«عين الصقر»... هل تكون العملية الأميركية ضد «داعش» في سوريا «مفتوحة»؟

التنظيم يعتمد على الانتشار الفردي والذوبان في المناطق السورية

طائرة «إف-15» في قاعدة بالولايات المتحدة قبل الانطلاق للمشاركة في الضربات الأميركية على مواقع «داعش» بسوريا الجمعة (سلاح الجو الأميركي - أ.ف.ب)
طائرة «إف-15» في قاعدة بالولايات المتحدة قبل الانطلاق للمشاركة في الضربات الأميركية على مواقع «داعش» بسوريا الجمعة (سلاح الجو الأميركي - أ.ف.ب)
TT

«عين الصقر»... هل تكون العملية الأميركية ضد «داعش» في سوريا «مفتوحة»؟

طائرة «إف-15» في قاعدة بالولايات المتحدة قبل الانطلاق للمشاركة في الضربات الأميركية على مواقع «داعش» بسوريا الجمعة (سلاح الجو الأميركي - أ.ف.ب)
طائرة «إف-15» في قاعدة بالولايات المتحدة قبل الانطلاق للمشاركة في الضربات الأميركية على مواقع «داعش» بسوريا الجمعة (سلاح الجو الأميركي - أ.ف.ب)

قالت مصادر مقربة من وزارة الدفاع في دمشق إن العملية العسكرية لقوات التحالف «عين الصقر» ضد تنظيم «داعش» في البادية السورية، قد تكون عملية «مفتوحة» تمتد لأيام في حال تبيّن وجود مزيد من الأهداف التي يمكن قصفها.

وقالت هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن العملية التي أعلنت الولايات المتحدة تنفيذها فجر الجمعة، جرت بالتنسيق مع الحكومة السورية، فيما وصف خبراء عسكريون عملية «عين الصقر» بأنها اختبار لاحتمال أن تكون القوات السورية الحكومية «شريكاً حقيقياً» للتحالف في محاربة الإرهاب المتمثل بـ«داعش»، واصفين الضربات بأنها كانت «موجعة» للتنظيم الذي بات يعتمد على الانتشار الفردي والذوبان في المناطق السورية.

وأعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، أنها ضربت أكثر من 70 هدفاً في أنحاء وسط سوريا بواسطة طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية وبالمدفعية، فيما تحدث الرئيس دونالد ترمب عن «ضربة انتقامية قوية جداً» رداً على إطلاق نار أسفر في 13 ديسمبر (كانون الأول) الجاري عن مقتل ثلاثة أميركيين، هم جنديان ومترجم، في تدمر بمحافظة حمص وسط سوريا.

وقالت مصادر مقربة من وزارة الدفاع السورية لـ«الشرق الأوسط» إن عملية «عين الصقر» تمت بالتنسيق مع الحكومة السورية، وقد تركزت على موقعي جبل العمور والوادي الأحمر على بعد 15 كيلومتراً شرق تدمر بمحافظة حمص.

طائرة «إيه 10» خلال الاستعداد للانطلاق من الولايات المتحدة لقصف مواقع «داعش» في سوريا فجر الجمعة (سلاح الجو الأميركي - أ.ب)

وسيطر «داعش» في الفترة الممتدة بين مايو (أيار) 2015 ومارس (آذار) 2017، لمرتين على مدينة تدمر، قبل أن تتمكن قوات النظام السابق بدعمٍ من حليفته روسيا من طرده منها.

واستهدفت عملية «عين الصقر» أيضاً جبل البشري جنوب غربي دير الزور، وعدة مواقع في عمق البادية شرق حمص، ومواقع في محافظة الرقة، وهي مناطق بمعظمها واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، وقد شهدت ازدياداً لنشاط خلايا «داعش» في الآونة الأخيرة، مع الإشارة إلى عدم وجود مناطق محددة يتمركز فيها التنظيم الذي بات «يعتمد على الانتشار الفردي في مناطق عديدة والتواصل السري بينها»، حسب المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط». وأكدت هذه المصادر جدية الحكومة السورية في ملاحقة عناصر التنظيم على الأرض، في حين تتعقبهم القوات الأميركية عبر أجهزة الاتصالات، مشيرةً إلى أن عملية «عين الصقر» لم تتضمن عمليات برية. وتوقعت المصادر احتمال استمرار العمليات الأميركية لأسبوع وربما أكثر، حسبما يتوافر من قائمة أهداف.

وجرى التعرف على هوية منفّذ هجوم تدمر، وهو عنصر في قوات الأمن السورية كان من المقرر فصله بسبب اعتناقه «أفكاراً تكفيرية أو متطرفة»، وفق المتحدث باسم وزارة الداخلية. وهذه الحادثة هي الأولى من نوعها منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد قبل عام، وعودة العلاقات السورية مع الولايات المتحدة.

جندي خلال عملية تحميل قنابل على طائرة «إف-15 E» قبل بدء الضربات الأميركية على مواقع «داعش» في سوريا الجمعة (سلاح الجو الأميركي - رويترز)

وأفادت مصادر أهلية في مناطق البادية السورية بتواصل تحليق طائرات الاستطلاع التابعة لقوات التحالف لساعات مع تحليق لطيران التحالف فوق المواقع التي جرى قصفها.

ونفت هذه المصادر استهداف أي موقع أو تجمع سكني مدني، وقالت إن الضربات جرت في البادية الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية في محافظة دير الزور وتركزت على جبل البشري وهو منطقة وعرة جداً جنوب غربي دير الزور كانت قبل الإطاحة بالنظام السابق موقعاً لتمركز ميليشيات تابعة للنظام السابق وأخرى تابعة لإيران، ولاحقاً تمركز فيه تنظيم «داعش». وقد سُمعت أصوات الغارات على جبل البشري في مدينة دير الزور.

وتدخل عملية «عين الصقر» ضمن مشاركة الحكومة السورية في التحالف الدولي ضد «داعش»، وفق ما قاله العقيد عبد الجبار العكيدي أحد قيادات «الجيش السوري الحر».

ورأى العكيدي أن العملية هي اختبار لإمكانية أن تكون القوات السورية «شريكاً حقيقياً» للتحالف في محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم «داعش».

وانضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى واشنطن الشهر الماضي.

«عملية محدودة ودقيقة»

وعن وصف الجانب الأميركي العملية بأنها «انتقامية» بالمفهوم العسكري، قال العكيدي إنها ليست مجرد انتقام بل هي «عملية محدودة ولكن أوسع من العمليات التي شهدناها سابقاً».

وأضاف: «نتحدث عن مائة قنبلة دقيقة من أنواع القنابل والصواريخ الذكية تصيب أهدافها بدقة»، موضحاً أن الحديث يجري عن قنابل دقيقة ذكية صغيرة الحجم يمكن للطائرة أن تحمل عدداً كبيراً منها، وبالتالي فإن «العملية محدودة لكنها دقيقة وموجعة للتنظيم»، حسب العكيدي.

ولفت العكيدي إلى أن التنظيم ومنذ سقوط آخر معاقله في منطقة الباغوز شرق سوريا عام 2019 غيّر سياساته واستراتيجياته وتكتيكاته من السيطرة على الحواضر المدنية ومجابهة الجيوش إلى «الذوبان ضمن المدن، أو الاختباء في البراري والبوادي، والاعتماد على عمليات الذئاب المنفردة والمجموعات الصغيرة المؤلفة أحياناً من ثلاثة عناصر، خصوصاً أن أبو بكر البغدادي (زعم داعش السابق) أعطى تلك المجموعات قبل أن يُقتَل صلاحيات اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات دون الرجوع للقيادة».

وأكد العكيدي أن التنظيم في سوريا يشكل خطراً على الدولة السورية، مشيراً إلى أن الحكومة السورية «جادة» في محاربة هذا التنظيم.

وأكدت وزارة الخارجية السورية في بيان السبت، «التزام سوريا الثابت بمكافحة تنظيم داعش، وضمان عدم وجود ملاذات آمنة له في الأراضي السورية». وقالت إن السلطات السورية «ستواصل تكثيف العمليات العسكرية ضد التنظيم في جميع المناطق التي يهددها».

وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه منذ الهجوم على قواتها في تدمر «نفذت الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها 10 عمليات في سوريا والعراق أسفرت عن مقتل أو اعتقال 23 عنصراً إرهابياً»، من دون تحديد التنظيمات التي ينتمي إليها المسلحون.

وتنتشر القوات الأميركية في سوريا بشكل رئيسي في مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد بشمال وشمال شرقي البلاد، إضافةً إلى قاعدة التنف قرب الحدود مع الأردن، حيث تركز واشنطن وجودها العسكري على مكافحة التنظيم ودعم حلفائها المحليين.

«انتقام لهيبة أميركا»

وقال الخبير العسكري، رشيد حوراني، إن عملية «عين النسر» تعد مؤشراً على عدة أمور أبرزها «الانتقام للجنود الأميركيين ولهيبة أميركا بشكل عام أياً كانت الجهة المعتدية، وتذكرنا باستهداف القوات الأميركية في عام 2018 للقوات الروسية بشرق الفرات».

وأضاف: «يدل تمدد واتساع عمليات التحالف إلى بادية حمص وخارج مناطق سيطرة (قسد) على جدية الجانب الأميركي في تقديم الدعم والمساعدة للحكومة السورية وأجهزتها الأمنية والعسكرية، وهذا ينسجم مع عقيدة الأمن القومي التي أعلنها ترمب مؤخراً التي تتمثل بتقوية الدول في الشرق وعلى رأسها السعودية وتركيا وسوريا، وضرب النفوذ الإيراني، وعدم الاكتفاء بإضعافه».

وأشار حوراني إلى أن «المنطقة المستهدفة شرقي تدمر وصولاً إلى دير الزور والرقة، كانت منطقة صراع بين تنظيم (داعش) من طرف ونظام الأسد وحلفائه الروس والميليشيات الإيرانية من طرف آخر، وخلال انسحاب إيران من سوريا سلّمت مواقعها للتنظيم، وعلى الأرجح فهذه هي المناطق المستهدفة، وتشمل مستودعات ونقاط انطلاق ومحاور تحرك».

وأكد حوراني أن «الحكومة السورية الحالية تختلف عن سابقتها من موقفها من تنظيم (داعش) وجادة في القضاء عليه، ولذلك انضمت للتحالف». وقال: «تشارك القوات السورية من خلال المعلومات الاستخباراتية وتمشيط مناطق الاستهداف، كما أن الاجتماع التنسيقي بين وزارة الداخلية والجانب الأميركي في تدمر الذي استُهدف خلاله الجنود الأميركيون يدلل على التعاون والمشاركة».


مقالات ذات صلة

الفلول و«داعش» ودول مارقة... من المستفيد من استهداف مصفاة حمص؟

المشرق العربي مدخل الشركة العامة لمصفاة حمص (موقع المصفاة)

الفلول و«داعش» ودول مارقة... من المستفيد من استهداف مصفاة حمص؟

لتنظيم «داعش» سجل طويل في استهداف البنية التحتية النفطية، وقد وثقت تقارير عدة خلال العام الحالي هجمات وخلايا نشطة للتنظيم في مناطق مختلفة من سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي انضمت سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في العام الماضي (رويترز)

سوريا تعلن تفكيك خلية لـ«داعش» نفّذت عمليات اغتيال

أعلنت قوى الأمن الداخلي في سوريا، اليوم الأحد، توقيف شخصين في شرق البلاد ينتميان إلى تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا عناصر الجيش الجزائري في مصنع غازي بغرب البلاد (وزارة الدفاع)

تعدد جبهات الصراع وتشابك المصالح يختبران انتشار جيش الجزائر في النيجر

يطرح الجزائريون سؤالاً جوهرياً حول التحديات التي ستواجه القوات المسلحة الجزائرية في النيجر، وهي منطقة سبق لها التعامل مع تداعيات أحداث شهدتها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي جنود أردنيون على الحدود مع سوريا (أرشيفية - أ.ب) p-circle

الأردن يعلن إحباط محاولة مسلحين التسلل من سوريا

كشفت القوات المسلحة الأردنية، اليوم (السبت)، عن أن إحدى وحدات حرس الحدود التابعة للمنطقة العسكرية الشمالية أحبطت، مساء أمس ‌(الجمعة)، محاولة ‌تسلل من سوريا.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شمال افريقيا رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

لهذه الأسباب... الجزائر تحاول استعادة موقعها بالساحل الأفريقي

تحاول الجزائر استعادة موقعها في منطقة الساحل الأفريقي من خلال إرسال قوات عسكرية إلى النيجر، في سابقة من نوعها منذ أكثر من نصف قرن.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)

حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

تماهى حلفاء إيران في العراق ولبنان مع موقفها من نتائج الانتخابات النصفية الأميركية؛ إذ رأت في خسارة حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، «ضربة سياسية» له، ورفضاً شعبياً أميركياً للحرب (على إيران).

وتجاوزت أصداء نتائج الانتخابات في أوساط حلفاء إيران، حدود المشهد الانتخابي الداخلي، لتتحول إلى مادة سياسية لقراءة تداعياتها على المواجهة الأميركية مع إيران، وعلى مستقبل السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترمب في المنطقة.

بغداد

ففي بغداد، لم تعلق القوى الأساسية في البلاد على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، لكن ثمة اعتقاداً ساد جماعات موالية لإيران، منذ إعلان النتائج فجر الأربعاء، بأن «خسارة ترمب انتصار لإيران».

وكتب ناشطون مقربون من فصائل وقوى شيعية، أن إيران «كسبت بالفعل جولة جديدة من الحرب مع الولايات المتحدة»، في إشارة إلى نتائج الانتخابات الأميركية.

وقال صلاح العرباوي، رئيس حزب «وعي» في تدوينة، إن «إيران أغلقت الطريق، وليس مضيق هرمز، بعد خسارة كل من ترمب و(بنيامين) نتنياهو» رئيس الحكومة الإسرائيلية.

وكانت دوائر سياسية في «الإطار التنسيقي»، الحاكم في العراق، تراقب عن كثب الانتخابات الأميركية، على حد تعبير أعضاء في «الإطار التنسيقي». وقالت إنهم كانوا يربطون النتائج باحتمالات وتوقيت استئناف الحرب ضد إيران.

وانتقد الناشط السياسي المستقل، حامد السيد، أوساطاً عراقية تفترض أن خسارة الجمهوريين انتصار لإيران. وكتب السيد في تدوينة على «إكس» أن «الملف الإيراني أحد عوامل خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية، لكن الناخب الأميركي يصوت وفق حسابات أكثر قرباً من مصالحه الداخلية».

مع ذلك، اعتبر المحلل السياسي إياد السماوي، في تدوينة عبر منصة «تلغرام»، أن «إيران حققت فوزاً كاسحاً، لأن ترمب خسر هامش المناورة العسكرية والسياسية وسيكون تحت وطأة رقابة أشد من الديمقراطيين».

بيروت

وفي بيروت، قادت السفارة الإيرانية موقف الدائرين في فلكها؛ إذ نشرت في «إكس» تعليقاً استحضرت فيه تجارب تاريخية، معتبرة أن «محاولات إخضاع إيران تنعكس سلباً على أصحابها داخل الولايات المتحدة، وأن المواجهة معها قد ترتد على من يخوضها سياسياً».

وقالت: «حين تُغيّر إيران النظام في أميركا! من طبس، حيث تبدّدت آمال كارتر بولاية ثانية، إلى صناديق الاقتراع، حيث دفع ترمب ثمن مواجهته الخاسرة مع إيران... كلّما حاول رئيس أميركي إخضاع طهران، ارتدّت عليه بلطجته في عقر داره».

وفي السياق نفسه، عكس مؤيدو إيران، خصوصاً جمهور «حزب الله»، هذا الموقف بتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين أن التراجع الانتخابي للجمهوريين واستعداد الديمقراطيين لاستعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس يشكلان ضربة سياسية لترمب وسياساته، وانعكاساً لفشل نهج الضغط والمواجهة الذي اعتمده تجاه إيران.

وتذهب هذه الأوساط إلى اعتبار النتائج انتكاسة للمشروع المعارض لإيران، الذي راهن على تشديد الخناق عليها ومحاولة تغيير موازين القوى في المنطقة.

وتتوسع هذه القراءة لتربط بين الصندوق الانتخابي الأميركي والسياسات الخارجية لواشنطن، مستحضرة الحروب والتدخلات العسكرية ودعم إسرائيل، وما خلّفته من تداعيات في لبنان وفلسطين واليمن، باعتبار أن الإدارة الأميركية لم تكن بمنأى عن كلفة خياراتها الإقليمية، وأن انعكاساتها تجاوزت حدود المنطقة لتصل إلى الداخل الأميركي.

وفي المقابل، تتخذ بعض التعليقات طابعاً أكثر مباشرة، من خلال تصوير نتائج الانتخابات على أنها رسالة سياسية إلى ترمب، وتذكير بأن المواجهة مع إيران لا تخلو من أثمان داخل الولايات المتحدة نفسها.


سوريا: مظاهرات طلابية كردية في الحسكة وأخرى مضادة تشعلان التوترات

انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة (قوى الأمن الداخلي)
انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة (قوى الأمن الداخلي)
TT

سوريا: مظاهرات طلابية كردية في الحسكة وأخرى مضادة تشعلان التوترات

انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة (قوى الأمن الداخلي)
انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة (قوى الأمن الداخلي)

تصاعدت حدة التوترات في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، مع وقوع احتكاكات متبادلة بين مظاهرات طلابية كردية ومَسيرات مضادة رافضة تعطيل التدريس، وسط اتهامات بالتحريض وزعزعة الاستقرار. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع عودة مئات العائلات من نازحي مدينة رأس العين (سري كانيه) المقيمين في مخيمات الحسكة إلى مناطقهم الأصلية.

وخرجت الأربعاء مظاهرات طلابية وشبابية كردية في مدن الحسكة، والقامشلي، والدرباسية، وديرك. ودخل محتجون مبنى مديرية التعليم وعطلوا عملها، وفق مصادر إعلامية محلية، قبل أن يحاولوا التوجه نحو مبنى المحافظة.

انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة الأربعاء (قوى الأمن الداخلي)

وذكرت وكالة الأنباء الكردية «هاوار» أن قوى الأمن الداخلي منعت المحتجين من الوصول إلى مبنى المحافظة في الحسكة، مشيرة إلى «تعرض الطلبة المتظاهرين للاعتداء من قبل المخربين ومثيري الشغب» الآتين من حيي غويران والنشوة، وذلك خلال توجههم نحو مديرية التربية ومبنى المحافظة.

في المقابل، أفادت مصادر محلية بأن «التوتر احتد عقب دخول المتظاهرين مبنى المديرية، حيث حاولت مجموعة من أبناء العشائر التصدي لهم وفض المظاهرة؛ مما أدى إلى تبادل التراشق بالحجارة، واشتباكات بالأيدي بين الطرفين».

مظاهرة طلابية كردية أمام مبنى محافظة الحسكة (هاوار)

وأسفرت الاحتكاكات عن إصابة عدد من الإعلاميين الذين كانوا في المكان، في حين حاولت قوى الأمن؛ التي انتشرت في مواقع التظاهر، منع الاصطدامات وفض التجمعات.

وفي سياق متصل، أشار «مرصد الحسكة» إلى إصابة طفل من أبناء العشائر العربية في حي غويران جراء إطلاق نار من قبل عناصر من قبل «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» خلال وجوده بالقرب من مبنى المحافظة، حيث نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، وسط اتهامات متصاعدة لـ«الشبيبة الثورية الكردية» وعناصر محسوبة على «قسد» بإطلاق الرصاص.

ويطالب الطلبة الأكراد المحتجون باعتماد اللغة الكردية لغةً أساسية في المناهج، والتراجع عن القرار الحكومي الأخير الذي أقر إدخالها بوصفها لغة ثانية اختيارية بواقع 3 حصص أسبوعية. وردد المشاركون هتافات مثل: «نريد لغتنا» و«اللغة الكردية حقنا الدستوري» مع رفع الأعلام الكردية، وهو ما عدّه أبناء العشائر «سلوكاً استفزازياً يفاقم الانقسام».

وكانت وزارة التربية والتعليم أصدرت في 27 أغسطس (آب) الماضي قراراً بتعديل التعليمات التنفيذية الخاصة بتطبيق «المرسوم رقم 13 لعام 2026»، بما يتيح تدريس اللغة الكردية بوصفها لغة وطنية في المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكرد نسبة ملحوظة من السكان. وهدف القرار إلى معالجة ملف اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية الحكومية، بعد سنوات من اعتماد «الإدارة الذاتية» مناهج تعليمية منفصلة في المناطق التي كانت تسيطر عليها.

وعلى وقع هذه التوترات، هاجمت مجموعة مسلحة حاجزاً لقوات الأمن الداخلي على بعد 5 كيلومترات من مركز مدينة الحسكة، وتحديداً عند مفرق قرية أم قصير على طريق تل تمر الجنوبي بالريف الغربي، دون ورود معلومات عن خسائر.

عناصر من الأمن الداخلي بمحيط «قصر العدل» في الحسكة الأربعاء (قوى الأمن الداخلي)

ولا تزال ملفات الإدارة والتعليم والأمن في الحسكة تواجه تحديات معقدة. وفي هذا الصدد، قال خليل حسين، أحد سكان المدينة: «هناك أطراف مصرّة على رفض الاندماج، وتستغل أي فرصة لزعزعة الاستقرار وعرقلة جهود التهدئة».

بالتوازي مع التطورات الأمنية، تواصل الحكومة والجهات المعنية تنفيذ برنامج العودة الطوعية والآمنة للنازحين. وانطلقت، الأربعاء، القافلة الـ7 من مخيمات النزوح في ريف الحسكة، متجهة إلى أرياف رأس العين (سري كانيه) وزركان (أبو راسين) وتل تمر، بعد نحو 7 سنوات من النزوح.

وتضم القافلة الحالية، التي تنفَّذ على دفعتين يومي الأربعاء والخميس، نحو 847 عائلة موزعة على 75 قرية.

وأعلن معاون قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، محمود خليل، في تصريح صحافي، أن الدفعة الـ9 من قوافل العودة ستنطلق خلال الأسبوع المقبل، وأنها تضم نحو ألف عائلة، مؤكداً استمرار الجهود لإعادة جميع النازحين إلى ديارهم وأراضيهم قبل حلول فصل الشتاء.

من جانبه، أعرب عضو مجلس الشعب، ياسر منصور، عن أمله تسريع وتيرة القوافل لضمان عودة كريمة وآمنة للجميع، موضحاً أن حضور أعضاء «مجلس الشعب» لمواكبة تسيير القوافل، «يأتي في إطار مراقبة سير العمل والاطلاع المباشر على الإجراءات المتخذة لتسهيل العودة».

«قافلة العودة الـ7» لنازحي رأس العين في الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

وكانت القافلة الـ6 غادرت مخيمي «التوينة» و«نوروز» في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وضمت 650 عائلة، وذلك بعد إنهاء وحدات الهندسة عمليات تمشيط المنطقة وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، والعمل على إخلاء المنازل المستولَى عليها.

ورغم تسريع عملية العودة الطوعية، فإن مئات العائلات النازحة لا تزال تنتظر تهيئة الظروف المناسبة، خصوصاً إزالة الألغام، التي تشكل التهديد الأخطر على حياة المدنيين؛ والأطفال تحديداً.

«قافلة العودة الـ7» لنازحي رأس العين في الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

وقُتل الأربعاء طفل وأصيب 9 آخرون؛ معظمهم أطفال، ومعلمة، من جراء انفجار لغم داخل مدرسة «المحدثة» في بلدة زركان (أبو راسين) بريف الحسكة. وفق وكالة «ورث برس».

وتعود موجة النزوح الواسعة في المنطقة إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2019، عقب عملية عسكرية أفضت إلى سيطرة فصائل «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا على المدينة وأجزاء واسعة من ريفها.


غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

كما تابعت القوى السياسية في قطاع غزة والمنصات التابعة لها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، اهتمت أيضاً بالانتخابات الأميركية؛ وتنوعت ردود فعلها بين الترحيب بخسارة الحزب الجمهوري وإدارة دونالد ترمب الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، باعتبار ذلك انتصاراً للقضية الفلسطينية، والتحفظ على هذه القراءة، انطلاقاً من أن نتائج الانتخابات «لن تُحدث تغييراً جوهرياً» في الأزمات التي يعانيها القطاع.

ولم تُعلق حركتا «فتح» و«حماس» أو أي من الفصائل الفلسطينية في غزة، علناً على نتائج التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، لكن وسائل الإعلام التابعة لها تابعت باهتمام الانتخابات، وعملت على تغطيتها، مع التركيز على صعود شخصيات من أصول عربية ومسلمة، خصوصاً الطبيب آدم حموي، الذي كان قد زار قطاع غزة وعمل فيها خلال الحرب الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر «تشرين الأول» 2023، والذي فاز بعضوية مجلس النواب عن نيوجيرسي.

الدكتور آدم حموي يُجري عملية في المستشفى الأوروبي العام بخان يونس لأحد الجرحى في غزة يوم 12 مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)

ورأى منذر الحايك، الناطق باسم حركة «فتح» في غزة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب على غزة كانت حاضرة في الحملات الدعائية للانتخابات النصفية، معتبراً أن «المواقف السلبية للإدارة الأميركية الحالية إزاء الأوضاع في الأراضي الفلسطينية أثّرت في أصوات الناخبين، وهو ما انعكس في الخسارة الواضحة للجمهوريين».

وأضاف الحايك أن «كل من ناصر فلسطين، ووقف إلى جانبها، ولا سيما غزة، التي حضرت قضيتها في معظم خطابات المناصرين لها خلال الحملات الانتخابية، حقق نتائج إيجابية واضحة».

وفي مقابل الترحيب السابق، فضَّلت قيادات في «حماس» والناطق باسمها حازم قاسم عدم التعليق رسمياً. وفي أكتوبر 2025 قبلت «حماس» خطة قدمها ترمب لوقف الحرب في غزة، غير أن إسرائيل لم تنسحب من المواقع التي تحتلها في القطاع، وفق الاتفاق، في حين تواصل عمليات الاغتيال لعناصر الحركة.

وقال مصدر مسؤول في «حماس»، موجود في تركيا، لـ«الشرق الأوسط»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن «نتائج الانتخابات لن تُغير شيئاً جوهرياً بالنسبة للفلسطينيين، خصوصاً لسكان غزة، لكنها قد تمنح بعض الأمل في وقف دعم إسرائيل الجارف في هجماتها بالقطاع».

واستدرك المصدر: «يجب أن نتذكر أول مَن دعم الحرب المستمرة هو الحزب الديمقراطي، ممثلاً في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، والذي لم يستطع فرض أي حلول على حكومة بنيامين نتنياهو، مثلما فعل لاحقاً ترمب رغم دعمه اللامتناهي لإسرائيل».

الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)

من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط» إن معظم الفلسطينيين من غير القوى السياسية، خصوصاً في غزة، يعتقدون أن «الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) مؤيدون لسياسات إسرائيل مع اختلافات وفوارق بسيطة في بعض القضايا».

ورأى إبراهيم، أنه «من المبكر الحديث عن تأثير الانتخابات على الفلسطينيين وقطاع غزة، خصوصاً أن النواب الجدد بحاجة إلى شهرين حتى يتمكنوا من أداء اليمين الدستوري وتسلم مهامهم، مرجحاً أنه خلال هذه الفترة قد يدفع ترمب للضغط على إسرائيل لتعجيل وتسريع الخطوات التي يرغب (مجلس السلام) في تنفيذها بغزة، ومنها إدخال اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، مستبعداً في الوقت نفسه أن تتخذ خطوات كبيرة في هذا المضمار مع استعصاء الحالة الإسرائيلية سياسياً عقب نتائج الانتخابات فيها».

كما استبعد أن يكون لأعضاء الحزب الديمقراطي تأثير كبير، أو إحداث تغيير سريع، أو أن تكون هناك قفزات بالتعامل مع القضية الفلسطينية.