محكمة بريطانية تقضي بسجن المعارض البحريني الشايب 5 سنوات بتهم الإرهاب

«قنابل» و«صواريخ» .. والقاضي: الأدلة بحجم «الديناميت» * سفارة البحرين في لندن: نثق ثقة تامة في عدالة القضاء البريطاني

الشايب مع جيرمي كوربن (يمين) قبل توليه زعامة حزب العمال البريطاني ({الشرق الأوسط})
الشايب مع جيرمي كوربن (يمين) قبل توليه زعامة حزب العمال البريطاني ({الشرق الأوسط})
TT

محكمة بريطانية تقضي بسجن المعارض البحريني الشايب 5 سنوات بتهم الإرهاب

الشايب مع جيرمي كوربن (يمين) قبل توليه زعامة حزب العمال البريطاني ({الشرق الأوسط})
الشايب مع جيرمي كوربن (يمين) قبل توليه زعامة حزب العمال البريطاني ({الشرق الأوسط})

أدانت محكمة جنائية في العاصمة البريطانية (لندن) أمس الناشط البحريني عبد الرؤوف الشايب (51 عامًا) الحاصل على اللجوء السياسي بالسجن 5 سنوات بموجب قانون مكافحة الإرهاب البريطاني، بعد أن اقتنعت هيئة المحلفين (6 رجال و6 سيدات) عقب مداولات استغرقت سبع ساعات بأنّ المواد التي ضُبطت في حوزته كان من الممكن أن تؤدّي «إلى وفاة الكثير من الناس». وقالت مصادر محكمة سنار بروك للتاج في لندن لـ«الشرق الأوسط» إن المعارض البحريني بدأ فترة حبسه أمس في سجن بنتون فيل بشارع كاليدونيان بحي ايزلنغتون بشمال لندن أمس.
من جهتها، قالت سفارة البحرين في العاصمة لندن في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أمس: {نثق ثقة تامة في عدالة القضاء البريطاني», واوضحت: «إن المعارض البحريني الشايب أدين من قبل في تهم بالإرهاب، وحكم عليه غيابيًا بالسجن 15 عامًا»، مشيرة إلى أن الشايب ما زال مطلوبًا في تهم تتعلق بتجنيد عناصر متطرفة والتحضير لأعمال إرهابية. وأضافت أن ائتلاف «14 فبراير» الذي يتزعمه الشايب ارتكب الكثير من الأعمال الإرهابية في البحرين، ضد المدنيين ورجال الشرطة وضد المساجد.
وكانت شرطة اسكوتلنديارد البريطانية قد داهمت منزل الشايب في 30 أبريل (نيسان) 2015، ووجدت بطاقة ذاكرة إلكترونية مُحمّلة بملفات عسكرية احتوت على «قنابل»، و«صواريخ»، جنبًا إلى جنب مع أوراق لامتحانات مخصصة لتدريب أشخاص على القتال. كما وجدت الشرطة صور الشايب في زي عسكري، مع عرض «باور بوينت» لتعليمات حول تجميع واستخدام سلاح قنص من نوع «دراغونوف». وقال القاضي مارتن زيدمان (مستشار الملكة) محذرا الشايب من أنه يواجه السجن حيث إن المواد الموجودة على البطاقة كانت «ديناميت». وأضاف القاضي البريطاني «إن العبث بمثل تلك المواد قد يسبب وفاة الكثير من الأشخاص». والحكم الفوري بالسجن سوف يكون أمرا لا مفر منه. ولقد استمعت المحكمة إلى كيفية العثور على المواد في منزله في حي مايدا فيل بشهر أبريل العام الماضي، ويقال: إن ذلك يتعارض تماما مع مزاعم الشايب بأنه يقاتل من أجل قضايا حقوق الإنسان التي رفع رايتها عقب لجوئه إلى بريطانيا. ثم شهدت المحكمة عرضا مبسطا حول البندقية، الذي كان يلقن المشاهدين كيفية الدفاع عن أنفسهم ضد ذلك السلاح.
ولكن ممثل الادعاء ماكس هيل أخبر المحكمة: «لأي سبب من الأسباب، وعلى خلفية أي مصالح كانت مهمة بالنسبة إليه في ذلك الوقت، فإن الشايب يعلم تماما بمحتويات هذه الملفات العسكرية». «ليس هناك من تفسير بريء لوجود مثل هذه المواد بين أغراضه الشخصية». كما استمعت المحكمة إلى أنه تم إيقافه لدى وصوله إلى مطار غاتويك (جنوب لندن) قادما من بغداد قبل أربعة شهور مضت وبحوزته بطاقة للذاكرة سعة 2 غيغابايت تحتوي على معلومات مماثلة. الشايب بدوره دافع عن التهم الموجهة إليه بإنكاره معرفته بالوثائق التي عثر عليها بحوزته، كما زعم أن الصور وهو يحمل السلاح وبالزي العسكري وإلى جانبه صواريخ ومدافع كانت قد التقطت إليه خلال زيارته لإحدى الميليشيات الشيعية العراقية، وهو الأمر الذي يضع أكثر من علامة استفهام حول الصلة ما بين النشاط الحقوقي وميليشيات متطرفة طائفية تحمل السلاح. ونظرت المحكمة البريطانية لنحو ثلاثة أسابيع على التوالي في الأدلة الجنائية الموجهة ضد الشايب، الذي أعلن أنه مسؤول عن «أحداث 14 فبراير» في البحرين، والمتحدث باسمها في الغرب في المحكمة، ودعا سابقا إلى إسقاط النظام الملكي بالبحرين، التي انتزعت جنسيته ثم حصل على اللجوء السياسي في بريطانيا وبعدها منح جواز سفر بريطانيا في 2007. وكان الشايب قد قال للمحكمة خلال مداولات القضية التي استغرقت نحو ثلاثة أسابيع في محكمة سنار بروك للتاج في شرق لندن: «إن بندقية القنص كان يحتاج إليها لحماية نفسه».
وأوضح ممثل الادعاء ماكس هيل للمحكمة أن الأمر يتعلق بقنابل وصواريخ وقذائف هاون، وهذه لا تُستخدم إلا في حالة التخطيط لإسقاط نظام وبالقوة، وتكتيكات إرهاب.
محكمة التاج البريطانية استدعت بدورها أحد خبراء السلاح الذي أكد أن هذه الوثائق التي عثر عليها بحوزة الشايب تبدو مفيدة جدًا لمن يريد استخدام هذا السلاح لتنفيذ عمليات عسكرية أو أنشطة إرهابية أو عمليات اغتيال. فيما تفتح هذه الوثائق التي عثر عليها بحوزة الشايب المجال للربط ما بين ما تحتويه من معلومات والقنابل التي استخدمها إرهابيون لتنفيذ عمليات إرهابية استهدفت رجال الأمن في البحرين خلال الفترة الماضية.
لكن المدعي العام ماكس هيل ردّ: «لأي سبب من الأسباب، ومهما كانت خلفية ما حدث في ذلك الوقت، فإنّ الشايب كان على علم بمحتوى هذه الملفات العسكرية، ولا يوجد تفسير بريء لوجودها بين ممتلكاته».
وكان الشايب يعمل في مستشفى «غريت أورموند ستريت» للأطفال كمساعد للمرضى، ولم يظهر أي انفعال بعد تلاوة الحكم عليه، لكنه أومأ بالتحية لأصدقاء لهم في قاعة المحكمة».
ورغم مزاعمه أنه ناشط حقوقي منذ الصغر وحاصل على اللجوء السياسي في بريطانيا، فإن الأدلة التي عثر عليها في منزله وفي ذاكرة إلكترونية صادرتها شرطة اسكوتلنديارد بمطار غاتويك خلال عودته من العراق، أكدت اتهام الشايب المعارض البحريني البارز بالإرهاب أمس.
وادعى الشايب أنه كان قياديا ناشطا في مجال حقوق الإنسان في موطنه الأصلي البحرين منذ أن كان عمره 14 عاما. ووصلت حملاته إلى كل من منظمة الأمم المتحدة في جنيف ومجلسي البرلمان في المملكة المتحدة، مع تلقيه دعم رفيع المستوى من زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن واللورد إيريك أفيبري.
لكن الشايب تخلى عن الوسائل السلمية، وشرع في حملة لإحداث تغيير في النظام «بأي وسيلة»، على حد قول ممثل الادعاء ماكس هيل. وصرح المدعي العام أن القضية لم تكن تتعلق بالبحرين في عام 2006. عندما قدم الشايب إلى المملكة المتحدة، أو حتى الأحداث التي وقعت قبل 20 عاما – إنما تتعلق بعام 2014. والأشهر التي سبقت اعتقاله. وقيل للجنة المحلفين إن «العامل المشترك» بين الملفات المكتوبة بخط اليد، والملفات المطبوعة، والمعلومات الإلكترونية هو أن الشايب فعل كل ذلك. وتساءل ممثل الادعاء هيل: «هل هو حقا رجل سيئ الحظ للغاية؟».
وتمت السخرية من ادعاء الشايب خلال شهادته أن «لصا ذا ضمير» ترك جهاز كومبيوتر توشيبا أسود اللون مطابقا للكومبيوتر الذي وجدته السلطات أثناء مداهمة منزله. وأضاف: «هل تمتلك تلك الأدلة حلقة من الحقيقة؟».
ورأى ممثل الادعاء هيل: «السبب الحقيقي وراء امتلاك الشايب هذه المواد تتعلق أكثر بغضبه، وخيبة أمله، وربما عدم نجاحه عبر أي وسيلة سلمية استخدمها في الماضي». وتابع: «لذلك، شرع الشايب في مسار تغيير عبر أي وسيلة أخرى، بما في ذلك الأسلحة النارية، بما فيها القنابل، والعمل السري، وهو ما وضعه حتما على الجانب الخطأ من الطريق من وجهة نظر القانون». وأشير إلى عرض بندقية قنص دراغونوف بأنها «توضيحية» في أنها تصور المقاتلين الشيعة بدلا من القوات المسلحة النظامية. وأنكر الشايب في البداية وجود مقاتلين شيعة، لكنه اعترف في وقت لاحق بأن الرجال الموجودين في الصور هم بالفعل مقاتلون شيعة كما تشير الكتابات على عصابات الرأس.
ووُصِفَت أدلته حول الوثائق التي قال: إنها متعلقة بإعداد محطة تلفزيونية فضائية بأنها «كاذبة».
وبدلا من ذلك، تعود الوثائق إلى تدريب جرى في العراق، واطلعت هيئة المحلفين على خُلاصة تحت عنوان «العمليات السرية» تقول: «كيف يمكنك الكشف عن أسرار. قد تظهر بعض الأمور التي تشير إلى الانتماءات الخاصة، مثل الوثائق أو الأسلحة».
وقال ممثل الادعاء هيل لهيئة المحلفين: «هناك سؤالان فقط قبل اتخاذ القرار». وأوضح: «السؤال الأول هو: هل تحتوي بطاقة الذاكرة التي وُجدت في منزل المتهم على بعض المعلومات التي ترجح تقديم مساعدة عملية لشخص يرتكب أو يعد لعمل إرهابي؟» وقيل لهيئة المحلفين: «اتخاذ القرار يجيء من وفرة المعلومات عن المسدسات والبنادق ومدافع الهاون وقاذفات الصواريخ والقنابل». وأضاف هيل، أما السؤال الثاني فهو: «هل كان المتهم على علم بحوزته بطاقة الذاكرة، وهل كان يعلم عن بعض محتواها على الأقل؟». وتابع: «لأي سبب من الأسباب، وعلى خلفية غيرها من المصالح التي كانت لديه في ذلك الوقت، كان الشايب يعلم بمحتوى تلك الملفات العسكرية، ولا يوجد تفسير بريء لوجودها بين ممتلكاته». وأنكر الشايب مرة واحدة امتلاك سجلات من نوع ما تكون مقيدة لشخص يرتكب أو يعد لعمل إرهابي. وفيما بدأ الشايب حكمًا بالسجن خمس سنوات طبقًا لقانون مكافحة الإرهاب البريطاني، كانت هيئة المحكمة كشفت أمام هيئة المحلفين عن صور للشايب يرتدي زيًا عسكريًا، وأظهرت صور أخرى مدفعًا رشاشًا بجانبه، وصور لصواريخ وزوايا إطلاق، وأخرى لبندقية قناصة، ووثائق تتعلق بعمليات وتدريب على التخفي والتسلل في مدينة النجف بالعراق، التي أكد الشايب أمام محكمة التاج البريطانية أنه زارها عدة مرات ما بين 2012 و2013. و«كتيبات جهادية» للتدريب والتجنيد على أعمال إرهابية. فيما أكد خبراء عسكريون مستقلون أمام المحكمة بطلب خاص من الادعاء أن هذه الوثائق تخص ميليشيات عسكرية. وضمن الأدلة أيضا صورة له مع جيرمي كوربن قبل توليه زعامة حزب العمال البريطاني، وعند سؤاله قال الشايب: «لقد التقيته عدة مرات داخل وخارج البرلمان، ونحن نعرف بعضنا بعضا».



البندقية تستعد لاحتجاجات مع وصول السفير الأميركي على يخت فاخر

اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
TT

البندقية تستعد لاحتجاجات مع وصول السفير الأميركي على يخت فاخر

اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)

وصل السفير الأميركي لدى إيطاليا تيلمان فيرتيتا، الجمعة، إلى بحيرة البندقية على يخته الفاخر، مما أثار احتجاجات ضد سياسات الرئيس دونالد ترمب وتدابير أمنية مشددة في الوقت الذي تستعد فيه المدينة لإقامة أحد أهم مهرجاناتها.

ويقوم فيرتيتا، وهو رجل أعمال ملياردير عينه ترمب، بجولة في شبه الجزيرة الإيطالية على متن يخته «بوردووك» الذي يبلغ طوله 117 متراً في إطار جولة الحرية 250 للدبلوماسية الساحلية التي تحيي ذكرى مرور 250 عاماً لاستقلال الولايات المتحدة.

وبمرافقة زورق قطر، رسا اليخت الأبيض اللامع ببطء عند ممشى ريفا دي سيتي مارتيري الواسع على الواجهة البحرية، والذي يبعد بنحو كيلومتر عن ساحة سان ماركو.

ووفق وكالة «رويترز» للأنباء، فقد شددت السلطات الإجراءات الأمنية وسط مخاوف من مظاهرات مزمعة من المقرر أن تتزامن مع احتفال فييستا ديل ريدينتوري. ويحيي هذا الاحتفال ذكرى انتهاء وباء الطاعون، وسيجذب آلاف السكان والزوار إلى البحيرة، غداً السبت، لمشاهدة الألعاب النارية والمراسم الدينية.

علم فلسطين يظهر خلال احتجاج في البندقية ضد وصول السفير الأميركي تيلمان فيرتيتا (أ.ف.ب)

واشتكى سكان المدينة مراراً من تأثير السياحة الجماعية وتزايد استخدام البندقية مسرحاً لأحداث مهمة، مثل حفل زفاف مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس والصحافية لورين سانتشيز في يونيو (حزيران) 2025.

ودعا نشطاء من مركز «موريون» الاجتماعي إلى تنظيم مظاهرة تحت شعار «لا لاستخدام البندقية»، ومن المقرر أن تنطلق المسيرة من المركز باتجاه مرسى اليخت.

وقال منظمو الاحتجاج إنهم يرون فيرتيتا ممثلاً لسياسات ترمب التي قالوا إنها تّذكي النزاعات وتدعم الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة وتزيد عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي وترفع الأسعار.

واتهم تحالف الخضر واليساريين في إيطاليا الحكومة بتحويل مئات من أفراد الشرطة عن مهامهم المتعلقة بالأمن العام ليكونوا بمثابة «حرس شخصي» لفيرتيتا خلال جولته في إيطاليا، وحض أنصاره على الاحتجاج ضد سياسات الولايات المتحدة.

وأدت سلسلة من الخلافات العلنية بين ترمب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، لا سيما عندما نفت بشدة قوله إنها «توسلت» لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع الماضية، إلى توتر العلاقة التي كانت وثيقة في السابق.

ورفض فيرتيتا الحديث عن وجود خلاف، قائلاً إن ترمب وميلوني تربطهما علاقة شخصية قوية.


برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما 
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما (أ.ف.ب)
TT

برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما 
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما (أ.ف.ب)

حظيت المسائل الدفاعية والاستراتيجية بحيز بارز في الاجتماع الحكومي المشترك الألماني - الفرنسي الذي استضافته ألمانيا ليومين، وكانت محوراً لاجتماع مجلس الدفاع والأمن برئاسة المستشار فريدريش ميرتس والرئيس إيمانويل ماكرون، ومشاركة وزيرَي الدفاع والخارجية، وكبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في البلدين.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وكان واضحاً من خلال تصريحات ميرتس وماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي أعقب نهاية الاجتماعات، أن برلين وباريس عازمتان على إحراز تقدم في هذا المجال الذي يتناول أمن البلدين وأمن أوروبا، في حين أن الخبراء من جانبَي نهر الرين لا يستبعدون أن تعمد روسيا إلى اختبار الأمن الأوروبي قبل نهاية العقد الحالي.

أما العامل الآخر الذي يدفع الطرفين، فيتمثل في غياب اليقين لجهة مشاريع ونوايا الإدارة الأميركية بالنسبة لمستقبل الحلف الأطلسي، وانخراطها في الدفاع عن القارة القديمة رغم البيان المطمئن الذي صدر عن قمة الحلف الأطلسي الأخيرة في أنقرة، متضمناً التمسك بالبند الخامس من معاهدة النادي الأطلسي الذي يقول إن أي اعتداء خارجي على أي عضو في الحلف يعد اعتداء على أعضائه كافة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولأن الانحسار الأميركي يعني عملياً سحب المظلة النووية الأميركية - الأطلسية عن الحلف، فإن الأوروبيين، وعلى رأسهم ألمانيا، يبحثون عن البديل. وهذا البديل له عنوانان: فرنسا وبريطانيا الدولتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا. وسبق للرئيس ماكرون أن عرض إطلاق حوار مع الدول الأوروبية الراغبة في العمل مع فرنسا. وبالفعل، عُقدت مجموعة من الاجتماعات الفرنسية - الألمانية حول هذه المسألة.

المظلة النووية الفرنسية

من الواضح أن تقدماً قد أُحرز بين برلين وباريس، وهو ما عكسته تصريحات ميرتس وماكرون. فالأول قال ما حرفيته: «نحن نأخذ بجدية بالغة العرض الفرنسي المتعلق بالردع النووي، وندرسه بعناية. وقد يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى صياغة عقيدة جديدة، لكن من السابق لأوانه جداً الحديث عن ذلك في الوقت الراهن».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأميركي ترمب بالبيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

وغرّد ميرتس يوم الجمعة على منصة «إكس» بشأن الملف النووي، قائلاً: «تعزز ألمانيا وفرنسا تعاونهما في مجال الدفاع. ونحن نرسخ الردع الأوروبي. واعتباراً من هذا العام، ستشارك ألمانيا في مناورة نووية تجريها القوات المسلحة الفرنسية». بيد أن هذه المشاركة ليست سوى خطوة صغيرة «رمزية» في مسيرة الألف ميل نحو التوصل إلى ردع أوروبي نووي. والمحظور في فرنسا التشارك في اتخاذ قرار اللجوء إلى السلاح النووي الفرنسي. ويتشكل هذا السلاح من مكونين: الأول بحري، ويتمثل في الصواريخ المزودة برؤوس نووية، والتي تحملها الغواصات الفرنسية العاملة بالدفع النووي، ما يمكنها من البقاء لفترات طويلة في أعماق البحار والمحيطات. والمكون الثاني جوي؛ إذ تمتلك فرنسا طائرات «رافال» الاستراتيجية القادرة بدورها على حمل وإيصال رؤوس نووية إلى الأهداف المنوي ضربها. ويعتبر البلدان أن هذا التعاون «سيسهم في تعزيز الردع في أوروبا وزيادة أمن القارة»، مع التقيد الكامل بالالتزامات القانونية الدولية المترتبة على البلدين.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

ورغم ما سبق، ورغبة من برلين وباريس في عدم إغاظة الإدارة الأميركية، فقد حرصت العاصمتان على تأكيد أن تعاونهما «يكمل الردع النووي للحلف الأطلسي، ولا يحل محله». وتبدو برلين الأكثر حرصاً على التذكير بهذه القاعدة مقارنة بفرنسا التي توفر لها قوتها النووية السلاح الرادع الذي تعرف عنه سلطاتها بأنه «الضربة الثانية»؛ بمعنى أن فرنسا لن تكون البادئة باستخدام قوتها النووية التي لن يتم اللجوء إليها إلا في حال تعرض «المصالح الفرنسية الحيوية» للخطر. لكن باريس أخذت تعتبر أن هناك «بعداً أوروبياً» لسلاحها النووي، إلا أنها لم تعرفه مطلقاً للإبقاء بيدها على ورقة «انعدام اليقين الاستراتيجي» لدى الخصوم والأعداء، أو المحافظة على «الغموض الاستراتيجي».

الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني خلال قمة «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا في باريس الاثنين (أ.ف.ب)

وفي الأشهر الأخيرة، يدور جدل في ألمانيا حول الثمن الذي يتعين على البلاد دفعه للاستفادة من المظلة النووية الفرنسية. وخلال المؤتمر الصحافي، حرص ماكرون على تناول هذا الجانب ليؤكد أن فرنسا هي من موّلت منذ البداية وستواصل بنفسها تمويل برنامجها النووي، واضعاً بذلك حداً للتساؤلات والنظريات الرائجة من الجانب الشرقي لحوض نهر الرين. ورغم أن الرئيس الفرنسي، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات الفرنسية، فإنه أيضاً المؤهل لأن يطلب الضغط على الزر النووي. وينبه اليمين الفرنسي بشكل خاص على أن «التعاون» النووي مع سبع دول أوروبية تتحاور معها باريس، يجب ألا يفضي إلى الانتقاص من السيادة الفرنسية على قوة الردع النووية.

مرشحة اليمين المتطرف

ثمة جانب رئيسي يتعين أخذه بعين الاعتبار، وهو يمس الوضع السياسي الداخلي في فرنسا؛ ذلك أن الاجتماع الحكومي المشترك هو الأخير الذي يشارك ماكرون في رئاسته. وليس سراً أنه أولى المسائل الدفاعية، وأخصها «الاستقلالية الاستراتيجية»، لأوروبا أهمية مركزية في سياسته الخارجية. من هنا، فإنه حريص على ما يبدو على إعطاء مضمون حقيقي لخطة إفادة الأوروبيين من المظلة النووية الفرنسية انطلاقاً من ألمانيا التي تعد مع فرنسا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني قبل بدء اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس الاثنين (رويترز)

إلا أن ثمة مخاوف من الجانبين مما قد تسفر عنه الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي ستُجرى ربيع العام المقبل؛ إذ ترجح استطلاعات الرأي فوز مارين لوبن، مرشحة اليمين المتطرف. وقد طُرح السؤال على ميرتس الذي لم يتردد في الإجابة، وفحواها أنه «سيمد يد التعاون مع من يكون الفائز» في انتخابات 2027. ولم يكن بوسع ميرتس الإجابة بشكل مختلف، ما كان سيعد تدخلاً في الشؤون الفرنسية الداخلية.

أما ماكرون، فدعا إلى الحذر مما تنتجه استطلاعات الرأي، وذكر أنه في عام 2016 كانت تفيد بأن آخرين سيفوزون بالرئاسة، وكانت النتيجة أنه كان هو الفائز. وخلاصته أن نتائج الانتخابات لا تحسمها استطلاعات الرأي، وهو مصيب في ذلك؛ لأن هذه الاستطلاعات لا تعكس سوى صورة «آنية» لما يريده الرأي العام اليوم، وليس بعد نحو سنة.

يبقى عامل آخر حرص الطرفان على إبرازه، وهو يدور حول رغبتهما في طي صفحة الخلاف الذي نشب، دفاعياً، بين بلدَيهما، وعنوانه فشل مشروع بناء طائرة القتال المشتركة المستقبلية بسبب الخلافات المستحكمة بين الشركتين المصنعتين: «داسو» الفرنسية التي تصنع طائرات «رافال»، وشركة «إيرباص» الأوروبية في شقها العسكري، والتي تمثل المصالح الألمانية.

صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم بباريس الاثنين (أ.ب)

من هنا، أهمية ما رسا عليه اجتماع مجلس الدفاع والأمن القاضي بالمحافظة على جزء من المشروع المجهض، والخاص بما يسمى «السحابة القتالية» (COMBAT CLOUD)، وهي جزء لا يتجزأ من المشروع المذكور. وما سعى إليه ميرتس وماكرون اللذان لم ينجحا يوماً في بناء علاقة شخصية وثيقة كالتي شهدتها العلاقات بين رأس البلدين كتلك التي جمعت الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، أو بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول، وحتى بين ماكرون والمستشارة أنغيلا ميركل، رغم أن الأخيرة كانت «من جليد»؛ ما سعيا إليه هو ترك «إرث إيجابي» لبلدَيهما في قطاع استراتيجي يهم أمنهما المشترك.

ولم تكن محض صدفة أن برلين اختارت قصر أوغوسبوغ، في مدينة برول (قريباً من كولونيا)، مكاناً للاجتماع الحكومي السنوي؛ فهذا القصر شهد حدثاً تاريخياً في مطلع ستينيات القرن الماضي حين وقّع المستشار الألماني كونراد أديناور والرئيس الفرنسي شارل ديغول معاهدة الصداقة الفرنسية - الألمانية التي أرست أسس التعاون القائم بين البلدين حتى اليوم. ويبدو أن الطرفين يأملان أن يكون القصر مصدراً يستوحيان منه أمثولة الماضي.


أوروبا تواجه حرائق غابات وجفافاً وعواصف رغم انحسار موجة الحر

محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تواجه حرائق غابات وجفافاً وعواصف رغم انحسار موجة الحر

محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)

تكافح فرق الإطفاء في شمال شرقي إسبانيا، مدعومة بنحو 30 طائرة، لاحتواء حريق غابات واسع اندلع، اليوم (الجمعة)، وأتى على مساحة تعادل حجم مدينة سان فرانسيسكو، مما دفع إلى إجلاء أكثر من ألف شخص، في وقت جعلت فيه موجات الحر الأحدث الغطاء النباتي شديد الجفاف وقابلاً للاشتعال في أنحاء واسعة من أوروبا.

وأدت موجات الحر المتعاقبة التي ضربت أوروبا في بداية الصيف، التي يعزو كثير من العلماء تفاقمها إلى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في مناطق واسعة من القارة. وتسببت هذه الظروف في نقص المياه، وتضرر المحاصيل الزراعية، واندلاع حرائق غابات، وارتفاع أعداد الوفيات إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية.

ووفقاً لوكالة «رويترز»، فمن المتوقع أن يبلغ متوسط درجات الحرارة العظمى في غرب أوروبا، اليوم (الجمعة)، 27.5 درجة مئوية، بزيادة قدرها 4.2 درجة مئوية عن متوسط درجات الحرارة القصوى المسجل في 17 يوليو (تموز) خلال الفترة بين عامَي 1961 و1990.

3 موجات حر

وفي فرنسا، يزداد الجفاف حدة يوماً بعد يوم منذ نهاية مايو (أيار)، رغم انحسار موجة الحر الأحدث تدريجياً، إذ من المتوقع أن تقتصر درجات الحرارة المرتفعة بحلول مطلع الأسبوع على المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية (ميتيو فرانس).

وتجاوز معدّل الوفيات في منطقة باريس ضعف مستواه المعتاد في أثناء موجة حر قياسية في يونيو (حزيران) الماضي، حسبما أفادت وكالة الصحة الفرنسية، الجمعة.

وقال تقرير «سانتيه بوبليك فرانس»: «تمّت ملاحظة معدل وفيات زائدة مرتفع للغاية» خلال موجة الحر في منطقة إيل دو فرانس في الفترة بين 22 و28 يونيو؛ إذ تم تسجيل 3000 وفاة، بزيادة قدرها «1565 وفاة عن العدد المتوقع».

وكانت منطقة باريس من الأكثر تأثّراً لجهة معدلات الوفيات الزائدة خلال موجة الحر في يونيو التي كانت واحدة من ثلاث موجات حر ضربت فرنسا منذ مايو. ويربط العلماء بين التكرار المتزايد لعوامل الطقس القاسية والتغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

عواصف

ورفعت السلطات الفرنسية تحذيراتها إلى ثاني أعلى مستوى في 30 من المقاطعات الإدارية الفرنسية، تحسباً لعواصف مرتقبة أعقبت موجة حر طويلة. كما انقطعت الكهرباء عن نحو 53 ألف شخص بشكل مؤقت بعد سقوط أبراج الكهرباء.

وفي إقليم أرديش جنوب شرقي البلاد، تسببت حبات برد -بعضها بحجم كرات التنس- في إتلاف مئات السيارات والأسقف وكروم العنب.

وتعطّلت خدمات السكك الحديدية بين تولوز وباريس، حيث تأخرت عدة قطارات فائقة السرعة ليلية لمدة تصل إلى ست ساعات بعد سقوط أشجار على القضبان، وفي حالة واحدة، تلف موصل كهربائي لإحدى القاطرات.

وفي ألمانيا، عاق انخفاض منسوب المياه في نهر الراين، أحد أهم الممرات المائية التجارية في البلاد، حركة الشحن النهري، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل. غير أن الأمطار الأخيرة أسهمت في رفع مستويات المياه، مع توقعات بهطول المزيد منها خلال الأيام المقبلة.

ومع تراجع موجة الحر اجتاحت عواصف بعض المناطق، مما أسفر عن مقتل شخصَين في وسط وشرق فرنسا، فيما تُوفي شخص آخر في ولاية بادن فورتمبيرغ بجنوب ألمانيا.

حرائق في إسبانيا

حذرت الهيئة الإسبانية للأرصاد الجوية من عودة درجات الحرارة إلى الارتفاع بدءاً من غد السبت، مع توقعات بأن تتراوح درجات الحرارة العظمى بين 42 و44 درجة مئوية في أجزاء من إقليمي الأندلس ولامانتشا خلال الأسبوع المقبل.

كما نبّه خبراء الأرصاد إلى خطر شديد لاندلاع حرائق غابات مع تقدم كتلة هوائية حارة وجافة قادمة من شمال أفريقيا عبر مساحات واسعة من البلاد.

وفي شمال شرقي إسبانيا، اتسعت رقعة حريق الغابات قرب بلدة أوريس في إقليم أراغون خلال الليل لتتجاوز 12 ألف هكتار.

ويكافح رجال الإطفاء أيضاً حرائق غابات أخرى بالقرب من مدريد وفي إقليم وادي الحجارة، حيث التهمت النيران نحو 1500 هكتار.

وقبل أسبوع، تسبّب أحد أكثر حرائق الغابات فتكاً في تاريخ إسبانيا الحديث في مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً، معظمهم من الأجانب، في إقليم ألميريا جنوب البلاد.

وفي اليونان، رفعت السلطات مستوى التأهب لمخاطر حرائق الغابات في منطقة أثينا الكبرى، حيث نشرت طائرات مسيّرة مزوّدة بكاميرات حرارية قامت بدوريات فوق الغابات. كما جرى وضع مدافع مياه خارج مواقع التخييم.

ارتفاع أعداد الوفيات

وحذّرت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق من الشهر الحالي من أن أوروبا قد تواجه «أسابيع أكثر فتكاً» مع تشكل موجات حر جديدة فوق المحيط الأطلسي.

وقال علماء يتابعون تأثيرات موجات الحر إن آلاف الوفيات الزائدة عن المعدلات الطبيعية سُجلت خلال الموجة الحارة التي اجتاحت أوروبا وبريطانيا مؤخراً.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، الدكتور هانز هنري بي. كلوج: «جرى تسجيل ما يقرب من 10 آلاف وفاة زائدة عن المعدلات الطبيعية، وما زال الصيف لم ينتهِ بعد».

وانتقد الحكومات، لأنها «لا تزال تتعامل مع الحر على أنه ظاهرة جوية، وليس حالة طوارئ صحية»، رغم توافر الأدوات والإرشادات الصادرة عن المنظمة التي يمكن أن تمنع معظم هذه الوفيات.

وأفادت حصيلة أولية أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات وطنية رسمية، بأن موجة الحر الاستثنائية التي ضربت أوروبا في يونيو أسفرت عن تسجيل ما لا يقل عن 12 ألف حالة وفاة فوق المعدّل الاعتيادي في نحو عشرة بلدان أوروبية.