لاستقلالية البنك الألماني، نظراً إلى دوره المحوري في تمويل الشركات المتوسطة، بالإضافة إلى أهميته في مركز فرانكفورت المالي.

وأضافت أن «استمرار هذين الدورين يجب أن يكون مضموناً في المستقبل».

وفي سياق متصل، أعلن مدّعو فرانكفورت بدء تحقيق أولي في احتمال وجود تلاعب في السوق مرتبط بالعرض، وذلك عقب شكوى جنائية قدمها مجلس عمال «كومرتس بنك»، وصلت إلى النيابة العامة يوم الأحد.

من جانبه، قال بنك «يونيكريديت»، في بيان، إنه على علم بهذه التطورات، مشيراً إلى أن رد النيابة العامة «يتماشى مع الإجراءات المعتادة عند تلقي مثل هذه الشكاوى».

تراجع أسهم «كومرتس بنك»

في أسواق المال، تراجعت أسهم «كومرتس بنك»، يوم الثلاثاء، إلى ما دون السعر الضمني المدرج في عرض الاستحواذ العدائي المقدم من «يونيكريديت»، بعدما كانت تُتداول فوق هذا المستوى منذ إطلاق العرض في 5 مايو (أيار).

ومن المقرر أن ينتهي العرض يوم الثلاثاء، على أن يُعاد فتحه لمدة 15 يوماً إضافياً بدءاً من 20 يونيو (حزيران).

وبلغ سعر سهم «كومرتس بنك»، 36.53 يورو بحلول الساعة 08:12 بتوقيت غرينتش، فيما سجّل سهم «يونيكريديت» 76.97 يورو.

وحسب نسبة التبادل البالغة 0.485 سهم جديد من «يونيكريديت» مقابل كل سهم من «كومرتس بنك»، تُقدَّر قيمة العرض بنحو 37.33 يورو للسهم الواحد.


«كونوكو فيليبس» الأميركية تستعد لتوقيع أول عقد نفطي ضخم مع سوريا

شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«كونوكو فيليبس» الأميركية تستعد لتوقيع أول عقد نفطي ضخم مع سوريا

شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

تستعد شركة «كونوكو فيليبس» لتصبح أول شركة أميركية كبرى في قطاع النفط والغاز توقع عقداً رسمياً مع الحكومة السورية الجديدة، في خطوة استراتيجية تستهدف إحياء قطاع الطاقة، وإعادة بناء اقتصاد البلاد المنهك جراء سنوات الحرب، والعقوبات الاقتصادية المديدة.

وفق ما كشفته صحيفة «فاينانشال تايمز» الأميركية من مصادر مطلعة، فإن الشركة الأميركية العملاقة ستقوم، بموجب اتفاقية مشتركة مع شركة «المؤسسة العامة للنفط» السورية المملوكة للدولة وشركة «نوفاتيرا إنرجي»، بتطوير حقول الغاز القائمة، واستكشاف مكامن جديدة، تفعيلاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الأطراف في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ومن المتوقع التوقيع الرسمي على العقود النهائية خلال الأسبوع الجاري.

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن دمشق إلى أن هذا المشروع الاستراتيجي سيرفع إنتاج الغاز الطبيعي بمعدل يراوح بين 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً في غضون عام واحد، وهي قفزة حيوية لبلد تراجع إنتاجه من الغاز بمقدار الثلثين ليصل إلى مستويات متدنية مقارنة بـذروته البالغة 30 مليون متر مكعب يومياً قبل عام 2011.

تدافع دولي وإعفاءات أميركية

ويأتي عقد «كونوكو فيليبس» في أعقاب بدء شركة الطاقة الأميركية «إتش كي إن إنيرجي» (HKN Energy) عملياتها التشغيلية فعلياً في حقول رميلان النفطية شمال شرقي البلاد، بموجب عقد تطوير وإنتاج ممتد لـ25 عاماً تم إبرامه مع دمشق. وتزامن ذلك مع توقيع المؤسسة العامة للنفط السورية عقداً آخر مع شركة «أديس القابضة» السعودية لتطوير مجمع حقول غاز محلية.

ويقدر خبراء الطاقة أن الشبكة الكهربائية في سوريا تحتاج إلى نحو 18 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتأمين الطاقة المستدامة؛ حيث تعتمد البلاد حالياً على خطوط استيراد من أذربيجان وقطر لتغطية العجز، رغم أن التحسن الأخير في إمدادات الغاز نجح في رفع معدلات التغذية الكهربائية للمواطنين من ساعتين فقط يومياً إلى نحو 13 ساعة.

ورغم أن الاحتياطيات السورية من النفط والغاز تعد متواضعة بالمعايير الإقليمية، فإنّها تمثل شريان حياة مالياً ونقدياً رئيساً للحكومة؛ إذ يضع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي تولى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ملف إنعاش قطاع الطاقة في صدارة أولويات سياسته الخارجية، مستفيداً من رغبة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تعزيز «الهيمنة الأميركية على قطاع الطاقة»، ودفع الشركات الأميركية لاقتناص الحصص الواعدة.

وكانت واشنطن قد منحت دمشق حزمة إعفاءات وتسهيلات من العقوبات العام الماضي، مما مهد الطريق أمام «كونوكو فيليبس» ونظيراتها الأميركية للدخول بقوة رغبةً في حجز مقاعد الصدارة رغم البيئة التشريعية الهشة. وفي هذا السياق، علق أندرو تابلر، المستشار السابق لشؤون سوريا في الإدارة الأميركية، والزميل الحالي بمعهد واشنطن، قائلاً: «إنها لحظة مفصلية؛ الإدارة تحدثت بوضوح عن تسهيل الاستثمارات، والشركات تتدفق لتثبيت أقدامها في الطابق الأول من مرحلة إعادة الإعمار».

سوريا ممر بديل بعد أزمة «هرمز»

ومع اندلاع الحرب الأميركية في إيران والإغلاق الفعلي لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، يسعى الرئيس أحمد الشرع بذكاء لطرح سوريا دولياً باعتبار أنها «ممر ترانزيت بري بديل» لتدفقات النفط الخام العالمي؛ حيث تمتلك البلاد تاريخياً البنية التحتية الجاهزة لتكون المسار البري الأهم لنقل الصادرات النفطية العراقية والخليجية إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأبيض المتوسط.

وفي إطار هذا السباق المحموم لجذب الرساميل الأجنبية، نجحت الحكومة السورية خلال الأشهر القليلة الماضية في إبرام سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستكشافية والتشغيلية مع تكتلات إقليمية ودولية كبرى تشمل إلى جانب الشركات الأميركية: شركة «عُمان للطاقة»، و«قطر للطاقة»، و«توتال» الفرنسية (التي تدرس عقوداً بحرية)، وشركة «دانة غاز» الإماراتية، مما يفتح الباب أمام صياغة خريطة طاقة إقليمية جديدة كلياً في المنطقة.