بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

عبر استكمال مشروع ترميمها وتحويلها إلى مراكز ثقافية

TT

بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)
استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)

في قلب العاصمة السورية دمشق، التي يطلق عليها في أنحاء البلاد وجوارِها «الشام»، تقبع المنازل الدمشقية العتيقة بتصميماتها الفريدة وزخارفها المنمقة وأشجارها المثمرة، حيث تبوح بأسرار من سكنوها قبل قرون ممن استمتعوا بالنسمات المنعشة وروائح الزهور بالصيف، وأشعة الشمس الدافئة في صحن المنزل في الشتاء.

وتشترك البيوت الدمشقية العتيقة في كثير من الأشياء، في مقدمتها «البحرة»، وهي نافورة مائية تتوسط فناء البيت، والإيوانات التي تطل على الفناء وأشجار النارنج (البرتقال المر) وأشجار الـ«يوسف أفندي»، كما يطلق عليها في سوريا، والياسمين، كما تتكون أغلبها من طابقين، ورغم المساحات الواسعة التي تتمتع بها هذه البيوت من الداخل، فإن جميعها يطل على حارات ضيقة ومتفرعة.

إيوان بأحد البيوت الدمشقية القديمة (الشرق الأوسط)

وقد عبّر المسلسل السوري الشهير «باب الحارة» عن هذه الأجواء التي باتت درباً من النوستالجيا عبر كلمات تتر بدايته «والدنيا بتضحك لما بنضحك، بتزين أفراحنا، وردة وبحرة ونارنجة، أحلى الأسامي، زينة الحارة فرجة للياسمين الشامي»، وقد احتضن بيت «نظام» التاريخي، أحد المنازل التي أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارتها، تصوير كثير من مشاهد المسلسل، ولا سيما لقطات «بيت أبو عصام» ضمن العمل.

البيوت تتضمن زخارف ورسومات نادرة (الشرق الأوسط)

وتخضع 3 بيوت أثرية في دمشق القديمة، تعود ملكيتها إلى محافظة دمشق، لترميم بدأ عام 2008، لكنه تَعطّل معظم الوقت بسبب الحرب والحصار. البيوت هي بيت السباعي، وبيت نظام، وبيت القوتلي، وينفذ هذا الترميم «صندوق الآغا خان للثقافة»، الذي قام بتوثيق كل موقع بدقة باستخدام أحدث التقنيات الهندسية والفنية لتوفير مسح تفصيلي للجدران والأسقف والأرضيات، قبل أن يبدأ فريق من الخبراء بأعمال ترميم الأجزاء الأشدّ تضرّراً في هذه المباني الجميلة، التي يحمل كل واحد منها هوية خاصة.

بيت السباعي

يبدو بيت السباعي من الخارج مجرد بيت عادي يتم الدخول إليه من خلال باب ضيق يطل على حارة ضيقة، لكن هذه الصورة تتبدل بمجرد الولوج إليه ورؤية مساحته الكبيرة وطرازه المعماري الفريد.

بيت السباعي يعد نموذجاً مميزاً للبيوت الدمشقية القديمة في القرن الـ18، ويحوي زخارف تمثل هوية دمشق في تلك الفترة، وفق المهندس بشر بري، المشرف على صيانة وترميم هذه البيوت القديمة ضمن مشروع صندوق الآغا خان للثقافة. ويشير المهندس بشر إلى استخدام الحجر الأسود البازلتي والرحيباني والرخام الإيطالي في بناء هذا البيت، بجانب زخارف الأبلق المنحوتة على الحجر بأشكال هندسية أو نباتية.

بيت السباعي لا يعاني الكثير من الأضرار (الشرق الأوسط)

وكحال البيوت الدمشقية القديمة، يتكون البيت من فسحة سماوية، يطلق عليها السوريون «أرض الديار»، وبحرة وإيوان جنوبي وقاعة رئيسية لاستقبال الضيوف، ويسمح ارتفاع سقف الإيوان بمرور تيارات هوائية بالفسحة السماوية مروراً بالبحرة وأشجار النارنج والياسمين والبرتقال، لتعود في النهاية إلى الجالس في الإيوان كنسائم عطرية ترطب الأجواء والنفوس.

ويقابل هذا الإيوان من الناحية الشمالية؛ القاعة الرئيسية التي كانت تخصص لاستقبال الضيوف، وتعدّ هذه القاعة من أندر القاعات الدمشقية العتيقة، لأنها مؤرخة بنصوص واضحة تؤرخ لإتمام القاعة في عام 1187 هجرياً، أو 1773 ميلادياً تقريباً، وفق المهندس السوري بِشر بِري.

المهندس السوري بِشر بِري (الشرق الأوسط)

واكتشف فريق الترميم الذي تم تدريبه من خلال «الآغا خان» في ألمانيا أن ألوان الزخارف الخشبية بالقاعة معتمة قليلاً، لأنها مطلية بطبقة حماية كيماوية غير أصلية، تجري إزالتها ببطء وحذر شديدين. ورغم إنجاز الكثير في بيت السباعي، فإن العمل ما زال مستمراً به، بعد التأكد طوال الوقت من عدم وجود تسرب لمياه الأمطار والرطوبة إلى أسقفه وإلى زخارفه النادرة، خصوصاً بالطابق العلوي الذي توجد فيه قاعة فسيحة مقسمة إلى قسمين، تفصل بينهما بحرة مائية رخامية، فيما تخفي بعض رسومات الجدار الأيمن خزائن داخل الجدار السميك، يتم استخدامها مكتبات للكتب والمصاحف، بينما تقود إحداها إلى شرفة تطل على فسحة البيت الزاخرة بالأشجار المثمرة والمعطرة، في مشهد يسر أعين الناظرين.

وعن كثرة انتشار «البَحرَة» في معظم قاعات وفسحات البيوت الدمشقية القديمة، يقول بشر لـ«الشرق الأوسط»: «هي كانت جزءاً أساسياً لكل بيت نظراً لتوفر المياه العذبة حينذاك على مدار 24 ساعة، وكانت تسهم في تلطيف الأجواء بشكل ملموس جداً».

 

 

بيت القوتلي

رغم أن بيت القوتلي يجاور بيت السباعي، فإنه مختلف عنه تماماً من حيث التصميم والمواد المستخدمة في البناء، وهو يعود إلى عائلة القوتلي أحد أشهر وأعرق العائلات السورية، ويرجح أن يكون قد ولد فيه الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي، الذي تنازل عن حكم سوريا لصالح جمال عبد الناصر، كي تقوم الوحدة بين البلدين عام 1958.

بيت القوتلي يخضع للترميم بنفس المكونات الأصلية (الشرق الأوسط)

ويعد عمْر هذا البيت أحدث نسبياً من بيت السباعي، إذ يعود للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصصت عائلة القوتلي هذا البيت للاحتفالات نظراً لامتلاكها العديد من البيوت الأخرى، ويتناسب البيت مع الطراز الباروكي الأوروبي، الذي انتشر في دمشق بشكل سريع جداً في القرن التاسع عشر، لكن مع حفاظه على روح البيوت الشامية حيث الفسحة السماوية والبحرة والإيوان الجنوبي.

وسكنت البيتَ عائلات فلسطينية مهجرة من نكبة عام 1948، ما أدى إلى تأذيه، خصوصاً مع ازدياد عدد الأسر الساكنة في البيت، فاستلمت محافظة دمشق البيت مجدداً.

بيت القوتلي كان مخصصا للحفلات (الشرق الأوسط)

ويعتمد طراز البيت على الأشكال الهندسية المنتظمة والعناصر المتكررة والمتناظرة، وكحال معظم بيوت دمشق القديمة فإن طابقه الأرضي مبني من الحجارة، والثاني من الطوب اللبن والخشب، ويمكن للمارة رؤية أساس الشرفات البارزة، التي تخضع لإعادة البناء، وهي مكونة من الأخشاب.

ويحتاج هذا البيت إلى عمل كبير ليستعيد سيرته الأولى، وعن ذلك يقول بشر: «إننا نستخدم نفس نوعية الخشب المورد من منطقة الغوطة، لكننا نقوم بعمل معالجة جيدة له، ثم نعمر الجدران والأسقف ونضع الزخارف حتى يعود إلى حالته الأصلية».

بيت نظام

ورغم الجماليات التي يتمتع بها البيتان السابقان، فإن كثيرين يعتبرون بيت نظام الأكبر والأجمل، نظراً لاحتوائه على كثير من الزخارف المنمقة والنادرة، بالإضافة إلى تكونه من 3 باحات متشابهة، تم تصوير بعض مشاهد الدراما السورية بها، خصوصاً «باب الحارة».

الباحة التي شهدت تصوير مشاهد «بيت أبو عصام» بمسلسل «باب الحارة» (الشرق الأوسط)

يؤكد بشر أن كثيراً من المواطنين العرب يعبّرون عن سعادتهم البالغة عند رؤية إحدى الباحات التي احتضنت مشاهد بيت «أبو عصام» ضمن أحداث المسلسل الذي شهد أشهر طلاق في أجزاء المسلسل بين «أبو عصام» و«سعاد».

ويتميز هذا البيت بكبر فسحته الداخلية وكثافة اللون الأخضر بها لاحتوائها على النارنج والياسمين والأكاديا والرمان، وهي أشجار صديقة لفناء البيوت، عكس أشجار النخيل والتوت التي تؤذي أساس وأرضيات البيوت، لكن شجعت المساحة الكبيرة للفسحة الرئيسية للبيت أصحابه على زراعة تلك الأشجار، والأرجح أن تجري إزالتها عند بدء الترميم من جديد لحماية البيت.

بيت نظام من أكبر البيوت العتيقة بدمشق (الشرق الأوسط)

وتعد القاعة الرئيسية في بيت نظام من أجمل القاعات الدمشقية وأكثرها ثراء في استخدام الزخارف المنحوتة والبارزة والمنقوشة على الصدف والرخام. واكتشف فريق الترميم أن اللون الأخضر الذي كان يسيطر على زخارف القاعة ليس أصلياً فعملوا خلال الأعوام الماضية على إزالة الطبقات غير الأصلية والعودة للون الذهبي والسماوي والبيج والسكري.

وتتخيل نقوش وزخارف هذه القاعة الفريدة شكل «الجنات التي تجري من تحتها الأنهار»، وفق بشر.

تطوير شامل

وتتجه شبكة الآغا خان للتنمية خلال الفترة المقبلة لاستبدال مشروعات الترميم الفردية بمشروعات التطوير الشاملة على غرار تطوير منطقة الدرب الأحمر بالعاصمة المصرية القاهرة، وفق غطفان عجوب، الممثل المقيم لشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) في سوريا، الذي يضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «العمل في ترميم هذه البيوت لم يتوقف طوال السنوات الماضية، إذ كان لدينا برنامج سنوي لترميمها والحفاظ عليها»، متوقعاً أن يتم الانتهاء منها نهاية عام 2026، «وسوف تخصص لاستقبال الأنشطة الثقافية بضوابط محددة».

حارة تضم بيت القوتلي والسباعي بقلب دمشق العتيقة (الشرق الأوسط)

ورغم أنه تم الاتفاق بين الشبكة والمسؤولين السوريين على تخصيص أرض فضاء تتوسط البيوت الثلاثة لإنشاء فندق جديد على مساحة تصل لنحو ألفي متر، فإنه تم تأجيل الفكرة بناءً على توجيهات «الآغا خان» الخامس، الأمير رحيم آغا خان، الذي طالب بدعم سوريا أولاً في هذه المرحلة والابتعاد عن أي مشروعات استثمارية ضمن حزمة المساعدات التي التزم بها خلال مؤتمر المانحين في بروكسل بشهر مارس (آذار) من عام 2025. وفق عجوب.

سقف مزخرف لأحد الإيوانات (الشرق الأوسط)

وكشف عجوب أنه «سوف يتم الاتفاق قريباً على تطوير المنطقة المحيطة بالبيوت الثلاثة، التي تقع جنوب قلعة دمشق»، لافتاً إلى «أن مديرية السياحة والآثار السورية طلبت أن يشمل المشروع محيط باب توما، أحد الأبواب السبعة التي تشتهر بها دمشق». وأكد أن «رفع الحصار الاقتصادي عن سوريا سيسهم في تسريع وتيرة مشروعات الترميم والتطوير».

 

 


مقالات ذات صلة

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

حطام قرب أعمدة رومانية في موقع مقبرة البص الأثري في صور المسجل في منظمة اليونسكو (رويترز) p-circle

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

اقتلع تاج من أعلى عمود ‌أثري في موقع مدرج على قائمة منظمة «يونسكو» بمدينة صور الساحلية في لبنان، ودمر موقع ديني في بلدة جنوبية أخرى.

«الشرق الأوسط» (صور - بيروت)
المشرق العربي أعمدة وبقايا أثرية بقرية سبسطية القديمة قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة 4 يونيو 2026 (رويترز)

فلسطينيون ينددون بمساعي إسرائيل للسيطرة على مواقع أثرية في الضفة الغربية

أثار مشروع قانون إسرائيلي يهدف إلى توسيع نطاق السيطرة المدنية على مواقع أثرية في الضفة الغربية انتقادات من الفلسطينيين وجماعات حقوقية إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
ثقافة وفنون نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

«من أيام الإنجليز»... منشآت ومرافق في مصر شاهدة على حقبة الاحتلال

«قديم من أيام الإنجليز»؛ عبارة يمكن سماعها على ألسنة المصريين، للإشارة إلى مبانٍ ومنشآت تعود إلى زمن الاحتلال البريطاني لمصر (1882- 1956م).

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

عثرت البعثة الأثرية المصرية على مقبرتَين تعودان إلى العصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الأميرة كيت تتسلق أعلى قمم بريطانيا لجمع تبرعات لمكافحة السرطان

الأميرة كيت ميدلتون (حسابها على منصة إكس)
الأميرة كيت ميدلتون (حسابها على منصة إكس)
TT

الأميرة كيت تتسلق أعلى قمم بريطانيا لجمع تبرعات لمكافحة السرطان

الأميرة كيت ميدلتون (حسابها على منصة إكس)
الأميرة كيت ميدلتون (حسابها على منصة إكس)

قالت كيت ميدلتون أميرة ويلز، اليوم الأحد، إنها تسلقت أعلى ثلاث قمم في بريطانيا في غضون 24 ساعة لجمع تبرعات لمؤسسة خيرية لمكافحة السرطان، معتبرة ذلك «فرصة لاستكشاف الحياة بعد تشخيص إصابتها بالمرض ولرد الجميل».

وتمر كيت (44 عاماً) زوجة ولي العهد الأمير ويليام بمرحلة تعاف بعد خضوعها للعلاج الكيماوي من نوع لم يكشف عنه من السرطان. ومع عودتها إلى مهامها الملكية، تحدثت عن الأثر الذي خلّفه المرض عليها وعلى أسرتها.

وقالت كيت في منشور على قنواتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي إنها أكملت خلال مطلع الأسبوع «تحدي القمم الثلاث» بتسلق جبال سكافيل بايك وبن نيفيس وسنودون، وهي أعلى القمم في إنجلترا واسكوتلندا وويلز، خلال 24 ساعة.

وأوضحت أن الهدف هو تسليط الضوء على أهمية الرعاية الشاملة وجمع التبرعات لمؤسسة «رويال مارسدن» الخيرية لمكافحة السرطان التي تدعم العمل في المستشفى الذي خضعت فيه للعلاج عدة أشهر.

وأضافت: «خضت تحدي القمم الثلاث الوطني، ليس بوصفه مجرد جهد بدني فحسب، بل فرصة لاستكشاف الحياة بعد التشخيص ولرد الجميل». وتابعت: «يمثل مستشفى رويال مارسدن مكاناً ذا أهمية كبيرة بالنسبة لي حيث تغير الرعاية والخبرة التي يقدمها حياة الكثير من الناس»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وخضعت كيت لدورة من العلاج الكيماوي الوقائي بعد أن كشفت جراحة كبيرة في البطن في أوائل 2024 عن وجود نوع غير محدد من السرطان، ومنذ ذلك الحين، دأبت على إيصال رسائل شخصية عن تأثير المرض عليها وعلى أسرتها.

وقالت في رسالتها اليوم: «معاً نستطيع أن نقف إلى جانب كل من يواجه مرض السرطان، ونضمن ألا يشعر أحد بالتجاهل أو عدم الدعم».

وأضافت: «يؤثر السرطان على جميع جوانب حياة الإنسان، وليس فقط صحته الجسدية. فالمصابون يواجهون تحديات جسدية ونفسية وعاطفية واجتماعية معقدة، تؤثر تأثيراً مباشراً على مدى شفائهم وتعافيهم وعيشهم حياة كريمة بعد التشخيص».


«الشرق بلومبرغ» تطلق بثها من مقرها الجديد في مركز الملك عبد الله المالي في الرياض

أحد استوديوهات «الشرق بلومبرغ» في المقر الجديد للشبكة بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق بلومبرغ)
أحد استوديوهات «الشرق بلومبرغ» في المقر الجديد للشبكة بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق بلومبرغ)
TT

«الشرق بلومبرغ» تطلق بثها من مقرها الجديد في مركز الملك عبد الله المالي في الرياض

أحد استوديوهات «الشرق بلومبرغ» في المقر الجديد للشبكة بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق بلومبرغ)
أحد استوديوهات «الشرق بلومبرغ» في المقر الجديد للشبكة بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق بلومبرغ)

أعلنت شبكة «الشرق»، اليوم الأحد، إطلاق عملياتها في البث من استوديوهاتها الجديدة في مركز الملك عبد الله المالي (KAFD) في الرياض، في خطوة استراتيجية تعزز حضورها من قلب أحد أهم المراكز المالية في المنطقة، في إطار سعيها المستمر للنمو وتقديم تغطية اقتصادية متخصصة ومتعددة المنصات، وعلى مقربة مباشرة من المؤسسات الكبيرة والأسواق العالمية ومراكز الأعمال والمال والاستثمار.

وتجمع استوديوهات «الشرق بلومبرغ» الجديدة العمليات التحريرية والإنتاجية والبثية ضمن بيئة متكاملة وموحدة، بما يعزز كفاءة الإنتاج وسرعة التغطية متعددة المنصات للأخبار الاقتصادية والسياسية، إلى جانب تمكين فرق العمل من تقديم محتوى أكثر عمقاً ودقة لجمهور الأعمال والمستثمرين وصنّاع القرار.

ردهة الاستقبال في المقر الجديد لـ«الشرق بلومبرغ» بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق بلومبرغ)

وتمتد مرافق شبكة «الشرق»، التي تضم «الشرق بلومبرغ»، و«الشرق ديسكفري»، و«الشرق الوثائقية» وغيرها من المنصات التابعة، ضمن المقر الجديد لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG)، أكبر مجموعة إعلامية متكاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على أربعة طوابق متكاملة، وتضم أربعة استوديوهات بث تلفزيوني وإذاعي متعددة الاستخدامات، وغرفتي أخبار وتحكم متطورتين، إضافة إلى مرافق متخصصة لإنتاج المحتوى التلفزيوني والإذاعي والرقمي والبودكاست. وتدعم هذه المنظومة بنية تقنية متقدمة، تشمل حلولاً رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يعزز مرونة العمليات وقدرة الشبكة على إنتاج وتوزيع محتوى متكامل عبر مختلف المنصات.

وتعمل «الشرق بلومبرغ» بموجب شراكة حصرية طويلة الأمد بين «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» و«بلومبرغ ميديا»، تجمع بين الخبرة العالمية في صحافة الأعمال والاقتصاد والتغطية الإقليمية المتخصصة، لتقديم محتوى موثوق يربط بين السياسة والاقتصاد من منظور عربي ودولي متكامل. ويعكس هذا الانتقال أيضاً التطور المستمر للمنصة وهويتها، منذ إطلاقها باسم «اقتصاد الشرق مع بلومبرغ» وصولاً إلى «الشرق بلومبرغ» بصيغتها الحالية.

وقالت الرئيسة التنفيذية للمجموعة جمانا الراشد: «يمثل انتقال شبكة (الشرق) إلى مقرها الجديد في مركز الملك عبد الله المالي (كافد) نقلة نوعية في مسيرة المجموعة، ويجسد رؤيتنا لبناء منظومة إعلامية متكاملة تنطلق من الرياض إلى المنطقة والعالم. ويضم المقر منظومة بث متكاملة تشمل محطة للبث والاستقبال الفضائي، واستوديوهات متطورة مدعومة بأحدث تقنيات الإنتاج الافتراضي والتفاعلي والذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرتنا على تقديم محتوى أكثر سرعة وكفاءة وابتكاراً».

أحد استوديوهات «الشرق بلومبرغ» في المقر الجديد للشبكة بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق بلومبرغ)

وأضافت: «لا يمثل هذا المقر استثماراً في البنية التحتية فحسب، بل استثماراً استراتيجياً في مستقبل صناعة الإعلام، إذ يفتح آفاقاً جديدة للنمو في مجالات البث والإنتاج الحي والرقمي والسحابي، ويعزز قدرتنا على تطوير محتوى نوعي يخدم شركاءنا وجمهورنا بكفاءة أعلى، مستفيدين من أحدث التقنيات».

وتابعت: «كما يشكل هذا التطور محطة جديدة في مسيرة شراكتنا مع (بلومبرغ ميديا)، ومن خلال هذه المنظومة المتقدمة، نعزز قدرتنا على تقديم تغطية اقتصادية أكثر سرعة ودقة وعمقاً، وإنتاج محتوى عالي الجودة يواكب تطورات الأسواق العالمية ويلبي تطلعات جمهورنا في المنطقة والعالم».

من جانبها، قالت الرئيسة التنفيذية لـ«بلومبرغ ميديا» كارين سالتسر: «تُعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مناطق العالم ديناميكية في مجالي الأعمال والاستثمار، ويبحث الجمهور عن تغطية إخبارية موثوقة وآنية تساعده على فهم اقتصاد عالمي يزداد تعقيداً. ويجسد المقر الجديد لـ(الشرق بلومبرغ) استثماراً مهماً في خدمة هذا الجمهور». وأضافت: «نعتز بتعاوننا الراسخ، ونتطلع إلى مواصلة تقديم الصحافة العالمية المتخصصة في الأعمال والاقتصاد من (بلومبرغ) إلى الجمهور الناطق باللغة العربية في أنحاء المنطقة».

وتواصل «الشرق بلومبرغ» توسيع تغطياتها وبرامجها ومبادراتها المتعددة عبر مختلف المنصات التلفزيونية والرقمية، لخدمة جميع شرائح المهتمين من مجتمع الأعمال والمستثمرين وصناع القرار والجمهور الساعي إلى فهم التطورات التي تشكل مستقبل الاقتصادات والقطاعات والأسواق في المنطقة والعالم.


«التياترو»... حبكة كوميدية عن الصراع بين الموهوبين ومحتكري الفن

يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)
يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)
TT

«التياترو»... حبكة كوميدية عن الصراع بين الموهوبين ومحتكري الفن

يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)
يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)

تطرح مسرحية «التياترو» سؤالاً يتعلق بمصير الفن عندما تتحول الشهرة إلى غاية، وتصبح القيمة رهينةً لما يحقق الانتشار، ومن خلال قالب يجمع بين الكوميديا والاستعراض والدراما، تقدم حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل إسقاطاً واضحاً على واقع المشهد الفني، عبر الصراع المستمر بين الفن الذي يسعى إلى تشكيل الوعي، والفن الذي يكتفي بملاحقة السوق.

تنطلق الأحداث من لحظة طرد ممثل محدود الموهبة من فرقة «اللورد» المسرحية، فيتحول شعوره بالهزيمة إلى رغبة في الانتقام. وبدلاً من تطوير نفسه، يقرر تأسيس مسرح يعتمد على الأعمال الهابطة، مستغلاً ميل قطاع من الجمهور إلى العروض السريعة والخفيفة، ليحقق نجاحاً جماهيرياً واسعاً، بينما يبدأ المسرح الجاد في فقدان جمهوره تدريجياً.

غير أن سقوط الفرقة لا يعني نهاية فكرتها، إذ يرفض بطلها القديم مغادرة المسرح المهجور، ويختار البقاء فيه مع ابنته، مؤمناً بأن الخشبة التي صنعت تاريخاً لا يمكن أن تموت لمجرد أن الجمهور انصرف عنها، ويتحول المسرح المهجور إلى رمز لكل قيمة فنية تراجعت أمام ضجيج الشهرة، ولكل موهبة حقيقية دفعتها الظروف إلى الهامش.

وتشهد الأحداث نقطة تحول مع ظهور مخرج شاب يؤمن بأن الفن الحقيقي لا يزال قادراً على استعادة مكانته، فيقرر إعادة إحياء فرقة «اللورد»، ويجمع حوله الممثلين القدامى، إلى جانب مجموعة من الشباب الذين حُرموا من فرصتهم بسبب هيمنة المنتج، ليصبح المشروع الجديد محاولة لإثبات أن الموهبة لا تزال قادرة على مقاومة التهميش متى وجدت من يؤمن بها.

يمزج العرض بين الاستعراض والكوميديا (إدارة المسرح)

ولا يكتفي المنتج بالسيطرة على ذائقة الجمهور، بل يسعى إلى احتكار المستقبل أيضاً، بعدما يشتري الأرض المقام عليها المسرح، ويوقع المخرج الشاب في عقد احتكار يمنعه من العمل مع أي جهة أخرى، وهنا يتحول الصراع من منافسة بين عرضين مسرحيين إلى مواجهة بين من يؤمن بحرية الإبداع، ومن يتعامل مع الفن باعتباره سلعة تخضع لمنطق الاحتكار والمكسب.

ورغم جدية القضية، يعتمد العرض على الكوميديا والاستعراض والغناء لتقديم أفكاره، بحيث تصبح الأغنيات والاستعراضات جزءاً من السرد الدرامي، وتتحول الضحكة إلى وسيلة لتمرير أسئلة فلسفية حول الذوق العام، ودور الجمهور في صناعة النجوم، ومسؤوليته في دعم الفن الذي يستحق البقاء.

«التياترو» من تأليف أحمد الملواني، بطولة نور محمود، وأحمد السلكاوي، وعبد المنعم رياض، وألحان المهدي، ومحمد مبروك، بالإضافة إلى عدد من الفنانين الشباب، ومن إخراج أحمد فؤاد، وتعرض على خشبة «مسرح السلام» بوسط القاهرة.

وقال مؤلف العرض أحمد الملواني لـ«الشرق الأوسط»، إن عملية الكتابة لا تتوقف بمجرد الانتهاء من النص الأول، بل تستمر طوال فترة التحضير، لافتاً إلى أنه يبدأ كتابة العمل قبل معرفة الممثلين الذين سيقدمون الشخصيات، ثم يعيد النظر في كثير من المشاهد بعد انطلاق البروفات، عندما يكتشف طبيعة كل ممثل وإمكاناته وأسلوبه الخاص في صناعة الكوميديا.

وأضاف أن «كل ممثل يمتلك شخصيته الخاصة في الإضحاك، حتى وإن كان الجميع يؤدون النص نفسه، لذلك يحرص على دراسة طريقة أداء كل فنان، وإعادة صياغة بعض المشاهد بما يتناسب مع أدواته، وهو ما يجعل النص يتطور تدريجياً حتى يصل إلى أفضل صورة ممكنة».

وتابع أن «الممثل قد ينجح في صناعة لحظة كوميدية لم تكن موجودة في ذهن الكاتب أثناء الكتابة، من خلال طريقته في إلقاء الجملة أو تعامله مع الموقف الدرامي»، مؤكداً أن «هذه الإضافات لا تأتي بشكل عشوائي، وإنما تُبنى خلال البروفات، حيث يجري تطوير العرض بشكل جماعي قبل الوصول إلى شكله النهائي».

يتناول العرض قضايا فنية عدة (إدارة المسرح)

من جهته، أكد الفنان عبد المنعم رياض أن «شخصية المنتج التي يقدمها تمثل نموذجاً للمنتج الزائف الذي يستغل أحلام الشباب ويقدم لهم وعوداً براقة حول اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، بينما تكون غايته الحقيقية الحفاظ على منظومة لا تسمح بظهور أصحاب الموهبة الحقيقية أو منحهم فرصاً عادلة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشخصية تكشف كيف يمكن للبعض أن يفرض ذوقاً معيناً على الجمهور مع مرور الوقت، حتى يعتاد الناس أنماطاً محددةً من الأعمال، ويعتبرونها النموذج الطبيعي للفن»، موضحاً أن «المسرحية تناقش فكرة صناعة الزيف، لكنها لا تقصرها على الوسط الفني، بل تمتد بها إلى مختلف مجالات الحياة، حيث يمكن استغلال أحلام الشباب في العمل أو الدراسة أو غيرها من المجالات».

وأكد أن أكثر ما جذبه للمشاركة في «التياترو» هو المزج بين الكوميديا والاستعراض والفكرة الفلسفية، وقال إن «الجمهور يحتاج إلى أعمال ممتعة تفتح الباب في الوقت نفسه لطرح أفكار عميقة دون مباشرة، بحيث يستمتع المشاهد بالعرض، وفي الوقت نفسه يخرج منه برسالة تدفعه إلى التفكير».

وأشار إلى أن تعاونه مع المخرج أحمد فؤاد للمرة الثانية كان أحد أسباب حماسه للعمل، خصوصاً بعد النجاح الذي حققاه في مسرحية «خطة كيوبيد»، مؤكداً أن «أحمد فؤاد يمتلك رؤية إخراجية مميزة، ويجيد تقديم العروض التي تمزج بين الدراما والفلسفة والخيال في إطار جماهيري».

وأكد مخرج العرض أحمد فؤاد لـ«الشرق الأوسط»، أن المسرحية تمثل تجربة مختلفة تسعى إلى استعادة العلاقة بين المتعة والفكرة، موضحاً أن العمل لا يكتفي بتقديم عرض كوميدي واستعراضي، وإنما يناقش قضية فلسفية تتعلق بقيمة الفن، والصراع بين الموهبة الحقيقية والنجومية الزائفة، في إطار إنساني قادر على الوصول إلى مختلف فئات الجمهور.