ماذا يعني فتح السوق السعودية لجميع فئات المستثمرين الأجانب؟

محللون لـ«الشرق الأوسط»: تحول استراتيجي يستقطب السيولة المستدامة ويرفع كفاءة الحوكمة والشفافية

رجل ينظر إلى هاتفه في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
رجل ينظر إلى هاتفه في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني فتح السوق السعودية لجميع فئات المستثمرين الأجانب؟

رجل ينظر إلى هاتفه في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
رجل ينظر إلى هاتفه في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

وصف محللون وخبراء اقتصاد إعلان «هيئة السوق المالية السعودية» فتح السوق المالية لجميع فئات المستثمرين الأجانب، وتمكينهم من الاستثمار المباشر فيها، ابتداءً من فبراير (شباط) القادم، بأنه نقطة تحول جوهرية، وذو أثر عميق في مسار تطور السوق الرئيسية (تداول)، وتعزيز استقرارها وجاذبيتها أمام رؤوس الأموال طويلة الأجل، بالإضافة إلى توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين في شركات السوق، ما يعزز تدفق الاستثمارات ومستوى السيولة.

وكان مجلس إدارة الهيئة قد اعتمد مشروع الإطار التنظيمي للسماح للمستثمرين الأجانب غير المقيمين بالاستثمار المباشر في السوق الرئيسية، لتصبح السوق المالية بجميع فئاتها متاحة لمختلف فئات المستثمرين من أنحاء العالم، للدخول فيها بشكل مباشر.

وتهدف التعديلات إلى توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين الذين يجوز لهم الاستثمار في السوق الرئيسية، بما يدعم تدفق الاستثمارات ويعزز مستوى السيولة، كما ألغت التعديلات مفهوم المستثمر الأجنبي المؤهل في السوق الرئيسية، بما يتيح لجميع فئات المستثمرين الأجانب الدخول إلى السوق دون الحاجة إلى استيفاء متطلبات التأهيل، إضافة إلى إلغاء الإطار التنظيمي لاتفاقيات المبادلة التي كانت تُستخدم خياراً لتمكين المستثمرين الأجانب غير المقيمين من الحصول على المنافع الاقتصادية فقط للأوراق المالية المدرجة، وإتاحة الاستثمار المباشر في الأسهم المدرجة في السوق الرئيسية.

تحسين كفاءة التسعير

ووصف الرئيس التنفيذي لشركة «رزين» المالية، محمد السويد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» ‏قرار هيئة السوق المالية بأنه يمثل خطوة مفصلية في مسار تطور السوق، ويعكس مستوى متقدماً من الثقة في البنية التنظيمية، وعمق السوق، ونضج الأطر الرقابية.

ولفت إلى أن هذا التحول لا يقتصر على زيادة السيولة فحسب؛ بل يحمل أثراً أعمق يتمثل في تحسين كفاءة التسعير، ورفع مستوى الانضباط المؤسسي، وتعزيز الحوكمة في الشركات المدرجة.

ويتوقع السويد أن يسهم هذا القرار في جذب رؤوس أموال نوعية طويلة الأجل للسوق المالية السعودية، ولا سيما من المستثمرين المؤسسيين الذين يعتمدون على التحليل الأساسي ومعايير الاستدامة، ما يحد من التقلبات قصيرة الأجل ويعزز استقرار السوق. وأضاف: «في المقابل، ينتقل العبء اليوم بشكل أوضح إلى الشركات المدرجة؛ حيث سيصبح مستوى الشفافية، وجودة الإفصاح، وكفاءة الإدارة، عوامل حاسمة في تقييمها من قبل المستثمرين العالميين».

عقلية التنافس

وزاد السويد بأن المرحلة القادمة ستتطلب من السوق والشركات معاً الانتقال من عقلية الامتثال إلى عقلية التنافس، وهو ما يتماشى مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030» في بناء سوق مالية عالمية وجاذبة لرأس المال الذكي.

توقيت حساس

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي، محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الخطوة تُعد من أكثر القرارات تأثيراً في مسار السوق المالية خلال السنوات الأخيرة، وتأتي في وقت حساس، بعد عام كامل من التراجعات التي أثقلت كاهل السوق وأضعفت ثقة المستثمر المحلي.

وأضاف أن اللافت أن ردَّة فعل السوق كانت فورية وقوية؛ إذ أغلق المؤشر العام على ارتفاع يقارب 6.5 في المائة، وسط اندفاع واضح نحو أسهم البنوك التي سجل معظمها النسبة القصوى، ما يعكس تعطُّش السوق لأي محفز يعيد إليه الزخم، كما يعكس الرهان الكبير على المستثمر الأجنبي بوصفه عنصر استقرار، ويوفر سيولة طويلة الأجل.

وشدد على أن قراءة هذا الحدث يجب ألا تقتصر على الأثر اللحظي، فالسوق السعودية مرَّت خلال الفترة الماضية بمرحلة تصحيح حادة، أعادت تقييم الأسعار إلى مستويات جاذبة مقارنة بالأسواق الإقليمية والعالمية، ومن هنا، جاء قرار فتح السوق للأجانب في توقيت يمكن وصفه بالاستراتيجي؛ حيث تلتقي الأسعار المنخفضة مع تحسن الإطار التنظيمي والحوكمة.

المستثمر يحتاج أساسيات قوية

وأشار إلى أن دخول المستثمر الأجنبي لا يعني تدفقات مالية جديدة فقط؛ بل يحمل معه معايير أعلى من الشفافية والانضباط المؤسسي، ويعزز من عمق السوق وتنوعها، كما أنه يسهم في تقليل حدة التذبذبات الناتجة عن المضاربات قصيرة الأجل التي كانت من أسباب الاضطراب خلال العام الماضي.

ويرى الخالدي أن التحديات التي واجهت السوق ستظل قائمة، واستدامة هذا الأثر الإيجابي مرهونة بقدرة الشركات المدرجة على تحسين أدائها التشغيلي، وباستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تعزز الثقة على المدى المتوسط والطويل، كما أن المستثمر الأجنبي بطبيعته أكثر انتقائية، ويبحث عن الفرص المدعومة بأساسيات قوية لا بمجرد الأخبار.

وأكد أن قرار فتح السوق السعودية للأجانب يمثل نقطة تحوُّل مهمة، وليس مجرد خبر عابر؛ بل هو رسالة بأن السوق تدخل مرحلة جديدة من النضج والانفتاح. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الزخم إلى مسار نمو مستدام يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة السوق السعودية عالمياً.


مقالات ذات صلة

الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة السعودية على مواجهة الصدمات

الاقتصاد طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة السعودية على مواجهة الصدمات

أفاد «صندوق النقد الدولي» بأن الاقتصاد السعودي يتمتع بقدرة على مواجهة الاضطرابات الإقليمية، بفضل مرونة أنشطته غير النفطية، واستمرار الاستثمارات، وتوافر هوامش

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من الجلسة الحوارية بمشاركة البروفسور وحيد سامي أبو شنب (المؤتمر)

أمن الموانئ واستمرارية التجارة… معادلة جديدة للتنافسية السعودية

باتت استمرارية العمليات التجارية وحماية البنية التحتية من المخاطر الأمنية والسيبرانية عاملين حاسمين في تحديد كفاءة الموانئ وجاذبيتها لشركات الشحن العالمية

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة.

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

أعلنت شركتا «هيوماين» و«إنفيديا» توسيع تعاونهما الاستراتيجي لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية مخطط لها تبلغ 84 ميغاواط.

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس - إيران (رويترز)

سيناريوهات صندوق النقد الدولي: ماذا ينتظر اقتصادات المنطقة في 2027؟

وضع صندوق النقد الدولي سيناريوهات اقتصادية متعددة لقياس تداعيات اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة والصراع في المنطقة على النمو والتضخم وأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
TT

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)

قال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، إن ثلاث ناقلات محملة بالديزل الروسي في طريقها إلى أميركا الشمالية.

وقال نوفاك، في بيان نقلته وكالات الأنباء الروسية مساء الجمعة، إن الشحنات تأتي في إطار اتفاق لتزويد الأسواق الأميركية والعالمية. وأضاف: «الناقلات الثلاث الأولى للوقود في طريقها بالفعل إلى الساحل الشرقي للمحيط الأطلسي، بدعم كبير من صندوق الاستثمار المباشر الروسي».

وأوضح نوفاك أن الشركات الروسية يمكنها توريد 500 ألف طن في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وبموجب اتفاق أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الشهر، وافقت روسيا على تزويد الأسواق العالمية بالديزل في محاولة لخفض أسعار الوقود. ورفعت إدارة ترمب مؤقتاً العقوبات الأميركية على الوقود الروسي التي كانت تهدف إلى حرمان موسكو من الإيرادات اللازمة لتمويل حربها على أوكرانيا.

ونص الاتفاق الذي أعلن عنه ترمب على توريد 300 ألف طن في أكتوبر ومزيد من الكميات في وقت لاحق.

وذكر تقرير لـ«رويترز» نشر الجمعة مستشهداً ببيانات تتبع السفن، أن أول شحنة من الديزل الروسي كانت على متن ناقلة متجهة إلى نيويورك.


التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الخميس المقبل، وسط تصاعد المخاطر المحيطة بالتضخم، بفعل استمرار الحرب مع إيران وبقاء أسعار الطاقة فوق 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع اضطرابات سياسية ومالية في فرنسا تزيد الضغوط على أسواق السندات، وتفاقم المخاوف بشأن استدامة المالية العامة.

وفي ظل هذه التحديات، تتجه أنظار المستثمرين إلى تصريحات البنك بحثاً عن إشارات توضح ما إذا كان تثبيت الفائدة سيمهد لمزيد من التشديد النقدي، أم أن مخاطر تباطؤ النمو ستدفعه إلى التريث.

وقال ديفيد كومبس، رئيس استثمارات الأصول المتعددة لدى «راثبونز لإدارة الأصول»، إن تحديد أسعار الفائدة في ظل هذه الظروف يمثل مهمة بالغة الصعوبة. وبينما تتوقع الأسواق الإبقاء على الفائدة دون تغيير في أكتوبر (تشرين الأول)، تتركز التساؤلات على مسار السياسة النقدية في الأشهر المقبلة، واحتمالات رفع الفائدة مجدداً، إلى جانب تداعيات اضطرابات سوق السندات الفرنسية، ومستقبل رئاسة كريستين لاغارد للبنك.

تثبيت الفائدة في أكتوبر

تتوقع الأسواق أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي عند 2.5 في المائة، بعد رفعه في يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول)، لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب مع إيران.

لكن التثبيت المتوقع لا يعني بالضرورة انتهاء دورة التشديد النقدي؛ إذ يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم، أن يرفع البنك الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول). وقال هنري كوك، كبير الاقتصاديين لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه»، إن المخاوف بشأن التضخم لم تتراجع بصورة جوهرية.

وبذلك، لن يقتصر اهتمام الأسواق على القرار المرتقب؛ بل سيمتد إلى مدى استعداد البنك لمواصلة رفع الفائدة إذا استمرت الضغوط على أسعار الطاقة وابتعد التضخم عن المسار المستهدف.

طائر يحلق فوق مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

ترقب لرسائل البنك

من المرجح أن يتمسك البنك بنهجه القائم على تقييم البيانات الاقتصادية اجتماعاً بعد آخر، من دون الالتزام المسبق بمسار محدد لأسعار الفائدة. ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه التضخم 3.8 في المائة خلال سبتمبر، بينما تثير زيادة عوائد السندات الحكومية مخاوف من ارتفاع تكاليف الاقتراض وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وكانت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، قد دافعت عن نهج وصفته بأنه «استجابة متوازنة»، في إشارة إلى ضرورة الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد الأوضاع المالية بما يضر بالنشاط الاقتصادي.

وقال روهان خانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة باليورو لدى «باركليز»، إن البنك سيشير بوضوح إلى تشديد الأوضاع المالية، وما قد يترتب عليه من تباطؤ النمو والحد من الضغوط التضخمية. لكنه لفت إلى استمرار عدم اليقين بشأن مسار الصراع وتوقعات أسعار الطاقة، وهما عاملان سيظلان مؤثرين في قرارات السياسة النقدية المقبلة.

أسعار الطاقة

لا يبدو أن البنك المركزي الأوروبي يشعر بقلق مفرط، في الوقت الراهن، من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى والأجور، وفقاً لتصريحات مسؤولين فيه، من بينهم كبير الاقتصاديين فيليب لين.

وارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، إلى 2.5 في المائة الشهر الماضي، مقارنة بـ2.4 في المائة، في زيادة محدودة تشير إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة لم يؤدِّ حتى الآن، إلى موجة واسعة من التأثيرات الثانوية التي قد تغذي دوامة تضخمية يصعب احتواؤها.

ومع ذلك، يُرجح أن يؤكد البنك ضرورة مواصلة اليقظة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط بنحو 80 في المائة منذ بداية العام، واستمرار التضخم العام فوق مستهدفه البالغ 2 في المائة.

وقال باس فان خيفن، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى «رابوبنك»، إن تصعيد الحرب مع إيران أو استمرار الضغوط على أسعار الطاقة، قد يعزز احتمالات رفع الفائدة خلال عام 2027>

وتسعّر الأسواق احتمال تنفيذ زيادتين على الأقل في أسعار الفائدة بحلول منتصف 2027، ما يعكس استمرار المخاوف من بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.

أزمة السندات الفرنسية

تضع الاضطرابات السياسية والمالية في فرنسا البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة معقدة؛ إذ يراقب تطورات سوق السندات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية صعوبات سياسية واحتجاجات قد تعرقل جهودها لتحسين أوضاع المالية العامة.

وتجاوز عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 24 عاماً. كما ارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية، الذي يعكس العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية، إلى 170 نقطة أساس، مقارنة بـ92 نقطة أساس خلال اجتماع البنك الشهر الماضي.

ورغم هذه الضغوط، لا يُتوقع أن يلجأ البنك قريباً إلى أدوات استثنائية، مثل «أداة حماية انتقال السياسة النقدية»، التي تتيح له شراء سندات دولة عضو إذا واجهت تشديداً غير مبرر وغير منظم في أوضاع التمويل.

وتؤكد لاغارد أن معالجة مشكلات الديون الفرنسية تتطلب ضبط أوضاع المالية العامة. وفي هذا السياق، قال هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين لدى «بيرينبيرغ»، إن البنك قد يتريث في رفع الفائدة إذا رأى أن أزمة محتملة في فرنسا يمكن أن تلحق ضرراً ملموساً بالنمو الاقتصادي.

وأضاف أن انتقال تداعيات أزمة فرنسية افتراضية إلى دول أخرى تتمتع بأوضاع مالية أكثر استدامة، قد يدفع البنك إلى استخدام أداة حماية انتقال السياسة النقدية لحماية تلك الدول، لا فرنسا.

وتكشف هذه المعادلة عن تحدٍّ إضافي أمام صناع السياسة النقدية؛ فالتشديد النقدي قد يساعد في احتواء التضخم، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه أعباء التمويل، ويعمق الضغوط على الاقتصادات الأكثر هشاشة مالياً.

لاغارد تتحدث خلال الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - رويترز)

خلافة لاغارد

لا تقتصر التساؤلات المحيطة باجتماع البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة والتضخم؛ بل تمتد إلى مستقبل قيادته، في ظل تقارير عن احتمال تعيين كريستين لاغارد رئيسة لمجلس إدارة المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت مبكر من نوفمبر (تشرين الثاني).

ويُعدّ كلاوس كنوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، من أبرز المرشحين المطروحين لخلافتها.

ومن شأن رحيل لاغارد أن يفتح الباب أمام شغور منصب ثانٍ في المجلس التنفيذي للبنك، المؤلف من 6 أعضاء، بعد الاستقالة الأخيرة لإيزابيل شنابل. كما تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار).

ومن المقرر أن تنتهي ولاية لاغارد في أكتوبر من العام المقبل، لكن مغادرتها قبل الموعد قد تتيح وقتاً أوسع لاختيار رئيس جديد للبنك قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع.

وأشار محللون إلى أن احتمال إجراء انتخابات مبكرة في إسبانيا قد يؤثر أيضاً في الحسابات السياسية المرتبطة باختيار خليفتها، ما يضيف بُعداً سياسياً إلى مرحلة تشهد أصلاً تحديات اقتصادية ونقدية معقدة.

وفي المحصلة، يدخل البنك المركزي الأوروبي اجتماعه المقبل وسط توازن دقيق بين مخاطر التضخم المدفوعة بالطاقة، وضغوط أسواق السندات، واحتمالات تباطؤ النمو. وبينما يبدو تثبيت الفائدة الخيار الأرجح في أكتوبر، ستظل نبرة البنك بشأن الخطوات التالية العامل الأهم في تحديد توقعات المستثمرين، لا سيما إذا كانت الضغوط التضخمية ستدفعه إلى استئناف رفع الفائدة في الأشهر المقبلة.


ترمب يخفف الرسوم على سلع كندية مع احتدام سباق انتخابي في مين

علما الولايات المتحدة وكندا قرب كوبري المياه الزرقاء الحدودي في أونتاريو (أ.ف.ب)
علما الولايات المتحدة وكندا قرب كوبري المياه الزرقاء الحدودي في أونتاريو (أ.ف.ب)
TT

ترمب يخفف الرسوم على سلع كندية مع احتدام سباق انتخابي في مين

علما الولايات المتحدة وكندا قرب كوبري المياه الزرقاء الحدودي في أونتاريو (أ.ف.ب)
علما الولايات المتحدة وكندا قرب كوبري المياه الزرقاء الحدودي في أونتاريو (أ.ف.ب)

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمراً بإعفاء مجموعة من المنتجات الزراعية والغابية الكندية من الرسوم الجمركية البالغة 50 في المائة، في خطوة قد تخفف الأعباء عن شركات ومزارعين في ولاية مين، بالتزامن مع خوض السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز سباقاً انتخابياً متقارباً للاحتفاظ بمقعدها في مجلس الشيوخ.

ويأتي القرار قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، وفي وقت يسعى فيه الجمهوريون إلى الحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس.

وأثارت الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على كندا توتراً تجارياً مع الجارة الشمالية، كما ألحقت أضراراً بشركات أميركية تعتمد على واردات كندية، خصوصاً في الولايات الحدودية. وكانت كولينز قد طالبت البيت الأبيض بتخفيف الرسوم المفروضة على المنتجات التي تؤثر في الشركات والمزارعين بولايتها، التي تشترك بحدود مع كندا.

إعفاءات تشمل الأخشاب والمنتجات الورقية

أعلن البيت الأبيض أن الأمر التنفيذي يعفي ألواح الخشب الرقائقي، وبعض المنتجات الورقية، وأنواعاً من الآلات ومعدات التبريد، وصناديق وعبوات التعبئة، إضافة إلى الأعشاب البحرية الطازجة والمجففة. ومن المقرر أن تدخل التعديلات حيز التنفيذ في 30 أكتوبر (تشرين الأول)، قبل الانتخابات بـ4 أيام.

وفي المقابل، أضاف ترمب منتجات كندية أخرى إلى قائمة السلع الخاضعة للرسوم البالغة 50 في المائة، لتعويض أثر الإعفاءات الجديدة. وشملت القائمة السجاد والدهانات والنفايات والشامبو ومسحوق الكاكاو والتوابيت الخشبية وأعواد المثلجات ومكيفات الهواء والمجمدات ومعدات الرماية وقوارب التجديف.

وقالت كولينز إن تخفيف الرسوم سيساعد منتجي التوت الأزرق والبطاطس والتفاح والأعشاب البحرية في ولاية مين، مشيرة إلى أن هذه الأنشطة تمثل جزءاً مهماً من اقتصاد الولاية وتدعم المجتمعات الريفية والساحلية.

وأضافت أن كثيراً من المزارعين والمنتجين يعتمدون على معدات متخصصة ومواد تعبئة ومنتجات أخرى من كندا، إما لعدم توافر بدائل أميركية لها، أو لأن استبدالها ينطوي على تكاليف باهظة.

العلم الكندي مرفوع على نهر ديترويت في وندسور - أونتاريو - كندا (إ.ب.أ)

مواقف متباينة من الرسوم

تخوض كولينز منافسة متقاربة مع الديمقراطي تروي جاكسون، الذي يسعى إلى إزاحتها من مقعدها، وفقاً لاستطلاعات الرأي. وكان المرشحان قد تبادلا الانتقادات بشأن الرسوم الجمركية خلال مناظرة جرت في 6 أكتوبر.

وانتقد جاكسون القرار، قائلاً إن الحروب التجارية التي يخوضها ترمب جعلت الحياة أكثر صعوبة وتكلفة لسكان ولاية مين، واتهم كولينز بالمساهمة في الأزمة ثم محاولة تقديم نفسها بوصفها صاحبة الفضل في تخفيفها.

وكان ترمب قد فرض في أغسطس (آب) رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على واردات كندية تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، بعد انهيار المحادثات بين البلدين. وردّت كندا في سبتمبر (أيلول) بفرض رسوم تتراوح بين 15 و50 في المائة على سلع أميركية بالقيمة نفسها.

ومنذ ذلك الحين، ظل البلدان في حالة مواجهة تجارية، رغم تأكيد ترمب يوم الجمعة، أن كندا تعمل على التوصل إلى اتفاق.

بين ضغوط الناخبين ودعم ترمب

تواجه مرشحات ومرشحو الحزب الجمهوري في الولايات الشمالية المتاخمة لكندا، ومن بينها مين وميشيغان، معادلة انتخابية صعبة؛ إذ يسعون إلى الحفاظ على دعم القاعدة المحافظة المؤيدة لترمب، مع استمالة الناخبين المستقلين المتضررين من الرسوم الجمركية.

وقال ماثيو ميدلتون، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن ترمب يواصل معالجة ما وصفه بالمعاملة التمييزية الكندية للتجارة الأميركية، مضيفاً أن الإجراءات الجديدة تعيد ضبط نطاق الرسوم التي أُعلن عنها سابقاً.

من جهته، قال دومينيك لوبلان، الوزير الكندي المسؤول عن التجارة مع الولايات المتحدة، إن أوتاوا تقيّم التعديلات الأخيرة، مؤكداً استعداد بلاده للعمل بصورة بناءة وبحسن نية من أجل علاقة تجارية أكثر منفعة للطرفين، مع احترام المصالح الكندية.

وتتداخل اقتصاديات ولايتي مين وميشيغان مع الاقتصاد الكندي في قطاعات متعددة، من قطع غيار السيارات والأخشاب إلى معدات قطف الفاكهة. وقد يحتاج الجمهوريون إلى الفوز في سباقات متقاربة في كلتا الولايتين للاحتفاظ بأغلبيتهم الضئيلة في مجلس الشيوخ.

ووصف السيناتور الديمقراطي رون وايدن، أبرز الديمقراطيين في لجنة المالية بمجلس الشيوخ، الخطوة بأنها محاولة يائسة في اللحظات الأخيرة لإنقاذ المستقبل السياسي لكولينز، معتبراً أنها تعكس رفض الناخبين لسياسات ترمب الجمركية.

وفي ميشيغان، أشاد المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز، بفرض الرسوم على النفايات الكندية، رغم دعوته سابقاً إلى إنهاء الحرب التجارية مع كندا.

حاويات الشحن في ميناء مونتريال بكندا (رويترز)

تداعيات الرسوم تمتد إلى ولايات أخرى

لم تقتصر الاعتبارات السياسية المرتبطة بالرسوم الجمركية على مين وميشيغان؛ ففي سبتمبر، هدد ترمب بمنع شركة «بومباردييه» الكندية لصناعة الطائرات من دخول السوق الأميركية، ما أثار مخاوف في ولاية كانساس، حيث توظف الشركة نحو 1500 شخص في مدينة ويتشيتا.

لكن ترمب تراجع عن التهديد هذا الأسبوع، عقب اتصالات أجراها مشرعون من كانساس، بينهم السيناتور الجمهوري روجر مارشال، الذي يخوض بدوره سباقاً صعباً للاحتفاظ بمقعده.

وتسلط هذه التطورات الضوء على التداخل بين السياسة التجارية والحسابات الانتخابية في الولايات التي ترتبط اقتصاداتها بكندا، حيث باتت الرسوم الجمركية قضية تؤثر في تكاليف الإنتاج ومصالح الشركات وفرص الجمهوريين في الحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس.