سينما عتيقة في كابل تسقط أخيراً تحت جرافات «طالبان»

نهاية حقبة كاملة في الحياة الثقافية للعاصمة الأفغانية

مشاهدة فيلم بوليوودي في سينما أريانا بكابل عام 2012 (رويترز)
مشاهدة فيلم بوليوودي في سينما أريانا بكابل عام 2012 (رويترز)
TT

سينما عتيقة في كابل تسقط أخيراً تحت جرافات «طالبان»

مشاهدة فيلم بوليوودي في سينما أريانا بكابل عام 2012 (رويترز)
مشاهدة فيلم بوليوودي في سينما أريانا بكابل عام 2012 (رويترز)

سقطت دار عرض سينمائي شهدت فصولاً من التاريخ الحديث لأفغانستان، من حيوية ستينات القرن الماضي المنفتحة على العالم، إلى فترات الصمت والقمع التي أعقبت استيلاء «طالبان» على السلطة مرتين، تحت جرافات «طالبان»، لتُهدم وتُقام مكانها سوق تجارية.

خارج سينما أريانا عام 2010 في العاصمة كابل قبل الهدم (متداولة)

وكانت «سينما أريانا» في كابل، عاصمة البلاد، مغلقة منذ عام 2021، حين عادت «طالبان» إلى الحكم، باستثناء عروض متفرقة لأفلام دعائية. ومع ذلك، ظلت قائمة بوصفها معلماً في قلب المدينة، وتذكاراً للفن والثقافة والمتعة في ذاكرة كثير من الأفغان.

وفي الأسبوع الماضي، بدأت جرافة في تفكيك المبنى. ومن المقرر أن يرتفع في موقعه لاحقاً مركز تسوق بتكلفة 3.5 مليون دولار، يضم أكثر من 300 متجر، إلى جانب مطاعم وفندق ومسجد، موزعة على ثمانية طوابق، وفق ما قاله نعمت الله بركزاي، المتحدث باسم بلدية كابل.

أولويات «طالبان»

ويعكس تدمير السينما أولويات الإدارة التابعة لـ«طالبان» على الصعيدين الآيديولوجي والاقتصادي، في وقت تسعى فيه الحركة بشدة إلى إيجاد مصادر تمويل جديدة، في ظل العقوبات الغربية وتوقف المساعدات الأجنبية، حسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» الخميس.

وبحسب البنك الدولي، نما اقتصاد أفغانستان بنسبة 4.3 في المائة هذا العام، غير أن نصيب الفرد من هذا النمو يتراجع بسبب عودة أعداد كبيرة من اللاجئين، ما أدى إلى تضخم عدد السكان. في المقابل، أسهم الوافدون الجدد في تغذية طفرة في قطاع البناء، تحاول «طالبان» استغلالها عبر بيع الأراضي لمشاريع مدرة للإيرادات.

وقال بركزاي إن معدات السينما وأرشيفها سيُحفظان في مكان آمن، وقد يُعاد استخدامهما مستقبلاً، وأضاف: «وبما أن دور السينما غير نشطة حالياً في البلاد، فلا يمكننا ترك هذا المبنى من دون استخدام».

غير أن سلسلة القيود التي فرضتها «طالبان» في السنوات الأخيرة تشير إلى أن إحياء هذا النشاط الثقافي يبدو مستبعداً ما دامت الحركة تحكم البلاد.

حظر المسلسلات الأجنبية

فقد حظرت «طالبان» على القنوات التلفزيونية الوطنية بث المسلسلات الأجنبية، ثم منعتها مؤخراً من عرض أي صور لكائنات حية، في تفسير صارم للشريعة الإسلامية بحظر تصوير البشر والحيوانات. كما أمرت السلطات الأفغان بالتوقف عن تحميل مقاطع الفيديو على منصات مثل «يوتيوب». ولا تزال دور السينما الأخرى في المدينة مغلقة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، احتجز عناصر من «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» التابعة لـ«طالبان» أربعة شبان في مدينة هرات غرب البلاد، بعدما تنكروا بملابس شخصيات من المسلسل البريطاني الشهير «بيكي بلايندرز». واتهمتهم السلطات بالترويج لقيم غربية من خلال مظهرهم.

خارج سينما أريانا عام 2010 (نيويورك تايمز)

افتُتحت «سينما أريانا» في أوائل ستينات القرن الماضي، وأصبحت وجهة مفضلة للأفغان الراغبين في مشاهدة أفلام «بوليوود» الهندية أو السينما الإيرانية. وكان يُطلق على كابل آنذاك لقب «باريس آسيا الوسطى»، إذ جذبت مختلف الزوار، من الهيبيز (أو الخنافس) إلى السياح القادمين من دول الجوار. وكانت نخبة حضرية ميسورة في

كابل ترتاد فندق «إنتركونتننتال»، الذي افتُتح عام 1969 على تلة مطلة على المدينة، واشتهر بالمأكولات الراقية والحفلات الباذخة.

وخلال الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي، تعرضت السينما لأضرار جسيمة. وفي فترة حكم «طالبان» الأولى، بين عامي 1996 و2001، أُغلقت أبوابها.

فني عرض أفلام في سينما أريانا عام 2021 (أ.ب)

لكن السينما رُممت في عام 2004، وسرعان ما استعادت دورها بوصفها ملتقى اجتماعياً.

ويقول محمد نعيم جبرخيل، الذي كان يمتلك مخبزاً قريباً من الموقع، إن حتى أعطالها التقنية - مثل الانقطاعات المتكررة التي كانت تجبر رواد السينما على العودة في يوم آخر لمشاهدة نهاية الفيلم - أصبحت جزءاً من سحرها. وأضاف أنه كان يحاول الذهاب مرة واحدة في الأسبوع.

وقال جبرخيل (38 عاماً): «في ذلك الوقت، كان ثمن تذكرة السينما يعادل سعر ست أو ثماني قطع من الخبز الجاف، وكان من المفترض ألا أنفق هذا المبلغ على مشاهدة الأفلام. لكن الشغف والرغبة في الذهاب إلى السينما كانا يسكنان قلبي».

من جانبه، قال بصير مجاهد، وهو ممثل ومخرج أفغاني معروف، إن «سينما أريانا» جسدت واحدة من آخر العلامات المتبقية لتلك المرحلة المفعمة بالأمل في كابل. وأضاف أنه خلال وقف إطلاق النار الذي جرى الاتفاق عليه بين «طالبان» والحكومة المدعومة من الولايات المتحدة خلال عطلة عيد الفطر عام 2018، حضر كثير من مقاتلي «طالبان» إلى السينما وهم يحملون أعلام الحركة وأسلحتهم، لمشاهدة أحد أفلامه.

يعرض ملصق خارج موقع سينما أريانا خططاً لمركز تسوق جديد (غيتي)

وقال مجاهد: «كنا سعداء جداً، واعتقدنا أنهم ربما سيُقدّرون الفن والثقافة، لكن للأسف لم يكن الأمر كذلك». ومع عودة «طالبان» إلى السلطة، أُغلقت السينما مجدداً.

وأضاف: «إن تدمير سينما أريانا ليس مجرد عملية بناء، بل هو نهاية حقبة كاملة في الحياة الثقافية للعاصمة الأفغانية».

وبينما يرى محبو «أريانا» فيها رمزاً للتاريخ الثقافي الحديث لأفغانستان، يجادل بركزاي، المتحدث باسم بلدية كابل، بأن المبنى لا يمكن اعتباره ذا أهمية تاريخية لأنه كان مشروعاً تجارياً.

وقال: «حتى عندما كانت تعمل كدار سينما، كانت مكاناً تجارياً، إذ كانت تُباع التذاكر فيها». وأوضح أنه بموجب عقد مدته 12 عاماً، ستمتلك المدينة 45 في المائة من أسهم المشروع الجديد، بينما تعود النسبة المتبقية إلى شركة خاصة، متوقعاً أن يستغرق إنجاز أعمال البناء نحو عام كامل.


مقالات ذات صلة

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

سينما «خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

قالت المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم» لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
TT

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية قوية بإيران، ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، ثارت تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الصيني.

وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إنه بعد إنفاق مليارات الدولارات من قبل الدولة، راكمت الصين ما يعتقد الخبراء أنه من أكبر مخزونات النفط والسلع الحيوية الأخرى في العالم، والآن، يُمثل الصراع في الشرق الأوسط، الذي يعوق أحد أهم طرقها التجارية، أكبر اختبار حتى الآن لمدى استعداد بكين لمواجهة صدمات إمدادات الموارد.

ويمرّ نحو ثلث واردات الصين من النفط و25 في المائة من وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل منذ أن أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران المنطقة في أزمة.

وطرحت أسئلة حول ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى استخدام الاحتياطات للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار السلع، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

ولفتت الصحيفة إلى تصريح سابق للرئيس الصيني شي جينبينغ عندما فاز بولاية ثالثة مدتها خمس سنوات كزعيم للصين في أواخر عام 2022، بدأ بتحذير كبار المسؤولين من الاستعداد لـ«الظروف الصعبة» و«أسوأ السيناريوهات» التي تنتظر الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة.

وقالت إيفن باي، مديرة مجموعة «تريفيوم تشاينا» للاستشارات الاستراتيجية، مشيرةً إلى المخاطر الواضحة التي لم يتم الاستعداد لها بالشكل الكافي: «إن قيادة الحزب مهووسة بأزمات وحيد القرن الرمادي، تماماً كما هو الحال الآن»، وذلك في إشارة إلى مصطلح اقتصادي يشير إلى تهديد مالي محتمل بدرجة عالية له تأثير كبير ويتم في الغالب تجاهله.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وأضافت: «الأمن الغذائي والطاقي ليس مجرد موضوع روتيني للنقاش بين القادة، فالحكومة الصينية تُنفق مبالغ طائلة من الموارد المالية على الاستعداد للأزمات والأمن الاقتصادي».

وتُبقي الصين حجم مخزوناتها من الموارد سراً شديد السرية، ويستخلص الخبراء تقديرات متباينة على نطاق واسع من تحليلاتهم لوثائق الميزانية وبيانات التجارة وصور الأقمار الاصطناعية، لكن معظمهم يُرجّح أن احتياطيات الصين من النفط - بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي الرسمي وبعض المخزونات التجارية - قد زادت بشكل حاد خلال العام الماضي لتتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار برميل.

وتشير تقديرات «بيرنشتاين للأبحاث» إلى أن حوالي 1.4 مليار برميل تكفي لتغطية واردات النفط لمدة 112 يوماً.

ويقول بعض المحللين إن الاحتياطات أكبر من ذلك، إذ تُقدّرها مؤسسة «جافيكال للأبحاث» في بكين بأكثر من ملياري برميل.

وأظهرت بيانات الجمارك هذا الأسبوع ارتفاعاً بنسبة 16في المائة في واردات النفط الخام خلال أول شهرين من هذا العام، وهي زيادة لم تُقابلها زيادة مماثلة في الطلب المحلي.

وتعكس هذه الزيادات الأولويات التي حددها شي جينبينغ، الذي طالب في عام 2023 المسؤولين بتسريع بناء الاحتياطات، قائلاً إنه يجب جعلها «أكثر قدرة على حماية الأمن القومي».

وقال أندريا غيسيللي، الخبير في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية: «يمكن القول إنهم ربما لم يتوقعوا تاريخ الهجوم على إيران، لكنهم توقعوا وقوع شيء ما».

وذكر داي جياكوان، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع لمجموعة النفط الحكومية الصينية، لصحيفة «فايننشال تايمز» بأنه يتوقع أن تستخدم الحكومة الاحتياطات الاستراتيجية فقط لمعالجة اضطرابات الإمداد.

وأضاف داي: «حسب فهمي الشخصي، لا يرتبط الأمر بأسعار النفط»، مؤكداً أن احتياطات الصين «بالتأكيد» تتجاوز متطلبات وكالة الطاقة الدولية لتغطية واردات تكفي لمدة 90 يوماً.

وأشار خبراء صينيون إلى أن بلادهم اكتسبت مرونة ملحوظة مقارنةً بالعديد من الدول المتقدمة الكبرى.


قصف باكستاني يستهدف كابول ومناطق أخرى في أفغانستان

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

قصف باكستاني يستهدف كابول ومناطق أخرى في أفغانستان

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

أعلنت حكومة طالبان، اليوم (الجمعة)، أن باكستان شنّت هجوماً استهدف كابول ومناطق أخرى في أفغانستان، فيما أفادت شرطة كابول بمقتل أربعة أشخاص في المدينة.

وكتب الناطق باسم الحكومة ذبيح الله مجاهد على «إكس»: «استمرارا لعدوانه، قصف النظام العسكري الباكستاني مجدداً كابول وقندهار وباكتيا وباكتيكا وغيرها» مؤكدا مقتل «نساء وأطفال» في الهجوم.

من جهته، قال الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران إن أربعة أشخاص لقوا حتفهم وأصيب 15 آخرون جراء هجوم باكستاني استهدف «منازل مدنية» في شرق المدينة.

وكتب على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابول، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحا أن نساء وأطفالا كانوا بين الضحايا.

وفي قندهار، وهي مدينة تقع في جنوب البلاد ويقيم فيها زعيم حركة طالبان هبة الله أخوند زاده، استهدفت غارات باكستانية مستودع النفط التابع لشركة طيران «كام إير» قرب المطار، وفقا للحكومة الأفغانية.