بينما يتواصل الغضب في الشارع الجزائري من الزيادات الجديدة في أسعار الوقود، واصل العاملون في قطاع النقل إضرابهم الذي انطلق مع بداية العام، احتجاجاً على قانون المرور الجديد، لما تضمنه من عقوبات مشددة قد تصل إلى السجن في حالات القتل الخطأ. وبدورها، دخلت الأحزاب السياسية على خط هذا الجدل، محذِّرة من تداعيات الزيادات في أسعار الوقود على القدرة الشرائية للمواطنين.

وقالت «جبهة القوى الاشتراكية» التي تعد أقدم حزب معارض في البلاد، في بيان أصدرته إثر انتهاء اجتماع لقياداتها، إنها «تعارض بشدة الزيادة المفاجئة في أسعار المحروقات، المفروضة بدءاً من أول أيام السنة الجديدة، من دون أي إشعار مسبق، أو نقاش عام، أو تبرير شفاف».
وأكد الحزب الذي أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد، أن «القرار الأحادي يشكل تناقضاً صارخاً مع التزامات الدولة الرسمية بخصوص حماية القدرة الشرائية ومكافحة التضخم». ولفت الحزب إلى أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل وغاز البترول المسال الذي تراوح بين 1.5 دينار و3 دنانير: «تم بعيداً عن أي إطار ميزاني واضح، وبالتالي فهذه الإجراءات غير عادلة اجتماعياً، وتحمل آثاراً اقتصادية وخيمة؛ حيث ستؤثر بشكل مباشر على الأسر الجزائرية، وتزيد من وتيرة التضخم المستمرة».
ويشير الحزب إلى أن هذا الاختيار «يعكس منطق الارتجال في الحكم الاقتصادي، ويفاقم وهم الاستقرار النقدي، على حساب استقرار اجتماعي حقيقي؛ إذ ستُلتهم أي زيادات حديثة في الرواتب أو الحد الأدنى للأجور بسرعة، بفعل التضخم».
«اختلالات جسيمة»
وبخصوص قانون المرور الجديد المثير للجدل، أوضح حزب «القوى الاشتراكية» أن «منطق الارتجال يتجلَّى بوضوح في اعتماده، مما يكشف عن اختلالات جسيمة في إدارة شؤون البلاد. فقد تم اعتماد القانون بشكل متسرع من قبل المجلس الشعبي الوطني، دون أي تشاور مع الأطراف المعنيَّة، ما أدى فوراً إلى موجة إضراب واسعة».
وبشأن إعلان السلطات مراجعة نص القانون، قال الحزب إن «هذا التراجع السريع عن تطبيق القانون، بعد اجتماعات استدراكية مع ممثلي النقابات، ووعود ارتجالية محتملة التأثير على القدرة الشرائية للمواطنين، يؤكد غياب التخطيط والرؤية الشاملة في إدارة الشأن العام». ويبرز هذا الوضع، حسب الحزب: «عجزاً عن تقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية للقرارات، كما يسلِّط الضوء على إضعاف مؤسسات الدولة المكلفة بضمان التوازن والاستقرار؛ حيث يتصرف الجهاز التنفيذي بمفرده دون رؤية أو استراتيجية، ويُجبر البرلمان على الانصياع والتخلي عن صلاحياته الدستورية بالكامل».
وتضمن قانون المرور الجديد مقاربة شاملة تهدف للحد من حوادث المرور، عبر تشديد العقوبات التي تصل إلى الحبس، وإعادة تصنيف المخالفات، وفرض فحوصات طبية صارمة للسائقين. كما وسَّع القانون دائرة المسؤولية لتشمل مدارس السياقة ومراكز المراقبة التقنية، مع اعتماد الرصد الإلكتروني للمخالفات.

وبالتوازي، شهد القطاع موجة احتجاجات وإضرابات قادها ناقلو المسافرين والبضائع، مدفوعين برفضهم لتشديد العقوبات التي اعتبروها «لا تراعي ظروفهم المهنية»، بالإضافة إلى تضرر هوامش ربحهم من جرَّاء زيادة أسعار الوقود وغلاء قطع الغيار. وقد زاد غياب التشاور المسبق من حدة الاحتقان، مما دفع السلطات لفتح قنوات حوار عاجلة لاحتواء الوضع ومراجعة بعض التدابير المثيرة للجدل.
تحذير من «الفوضى»
من جهته، ذكر رئيس «حركة البناء الوطني» المؤيدة لسياسات الحكومة، عبد القادر بن قرينة، الأحد، في بيان، أنه «يناشد المحتجين والمضربين استشعار الآثار الناجمة عن الاحتجاجات، وما قد تخلِّفه من تأثيرات سلبية على حياة المواطن في هذا الظرف الدقيق»، داعياً إلى «عدم فتح الباب للفوضى التي قد تؤدي –عن غير قصد– إلى انزلاقات غير محمودة العواقب، تكون آثارها جماعية».

كما حذَّر بن قرينة من «مخاطر أي استغلال مغرض وغير بريء لمطالب المضربين؛ خصوصاً من طرف أولئك الذين يصطادون في المياه العكرة، ويسعون إلى توظيف الاحتجاجات لزرع الشك وزعزعة الاستقرار، خدمة لمخططات دنيئة وتصفية حسابات ضيقة»، من دون توضيح مَن يقصد؛ لكن خطابه يتماشى مع السردية الرسمية التي تدين «مؤامرات أجنبية تستهدف أمن واستقرار البلاد».





