قراءات المثقفين اللبنانيين... روايات أولاً وتاريخ وسير

حنين الصائغ
حنين الصائغ
TT

قراءات المثقفين اللبنانيين... روايات أولاً وتاريخ وسير

حنين الصائغ
حنين الصائغ

بين الرواية والسيرة الذاتية والتاريخ والكتب الفكرية التي تضيء على الواقع الأليم، تنوعت قراءات اللبنانيين، لكن الرواية بقيت متوجةً على رأس اللائحة، مما يشي بأنها لا تزال النوع الأكثر إغراءً وفتنةً. ماذا قرأ المثقفون اللبنانيون؟ وبماذا يوصون؟

الروائية حنين الصايغ: ثمة كتاب أعود إليه...

قرأتُ الكثير من الكتب في عام 2025 كان بعضها جيداً، وبعضها يستعصي على التقييم. أحد هذه الكتب هو سيرة ذاتية للكاتبة الهندية أروندتي روي (Mother Mary Comes to Me). أعتبره كتاباً مهماً لأنه مثال نادر للسيرة التي تُكتب بلا أقنعة. فيه تواجه الكاتبة علاقتها بأمها بصدق قاسٍ، من دون تبرير أو تصالح مفتعل، كاشفة تعقيد الحب والخذلان والشعور بالذنب. أهمية الكتاب تنبع من شجاعته في تفكيك صورة الأم المقدسة وتحويلها إلى إنسانة بكل أبعادها، جريحة ومحبّة ومؤذية في آنٍ واحد. لغة الكتاب ليست سهلة، لكنها خالية من التكلّف أو الزخرفة. أعتبر هذا النوع من الكتابة فعل مواجهة ونجاة، لا مجرد اعترافات.

هناك أيضاً كتاب أحرص على أن أعود لقراءته كل عقد تقريباً وهو «البحث عن المعنى» لفيكتور فرانكل الذي كُتب من قلب تجربة إنسانية مؤلمة، وليس من تأمل نظري. فيكتور فرانكل عاش المعاناة في معسكرات الاعتقال النازية، وحوّل الألم إلى معرفة تمنح الإنسان كرامته. يقدّم الكتاب فكرة جوهرية: الإنسان قد يُسلب كل شيء إلا حريته في اختيار مواقفه. لا يركز الكتاب على مفهوم السعادة أو الاكتفاء، لكنه ينشغل بالمعنى. لغة الكتاب بسيطة وغير وعظية، لكنها عميقة، تعيد ترتيب أسئلة الحياة الكبرى وتمنح القارئ شعوراً بأن المعاناة لا يمكن إلغاؤها، لكن يمكن تحملها حين تكتسب مغزى.

ومن الكتب العربية التي قرأتها وتركت فيّ أثراً عميقاً، رواية «النبيذة» للأدبية إنعام كجه جي. تحكي فيها الكاتبة قصة امرأتين استثنائيتين جمعتهما الغربة وذاكرة مشتركة شوهتها الحروب والسياسة والاغتراب. لغة الرواية عذبة وأنيقة تجمع ما بين تكثيف الشعر وانسيابية السرد الجميل.

د.زهيدة درويش حبور

د. زهيدة درويش جبور: التنقّل بين العربية والفرنسية

تنوعت قراءاتي بالفرنسية والعربية بين كتب السيرة الذاتية، والرواية، وأدب الرحلة وأدب السجون، وكتب صدرت حديثاً وأخرى مر عليها الزمن، لكنها ظلت طازجة ومثيرة للاهتمام.

أربعة أعمال أدبية:

رواية «خيانات لم يرتكبها أحد» للشاعر والكاتب السوري محمد ديبو، تجمع بين الكتابة التوثيقية، والتصوير الواقعي، والسرد التاريخي، والتحليل السياسي والاجتماعي، إلا أنها لا تنزلق إلى الخطاب الآيديولوجي، لأن الكاتب يقف على مسافة من الأحداث التي طبعت تاريخ سوريا الحديثة منذ الخمسينات، مروراً بمرحلة الاستقلال، وصولاً إلى ثورة 2011، وذلك من خلال ملحمة عائلية ترتسم فيها مصائر ثلاثة أجيال. نجحت الرواية في الكشف عن عمق الصراع في سوريا وعن خفايا المجتمع وما يعانيه من تناقضات ظلّت مسكوتاً عنها، وطرحت أسئلة مهمة تتعلق بالهوية والتنوع والوحدة والعلاقة بالآخر المختلف. تتوسل الرواية لغة تصالح بين بلاغة الفصحى وصدق العامية، انطلاقاً من مقاربة لسانية تتجاوز الثنائية الصدامية إلى علاقة تكاملية بين مستويين وفضاءين للغة واحدة.

كتاب «باريس التي عشت، دفتر يوميات»، حيث يعيد عيسى مخلوف ابتكار أدب الرحلة لأنه لا يكتب جغرافيا بل تاريخاً ينبض بالحياة. باريس التي يعيشها في يومياته ليست مجرد أبنية وشوارع وساحات وحدائق، وليست مجرد مدينة، بل هي كتاب مفتوح لا يمل من قراءته وتقليب صفحاته التي خطّتها أقلام شعراء، وروائيين، وفلاسفة معاصرين من مشارب وثقافات مختلفة أتيحت له فرصة التعرف إليهم عن قرب وإجراء حوارات ثرية معهم، أو أعلامٍ خالدين يستحضرهم ويلقي على أعمالهم نظرة ثاقبة توائم بين الحس النقدي والحدس الشعري، فيتغير مفهوم النقد ليصبح بحق كتابة إبداعية.

أما كتاب ميادة كيالي، تحت عنوان: «جسد مقيم في سرير» فقد شدّني منذ الصفحة الأولى حتى تملَّكني. وأعترف أني نادراً ما قرأت كتاباً في جلسة واحدة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. هو شهادة امرأة وزوجةٍ وأمٍ عانت ما عانته لكي تحقق حلمها بالإنجاب، من جهة، ولكي تفرض نفسها كذات حرة مستقلة وفاعلة، من جهة أخرى؛ لكنها شهادة قد تعبِّر عن معاناة وتجربة العديد من النساء ليس في مجتمعنا العربي، بل في معظم المجتمعات. مدخل الكتاب عبارة شهيرة لفيرجينيا وولف: «المرأة لكي تكتب تحتاج لغرفة تخصها وحدها ولبعض المال» تستكملها كيالي بالعبارات التالية: «لكنها في العالم العربي، تحتاج إلى فسحة من الأمان، وقانون لا يخذلها حين تتغير المعادلات». دعوة إلى التفكير في واقع المرأة العربية عموماً وليس المرأة الكاتبة خصوصاً.

كتاب «رائحة المكان» للأديب والمفكر عبد الإله بلقزيز، مضى على صدوره أكثر من عقد ونصف العقد، غير أن قراءته اليوم تبدو وكأنها لقاء أول مع نصّ يتجدد في كل صفحة. كتاب يقيم في تخوم الفلسفة والأدب معاً، ويبرهن على تلك العلاقة العضوية التي تجعل من الكاتب الحقيقي مفكّراً بالضرورة، ومن المفكّر صاحب موقف جمالي من العالم ولغته. كتاب يُقرأ تتوقف عند كل فقرة منه، كأنها دعوة للتأمل، وتعيد اكتشاف اللغة العربية وقد استعادتها يدٌ خبيرة تتقن الموسيقى الداخلية للكلمات، وتستخرج من التجربة صدقها، ومن الحسّ جماله، ومن الخيال مرواغته. ليس مجرد سيرة ذاتية؛ إنه كتابٌ يحاور الأجناس جميعها، ويلغي الحدود بينها، فيصبح التفكير في الشعر شعراً، وفي البيان بياناً، وفي الكتابة فعلاً معرفياً وإبداعياً في آن.

الباحث والكاتب فارس يواكيم: شعر، نقد ورواية«الحياة ليست رواية» للشاعر والروائي والناقد عبده وازن (منشورات المتوسط، ميلانو). بلى، هي رواية، أو «ليست مجرد رواية». سهلة القراءة بإغراء الأسلوب الممتع، وصعبة لأنها تُوجب التأمل لربط الخيوط المتشابكة بعناية فيها. فتخلص إلى أن الحياة «ليست مجرد رواية». أبطالها ثلاثة: القارئ، وجوزف وجوسلين التي تقول: «ليتنا نجد من يكتب عنا رواية نحن الثلاثة، كيف التقينا، وكيف أصبحنا ثلاثياً نادراً. ثلاثي رائع، نحب، نقرأ، نتناقش، نعيش معاً، نسهر معاً، حتى ليصعب علينا أن ننفصل، واحداً عن الآخر، على رغم حفاظ كل منا على مزاجه وأسراره»؛ فيكتب عبده وازن الرواية، ويغدو قارئ الكتاب هو البطل.

الرواية الثانية هي «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت) للروائية نجوى بركات. مكتوبة بمنهج السيناريو السينمائي وبتقنية الفلاش باك. مي، شخصيتها الرئيسية، امرأة في الثمانين، تسكن في الطابق التاسع من بناية في بيروت، تعيش وحيدة، يهتم بمعاونتها عند الطلب حارس البناية، السوري، الذي يتقاضى مكافأته من وَلَدَيْها المهاجرين إلى أميركا. أعجبني الاختيار: عمر البطلة، وموقع مسكنها. كلاهما مرتفع ويسمح بإطلالة مشرفة على الذات وعلى المدينة، فيتيح لنا اكتشاف تطور سيرة المرأة التي كانت ممثلة مسرحية لامعة، والمدينة التي كانت متألقة. وعن كليهما زال البريق، ولم يعد في متناول اليد سوى اجترار الذكريات واكتشاف الواقع، انطلاقاً من صوت وهمي خُيل لمي أنها سمعته.

أما «رأس الشاعر» (منشورات عكاظ، الرباط) فيضمّ المجموعات الشعرية الثلاث الأخيرة للشاعر المغربي حسن نجمي: «يتشهاك اللسان» و«فكرة النهر» و«ضريح آنا أخماتوفا». كالعادة، أراني مفتوناً برشاقة اللغة عند نجمي، الغنية ببريق الأناقة وعمق الدلالة، وتزاوج جمال العبارة مع متانة العمارة. من مثال: «غير أنك بقيت ناعم الدمعة كعصفورٍ نادر كنَدَمٍ صغير/ يدك وحيدة بين أيادٍ بعيدة تلوِّح لك/ لا تكاد تسمع ما يقوله لك الحشد».

و«الحياة لعبتي المُفضَّلة» للشاعر اللبناني المغترب في المكسيك قيصر عفيف، الداعم للشعر العربي، المؤسس لمجلة «الحركة الشعرية» التي تنشر الكتب أيضاً. أعجبتني قصائده السلسة، الغنائية برغم انتمائها إلى قصيدة النثر، منها: «قرأتُ ديوان العرب/ فما قتلتُ الناطور ولا أكلتُ العنب/ لكنني انتفضتُ/ لأني وجدت السنانير وما وجدتُ السمك/ وجدتُ الفراشات ضئيلة الألوان/ وما وجدت الأجنحة/ وجدتُ كل المعاني من خشب».

أما «نصوص من خارج المجموعة» (دار نلسن، بيروت) فهي مقالات نقدية للشاعر يوسف الخال، جمعها من عشرات الصحف فأعدّها وحققها جاك أماتييس السالسي، عبر سياق مترابط، يطلع القارئ على الوجه الآخر ليوسف الخال، وجه الناقد المُنظّر لجوهر الشعر ودوره، الداعم للحداثة، وهو لا يقلّ أهمية عن وجه الشاعر.

د.رفيف صيداوي

الباحثة رفيف صيداوي: بين الرواية والتراث

في ظلّ الظروف المأسويّة التي تحيط بنا، لا سيّما منذ «طوفان الأقصى» الذي أزال الأقنعة وكَشف المستور، صرتُ أتساءل ما جدوى القراءة والكتابة، لا بل ما جدوى الثقافة بعدما عجزنا عن ترجمةِ طموحاتنا ورؤانا كمثقّفين... لكن هل في إمكان الكاتب أن يتخلّى عن الكتاب وكأنّما هو في ذلك يتخلّى عن روحه؟ بالطبع لا. فصرتُ أعدو بين الروايات التي تحملنا على أجنحة التخييل تارة، والكُتب التراثيّة التي تقرّبني من تلك القيَم التي نرنو إليها، والنصوص الفكريّة التي تَضع الأمور التي تشغلنا في نصابها، فأتضامن معها لأنّها تجسِّد قناعاتي وتواسيني في غربتي المُتجدّدة. من تلك الكتب أختار كتابين فرنسيين للكاتب ديدييه فاسّان Didier Fassin، الأوّل بعنوان «هزيمة غريبة» والثاني بعنوان «دروس الظلام، ما يقوله العنف عن العالَم» الكتاب الأوّل الذي أراده صاحبه كأرشيفٍ عن الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة يُعرّي نفاق الغرب في مؤازرته للجلّاد بدلاً من التضامُن مع الضحيّة، ويمدّنا بالقوّة والأمل، لأنّ الأخيار حول العالَم ما زالوا كثراً... وكذلك لم يكتفِ كتابه الثاني بتعريف العنف وإدانته، بل ذَهب بعيداً في تبيان تمثّلاته على الصعد الحياتيّة، وفي العلوم الإنسانيّة وبعض الفنون، وما يفعله العنف بالعالَم والإنسان.

أمّا كتاب عقل العويط «كتاب الغرفة» الذي ينتمي إلى السير الذاتيّة، فتضمّن مقداراً من البوح يجعلكَ أمام مرآة نفسكَ، وإن كانت غاية صاحبه مواجهة ذاته، لتغدوَ أنتَ وهو في تلك الغرفة أمام مرايا الضمير الإنسانيّ، لا سيّما في بلداننا الحزينة. في حين أنّ كتاب «رائحة المكان» للمفكّر عبد الإله بلقزيز يُلامس السيرة الذاتيّة لما فيه من ومضات عن المكان الأوّل والطفولة والشباب والحماسة الثوريّة وغير ذلك من لقطاتٍ حياتيّة، وذلك في قالبٍ تأمّليّ فلسفيّ زاخرٍ بشعريّة اللّغة، وفصاحة البيان، يصحبنا في رحلةٍ مع لغتنا العربيّة والبحث عن معنى، حيث «الأشياء مسرحُ الكلماتِ الرَّحْبُ»، كما يقول الكاتب.

الكتاب الخامس وعنوانه: «هانفي تسي»، هو صينيّ يجمع أفكار الفيلسوف والمفكّر الصينيّ هانفي تسي (عام 233 - 280 ق.م) الذي عاشَ في عصر المَمالِك المُتحارِبة في الصين القديمة، وقد حملني إلى أعماق التراث الصيني العظيم الزّاخر بحِكَمٍ عميقة من صميم التجربة الإنسانيّة والوجوديّة.

فوزي ذبيان

الروائي فوزي ذبيان

انكبابي على الكتب التي تتطرق إلى شبه الجزيرة العربية إبان العصر الجاهلي وصولاً إلى البدايات الأولى للإسلام ساقني إلى جملة من العناوين التي فاقت من حيث مضامينها توقعاتي وفي البال بهذا السياق كتاب «آخر أيام محمد» لهالة الوردي (منشورات الجمل - ترجمة نضال حمدان) حيث تلك القراءة التي تحفر في النصوص التأسيسية الأولى التي تطرقت لحياة الرسول في أيامه الأخيرة.

وفي السياق سررتُ جداً بقراءة كتاب «السقيفة - إسلام النشأة المفقود» لوحيد السعفي (منشورات الانتشار العربي ودار محمد علي للنشر)، ذلك أن لعبة السرد التي يتقنها السعفي في كتابه هذا حيث التداخل البديع بين المرويات التاريخية من جهة والسرد الروائي من جهة أخرى، أغنى الكتاب بحيوية فائقة جعلت من بعض فصوله بمثابة الرواية التي لا حيلة للقارئ لنزعها من بين يديه.

أما عن العصر الجاهلي تحديداً فإن كتاب «من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية» لمحمد الحاج سالم (منشورات المدار الإسلامي) هو في بعض مضامينه أقرب إلى الملاحقة التحرّية الطابع لمجتمع الجاهلية. وهي ملاحقة تستمدّ روعتها بشكل أساسي من ذلك التتبّع الفيلولوجي للكلمات، كلمات ناس الجاهلية في يومياتهم وطقوسهم وتجارتهم، وصولاً إلى حيواناتهم وعلى رأسها الإبل بشكل خاص.

يأخذ بيدنا محمد الحاج سالم في كتابه الرائع هذا إلى قناعة مفادها أن التاريخ بعمقه يكمن ليس في محض الأحداث التي صير إلى سردها في أمهات كتب التراث بل ترى هذا التاريخ يشعّ أكثر عبر ملاحقة جذور الكلمات، تلك الجذور المتوارية أو المنسية أو المغفلة أو المسكوت عنها بالقوة أو بالإقناع حيث المقدس يخالط الدنيوي.

إن التكتّم حيال المنسي أو المهمل يسقط مع تلك المنهجية التي ميّزتْ قراءة محمد الحاج سالم في كتابه المذكور، وهو كتاب لا أظن أن بالإمكان تجاوزه لدى التطرّق إلى عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام.

إنما، وفضلاً عن انهماكي بذلك العالم (الجاهلية والإسلام الأول) فأنا كنت أيضاً محل انكباب على قراءات أخرى تهمني، ويستحضرني بشكل خاص كتاب الباحث في جامعة ميتشيغن Ross Chambers وهو بعنوان «An Atmospherics of the city»، حيث تلك القراءة الرائعة للمدينة بما يخالف التوقعات، وذلك عندما تُقرأ هذه المدينة أو تلك على ضوء نصوص عظماء الشعراء، علماً بأن العنوان الفرعي للكتاب هو «Baudelaire and the poetics of noise».


مقالات ذات صلة

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي
ثقافة وفنون متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.